وأن تطيعوه تهتدوا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياكم الله جميعاً في هذا الفجر المبارك والاستهداء بالسنة في شرح كتاب الشمائل للإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. وكنا قد وصلنا إلى حديث هند بن أبي هاله، سنأخذه اليوم إن شاء الله سبحانه وتعالى ونختم الباب، الباب الأول كاملاً اليوم إن وسع الوقت ويسر الله وفتح. لو أذنتم يا شيخ أن تقرؤوا؟
بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمشايخه ولوالدينا ولجميع المسلمين. بإسنادكم -حفظكم الله تعالى- إلى الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، أملى علينا من كتابه، قال: أخبرني رجل من بني تميم من ولد أبي هاله زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله، عن ابن لأبي هاله، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال: سألت خالي هند بن أبي هاله وكان وصافاً عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به.
فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلالؤ القمر ليلة البدر. أطول من المربوع وأقصر من المشب، عظيم الهامة رجل الشعر. إن انفرقت عقيقته فرقها والا فلا، يجاوز شعره شحمه أذنيه إذا هو وفره. أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب. أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتامله أشم. كث اللحيه، سهل الخدين، ضليع الفم، مفلج الأسنان، دقيق المسربة.
كأن عنوقه جيد دمية في صفاء الفضة. معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر. عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس. أنور المتجرد. موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك. أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر. طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين. سائل الأطراف أو قال شائل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء. إذا زال زال قلعاً، يخطو تكفياً، ويمشي هوناً، ذريع المشية. إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً. خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقي بالسلام.
جزاك الله خيراً واحسن إليك وطيب أنفاسك على هذه القراءة الطيبة المباركة. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الحديث يعرف عند أصحاب السير بأنه حديث هند بن أبي هاله، بهكذا صار علماً معروفاً. والحديث ضعيف، اجتمعت فيه عدة علل لكني اريد أن لفت النظر إلى أمور؛ أن الحديث من هذا الطريق لا يصح ولا يثبت، لكن الجمل الموجودة فيها ليس فيها ما ينكر، بل بعضها -إن لم يكن أغلبها- موزّع على أحاديث مقبولة، فليست أوصافاً منكرة، وإنما قد تكون في أحاديث أخرى؛ فغالب هذه الأوصاف قد ثبت في أحاديث أخرى.
ومنهج المتقدمين المصنفين في فقه الحديث عندما يأتون ليشرحوا لا يطرحون الأحاديث الضعيفة ولا يتركونها، بل يشرحون كل حديث موجود، ويرون أن اطراح الحديث الضعيف من الشرح والتبيين هو منهج لم يجري عليه علماء السلف. ثم إن الحديث ضعفه ليس ضعفاً شديداً، وموضوعه ليس في الأحكام. فالمهم عندنا بأن هذا الحديث وإن حكم بضعفه، لكن جمله قد توزعت على أحاديث أخرى.
ومن فوائده قول الحسن رضي الله عنه: سألت خالي هند بن أبي هاله وكان وصافاً عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث وهذه الجمله يستنبط منها أن علم الشمائل علم يطلب، فقد سأل الحسن بن علي خاله عن الحلية، والحلية الخلقة والصورة والصفة؛ فالسؤال عن الشمائل داخل في العلم النافع الذي يسأل عنه، ويقبح بطالب العلم أن يجهل وصف النبي صلى الله عليه واله وسلم، فانه من العلم الذي يجدر بالإنسان طلبه ولو ذرع الأرض إلى آخرها. هذه دلالة على أن الشمائل علم يطلب ويسال عنه ويهتم بتفاصيله ويدقق في مباحثه.
في قوله: وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به، هذا من أدل الدلائل على أن محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه واله وسلم لم تكن محبة الأمر والنهي، وإنما هي محبة لكل ما يتعلق به من وصف ظاهر وخلق باطن. والتعلق هنا لما قال: أتعلق به، ليس كما يتبادر إلى الأذهان أنه تعلق مشاعر، وإنما هو تعلق الحفظ والمعرفة؛ تعلقت الشيء أي حفظته. فهو يريد قال: أنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أحفظه، هذا هو معناه. فالصحابة رضوان الله عليهم لم يكن تعلمهم ومحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم محبة جامدة؛ أعطنا الأوامر ولا يهمنا ما سوى ذلك، بل كان لهم نظر واهتمام بما يتجاوز هذا الأمر من وصف ظاهر وخلق باطن.
وإنما قال الحسن رضي الله عنه ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو في سن صغير لا يقتضي هذا السن التامل في الأشياء وحفظ الاشكال والأعضاء، النبي صلى الله عليه وسلم توفي والحسن حفيده صغير.
وهنا أمران لطيفان متعلقان أيضا بنفس الحديث؛ في كون الحسن بن علي رضي الله عنه صغيراً راى النبي صلى الله عليه وسلم لكنه ما كان بالسن الذي يسمح له بحفظ جميع صفاته وتفاصيله. فيه معنى أن من ارتشف من الشيء اللذيذ ثم غاب عنه كان له أشد طلباً وأثراً وأكثر تعلقاً. الحسن بن علي رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤية صحيحة وروى عنه رواية صحيحة، لكن عادة ألا يرتوي، عادة يكون ذلك ألا يرتوي مما يراه في هذا السن ولا يتم ضبطه لبعض ما يعيشه.
