دخولتسجيل الدخول

شرح شمائل النبي ﷺ | المجلس الثاني

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياكم الله جميعاً في هذا الدرس الذي نكمل فيه ما كنا قد بدأناه من شرح كتاب الشمائل في صفة النبي صلى الله عليه واله وسلم للإمام محمد بن عيسى بن ثورة الترمذي. كنا قد قرأنا الحديث الأول وشرعنا في بعض المقدمات، والآن نكمل من الحديث الثاني. لو قرأتم يا حبيبي الحديث الأول ثم الحديث الثاني كرماً وأنا سأغلق المايك حتى لا يشكل في مسألة الصدى نعم.

أحسن الله إليكم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، بإسنادكم شيخنا حفظكم الله تعالى إلى محمد بن عيسى بن ثورة الترمذي قال: باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن رضي الله عنه أنه سمعه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمق ولا بالآدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.

وقال: حدثنا حميد بن مسعدة البصري، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربْعَةً ليس بالطويل ولا بالقصير حسن الجسم، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط أسمر اللون إذا مشى يتكفأ.

بسم الله الرحمن الرحيم. قال المصنف رحمه الله، وقد كنا قد شرحنا نحن الحديث الأول، ندلف الآن في الحديث الثاني. قال: حدثنا حميد بن مسعدة البصري، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس بن مالك. هذا حديث قد أخرجه المصنف الإمام الترمذي بمتنه وإسناده في كتابه الجامع في سنن الترمذي، وقال: حديث صحيح غريب، وأخرجه ابن سعد وأبو داود والبزار وأبو يعلى والبيهقي في دلائل النبوة.

كتاب البيهقي على ذكر هذا، كتاب البيهقي في مسألة دلائل النبوة أوسع مما ذكرناه في الدلائل أنها مجرد البراهين، وإنما هو كتاب في مطلق السيرة، فتجد فيه الشمائل وتجد فيه الدلائل. لكنه كتاب مغفول عنه، وإن كان يعزى إليه كثير من التخريجات، لكن فيه لفتات يتهيب الناس قراءته، وإن كان كتاباً حسناً جميلاً جداً رحمه الله. سنتحدث عن الحديث الثاني وعن فوائده من وجوه، وهذا ما يناسب المقام.

الفائدة الأولى، أن من لطائف هذا الحديث أن هذا السند كله بصريون، حتى أنس بن مالك سكن البصرة رضي الله عنه. الرجل إذا قيل له البصري بالفتح البصري فهو منسوب إلى البصرة بالعراق، وإذا قيل البصري بالضم فهو ينسب إلى بصرى الشام، كذا قال الأكثر. وإن كان يصلح لغة أن يقال البصري والبصري والبصري هكذا مثلثه وينسب إلى بصرة العراق، ولكن تواطؤوا على استعمال أن البصري بمعنى أنه من البصرة في العراق، وأن البصري يكون من بصرى الشام. فهذا الإسناد كله إسناد بصري، حميد بن مسعدة وعبد الوهاب الثقفي وحميد وأنس كلهم بصريون. حميد هذا الذي روى عن أنس هو حميد الطويل الذي يسمى حميد الطويل.

الفائدة الثانية، في قوله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير حسن الجسم، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط أسمر اللون إذا مشى يتكفأ. العرب تمتدح البياض إذا كان مختلطاً بحمرة أو صفرة، ولا تمتدح البياض الصافي، البياض الذي يكون خالصاً من هذه الألوان، وتسمي ما كان بياضاً مشوباً بالحمرة يسمى الزهرة، يسمى فلان أزهر اللون، وهذا معلوم وممتدح.

وسنرى في رواية أزهر اللون بأن معناه أبيض مشوب بالحمرة. أما المشوب والمشاب بالصفرة، فهذا أيضاً مما كانت تمتدحه تلك البيئات، منه قول امرئ القيس: مههاة بيضاء غير مفاضة * ترائبها مسقولة كالسجنجلِ. كبكر المقاناة البياض بسفرة * غذاها نمير الماء غير محللِ. المقاناة الخلط، يقال قانيت بين الشيئين إذا خلطت أحدهما بالآخر، فهو قال كبكر المقاناة البياض بسفرة أي مخلوطة البياض بالصفرة، فهو يقول إن مخلوطة البياض يشوب بياضها صفرة، وقد غذاها الماء العذب.

الفائدة الثالثة، في غريب الحديث وسنفسر بعض المعاني. قال: ربعة بتسكين الباء، هذه هي اللغة الأعلى، ويجوز تحريكها أن نقول رابعة يعني نحرك الباء، لكن الأجود أن نحركها بالسكون أن نقول ربعة، والربعة التوسط في الطول، وهذه لا زالت إلى الآن في غالب ظني أنها مستخدمة حتى في الدارجة. قال: ليس بالطويل ولا بالقصير، هذا تفسير للربعة وهو عطف تفسير، يعني معنى ليس بالطويل ولا بالقصير هذه أصلاً معنى ربعة، وستاتي إن شاء الله سبحانه وتعالى رواية أبي هريرة: كان ربْعَةً وهو إلى الطول أقرب، وهو إلى الطول أقرب.

قال: حسن الجسم بالنصب خبر كان، يعني كان حسن الجسم، والحسن تعريفه كل مقبول مستملح. ثم قال: ليس بالجعد أي ليس شديد الجعودة، ولا سبط أي ليس شديد السبوطة. السبوطة في الشعر ضد الجعودة، وهو الامتداد الذي ليس فيه تعقد ولا نتوء أصلاً، يعني أن يكون هكذا سائلاً كالماء. هذا لم يكن شعر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن ناعماً إلى الدرجة التي يكون فيها سائلاً، كما أنه لم يكن جعداً قططاً أو قططاً كلاهما تأتي.

