دخولتسجيل الدخول

شرح شمائل النبي ﷺ | المجلس الرابع

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله جميعاً في هذا الفجر المبارك، وهذا المجلس الذي أسال الله سبحانه وتعالى أن نتذاكره يوم القيامة. نكمل ما كنا قد بدأناه من مدارسة كتاب الشمائل للإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. وكنا قد أهنينا الباب الأول، ونشرع اليوم إن شاء الله في الباب الثاني: باب ما جاء في خاتم النبوة.

وكان عندنا عهد في الأسبوع الماضي يتعلق بإدراج الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الأوراد التي يعتادها الإنسان، وقلنا: لو بدأ بعشرة بعشْرٍ بمئة بألف، المهم أن ينتظم وأن يروض نفسه على هذا. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون الأمر قد تم بخير وعافية. لو قرأتم يا شيخ إن أذنتُم، بسم الله.

بسم الله. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمشايخه ولوالدينا ولجميع المسلمين. باسانيدكم حفظكم الله تعالى إلى الإمام محمد بن عيسى بن ثورة الترمذي قال: باب ما جاء في خاتم النبوة. قال: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن الجعد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابن اختي وجع. فمسح رأسي ودعا لي بالبركه، وتوضأ فشربت من وضوءه، وقمت خلف ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه فإذا هو مثل زر الحجلة.

نعم، جزاك الله خيراً واحسن إليك، طيب الله أنفاسك. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الحديث يأتي في الباب الثاني، باب ما جاء في خاتم النبوة، وكنا قد تحدثنا في الباب السابق عن باب ما جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في نسخة باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث أخرجه المصنف الإمام الترمذي بمتنه وإسناده في الجامع وقال: حديث حسن صحيح غريب. وأيضاً أخرجه البخاري ومسلم والنسائي في الكبرى والطبراني في الكبير. أما الحديث عن فوائده, سنأخذ عدة فوائد ثم نمضي. الفائدة الأولى: وقع الخلاف فيما روي في زمن وضع خاتم النبوة، متى أوجد خاتم النبوة في كتف النبي صلى الله عليه وسلم؟ وفيه خمسة أقوال:

القول الأول: أنه صلى الله عليه وسلم قد ولد به. القول الثاني: أنه وضع له بعد الولادة مباشرة. القوال الثالث: أنه وضع له حينما شق صدره الشريف في حادثة بني سعد. القول الرابع: أنه وضع له حين بعث. القول الخامس: أنه وضع له حين أسري به.

والصحيح الذي تميل إليه نفسي، والله أعلم، أنه القول الثالث: وضع له حينما شق صدره الشريف حادثة بني سعد. وجاء هذا في حديث مرفوع روي في مسند الإمام أحمد، وكذلك رواه الطبراني.

الفائدة الثانية: في صفة ختم النبوة وصورته. جمعت الروايات التي يتكلم عنها الصحابة رضوان الله عليهم في صفة هذا الختم، خاتم النبوة، فوجدت أنها يمكن جمعها في هذه الروايات في ست روايات:

الرواية الأولى: روي أنه مثل زر الحجلة. والثانية: أنه غدة حمراء مثل بيضة النعامة، هذا في صحيح مسلم عن جابر. الثالثة: أنه شعرات مجتمعات، كما عند الإمام أحمد عن عمرو بن أخطر. الرابعة: أنه بضعة ناشزة، وهي القطعة، وهذا مروي عند الترمذي عن أبي سعيد الخدري. الخامسة: أنه خيلان من الثآليل -جمع ثُؤْلُول- خيلان فيه ثآليل مجتمعة، وهذا في صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس. الرواية السادسة: أن موضعه عند كتفه الأيسر، وهذا أيضاً في صحيح مسلم كما في حديث عبد الله بن سرجس السابق.

وقد اختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة، وليس هذا من قبيل اختلاف في الحقيقة، بل كل قد شبه بما سنح له وابتدر إليه خاطره حين راه، وكلها الفاظ على تنوعها مؤداها واحد، لا تعارض بينها بل إنها يكمل بعضها بعضاً في الوصف.