فهنا سؤاله سؤال من يريد المزيد، وهذه فيها لفته بأن الإنسان إذا ذاق الشيء اللذيذ ذوقاً يسيراً ولم يشبع منه ولم يرتوي كان له أشد تعلقاً من الإنسان الذي لم يذوقه أصلاً. لذا من سار في طريق التدين، طلب العلم، في طريق المعالي، في طريق الرشد ثم حاد عنه، غالباً -إن شاء الله أننا نرجو- أنه يعود؛ لأنه قد ذاق لذة العلم ولذه الإيمان وذاق حلاوته، فهو بإذن الله سبحانه وتعالى أقرب للعودة من غيره، هذه اللفتة الأولى.
واللفتة الثانية أن بعض الرجال قال: وصافون بطبيعتهم. والوصاف من عادته أن يكون لصيقاً بالموصوف، الموصوف هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم. والوصافون في الشمائل في كتاب الشمائل تجدهم ممن كان حوله صلى الله عليه وسلم؛ هند بن أبي هاله من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم المقربين، لصقته بأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها فهو ابنها من غيره صلى الله عليه وسلم. فأهله من أحق الناس صلى الله عليه وسلم بوصفه وذكر شمائله وأفعال التي كانت بينهم خاصة.
هناك أحوال لا يطلع عليها أصحابه التي تكون لقياهم بسمت معين، وتكون مباشرته لهم في الأمور العامة، وهذا فيه من حسن الخلق ما يظهر بأن الإنسان يكون مع خاصته وأهل بيته يكون على قدر من زيادة المعايشة لهم والقرب منهم والافضاء إليهم ببعض ما لا يعرفه الناس في الخارج، هذا دال على عظمته صلى الله عليه وسلم، فهو كان يحسن إدارة المسافات.
في الفائدة التي تليها، سنأخذ غريب الحديث ومعاني الكلمات. قال: وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به. يقصد حلية النبي صلى الله عليه وسلم. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم فخماً مفخماً. اللائق هنا بمعنى الفخم المفخم أنه الذي يملا العين، ويكون عظيماً في العيون وفي الصدور وفي القلوب؛ هذا وصف معنوي. بعض الشراح، منهم العصامي الاسفرايني، قال: إن هذا من باب الضخامة الجسدية التي يملأ العين حساً، وهذا لا أراه صائباً؛ الصواب هذه هيبة معنوية، والفخامة هنا هي الفخامة التي تملأ العين إجلالاً وهيبة بالمعنى المعنوي وليس بالمعنى الحسي، وإن كان أيضاً يلزم منه ويكون له متعلق بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن نحيلاً نحيفاً دقيق الجسم، وإنما كان صلى الله عليه وسلم فخماً مفخماً في العيون، وهذا يقتضي أن يكون أيضاً روحاً وجسداً.
هنا أيضاً فائدة متعلقة بأن الوصاف هنا وهو هند بن أبي هاله عندما ابتدأ، بدأ بالوجه عند الوصف ولم يبدا مثلاً بالهامة مع أنها أعلى؛ هذا دال على أهمية أمر الوجه وما يكون فيه من أوصاف أو أحوال عارضة من تبسم أو عبوس أو غيرها، لأنه أول ما يواجه به المرء الناس. على الإنسان أن يحسن وجهه من جهة ما يظهره به من السنة أولاً، وأيضاً ما يكون فيه من عوارض كالتبسم والانتباه إلى حدة النظر وغيرها، لأنها أول ما يظهر من المرء حين مقابلته، والله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال، وأظهر ما يكون الجمال في الوجه.
قال يحيى بن أبي كثير: دخل رجل على معاويه غمِصاً -أي رمص العينين- فحط من عطائه، وقال: ما يمنع أحدكم إذا خرج من منزله أن يتعاهد أديم وجهه؟ يعني يجب على الإنسان أن يتعاهد وجهه بالنظافه وبالتبسم وبالاهتمام بما يبدي هذه النزعة الجمالية عند الإنسان، فهو أول ما يواجه به، وأيضاً هناك عبادات في حقه من إظهار السنة في هذا.
في قوله: يتللأ تلالؤ القمر ليلة البدر. أي مثل إشراقه واستنارته ليلة البدر، وهذا فيه إشارة إلى أن بياضه صلى الله عليه وسلم كان مشرباً بحمرة، فلا يكون البياض براقاً لامعاً إلا حين تخالطه الحمرة.
بعض الشراح -شراح الشمائل- قالوا: لما شبه هند بن أبي هاله تلالؤه بتلالؤ القمر دون الشمس؟ قال بعضهم: اثر ذكر القمر لأنه يتمكن من النظر إليه ويؤنس به، بخلاف مشاهدة الشمس ففيها أذى وفيها غشاوة للبصر. وهذا جواب لا يصح. لم؟ لان النبي صلى الله عليه واله وسلم شبه بالشمس أيضاً، جاء ذلك في صحيح الإام مسلم عن جابر بن سمرة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا أدهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية. فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا، بل كان مثل الشمس والقمر وكان مستديراً. ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده. طيب، فالآن ثبت بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد شبه بالشمس وشبه بالقمر، وأيضاً في حديث أبي هريرة قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، كان الشمس تجري في وجهه. على هذا، الذي يظهر أن وصف القمر في مقامه حسن، ووصف الشمس في مقامه حسن، فهو يوصف صلى الله عليه وسلم بالقمر ويوصف بالشمس.