قال: أسمر اللون، وهذه ستاتي يعني هذه اللفظة تحريرها سياتي إن شاء الله في الوجه الآتي. قال: إذا مشى يتكفأ، ستجدون في بعض الروايات، بعض نسخ الشمائل ستجدون أنها مكتوب إذا مشى يتوكأ. بعض النسخ موجود فيها يتوكأ، لكن الصحيح أنها يتكفأ. بل إن الترمذي في سننه، كما في نسخة الكروخي قال: إذا مشى يتكفأ، أما يتوكأ موجودة في بعض النسخ، وستجدون إذا قرأتم في بعض طبعات الشمائل ستجدون إذا مشى يتوكأ، وهذه لفظة مرجوحة، وإنما الصحيح إذا مشى يتكفأ.

والتكفؤ ميل للأمام باعتدال، ميل للأمام باعتدال، وهي مشية النشيط العازم المتعجل. وستاتي إن شاء الله صفة مشيته الشريفة في باب مستقل، لكن المقصود بالتكفؤ ميل للأمام لكنه باعتدال، ليس ميلاً شديداً، وإنما هي مشية النشيط العازم الذي تشعر بأنه مليء بالطاقة والحيوية صلى الله عليه وسلم، لم يكن مشيه مشية المتماوت ولم يكن فيها قدر من يعني بعض أجزائه نشطة والأخرى كسلانة، لا، بل في بعض الروايات إذا مشى مشى جميعاً، كل أجزائه وأعضائه الشريفة تمشي، فهو ميل للأمام باعتدال، وهذه دلالة على عزمه ونشاطه صلى الله عليه وسلم.

الفائدة الثالثة، في طريقة الإمام الترمذي. وهذا هو الباب الأول، وقد قلنا لكم سابقاً بأن هذا الباب الأول فيه أربعة عشر حديثاً، وطريقة الإمام الترمذي رحمه الله في ذكر الشمائل وترتيبها أنه يبتدئ بالروايات الكبرى الجامعة لكثير من الأوصاف ويجعلها أولاً، ثم يأتي بالأوصاف وتفاصيلها في أبواب تالية؛ يعني المشية في باب، وسترى بعض التفاصيل التي تكون للنبي صلى الله عليه وسلم اتكاؤه يكون في باب، وهكذا. وهذا يسمى عند البلاغيين اللف والنشر، وهذا مسلك حسن في التصنيف.

الأئمة على مسلكين مختلفين؛ بعض المصنفين يذكر التفاصيل أولاً ثم يأتي بباب جامع يحوي ما سبق، وهذا مسلك ستجده مثلاً في بعض الأبواب عند الإمام مالك في الموطأ، ستجد عنده باب جامع هكذا. والترمذي رحمه الله سلك طريقة العكس، بأن تكون هناك رواية مجمله كبرى تحوي كثيراً من الأوصاف ثم تاتي التفاصيل بعدها لاحقا. ولكل وجهته، لا يمكن أن نفضل هذه على هذه، لكنه من باب التفنن، يعني هذا مسلك حسن، أحياناً بعض الناس في حديثه يكون حديثاً مجمل来的 ثم يبدأ بالتفصيل، يذكر العناصر الأولى لموضوعه ثم يبدأ بالتفصيل، وبعضهم لا يدخل في التفاصيل مباشرة ثم يذكر خلاصة جامعة لما سبق وأن قاله. فهذا نستفيده من الإمام الترمذي.

الفائدة الرابعة، في مشكل الحديث، يعني ما يمكن أن يكون مشكلاً نحاول أن نحله. في قوله أسمر اللون مع ما سبق من وصفه بالبياض، فكيف يكون موصوفاً بالسمرة والبياض في وقت واحد؟ هناك ثلاث إجابات عن هذه اللفظة التي هي لفظة أسمر اللون.

الإجابة الأولى ذكرها بعض العلماء، وقد حملوا هذا الوصف الذي هو الوصف بالسمرة على تعدد الأحوال من أول الشباب وآخره، وتباين المواضع في جسده الشريف صلى الله عليه وسلم بين ما يظهر للشمس وما سترته الملابس. يعني بعضهم يقول بأن هذا الوصف باعتبار أنه مثلاً في أواخر حياته أو في أوائل حياته كان بهذه الصفة، أو أن ما يظهر للشمس يكون على لون السمره، وما سترته الملابس يكون على لون البياض. وهذا جنح إليه نور الدين الحلبي في شرحه المسمى بالوفا لشرح شمائل المصطفى، قال إن الحافظ ابن حجر ينقل عن البيهقي أن ما ضحي منه للشمس والريح يكون أسمر، وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر، وفيه أنه جاء في وصف عنقه أنه جَيِّدُ دمية في صفاء الفضة، إلا أن يدعى أن العنق يكون تحت الثياب. وفعلا، هذا الجواب ليس بقوي، فلا يحمل تحمل لفظة أسمر اللون على تعدد الأحوال فيقال إن لفظة أزهر اللون بمعنى ما يكون من أحوال ما تحت الثياب، وما أسمر اللون ما يكون ظاهرا للشمس، هذا جواب ذكره بعض العلماء.

الجواب الثاني، بأن بعضهم يجمع بين الروايات بأن المراد بالسمرة ليس بالابيض الشديد البياض الذي يصل إلى حد الشقرة، وليس بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تطلق على من كان كذلك أسمر. قال الحافظ ابن حجر: تبين من مجموع الروايات أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما يخالطه الحمرة، والمنفي، أي المنفي من هذا ما لا يخالطه وهو الذي تكره العرب لونه وتسميه أمق. هنا الحافظ ابن حجر يقول إن السمره هنا ليس معناها السمرة السمرة، وإنما المقصود أن بياضه ليس بياضاً خالصاً أمهق، وإنما هو بياض مشوب بالحمرة.