والخلاصة التي جمعتها في صفة خاتم النبوة أنه قطعه لحم ناتئة من جسده الشريف بيضاء تميل للحمره على ظهر ظهره بين كتفيه إلى الكتف الأيسر أقرب في حجم بيضة الحمامة، حوله شعر متراكب عليه، وعليه خيلان سود تشبه الثآليل. هذا هو مجموع الصفات التي صحت والله سبحانه وتعالى أعلم.

قد قال القرطبي: اتفقت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئاً بارزاً أحمر عند كتفه الأيسر، قدره إذا قل قدر بيضه الحمامة، وإذا كبر مجمع اليد. يريد أن يجمع بين الروايات والله أعلم، انتهى كلامه.

وقال الحافظ ابن حجر: وأما ما ورد من أنها كانت كأثر محجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليها محمد رسول الله أو سر فانت المنصور أو نحو ذلك فلم يثبت منها شيء. يتكلم عن بعض الروايات الضعيفة في صفة خاتم النبوة. قال: وقد أطنب الحافظ قطب الدين في استيعابها في شرح السيرة، وتبعه مغلطاي في الزهر الباسم ولم يبين شيئاً من حالها، انتهى كلامه المقصود رحمه الله.

وقال الحافظ نور الدين الهيثمي: اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به الكتب. هنا بابان في الشمائل: باب خاتم النبي صلى الله عليه وسلم وهو الخاتم الذي كان يختم به الكتب الختم، وخاتم النبوة الذي وجد في ظهره الشريف. بعض الرواة اختلط عليه الخاتمان، فجعل خاتم النبوة والخاتم الذي يختم به الكتب بنفس المعنى، فهذا سبب أن بعض الرواة قالوا: مكتوب عليه محمد رسول الله، هذا إنما هو الختم الذي تختم به الكتب وليس خاتم النبوة، وسيأتي معنا باب لختم النبي صلى الله عليه وسلم ونقوش خواتمه.

الفائدة التي تليها في الحكمة من وضع خاتم النبوة، هنا تعليل لطيف ذكره أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف، وذكره أيضاً الإمام الحافظ ابن دحية، قال: والحكمة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه لما ملئ قلبه صلى الله عليه وسلم حكمة وإيماناً، كما ثبت في الصحيح، ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكاً أو دراً، فجمع الله أجزاء النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم وتممه وختم عليه بختمه فلم تجد نفسه ولا عدوه سبيلاً إليه من أجل ذلك الختم، لأن الشيء المختوم محروس.

وكذلك تدبير الله تعالى لنا في هذه الدنيا، إذا وجد الشيء بختمه زال الشك وانقطاع الخصم فيما بين الآدميين، فكذلك ختم رب العالمين في قلبه ختماً تطامن له القلب وبقي النور فيه ونفذت قوة القلب إلى الصلب. يقصد من تعليله بأنه لما تم وامتلا قلبه بالحكمة ختم، وهذه عادة تكون في الأوعية أنه إذا امتلا اغلق وختم حتى لا يفتح.

فمعنى هذا بأن هذا الوعاء مملوء، فقال أبو القاسم السهيلي وتبعه من تبعه بعده بأن معنى الخاتم هنا بأن قلبه الشريف قد ملئ حكمة وعلماً ونورا فختم عليه لأنه لا مزيد.

السبب الثاني: وهذا سبب مستنبط، بأن الختم متعلق بخاتم النبوة بأنه خاتم النبيين، أن النبي صلى الله عليه وسلم ختم الله به الأنبياء. وجود الختم دال على أنه لا مزيد، وعادة كل من يحرر كتاباً إذا ختمه في النهاية أو حرر رسالة إذا ختم تكون هذه الختمة هي الخطوة الأخيرة.

فمعنى هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى ما بعده من وحي فلا مزيد عليه فهو الخاتم. وأيضاً هذا الختم دلالة على أنه لن يزيد أحد إلا أن يكون مزوراً، وهذه طبيعة تناسب في الاختام، الختم يكون في الاخير في نهاية أي خطاب أي رسالة تحرر، معنى ذلك بأن ما بعد هذا الختم فهو تزوير، وما بعد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فهو ادعاء، وما بعد شريعته فهو ابتداع صلى الله عليه وآله وسلم.