أما تشبيهه بالقمر فلانه صلى الله عليه وسلم يمحو ظلمات الجهل والكفر كما يمحو القمر ظلام الليل، وأما تشبيهه بالشمس فلان النبي صلى الله عليه وسلم كالشمس للناس في عموم نفعه وضرورته لحياتهم، فهو صلى الله عليه واله وسلم شمس وقمر في بهائه وصفائه وهدايته للناس. وهذا التوصيف يجري على سبيل التقريب لا على أنه يماثله من كل وجه، كما هو معتاد من كلام العرب في التشبيه، والا فلا شيء يعادل شيئاً من أوصافه صلى الله عليه وسلم، إذ هي صفاته أغلى وأعلى وأجل من كل مخلوق. وقد جرى التعارف بأن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالباً الإشراق، وبالقمر إنما يراد به غالباً الملاحة: لما لا يضيء بك الوجود وليلة فيه صباح من جمالك مسفر فبشمس حسنك كل يوم مشرق وببدر وجهك كل ليل مقمر
في قوله: أطول من المربوع. أي معناه عند إمعان النظر وتحقيق التأمل، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أطول من التوسط قليلاً. وقد ذكر عنه صلى الله عليه واله وسلم أنه إذا دخل بين جماعة من الطوال كان في نذر من يراه أطول منهم جميعاً، كما روي عنه أنه لم يكن أحد يماشيه إلا طاله.
قوله: وأقصر من المشب. المشب هو الطويل البائن الطول، فهو النبي صلى الله عليه وسلم أقصر من المشب.
قال: رجل الشعر. أي في شعره تكسر وتثن قليل، يسهل تمشيطه وتسريحه بلا عسر. قد ذكرت لكم التوسط في هذا الباب من جهة أنه ليس بقطط وليس بسائل الشعر، فهو رجل الشعر، أي في شعره قدر من التكسر الذي يجعل تمشيطه وترجيله سهلاً، وهذا توسط في صفة الشعر الشريف.
قال: إن انفرقت عقيقته فرقها والا فلا يجاوز شعره شحمه أذنيه إذا هو وفره. المراد بعقيقته -في بعض النسخ مكتوب عقيصته- والمقصود الشعر الذي على الناصية، العقيصة هي الخصله التي إذا لويت وظفرت صار اسمها عقيصة. ومعنى الجملة هنا: هذه العقيقة تشبه ما نسميه في زماننا بالغرة، إذا قبلت الفرق بسهولة فرقت -يعني إذا كانت مثلاً قريبة عهد بغسل فرّقها وجعلها نصفين؛ نصفاً في اليمين ونصفاً عن اليسار بالمشط أو بيده- وإن لم تقبل الفرق بأن كان شعره مختلطاً متلاصقاً فلا يفرقها بل كان يسدلها أي يرسلها على جبينه، فيكون الأمر جامعاً بين الفرق والسدل.
قوله: أزهر اللون. أي أبيض مستدير. وقد حررنا مسألة أزهر وأسمر في الدرس الماضي.
واسع الجبين. أي ممتد الجبين.
أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب. الزجج دقة الحاجبين وسبوغهما؛ فلم تكن كثيفة حواجبه صلى الله عليه وسلم، لم تكن كثيفة متشعثة ولا خفيفة شفافة. والأقرن هو موصول الحاجبين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مقترن الحاجبين (يعني في غير قرن، لم يكن موصول الحاجبين)، وإنما بين حاجبيه مسافة ليس بها شعر. يدره الغضب أي يحركه الغضب ويظهره، هناك عرق بين حاجبيه صلى الله عليه وسلم إذا غضب يرتفع.
غضب صلى الله عليه وسلم، وغضبه لله، إذا غضب ظهر هذا العرق. قال: أقرى العرنين، له نور يعلوه. الأقنى: من به ارتفاع خفيف وسط قصبة الأنف مع ضيق لطيف في المنخرين. والذي يظهر والله أعلم أن النور راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، له نور، أي ليس الأنف وإنما النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون النور موصوفا به الأنف.
قال: يحسبه من لم يتأمله أشم. والشمم: ارتفاع القصبة مع استواء أعلاها وإشراف أرنبة الأنف قليلا، فيه قدر من الارتفاع بسيط في أرنبة الأنف، لكن حينما تتأمله لا تجده ارتفاعا كبيرا، فمن لم يتأمله يحسبه أشم أي مرتفع القصبة مع ارتفاع الأرنبة.
قال: كث اللحية وفي رواية عظيم اللحية. واللحية كما هو معلوم هي الشعر النابت على الذقن من مجتمع اللحيين، سهل الخدين، غير مرتفع الوجنتين، وفي رواية أخرى أسيل الخدين. قال: ضليع الفم، مفلج الأسنان أو مفلج -تأتي بالصفتين- أي عظيم الفم. والعجيب لما تأملت في أشعار العرب وجدتهم يمدحون ضلع الفم، يمدحون عظمة الفم أن يكون عظيما، بينما العجم في أشعارهم القديمة وفي رسائلهم على عكس ذلك، يمدحون أن يكون الفم صغيرا، ومفلج الأسنان يعني فيه انفراجة يسيرة من جهة، هي انفراجة مستملحة وليست كبيرة مستقبحة، الفلج لا يكون في جميع الأسنان وإنما ما بين الثنايا فقط.
وأيضاً مما ظهر وهذا استقراء بسيط، كان يمدح الرجال بالفلج اليسير بينما النساء يمدحن غالباً، في فترة ما كانوا يمدحن بالفلج ثم تغير إلى أن صار ما يمدح به النساء هو التراس، فهذا من الاختلاف الذي حصل في ذوق الجمال على مدى مئات السنين؛ يعني كان يمدح الفلج ثم أصبح التراس.