الإمام الذهبي رحمه الله قال فائده في سير أعلام النبلاء وهي فائدة في غير مظانها، الكتاب في سير الرجال وتراجمهم، لكنه أتى بفائدة لغوية. قال: ثم أن العرب إذا قالت فلان أبيض فإنهم يريدون الحنطي اللون بحلية كلية سوداء يقصد شعره ولون عينيه، وأنه ليس المقصود بها الأشقر. قال: فإن كان هذا الإمام الذهبي لا زال قال: فإن كان في لون أهل الهند قالوا أسمر وآدم، وإن كان في سواد التكرور قالوا أسود، وكذا كل من غلب عليه السواد. وأيضاً قال: ومن كان أبيض أشقر قالوا أحمر، يسمون الأشقر يسمونه أحمر. هذه أيضاً من فوائد الإمام الذهبي رحمه الله. هذا جواب ثاني.

قلنا الجواب الأول، هناك اختلاف في الأحوال بين ما يكون تحت الثياب وما يكون في ظاهرها أو ما يكون في أول الحياة وما يكون في آخره، هذا جواب. الجواب الثاني، بأن الأبيض ليس شديد البياض وإنما السمرة وصف لاختلاط الحمرة به.

الجواب الثالث، قالوا بأن رواية أسمر اللون انفرد بها حميد عن أنس، وروى غيره بقية الحفاظ رووا أزهر اللون. أزهر اللون كما قلت لكم الأبيض المشوب بالحمرة، وهي التي في البخاري. قد نص الحافظ زين الدين العراقي أن من روى وصفه الشريف بالبياض دون السمرة خمسة عشر صحابياً. الحافظ العراقي قال إن نرجح لفظة أزهر اللون وهي التي في البخاري لأن رواها خمسة عشر صحابياً. واما رواية أسمر اللون فلم يرويها إلا حميد عن أنس. وقال إننا نرجح بين الروايات، ولفظة أزهر اللون راجحة على أسمر اللون. هذه الفائدة الرابعة. فقلنا هناك ثلاث إجابات متعلقة بلفظة أسمر اللون الموجودة في شمائل الترمذي.

الفائدة الخامسة، فيه ككمال محبة الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه واله وسلم وتمام أدبهم. انظروا هنا قال: إذا مشى يتكفأ، إذا مشى يتكفأ. فهم لا يمشون معه محاذون له، وإنما يتاخرون عنه ولو قليلاً. لو كانوا يمشون معه بنفس المستوى لما أدركوا صفة مشيه، وإنما هذا دال على أنهم يقدمونه فيرون مشيته، وهذا من تمام الأدب، والا لما عرفوا صفة مشيته الشريفة ولحظوها بهذا الملحظ الدال على تمام مراقبة وإحاطة. والمحاذي الذي يمشي بنفس المستوى لا يقدر على ذلك غالباً.

ومن اللطيف ما ذكره بعض العلماء أن من آداب السير مع صاحب الفضل عليك، سواء كان أخاً أكبر أو كان شيخاً أو كان أباً أو أياً ما يكن، قالوا من آداب السير مع صاحب الفضل عليك أن تتقدمه ليلاً إذا كان في الليل، أن تتقدمه لمظنة الأذى والخوف فيه، فأنت تتقدمه لتدفع عنه الأذى إن كان ثمة أذى وتؤمنه. فقالوا من الآداب أنه إذا كان الليل أن تتقدم عليه، وفي النهار تأخر عنه لوضوء الطريق وأمنه، فيكون من باب الأدب أن يكون هو في المقدمة إذا كنا في النهار أن نقدمه، واما إذا كنا في الليل فتتقدم عليه، حتى لو كان ثمة أذى أو كان ثمة ما يمكن أن يعيق مسيره فيزيله الإنسان. هذه كلها استنبطناها من هذا الحديث الثاني.

ندخل في الحديث الثالث يا شيخ، تفضلوا.

أحسن الله إليكم، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً مربوعاً، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء، ما رايت شيئاً قط أحسن منه.

أحسن الله إليك، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال.

سمعت البراء، هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، بالإضافة إلى الترمذي في الشمائل. والكلام عن هذا الحديث وفوائده من وجوه:

الفائدة الأولى: تلاحظون هنا قال: ما رأيت شيئا قط أحسن منه. في كلمة قط هنا؛ الفائدة تقول بأنها لا تقال في المستقبل بل للماضي. بعضهم يقول في قول بعضهم: لا أفعله قط، هذا خطأ هذا لحن، لا تقال إلا للنفي. كلمة قط تقال للماضي فقط، ما رأيت شيئا قط، كلمة قط لا تدخل إلا على الماضي المنفي، هذه الفائدة الأولى.

الفائدة الثانية في غريب الحديث: قال رجلا مربوعا. مربوعا بمعنى الربعة. وقد ذكرنا سابقا معنى ربعه. ولا زالت مستخدمة في الدارجة، يقال: فلان مربوع، يعني معتدل بين الطول والقصر. واستظهر بعض الشراح أنها رجلا، قالوا بأن الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مربوعا. هذا بعض الشرح قاله وهذا بعيد بعيد لا أرجحه. هو يقصد بكلمة رجلا هنا بمعنى مترجل غير شعث. قال: رجلا مربوعا، هذا بعض الشراح يقول إنها ليست رجلا مربوعا وإنما رجلا! وهذا بعيد اختيار هذا الضبط للسياق، السياق لا يقره. نحن نقول: رجل كريم ورجل مربوع.

وقد قلنا لكم في سورة الفاتحة بأن الوصف يكون في البداية بذكر الاسم العلم أو أظهر الأوصاف، ثم تأتي الأوصاف الأخرى. ذكرنا هذا في الاستهداء في سورة الفاتحة الاسبوع الماضي، والآن نقول: رجل كريم، فصفة كلمة رجل هي الصفة الأظهر، ثم تأتي الصفات الأخرى. بعضهم يقول إنه خلاف الأدب أن نقول رجل لا مربوعا. بالعكس، هذا ليس فيه علاقة، بل هذه عجمة أن تظن بأن هذا خلاف الأدب، بل هذا هو عين الأدب، أن يوصف: قال رجل كريم، رجل مربوع، وهكذا.