وكونه عند الكتف ظاهر الكتف الأيسر بأنه مقابل القلب، ففي هذا عصمة له من وسوسة الشيطان. أيضاً الفائدة التي تليها هنا في الحديث قال رضي الله عنه: فقالت يا رسول الله إن ابن اختي وجع. فيه فائدة: جواز الشكوى دون تذمر إلى من يرجى منه الدعاء أو يرجى منه العون فيما يقدر عليه، ففي هذا جواز الشكوى. ولا ينبغي لمن شكي إليه أن لا يكون في المستوى، يعني إذا اشتكى لك انسان من هم كبير فعليك أن تكون في ردود أفعالك على قدر الشكوى، لا تقل كلمات باردة: الله المستعان، يعين الله، بعضها قد تفهم على أنها استخفاف بالمودة، على الإنسان أن يجاهد نفسه في ردود أفعاله لتكون على حجم ما يلقى إليه فرحاً وترحاً.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح، قال: فمسح رأسي السائب بن يزيد يقول: فمسح رأسي ودعا لي بالبركة وتوضأ. هنا قبل أن يدعو له بالبركة مسح رأسه، هذا التلطف من جميل أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، ومما ينبغي لنا أن نأتسي به، فيه اشاره إلى حسن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وملاطفته لهم خاصة الصغار منهم.

فلم يشرع مباشرة، كما تلاحظون في الحديث، لم يشرع مباشرة في الوضوء وإعطائه فضله ليشربه ويتداوى ببركته، لكنه وضع يده على رأسه ومسح عليها ودعا له بالبركة ليطمئن قلبه وليؤنسه، ويرفع ما في نفسه من خوف محتمل. الصغار لما يجدوا الكبار، وخاصة في أحوال المرض، تجد أنه يخشى من أي مس أو اقتراب خشية أن يكون في يد هذا الكبير مثلاً إبرة أو دواء أو شفى فتجد أنه قلق، فمن السنة أن يقدم الإنسان رفع الأذى المعنوي على الأذى الحسي ومرض الجسد، من السنة أن يؤنسه قبل أن يعطيه الدواء وذلك بملاطفته والمسح على رأسه وغيره.

الحديث الذي يليه، بسم الله. وقال حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: حدثنا أيوب بن جابر عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم غدة حمراء مثل بيضة الحمامة. وقال حدثنا أبو مصعب المدني قال: حدثنا يوسف بن الماشون عن أبيه عن عاصم بن عمر بن قتادة عن جدته رميثة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أشاء أن أقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربه لفعلت، يقول لسعد بن معاذ يوم مات: اهتز له عرش الرحمن.

نعم، بسم الله. هذا الحديث أخرجه الترمذي في جامعه في كتاب المناقب، وكما ذكرت لكم سابقاً أن غالب أحاديث الشمائل نجدها في كتاب المناقب من سنن الترمذي وإن لم يكن جميع الأحاديث. قال: وهذا حديث حسن صحيح. والإمام الترمذي لا يحسن بأن يعزى إليه إن كان له مقول نقدي في هذا الحديث إلا أن يذكر نقول، رواه الترمذي وقال: حديث حسن، أو رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، لا يحسن أن يترك حكمه، وقد سبق الحديث عن صفة خاتم النبوة في الحديث السابق.

والحديث الذي يليه تفرد به المصنف عن بقية أصحاب الكتب الستة، وهو حديث رميثة قالت: سمعت رسول الله، ولو أقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربه لفعلت، يقول لسعد بن معاذ يوم مات اهتز له عرش الرحمن. قال حدثنا أبو مصعب المدني، الغالب وليس على اطلاقه كل راوي قيل في نسبته المدني فهو ينسب إلى المدينة المنورة غالباً وليس في كل راوي، لكن هذه قاعدة أغلبية.

أما إذا قيل في نسبته المديني فإنه ينسب إلى مدينة المنصور بغداد، وأحياناً يقال بعض الرواة يقال المدائن نسبة إلى مدائن كسرى. أما الإمام البخاري فقد ذكر قولاً آخر يقول: إن المدني من ولد بطيبة وتحول عنها، يعني ولد في المدينة المنورة ثم تحول عنها، والمديني هو من ولد بها ولم يفارقها، والامر في هذا واسع. أما أبو مصعب فهو مدني قطعاً، وهو أحمد بن أبي بكر الزهري قاضي المدينة.