قال: كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة. الأصل في معنى الدمية أنها التمثال المصنوع من عاج، والمعنى هنا هو صفاء البشرة أنها بشرة مشرقة، وأن عنقه معتدل لا يعيب بشرته نتوء ولا تنافر في اللون، دل ذلك على أنه قال في صفاء الفضة.
باذن، متماسك ممتلئ البدن في غير سمن؛ الآن عندنا النحيل نحولاً شديداً وعندنا السمن، بينهما حالة اسمها البادن، البادن هو المتوسط يعني ممتلئ الجسم لكنه ليس بسمن، فالبادن حالة متوسطة بين النحول الشديد وبين السمن صلى الله عليه وسلم، سواء البطن والصدر بمعنى أن بطنه مساوٍ لصدره يعني غير مستفيض البطن، وهذا أكمُل ما يكون؛ لا يكون هناك استفاضة في البطن، لا يكون هناك تضخم في الكرش، وإنما أن البطن يكون مساوياً للصدر.
ثم قال: أنور المتجرد. أنور هو أفعل تفضيل من نور، والمتجرد: العضو الذي يستر غالباً، يعني الصدر الآن غالباً لا يظهر عند الرجال وإنما يكون تحت الملابس، فهذا متجرد يعني لا يظهر إلا عند التجرد من الملابس، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون، لكن هناك ما كان من متجرده صلى الله عليه وسلم كان أشد بياضاً وإنارةً، وهذه عادة الرجال لأنهم يواجهون الشمس والعمل والحياة، وهذه من صفات الرجولة بأن يكون له لون في ما يواجه الشمس ويكون له لون أخفى المتجرد؛ المراد هنا أن ما يستر من بدنه صلى الله عليه وسلم كان أشد استنارة مما يظهر منه.
ثم قال: عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك. العاري يعني الخالي، أي لم يكن عليهما لحم يؤدي إلى التثدي والسمن، ثدياه وبطنه لم يكن فيهما زيادة من الدهون، لم يكن عليها لحم يؤدي إلى السمن والتثدي، ما كان هذا فيه صلى الله عليه وسلم.
أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر. الأشعر هنا ضد الأجرد، بمعنى أنه كان كثير الشعر وطويله في هذه المواضع، لكن بالقدر الذي لا يخرجه عن حد الاعتدال صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال هنا: طويل الزندين. الزند من حُسر عن اللحم من الذراع، رحب الراحة أي واسع الكف. يظهر لي والله أعلم بأن هذا المعنى يأتي بالمعنى الظاهر، أقصد بالمعنى الحسي والمعنوي، أما الحسي فهو أن يكون يعني المساحة، مساحة الراحة رحبة، وأيضاً تكون بالمعنى الجود رحب الراحة؛ يعني إنسان فيه جود وكرم، في هذا يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه: له راحة لو أن معشار جودها على البر كان البر أنضى من البحر، له همم لا منتهى لكمالها وهمته الصغرى أجل من الدهر، فرحب الراحة تحمل على المعنى الحسي أي أنها في خلقتها، أو أنها محموله على ما يكون من الجود والكرم.
خمصان الأخمصين، ما كان من داخل باطن القدم فلا يصل إلى الأرض. مسيح القدمين ينبو عنهما الماء أي ممسوح ظاهر القدمين، إذا صب الماء عليهما سريعاً لاستوائهما وأملاسهما يمر سريعاً الماء ليس هناك تقوس من الأعلى.
إذا زال زال قلعاً؛ أي إذا فارق طريقه لم يكن صلى الله عليه وسلم يجر قدميه ويسحبهما كما يفعل المتكبرون أو كما يفعل الكسالة، وإنما كان يرفعهما كأنه ينزعهما من شيء، إذا زال زال قلعاً كأنه يقتلع قدميه لم يكن يسحبها، هذا النشاط العازم وليس التماوت أو الكسل أو الكبر، ويمشي هوناً، الهون هو السكينة والتؤدة والتأني، وهذا تفنن والله في الوصف؛ يعني هند بن أبي هالة تفنن في الوصف فيأتي بالأوصاف العديدة للصفة الواحدة ويفصل بعد إجمال ليلم بالصفات من أغلب جوانبها ويبرزها كأنها مشاهدة معاينة عند السامع، وهذا وصف لا يكون إلا من محب شغوف.
وهنا مسألة: كيف نجمع بين التق في المشي والهون فيه؟ نقول: التق لرفع القدم فيها رفع لقدم دون أن يكون هناك سحب لها على الأرض، أما الهون فيه فمعنى هذا بأنه صلى الله عليه وسلم كان يضع قدمه في تؤدة وسكينة، الآن عندنا التقرف القدم والهون صفة لوضع القدم، فلم يكن يضرب الأرض ضرباً شديداً، وإنما هذه أحسن ما تكون في المشية من السكينة، بأن لا يكون هناك تماوت وأيضاً لا يكون هناك كبر وبطش يوحى من هذه المشية.
قال: ذريع المشية. الذريع هو من يكون سريعا وزنا ومعنى، الذريع هو السريع أي واسع الخطوة، بعض الناس إذا مشيت معه تشعر أنه يقطع مسافات طويلة في وقت يسير دون أن يلهث، هكذا كان صلى الله عليه وسلم، بعض الناس تتعب وأنت تمشي معه لأنه بهذه الصفة.
وإذا التفت التفت جميعاً، أي لا يلتفت بوجهه فقط بل كان يقبل على محدثه بوجهه وصدره وجسده كله، فإذا التفت يميناً كان جميعه يميناً وإذا التفت يساراً كان جميعه يساراً، غير متكبر فلا ينظر للناس شزراً ولا يلتفت إليهم صعراً وإنما يدير أعضاءه الشريفة جميعاً. وفي حديث جبير بن مطعم عند الطبراني أنه قال: التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجه مثل شقة القمر، يعني هذه فيه صفته عند الالتفات.