بعيد ما بين المنكبين: أي عريض أعلى الظهر، ويلزم منه أنه عريض الصدر. ففي صفة النبي صلى الله عليه وسلم نحن نقول إنه عريض أعلى الظهر عريض الكتف، بعيد ما بين المنكبين، طب هذا يلزم ماذا؟ من الطبيعي ألا يكون صدره ضيقا وإنما يكون عريض الصدر، لأن الصدر هو الذي يحمل المنكبين.

بعض الشراح أيضا قال: بعيد ما بعد المنكبين، يعني هذا أشار له ابن حجر المكي الهيتمي، وهذا أيضا بعيد. هم يقولون بأن صفة لأنه من الأدب أن نبطها بعيد ما بعد المنكبين، يعني يقصد أن الشعر يكون بعد المنكبين، وأن صفة بعيد ما بين المنكبين أنها ليست صفة جمال! بالعكس، تمام الجمال بأن يكون الرجل عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، يكون كتفه هكذا متسع. بل إن في رواية أبي هريرة: رحب الصدر. فهذا دال على أنها بعيد ما بين المنكبين، لأن الصدر إذا صار واسعا يكون المنكبان أيضا بعيدا، وهذا كمال الرجولة، هذه صفة مدح في الرجل.

قال: عظيم الجمه. عظيم الجمه هكذا بضم الجيم إلى شحمه أذنيه. وأحوال الشعر، أي شعر يكون للرجال يكون أحوال الشعر، أو لغير الرجال يكون ثلاثة: الوفرة وهذه إلى شحمة الأذن، واللمة بكسر اللام تجاوز شحمة الأذن، والجممة ما بلغ المنكبين. العلامة جسوس محمد قاسم جسوس له شرح على الشمائل، هو أول من ذكر هذا، ولا أدري من نظمها، لكن أول من رايته نظم هذا، يعني أول من رايته أورد هذا هو العلامة جاسوس، قال: الوفرة الشعر لشحمة الأذن وجمة إن هي لمنكبتكن، وسمي ما بينهما باللمة، قد قالها جمهور أهل اللغة.

أعيد: الوفرة الشعر لشحمة الأذن وجمة إن هي لمنكبتكن. رحم الله شيخنا، رحم الله أول من سمعتها منهم، رحمه الله، وسمي ما بينهما باللمة، قد قالها جمهور أهل اللغة. إذا قيل الوفرة فالشعر يكون إلى شحمه الأذن، اللمة يتجاوز شحمه الأذن لكنه لا يبلغ المنكبين، الجمه بلغ المنكبين وتجاوز.

الفائدة الرابعة في مشكل الحديث: هنا عندنا أشكالان. المشكل الأول: يشكل تباين روايات وصف الشعر الشريف. الآن جمعت روايات وصف الشعر، وسنرى أي هذه الروايات نقدم. تحرير الروايات يحل الاشكال، فأقول ما ورد في وصف الشعر الشريف عشرة أوصاف وأحوال.

الوصف الأول: فوق الوفرة ودون الجمه. هذا قد سبق تحرير لفظة الوفرة والجممة، هذا مروي عن عائشة عند الامام أحمد في مسنده وعند أبي داوود أيضا.

الثاني: أكثر منك شعرا وأطيب. عن جابر عند أحمد فهو شعر كثير، يعني هذه رواية وأطيب.

الرواية الثالثة: ما رأيت من ذي لمه أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه عن البراء عند أبي داوود.

الوصف الرابع: يضرب شعره منكبيه. وهذا عن أنس عند البخاري.

الوصف الخامس: كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه. وهذا عن أنس عند مسلم.

الوصف السادس: قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وله أربع غدائر. هذا سياتي معنا في الشمائل عن أم هانئ عند أبي داوود بسند ضعيف، وسياتي معنا في الشمائل. طبعا سنفصل، يعني من يصححه ومن يضعف، لأن حديث أم هانئ اشكاله هنا في سماع مجاهد من أم هانئ، هل سمع مجاهد أو لم يسمع؟ سياتي تفصيلها إن شاء الله، لكني أقصد أن ما ورد هنا الوصف بأربع غدائر. والغديرة هي الظفيرة.

السابع: الوصف السابع شديد سواد الشعر. وهذا مروي عن شيخ من بني مالك بن كنانة كما في مسند الامام أحمد.

الوصف الثامن: سابغ الشعر. وهذا في الحديث السابق.

الوصف التاسع: يفرق شعره أو يفرق شعره أو يفرق شعره، كلها تأتي. هذا عن ابن عباس عند البخاري.

الوصف العاشر: يهل ملبدا. وسياتي معنا التلبيد، تلبيد الشعر، وشيء يشبه ما يكون في الزمان المعاصر يشبه الجل! عن ابن عمر عند البخاري، وسياتي إن شاء الله شرحه في باب قادم.

فهذه الأوصاف المتباينة بعضهم يستشكل: هل كان كذا أو كان كذا؟ الجواب أن هذا محمول على اختلاف الأحوال بلا أي إشكال. الإنسان شعره يطول ويقصر باختلاف الأحوال، أو باختلاف ما يكون في حال الانسان. فالانسان الذي رآه قصيرا وصفه، والذي رآه أطول وصفه، والذي رآه ملبدا وصفه. فهذه الأوصاف المختلفة المتباينة عشرة أوصاف، إنما هي محموله على اختلاف الأحوال، فهذا المشكل الأول حللناه.

المشكل الثاني في قوله: في حلة حمراء. كذا في اللفظ عندكم يا شيخ، قال هنا: رجلا مربوع عليه حلة حمراء. نعم الاشكال أنه ورد النهي عن اللبس الأحمر في عدة روايات، منها كما في النسائي عن ابن عباس قال: نهيت عن الثوب الأحمر وخاتم الذهب وأن أقرا وأنا راكع. وفي الحديث هنا أن عليه حلة حمراء، فما يكون الجواب؟

الجواب من أوجه: الوجه الأول: أن اللباس ليس مصبوغا بالحمرة التامة، وإنما دخلته الحمرة في بعض خيوطه فهو جزء من الألوان، هذا جواب.

الجواب الثاني: أن النهي في الأصل لا يكون لذات الحمرة، وإنما يكون محرما إذا صار شعارا للنساء، يعني من باب التشبه أو غير المسلمين أو غير ذوي المروءات. يعني في بعض الأحوال والازمان يكون هذا خاصا ببعض أجناس الناس وبعض الاقوام وبعض الفئات من غير ذوي المروءات مثلا، أو أن يكون لغير المسلمين، أو يكون للنساء، فيكون النهي ليس لذات الحمرة وإنما للتشبه. قال: فإذا قلت، فإن زالت الخصوصية استحال الحكم تغير الحكم للذوق والاختيار، هذا قول الامام الطبري والحافظ ابن حجر.

أجود من حرر حكم، يعني أقصد فصل في هذا، هو الحافظ ابن القيم في زاد المعاد. مسألة الحمرة واللباس بالحمره ستاتي معنا في باب مخصوص بلباس النبي صلى الله عليه وسلم، تاتي اجابات اخرى. وأيضا يرد في ذهني من الاجابات بأن سبحان الله الاحمر درجات، بعضه يكون مستملحا حسنا وبعضه يكون فاقعا لا يكون حسنا، وهذا أيضا قد يكون فيه وجه من الكراهة عند من يكرهه.

الفائدة الخامسة في هذا الحديث: أن التعبير عن الجمال من علامات السواء النفسي. التعبير عن الجمال علامة سواء نفسي. الصحابه الكمل يصرحون بهذا، مسألة جمال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت لم يكن لها تعلق بالتشريع مباشرة، كان حسن الجسم مثلا: ما رايت شيئا قط احسن منه، هذه لم تكن أوصافا مجردة للتشريع، وإنما هكذا تعبير عن الجمال من علامات السواء النفسي أن تعبر إذا رايت صاحبك في يوم حسن اللباس حسن الهيئه أن تعبر عن ذلك، هذا سواء نفسي أن تقول: ما أحسن طلتك اليوم وما أبها لباسك اليوم، وأن تقول ما يشعره بهذه. فهذه علامة سواء النفسي. الذي يكون في قلبه بعض الأمراض وبعض الإشكالات تجد أن التعبير بالثناء على الجمال صعب جدا عنده، أما الصحابة فيثنون ولم يكونوا فقط نقلة للتشريع، ينقلون حتى الأشياء الشخصية حتى ما يكون من قبيل هذا الحس الجمالي المرهف.

هذا الحديث أيضا فيه دلالة على الجمال النبوي، وجمال نبوي عظيم فيه حسن مصطفوي مميز. الصحابي البليغ عبر بقوله شيئا ولم يقل انسانا أو رجلا ليشمل كل شيء راه، حتى الشمس والقمر والسماء والأشجار والمناظر وكل ما يكون، قال شيئا: ما رايت شيئا قط احسن منه.

ولعلنا بحول الله لاحقا نقرا منظومتين لها تعلق صفة النبي صلى الله عليه وسلم كنت قد قراتها على شيوخنا. المنظومة الأولى اسمها: دليل باغي الحق لعلم بعض الخلق خير الخلق، شيخنا أطال الله عمره الشيخ سيلوم الموريتاني. منظومته جميلة. والمنظومة الثانية هي منظومة لامية الحفظ في صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية، الشيخ أحمد بن عبد الخالق الحفظي رحمه الله. وهاتان منظومتان كلتاهما في وصف النبي صلى الله عليه وسلم سنقراها إن شاء الله في مجالس لاحقة نعمر بها هذه المجالس بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله.

بسم الله، الحديث الذي يليه. احسن الله إليكم.

قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل».

هذا الحديث أخرجه المصنف بمتنه واسناده في الجامع. وقال: حديث حسن صحيح. الترمذي لا يحسن أن يعزى له دون أن تنقل أحكامه. وأخرجه أيضا البخاري ومسلم وأبو داود. الكلام عن هذا الحديث قد مر بنا معانيه، لكنه كرر هذا لحكمة ساخبركم بها في منهجه إن شاء الله، أنه لماذا يعطف أو لماذا يكون يأتي ببعض الروايات وإن كانت متشابهة في متنها لكن يسوقها من طريق آخر.

الحديث الخامس، بسم الله.

قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هرمز، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالطويل ولا بالقصير، شثن الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسربه، إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صصب، لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم».

قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن المسعودي بهذا الاسناد نحوه بمعناه.

نعم احسن الله إليك. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن إسماعيل، هذا محمد بن إسماعيل البخاري. الامام الترمذي في سننه إذا قال: وقد سالت محمدا، أو قال: محمد، فهو يعني شيخه البخاري رحم الله الجميع.

قال في هذا الحديث، حديث علي بن أبي طالب هذا، قد أخرجه المصنف من طريق محمد بن إسماعيل البخاري بلفظه وقال: حديث حسن صحيح. وإن كان في بعض النسخ عن الترمذي أنه قال: صحيح فقط. وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن المسعودي بنحوه، والامام أحمد في مسنده من طريق وكيع عن المسعودي ومسعر بنحوه. وأخرجه الترمذي أيضا من طريق سفيان بن وكيع عن المسعودي به بنحوه.

الكلام عن الحديثين وفوائدهما من وجوه:

الفائدة الأولى في غريب الحديثين: قال: شثن الكفين والقدمين. أي غليظ الأصابع لامتلائها باللحم. وهي صفة رجولة ممدوحة في الذكور دون الإناث. بعض الصفات تكون ممدوحة في الإناث دون الرجال، وبعضها تكون ممدوحة في الذكور دون الإناث، وبعضها تكون ممدوحة في الجنسين. هذه الصفة ممدوحة في الذكور دون الإناث. وهي مع ذلك، أي كفاه الشريفان وقداماه، لينة الملمس ليست خشنة، ففي حديث أنس عند البخاري قال: ما مسست خزا ولا حريرا الين من كفه صلى الله عليه وسلم. بعضهم فسرها بالغلظ مع القصر، وهذا مردود بما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان سائل الأطراف. فالمقصود هنا أي أصابعه ممتلئة باللحم، يعني ليست نحيله جدا وإن كانت لينة الملمس.