قال: خافض الطرف صلى الله عليه وسلم، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، يعني إذا لم ينظر إلى شيء يخفض بصره، إذا لم يكن يتقصد شيئاً في نظره كان يخفض بصره، لأن هذا شأن المتأمل المشتغل بالباطن وهذا شأن المتواضعين، لم يكن يحد النظر إلى ما لا يعنيه ولا يشغله جل نظره الملاحظة. الجل هنا بمعنى المعظم، والملاحظة النظر، باللحاظ هو شق العين مما يلي الصدغ، فلا يكون نظره في غير وقت المخاطبة إلا مجرد ملاحظة، لكن إذا خاطبه أحد فانه يلتفت إليه جميعاً كما مر، بعض الناس إذا خاطبك تستشعر بقدر من التوتر لأنه يحد نظره حتى لو لم يكن الموضوع يستحق، كان صلى الله عليه وسلم ينتبه إلى هذه التفاصيل فلم يكن في نظرتـه ما يعطي هذا الشعور عند المتلقي.
قال: يسوق أصحابه أي يقدمهم أمامه، وهذا معنى جميل جداً ويمشي خلفهم تواضعاً، فيه إشارة أن صلى الله عليه وسلم كالراعي يسوق أمته وأنه يراعي أضعفهم فيتاخر عنهم رعاية للضعفاء وإعانة للفقراء. بعض الروايات ينس أصحابه يعني يسوقهم، وهذا فيه معنى أن من تصدر للناس عليه أن يسير بسير أضعفهم، لا يكون أسبق الناس إلى شيء، عليه أن يراعي بأن في من يحضر درسه مثلاً أو يقرأ كتابه أو يدرس عنده فيه من عنده ظروف أو قدراته الادراكية والعقلية ليست بذاك، فيخفف من تعقيد خطابه به أو يهون من رفع مستوى الكلام أو ما يوجبه عليهم، وإنما يكون رفيقا بهم يسوقهم إلى ما يكون فيه خير لهم، والنبي صلى الله عليه وسلم في هذه اللفتة يعلمونا كيف يكون رجل المسؤولية المعتاد، أمير القوم هو من يرعى القافلة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بأصحابه حتى في مشيته كان يرعاهم ويسير معهم ويسوق أصحابه في ذلك.
لفتة ذكرها الإمام ابن أبي جمرة قال: القاعدة في ألفاظ الكتاب والحديث أنه مهما أمكن حملها على كثرة الفوائد كان أولى من الاقتصار على بعضها، ولا يقتصر على بعض الفوائد التي يدل عليها اللفظ ويترك بعضها إلا لمعارض لها؛ يعني في الشمائل علينا أن نستهدي بكل لفظة ممكن أن نستخرج منها معنى جميل ونستنباطه منها.
قال هنا: ويبدو من لقي بالسلام وفي رواية: ويبدأ، فكان هو من يبدأ بالسلام صلى الله عليه وسلم لأنه هو الأحق بمكارم الاخلاق، وفيه معنى أنه كان يسارع إلى من لقيه من أمته بإلقاء التحية، يعني هو الذي يبدأ بالسلام، فمعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يبادر وهي الذي يسارع إلى من لقيه، وهذا من كمال شيم المتواضعين والله وهو سيدهم صلى الله عليه وسلم.
نعم، الحديث الذي يليه، قال: بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة رضي الله عنه يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقب». قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين. قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب.
نعم، جزاك الله خيراً. هذا الحديث فيه بعض الأوصاف المتعلقة بالحديث السابق، قد أخرجه المصنف الإمام الترمذي بمتنه وإسناده في كتابه الجامع وقال حديث حسن وصحيح، ورواه غيرهم الإمام أحمد، مسلم، طيالسي وابن سعد وغيرهم.
هنا المقصود مما لم نذكره قال: منهوس العقب. والمقصود بالعقب هنا القدم، بعض الشراح يقولون ممن ليس لهم عناية بجمع الروايات يقول إن العقب كل ما أعقب الرجل فهو بمعنى خفيف لحم الظهر، وهذا ليس بصحيح، لماذا؟ هم أخذوا المعنى اللغوي الذي يحتمل أن العقب يكون ما أعقب الرجل، قد يكون بمعنى الظهر لكن هم لم يجمعوا الروايات، وعلى الشارح أن يتامل في الروايات حتى يكشف بعضها بعضاً، لكن هناك بعض الروايات تقول بأنه كان منهوس القدمين، فعليه يحمل معنى العقيبين هنا بأنه كان قليل لحم مؤخر القدم.
وأيضاً فيه تناسب، لما؟ لأنه بدأ بالفم وانتهى بالقدمين، وإن كان بعضهم استشكل اشكل العينين طويل شق العين، قال بعضهم لها معاني أخرى وبسطها يكون في موضع آخر، لكن نحن نريد أن ناخذ المعنى المجمل ونقف بعض الوقفات التي تهمنا في هذا الباب.
الحديث الذي يليه، بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. قال: حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا عبثر بن القاسم عن أشعث يعني ابن سوار عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة أضحيان وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلا هو عندي أحسن من القمر».