الكفان مثنى كف، وهي الراحة مع الأصابع. الراحة مع الأصابع تسمى كفا. سميت بذلك، لماذا سميت كفا؟ سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن، يعني أنت تهش بيديك أو تدفع عنك ما يسوءك، فسميت كفا لأنها تكف الأذى عن البدن.

بعض اللغويين يجعلها مذكرة، تقول: هذا كف. لكن الأصح والذي عليه الأغلب أنها مؤنثة، تقال، يقال: هذه كف، أنها مؤنثة.

ضخم الرأس. وفي رواية عظيم الهامة. هذا الكمال الجمالي لابد أن نركب الصورة، هو متسق مع رحابه الصدر والبعد فيما بين المنكبين، فناسب أن يكون ضخم الرأس، لأن جسده الشريف ممتلئ بهذه الصفات فبتركيبها تم الجمال.

قال: ضخم الكراديس. الكراديس جمع كردوس، كل عظمين التقيا في مفصل فهو كردوس.

طويل المسربه. بضم الراء وفتحها، بعضهم يفتحها. المسربه شعر دقيق يمتد من اللبة إلى السرة. اللبة هنا طبعا...

لكن هنا اللبة تكون أعلى الصدر وأسفل الحلق. هنا المكان الذي يكون فيه انخفاض أو أسفل ما يكون مما يسمى بتفاحة آدم. هنا، وهناك، أنا لا زلت أشير أنه هنا مع أنه لا أحد يراني، في هذه المنطقة هي اللبة. فهناك شعر دقيق من اللبة إلى السرة، يتكفأ مر بنا، أيوه هي عظمة الترقوة تقريباً، من هذه العظمة هي التي تكون ما بين عظمتي الترقوة. نعم هي اللبة، هي اللبة نعم.

يتكفأ مر بنا: يتكفأ بأنه يميل إلى الأمام، مشية أهل العزم والجد. قال: كانما ينحط من صبب، وفي رواية: كانما يهوي من صبب. وهو وصف للتكفؤ وتبيان له، هذه دلالة على النشاط والقوة والبعد عن التماوت والتنعم، كان صلى الله عليه وسلم بعيداً عن التماوت والتنعم صلى الله عليه وسلم.

الفائدة الثانية في مشكل حديث، وإن كان مشكلاً يسيراً، لكن فيه لطائف تخرج: أن قال قائل لما جمع الكفين والقدمين في مضاف واحد يقال: شثن الكفين والقدمين، هو شثن الكفين وشثن القدمين، ولما أتى للرأس والكراديس فرقهما قال: ضخم الرأس، ضخم الكراديس؟ يعني لما لم يقل ضخم الرأس والكراديس؟ الجواب أن التناسب بين الكفين والقدمين ظاهر لكونهما أطرافاً، أما الرأس والكراديس ليس بينهما صلة معنوية فلا يليق بهما الجمع، بل تليق بهما التفرقة.

الحديث السابع والأخير في هذا الدرس: بسم الله، أحسن الله إليكم.

قال: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري وعلي بن حُجْر وأبو جعفر بن محمد بن الحسين وهو ابن أبي حليمة والمعنى واحد، قالوا: حدثنا عيسى بن يونس عن عمر بن عبد الله مولى غَفْرَة قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان علي إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن رسول الله بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد، وكان ربْعَةً من القوم، لم يكن بالجعد القَطَط ولا بالسَّبِط، كان جعداً رجلاً ولم يكن بالمُطَهَّم ولا بالمُكَلْثَم، وكان في وجهه تدوير أبيض مُشْرَب، أَدْعَج العينين أَهْدَب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذو مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما ينحط في صبَب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين، أجود الناس صدراً وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو عيسى: قال سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين يقول: سمعت الأصمعي يقول في تفسير صفة النبي صلى الله عليه وسلم: الممغط: الذاهب طولاً. قال: وسمعت أعرابياً يقول في كلامه: تَمَغَّط في نشابته، أي مدها مداً شديداً. والمتردد: داخل بعضه في بعض قصراً. وأما القطط: فالشديد الجعودة. والرجل: الذي في شعره حُجُونَة، أي ثَنِيّ قليل. وأما المطهم: فالبادن كثير اللحم. والمكلثم: أي المدور الوجه. والمشرب: الذي في بياضه حمرة. والادعج: الشديد سواد العين. والاهدب: الطويل الأشفار. والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل. والمسربة: هو الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة. والشثن: الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين. والتقلع: أن يمشي بقوة. والصبب: الحضور، قول: انحدرنا في صبوب وصبب. وقوله: جليل المشاش، يريد رؤوس المناكب. والعشرة: الصحبه، والعشير: الصاحب. والبديهه: المفاجأة، يقال: بَدَهْتُه بأمر أي فاجأته.

جزاك الله خيراً على هذه القراءة الطيبة المباركة. هذا الحديث أخرجه المصنف بمتنه وإسناده في الجامع، وأخرجه البيهقي في الدلائل. ونقول في فوائده:

الفائدة الأولى: بأن كَمُلَ من الرجال، أي حين يصفون رجلاً فإنهم لا يقتصرون على الوصف الجسدي، وإنما يصفون الخلق مع الجسد، وذلك لأمرين لتلازمهما. فبين الخلق الظاهر والخلق الباطن تلازم في أغلب الأحوال، فتجد من حسنت أخلاقه وتطهر باطنه من الخبائث له من حسن الصورة الجسدية وبهائها بقدر نصيبه من الخلق الحسن. يقول ابن القيم رحمه الله: فإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه، فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان، فإنك ترى الرجل الصالح الحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل.

الثاني في أسباب التلازم بالوصف بين الخلق والخلق: أن حسن الهيئة الظاهرة لا يحمد إلا إذا كانت الأخلاق حميدة، فحسن الظاهر مع فداحة الباطن أعظم إساءة من قبح الاثنين؛ لأن حسن الظاهر مدعاة لشكر نعم الله وإحسانه بالالتفات إلى الأخلاق وتحسينها، فعندما يححمد رجل على ظاهره وأخلاقه فهذا دليل على أنه من الشاكرين لنعمة الله عليهم، المستكملين لمحاسن نفوسهم، وهذا أتم ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، أتم ما كان في النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن الجمال لا يحمد إلا بحسن النفوس، كما قال الشاعر: جمال الوجه مع قبح النفوس كقنديل على قبر مجوسي. فلا يحسن بالإنسان إذا كان ظاهره حسناً لا يمدح إلا إذا كان قد أكمل ذلك بحسن الباطن.

الفائدة الثانية: في غريب الحديث، وإن كان قد فسرها الأصمعي، انظروا هنا أبو عيسى الذي هو الترمذي قال: أبو عيسى يعني الترمذي سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين قال: سمعت الأصمعي، فهو يروي هنا بواحدة عن الأصمعي في تفسير صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والأصمعي كان ممن يتهيب تفسير الآيات والأحاديث، لكنه في اللغة كان إماماً رحمه الله.

فكل ما وجد هنا هو تفسير من الأصمعي لألفاظ الحديث، فلا نستغني وصف الأصمعي بـ، يعني نستغني به عن شرحنا. لكن هنا بعض اللطائف اللغوية في قوله: أجود الناس صدراً، أجود هنا تفضيل من الجود يعني كثير الجود، والناس توصف بأنه من أجود الناس صدراً، الجود هنا بمعنى الكرم، قال: أجود الناس صدراً وأصدق الناس لهجة، فالمقصود هنا من أجود الناس صدراً أنها وصف معنوي بمعنى الجود والكرم وسماحة النفس.

يمكن لغوياً أن يكون اسم تفضيل من الجودة، يعني يكون أجود الناس صدراً أي أحسن الناس صدراً، يكون وصفاً للصدر بصفته الظاهرة، يكون بمعنى الحسن والجمال، وإن كان السياق يحمل على أنه صفة معنوية لأن ما بعدها: وأصدق الناس لهجة، فهذه صفة معنوية.

ولكن المعنى الثاني فيه لطافة، يعني أجمل الناس صدراً وأوسعهم صدراً من الناحية البدنية والجسدية، يعني يمكن بينها، ولو حمل الإنسان اللفظة على المعنيين لكان حسناً، لكن السياق يجعل الأولى بحملها على معنى أوسع الصدر وليس بمعنى الجيد الحسن. الجود: هذا تعريف الجود، صفة تحمل صاحبها على ضبط ما ينبغي من الخير لغير عوض، ولا يكون الانسان من أصحاب الجود إذا كان يرتقب العوض من الناس.

قال: أصدق الناس لهجة، بمعنى أن كلامه أصدق الكلام لا مجال لجريان صورة الكذب فيه. ألينهم عريكة، أي أحسنهم معاشرة، العريكة هي الطبيعة، والمراد هنا أنه صلى الله عليه وسلم كان سلساً مطاوعاً منقاداً قليل الخلاف والنفور. بعض الناس تكون من صفاته بأنه شديد عسر لا يمكن أن يطيعك في شيء، صعب أن يعطيك كلمة نعم، وأقرب ما تكون على لسانه كلمة لا، هذه لا تحمد في الإنسان. ألينهم عريكة، أي أسهلهم معاشرة فيه سماحة، هذا خلق جبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه من كمالات النفوس في مغالبتها ما يخرجها عن الصفات الممدوحة إلى صفة مذمومة.

قال: أكرمهم عشرة، العشرة المخالطة. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخالط الناس إلا بما ينفعهم ويرفعهم، أما ما ينفعهم فهو ما يؤديه إليهم من أمور الدين والدنيا تبليغاً وإرشاداً، وأما ما يرفعه فهو ما يكرم به جلساءه ومن يمشون معه ويخالطونه، فلا يقابلهم إلا بالخير ويتجنب ما يحزنهم ويؤذي قلوبهم، وهذا من كمال عشرته. كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاشر الناس ولا يؤذيهم ولا يجرحهم ولا يقول ما يمكن أن يكسر خواطرهم، فهو من احسن الناس بل هو أحسن الناس وأكرمهم عشرة.

قال: من رآه بديهة هابه، أي أول الرؤية من غير معرفة وقبل سابق مخالطة أو معاشرة يكون شعور الهيبه. الهيبة لا ترادف الخوف، الهيبة هنا ليس معناها الخوف، وإنما ضابطها عندي امتناع عن قول وفعل لا يليق بحضرته. يعني بعض الناس يكون له هيبة مهابه، لكن بينك وبينه ممازحه، ما ضابط الهيبة هنا أو المهابة؟ ألا تقول أو تفعل بحضرته ما لا يليق، فالمهابة ليست بمعنى الخوف، وإنما المهابة هي أن تنصرف نفسك أو أن تنضبط نفسك عن قول أو فعل ما لا يليق بحضرته.

الخط الفاصل بين حضور الهيبة وغيابها هو أن يكون في المجلس ما لا يليق، وذلك بأن تشعر في داخلك بأنك لا تقدر على اقتراف ما لا يليق وما لا يقبله جليسك. بمعنى آخر: الهيبة مراعاة الجليس. الهيبة أن يكون الإنسان عنده من الحضور ما يجعله يراعي، لا أن يخاف أن يفعل ما يحبه وأن يحجم عما يكرهه.