أحسن الله إليكم، وهذا الحديث قد أخرجه المصنف بمتنه وإسناده في الجامع وقال حديث حسن غريب. في قوله ليلة أضحيان: الليلة الأضحيان بمعنى الليلة المقمرة المضيئة الضيئة التي لا ظلمة فيها، سيدنا جابر رضي الله عنه يقدم بهذه المقدمة ليخبرنا أن موازنته بين صورة النبي صلى الله عليه وسلم وصورة القمر كانت حسية في نفس اللحظة؛ يعني ليس أمرا كان في ذهنه عن القمر، وإنما هو راى القمر ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في نفس اللحظة، فهذه موازنة ومقارنة في نفس اللحظة وليست أنه في ذهن القمر ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وصف أبلغ بأن يكون في نفس اللحظة وهو يرى القمر ويرى النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: فلا هو عندي أحسن من القمر صلى الله عليه وسلم. قال: وعليه حلة حمراء. القصد هنا مزيد وصف والله أعلم، أن في وصفه بالححراء هذا فيه دلالة على أن جابراً رضي الله عنه -جابر بن سمرة- رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤية دقيقة واضحة، لما؟ لأن اللون الأحمر يعسر تمييزه في الليل، وصفه بأنه راها حلة حمراء فهذا دال على أن الليلة كانت مقمرة شديدة الإنارة، وإلا لما كان رأى الحمرة، والحمرة في الملابس تزيد من زينة وبهاء أبيض البشرة، وهذا يقوله بعضهم من كان أبيض البشرة فإن اللون الأحمر يزيده بهاء.
وقد تعرضنا في الدرس الماضي إلى حكم لبس الحلة الحمراء أو ما يكون فيه اللون الأحمر للرجال. ثم قال: فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فله عندي أحسن من القمر؛ أي جعلت أوزع النظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم تارة وإلى القمر تارة، فلهو هذا جواب قسم مقدر، يعني والله لهو، وقوله عندي هذه جملة تحمل على الافتخار وتحمل على التأكد.
قال حسان: متى يبدو في الداج البهيم جبينه يلح مثل مصباح الدج المتوقي فمن كان أو من يكون، أو من يكون كاحمد نظام الحق أو نكال للملحدين
وظهر لي أن الليلة لما وصفها بأنها
مقمرة وبالحلة الحمراء دل ذلك على أن القمر كان في أبقى أحواله، ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أبهى وأحسن وأجمل من القمر.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال: حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن زهير، عن أبي إسحاق قال: سأل رجل البراء بن عازب رضي الله عنه: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.
نعم، جزاك الله خيراً، هذا الحديث أخرجه المصنف بمتنه وإسناده في الجامع؛ جامع الترمذي في السنن وقال: حديث حسن صحيح. ورواه غيره؛ منهم الإمام أحمد في المسند، والدارمي، والبيهقي في الدلائل، وبعضه مروي في البخاري. قال: سأل رجل البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر، والله أعلم.
يظهر بأن أريد: أكان مثل السيف في الطول، يعني كان طويلاً، فرد عليه البراء: لا، بل مثل القمر، يعني في التدوير. وفي رواية لأبي نعيم عن أبي بكر قال: كان وجهه كدارة القمر. وكلمة دارة القمر إما كتدوير القمر، أو كضوء القمر، الدارة تحمل على الاستنارة الاستنارة المحيطة كالدائرة، وتحمل بمعنى الاستدارة الشكلية؛ فهو في استدارته واستنارته وكماله وبدرته كالقمر صلى الله عليه وسلم.
وقع في رواية: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مديداً مثل السيف؟ أي ممتداً طولاً، فهذا يؤيد ما ذكرته لكم بأن وصف السيف يقصد به طول الوجه. وهنا معنى لطيف جميل؛ لم يكن هناك خلاف بين الصحابة في لمعان وجه النبي صلى الله عليه وسلم وإضاءته، وهذا أمر مفروغ منه، لكن إما أن يكون لامعاً طويلاً كالسيف، أو لامعاً مستديراً كالقمر. فالبراء هنا قال: لا، كان لامعاً مستديراً.
إن هناك لفتة لطيفة جداً ذكرها الحافظ أبو الخطاب بن الدحية في كتابه التنوير في مولد السراج المنير، قال عند إيراد هذا الحديث: ففي هذا الحديث من العلم، أي من الفوائد، أن التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح الإقرار عليه، يعني التشبيه إذا لم يكن في موطنه وفي موضعه وبقدره لابد أن يرد. التشبيه جزء من الوصف، والوصف لابد أن يكون فيه دقة.
ويظهر والله أعلم أن نفي لمعان السيف ووصف لمعان القمر يعني إثبات لمعان القمر؛ فيه معنى بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن استنارته استنارة مخيفة. السيف فيه قدر من الإخافة لما تحمله صورته الذهنية من معان، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان مستنيراً، وتبعث استنارته على السكينة والرحمة، ولم يكن في معناه استنارة السيف التي تكون آتية من مصادر ضوء أخرى، وإنما يكون الأمر فيه قدر من إنباء السكينة في النفوس وليس الخوف والفزع.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال: حدثنا أبو داود المصاحفي سليمان بن سلم قال: حدثنا النضر بن شميل، عن صالح بن أبي الأخضر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر.