قال: من خالطه معرفة أحبه. هذه صفة جميله جليله يحسن التنبيه عليها، وهي أن غالب الناس يختلف انطباعهم النفسي بعد المعاشرة والخلطه بهم. تعرفون السؤال الذي نقوله دائماً؟ نقول: ماذا كان التصور عني؟ أم ماذا قلت في نفسك أول ما رايتني؟ كيف كنت تصفني قبل أن تعرفني أول مرة رايتني؟ ماذا قلت عني؟ هكذا يعني، هناك فرق بين ما يكون قبل المخالطة وبعد المعرفة. فالناس، يعني بعضهم يكون له صفة حسنة قبل أن يعرف، فإذا اقتربت منه وخالطته وعايشته قلت محبته أو قلت مهابته عما كانت قبل المعاشرة حتى تقول: ليته ما اقترب. لكن أكمل الناس من تكون بينك وبينه موده ومهابه، فإذا خالطته أحببته أكثر وزادت مهابته في قلبك. ابن حزم يذكر ربط المحبة والمودة بالمهابة بنقل بديع جداً، ذكر هذا في طوق الحمامة.

قال: يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم. ناعته، أي واصفه بالجميل على سبيل الإجمال، يعني هذه الصفات لا يمكن أن تتحقق في غيره. قوله: لم أر قبله ولا بعده مثله، هذه جملة منبئة عن جماله وكماله، وتستعمل العرب هذه العبارة في نفي الشبيه من غير ملاحظة القبلية والبعدية، يعني ليس المقصود ظاهر العبارة. لما نقول فلان مثلاً لا قبلك ولا بعدك، ليس المقصود أنه لا قبلك زمنياً ولا بعدك حتى تموت، ليست بهذه السطحية، وإنما بمعنى: لم يأتي قبلك ولن يأتي بعدك، يعني هذه صفة مدح شديد: لا قبلك ولا بعدك.

لا زلنا إلى الآن نستعملها، فليس المقصود الرؤية العينيه الحسية فقط، يعني لا يقال لم أر قبله آه يعني ما رايت بعيني، لا يقصد الرؤية العلمية أيضاً، ما رايت، يعني ما علمت عن أحد، بمعنى أنه لم يعلم من هو مثل النبي صلى الله عليه وسلم في جمال صفاته وكمالها، سواء كان علمه بهذا عن رؤية أو سماع أو قراءة أو أي وسيلة إدراك صلى الله عليه وسلم.

كملت محاسنه فلو أهدى السنى للبدر عند تمامه لم يخسفي وعلى تفنن واصفيه بحسنه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصفِ.

الفائدة الثالثة والأخيرة: ما ذكره المناوي بأن الجمل الواقعة في هذا الخبر بعضها معطوف دون بعض، يعني بعضها أتت بواو، هنا قال: وهو خاتم النبيين، بعدين ما قال: وأجود الناس صدراً وأصدق الناس لهجة، وقال: أجود الناس صدراً دون واو العطف. من رآه بديهه هابه دون واو العطف. قال: بعض الجمل فيها واو، بعض الجمل فعلية عطف عليها اسمية، وبعضها شرطية عطفت على ما لا يناسبها. هذا فيه اختلاف لوزن تركيب الجمل عند العرب، أتى بهذه اللفته، قال: لأنه يخيل إليه عند عد أوصافه أنه حاضر عنده.

فهو، يعني هذه الصفات لم تأتي بترتيب معين من الأعلى، من أعلى جسده إلى أسفله، أو من الظاهر إلى الباطن، بعضها يكون اسميا، بعضها يكون فعلياً، بعضها يكون شرطاً، وبعضها ما لا يكون. قال هنا المناوي وهذه لفظة جميلة، قال: فاشتغل بلذه جماله عن ترتيب مقالِهِ. بعض الجمال لما ناتي لنصفه ننشغل بلذة الجمال عن ترتيب المقال، قال: فلا يكون الكلام مرتباً منسقاً، وهذا عذرنا أحياناً كما يقال بأن الصمت يكون في حرم الجمال، جمال أحياناً يكون هذا اختلال الوزن أو اختلافه أو عدم تناسقه واتساقه على قانون الكلام عند العرب أحياناً يكون انشغالاً بلذة الجمال عن ترتيب المقال. بعض الجمال يحملك على هذا، وسيد هؤلاء الجميلين صلى الله عليه وسلم.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا به، يجمعنا بسيرته وشمائله ودلائله وفضائله ونوازله، والعلم به ورؤيته في المنام في الدنيا، وأن يجمعنا به أبدية سرمدية في جنات النعيم. اللهم إن كتبت في سابق علمك أننا سنفقد محبوباً فلا يكن هذا المحبوب فهم كتابك ومدارسة العلم والفهم عنك يا رب العالمين.

شكر الله لكم الاستماع وطيب الحضور، جزاكم الله خيراً وبارك فيكم. ألقيكم بإذن الله سبحانه وتعالى غداً في درس الاستهداء، ومن كان من أهل درس الشمائل فألقيكم الأسبوع المقبل بإذن الله سبحانه وتعالى. بقي تنبيه أخير بأن درس الشمائل الأول سينزل بإذن الله سبحانه وتعالى، لكن حصل إشكال اضطررت معه إلى إعادة الدرس، إشكال في التسجيل فاضطررت معه إلى إعادة الدرس. يرفع الدرس الأول والثاني بإذن الله سبحانه وتعالى، وأيضاً سننزل صيغة صوتية بالساوند كلاود إن شاء الله حتى، يعني من أحب الاستماع في غير اليوتيوب فيكون هذا حاضراً معه.

وأنا أقول: سننزل، ليست نون الدالة على العظمة، لن أقول: سانزل حتى لا أتشبع بما لم أعط، هم الشباب بارك الله فيهم، فهذه نون المشاركة أقصد يعني أن أعزو العمل إليهم، وليست المقصود بأني أتكلم عن نفسي بنون العظمة حاشا لله.

ليس عندي شيء وما أنا إلا بكم وبالمسلمين. بارك الله فيكم وحفظكم، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وإن تطيعوا تهتدوا.