نعم، أحسن الله إليكم، هذا حديث مما تفرد به الترمذي دون أصحاب الكتب الستة، وفي سنده ما قال، لكن جُملاً منه سبقت معنا، ليس في الحديث ما يحتاج إلى أن نعرج عليه من ألفاظ ومعان لتقدمها معنا، إلا ما يمكن أن يقال في قوله: كأنما صيغ من فضة. الصوغ بمعنى الخلق، صاغه الله صياغة حسنة؛ أي خلقه خلقة حسنة.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: أخبرني الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عرض علي الانبياء، فاذا موسى عليه السلام ضرب من الرجال كانه من رجال شنوءة، ورايت عيسى بن مريم عليه السلام فاذا اقرب من رايت به شبها عروه بن مسعود، ورايت ابراهيم عليه السلام فاذا اقرب من رايت به شبها صاحبكم -يعني نفسه- ورايت جبريل عليه السلام فاذا اقرب من رايت به شبها دحية».
نعم، هي إما يقول: شبهاً أو شبهاً، لا باس. هذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد ومسلم، وقد أخرجه المصنف بمتنه وإسناده في كتاب الجامع في كتاب المناقب، قال: حديث حسن صحيح غريب. هنا فائدة: إذا أردت أن تبحث عن حديث موجود في الشمائل، تريد أن ترى أحكام الإمام الترمذي عليها، غالباً أنها موجودة في كتاب المناقب من جامعه، وليست كلها، لكن غالبها.
الثاني أن أكثر من أجاد جمع الأحاديث؛ أحاديث الشمائل بعد الترمذي ويصلح للإفراد، والله هو الإمام أحمد؛ جمع في الشمائل أزيد من مائتي حديث هي مما يصلح أن يفرد عنها.
طيب، في هذا الحديث من المعاني قال: عرض علي الأنبياء. عرض هنا بصيغة المبني لما لم يسم فاعله، وبعضهم يقول يعني مبني للمجهول، والامر في هذا واسع، قال: عرض علي، أي أظهر علي الأنبياء، وفيه إيماء إلى أفضليته صلى الله عليه وسلم، فلم يقل: عرضت عليهم.
فاذا موسى: أي فرأيت موسى. الضرب من الرجال: أي نوع من الرجال، أضرب أي أنواع، كأنه من رجال شنوءة. شنوءة قبيلة معروفة؛ عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، والنسبة إليه يقال شنوي وشنوءي، وهذه القبيلة وهم من الأزد غالباً يكون فيهم خفة في اللحم، ما يكون فيهم السمن، وذلك موجود حتى في كبار السن، هم عندنا موجودون في المنطقة، حتى في كبار السن فيهم، يعني ما تجد فيهم هذه الوفرة في اللحم، أجسام بها قدر من الاعتدال، وكذا كان موسى عليه السلام.
قال: ورايت عيسى بن مريم فاذا اقرب من رايت به شبها عروه بن مسعود. هذا فيه تقريب، أبصرت عيسى بن مريم، فاذا أقرب الناس شبهاً به عروة بن مسعود الثقفي. بعض الشراح يقول هو عروة بن مسعود الهذلي، لا، هو عروة بن مسعود الثقفي كما تثبت بعض الروايات الأخرى. نبي الله عيسى عليه السلام كان جميل الوجه جداً، والمروي عنه في كتب أهل السنة مما هو مسند، سواءً مما كان حديثاً أو أثراً في كتبنا، يزيد على الخمسمائة أثر هي من أقوال وأفعال نبي الله عيسى عليه السلام.
قال: ورايت ابراهيم فاذا اقرب من رايت به شبها صاحبكم. هذا فيه فائدة: النبي صلى الله عليه وسلم من نسل إبراهيم ويشبهه، وهذا ظاهر، وأيضاً حديث الإنسان عن نفسه ليس بمستقبح، يعني لما قال: صاحبكم، فيه قدر من التودد والملاطفة. وقد جاء في البخاري ومسلم: ورايت ابراهيم وانا اشبه ولده منه، أي أشبه ذريته منه، يعني صورة ومعنى.
وأنا أريد أن أربط هذا بما حصل في الدرس الماضي؛ قلنا في الائتساء: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، وقلنا إن الأسوة لم تأتي إلا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن ولنبي الله إبراهيم. يظهر بأن إبراهيم لما جمعه بالنبي صلى الله عليه وسلم معنى الائتساء، جمعه أيضاً ليس فقط مجرد النبوة وكونه من أولي العزم من الرسل، بل أيضاً حتى جمعه جمال الشكل وشبهه بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذاً الائتساء يكون في الظاهر والباطن.
يسوغ للإنسان أن يقول: بأني ولد فلان، حتى لو لم يكن ولده المباشر، وإنما من صلب أولاده. وقد تكلم عنها الشراح، يقول: من ولد إبراهيم، ليس شرطاً أن يكون ولده المباشر، وإنما يقصد أنني من أحفاده. بعض السلف روي عنهم أنه قال أحدهم، قال له يا عم، فقال: هذه كذبة، أفاني لست شقيقاً لوالدك! وهذا ليس صواباً؛ العرب حينما تطلق العم والخال والوالد لا تقصد بها صورة واحدة. في حديث ورقة أن السيدة خديجة رضي الله عنها، أم المؤمنين أمنا أجمعين، قالت له يا عم، قالت لورقة بن نوفل يا عم، مع أنه لم يكن عمها المباشر.
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشبه الناس بإبراهيم عليه الصلاه والسلام صورة ومعنى. هناك معنى يحتاج إلى بسط لم يعد الوقت يسع له، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اجتمع فيه ما تفرق في الأنبياء: في موسى، وفي عيسى، وفي إبراهيم، وهذا معنى لعل الله ييسر بسطه في موضع آخر.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال: حدثنا سفيان بن وكيع ومحمد بن بشار -المعنى واحد- قال: أخبرنا يزيد بن هارون، عن سعيد الجريري قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رايت النبي صلى الله عليه وسلم وما بقي على وجه الارض احد راه غيري، قلت: صفه لي. قال: كان ابيض مليح مقصدا.
وقال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن أخي موسى بن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين، إذا تكلم رؤي كالنوير يخرج من بين ثناياه.
نعم، جزاك الله خيراً على هذه القراءة المتقنة الجميل.
بسم الله، هنا قال في الحديثين الأخيرين: قال حدثنا سفيان بن وكيع ومحمد بن بشار -المعنى واحد- قال: أخبرنا يزيد بن هارون، عن سعيد الجريري قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما بقي على وجه الأرض أحد راه غيري. هذا الحديث رواه مسلم وأبو داود والإمام أحمد، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، من الكتب التي أحبها جداً كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري، يسر الله أن يخدمه الإنسان خدمة تليق به.
هنا في معاني الألفاظ؛ قال: مليح قصداً. الملاحة توصف في الجسد وفي غيره، الملاحة ليست فقط مختصة بالجسد، وإنما توصف في الجسد وفي الروح. المقصد: المتوسط، هذا معنى بأن التوسط والاعتدال في كل شيء مستملح عند البشر.
الحديث الذي يليه؛ حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، طبعا هو الدارمي، هذا الحديث أخرجه الطبراني في الكبير وفي الأوسط، والبيهقي والدارمي أيضاً، يعني هو عبد الله بن عبد الرحمن شيخ الترمذي. في هذا الحديث قال: إذا تكلم رؤي كالنوير يخرج من بين ثناياه. الظاهر هنا أن هذا النور نور معنوي، بعض الشراح قال إنه نور معنوي فقط، وبعضهم قال إنه نور حسي فقط، وبعضهم قال إن الأمر معنوي حسي، وبعضهم قال إن الأمر ليس على حقيقته أصلاً، وإنما المقصود أنه يخرج بين ثناياه القرآن والوحي. ولا تعارض بأن يكون معنوياً وأن يكون ما يخرج منه هو النور الذي هو الوحي؛ فملاحة الصورة وقبولها وجه، وأن يكون بالوحي الذي ينطق به وجه آخر، لا تعارض بينهما.
العرب تعبر عن تفليج الثنايا بالاتساق، الاتساق يعني يأتي بمعنى الانتظام تفريج بسيط لا يخرج عن الانتظام. أيضاً الأعشى يقول: وشتيت كالاقحوان جلاه الطل فيه عذوبة واتساق. الشتيت يعني الابتسامة، ولا زالت هي في دارجتنا عند كبار السن يستخدمون كلمة شتيت، ويعنون بها الابتسامة، يعني شتيت فلان أي ابتسامته، وهو معنى جميل لطيف.
وبذا تم الباب الأول، أتم الله علينا وعليكم نعمه، وجمعنا بنبينا صلى الله عليه واله وسلم في جنات النعيم. شكر الله لكم، واحسن إليكم، وجزاكم خيراً.
سنعود إن شاء الله بإذن الله من هذا الاسبوع إلى عهودنا التي اعتدنا عليها، من كان يحضر المجالس السابقة يعرف فكرة العهود، عهدنا في الشمائل هنا بأن ندخل الصلاة على النبي صلى الله عليه واله وسلم في أوراد الذكر، يعني لكل انسان هذا المفترض أن يكون له ورد من الذكر، فندخل ولو بمائة في اليوم في البداية؛ لأنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأقل ما يكون فيه الكمال بأن يقول: صلى الله عليه وسلم، وأنصح أن تكون في بداية اليوم، يعني أن يهذب الإنسان نفسه بأن لا يبدأ بشيء قبل أن يتم هذا الورد.
فيكون عندنا عهد الأسبوع أن نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ونذكره بألسنتنا حتى تستقر محبته في نفوسنا؛ فمن مألوف الطبيعة البشرية بأن الإنسان إذا أكثر من ذكر شيء أَلِفَهُ وأحبه، حتى لو ذكره على وجه الذم، فكيف وهو يذكره على وجه المدح صلى الله عليه واله وسلم!
فيقال الصيغة: ما يريد الإنسان، العدد الذي يريده طبعا، لكن لو حدد بشيء فهو مما يحسن، ولا مدخلية للبدعة هنا، فإن تحديد الأوراد معروف مألوف عند أهل السنة والجماعة. فنبدا من الآن إلى يوم الجمعة القادم، نبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل يوم، ويهمني هنا ليس العدد الكلي، لا تأتي بمثل مجموع عدة أيام في يوم واحد، يهمني أن تكون قليلة وموزעה على الأيام؛ حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه حاضرة في أيامنا، وليس المقصود الكمية وإنما المقصود أن نأتي بها، والأفضل أن تكون أول اليوم. الإنسان مثلاً إذا من عادته إذا استيقظ أن يشرب شيئاً، يشرب قهوة مثلاً، فقبل أن يشرب قهوته يلزم نفسه بهذا، هذه طريقة حسنة لإلزام النفس على ما تريد، تريد أن تألفه وتعتاده من أوراد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، جزاكم الله خيراً، وأحسن الله إليكم، كتب الله أجوركم، انتهينا من الباب الأول، سندخل في الباب الثاني ابتداءً من الأسبوع القادم. شكراً يا شيخ على هذه التلاوة الطيبة المباركة الجميلة وسامحني دفعتك إلى.
الإعادة أكثر من مرة، لكن مقصودي هو أن ننتفع أجمعين. جزاكم الله خيراً أجمعين.
استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وإن تطيعوه تهتدوا.
بدر آل مرعي