والمقصود من إيراد هذا الحديث أنه أراد صفة الخاتم وقربه، قالت: ولو أشاء أن أقبل الخاتم الذي بين كتفيه لفعلت، وذلك لشدة الاقتراب.

الحديث الذي يليه، بسم الله. وقال حدثنا أحمد بن عبدة الضبي وعلي بن حجر وغير واحد قالوا: حدثنا عيسى بن يونس عن عمر بن عبد الله مولى غفرة قال: حدثني إبراهيم بن محمد من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان علي إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله وقال: بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين.

نعم، أحسن الله إليك. هذا الحديث سبقت معانيها معنا، تكلم, تكلمنا فيه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعدة أحاديث. الزائد هنا الذي يحتاج إلى تعليق ما نص عليه بأنه خاتم النبوة لجميع الأنبياء، يعني الفائدة الزائدة المضافة من هذه الرواية بأنه خاتم النبوة لجميع الأنبياء، قال: وهو خاتم النبيين.

هنا يحتمل لو أفردنا هذه العبارة أنه خاتم النبيين عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا وجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، لكن يظهر أن المراد هنا بأن الخاتم هذا هو للانبياء جميعهم، بأنه وجد لجميع الأنبياء.

وقد جاء في بعض كتب الفضائل التي هي كتب الخصائص أن خاتمه صلى الله عليه وسلم كان بين كتفيه، بينما كان خاتم الأنبياء في يدهم اليمنى، كل نبي يكون في يده اليمنى. في المستدرك عن وهب بن منبه قال: كان هارون بن عمران فصيح اللسان، بين المنطق، يتكلم في تؤدة، ويقول بعلم وحلم، وكان أطول من موسى طولاً، وأكبرهما في السن، وأكثرهما لحماً، وأبيضهما جسماً، وأعظمهما الواهاً. وكان موسى رجلاً جعداً آدم طوالاً كأنه من رجال شنوة، ولم يبعث الله نبياً إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فإن شامة

النبوة كانت بين كتفيه، وقد سئل نبينا صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «هذه الشامة التي بين كتفي شامة الأنبياء قبلي؛ لأنه لا نبي بعدي ولا رسول».

وقال بعض العلماء: إنما جعل بين كتفيه جهة قلبه لصيانته من وسوسة الشيطان. واستنكر القسطلاني هذا، وهذا الاستنكار ليس بقوي. هو ماذا قال القسطلاني؟ قال بأن قولنا إن الخاتم في الكتف لصيانة النبي صلى الله عليه وسلم من الوسوسة فيه إيهام بأن الأنبياء قبله لم يصانوا عن ذلك. وهذا لا يلزم، ودفعه يسير بأن نقول بأن الأنبياء كانوا يصانون عن وسوسة الشيطان، لكن نبينا صين عن ذلك بزيادة حفظ وعناية. ولا ينافي أن الأنبياء قبله معصومون، لكن هذا من باب زيادة العناية والحفظ.

وأيضاً من المعاني التي قد تستنبط بأن يقال في اختلاف مكان خاتم النبوة أن النبي صلى الله عليه وسلم فيه إشارة بأنه صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده. وكان كون خاتم النبوة في يده اليمنى بأن يسلم كل نبي النبوة لمن بعده؛ إذ المعتاد أن يسلم باليمنى. فكان هذا الخاتم الموجود في عند الأنبياء في أيديهم اليمنى يسلم السابق منهم اللاحق، حتى إذا جاء نبينا صلى الله عليه وآله وسلم جعل خاتمه بين كتفيه جهة الخلف لملائمة أنه لا يعقبه نبي، فبه ختمت سلسلة الأنبياء، وكان ختامها في أشرف البشر، وموضع الخاتم في أشرف المواضع جهة القلب. ويدل على ذلك حديث روي أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هذه الشامة التي بين كتفي شامة الأنبياء قبلي؛ لأنه لا نبي بعدي ولا رسول».

وقال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عُزرة بن ثابت، قال: حدثني علاء بن الحمر اليشكري، قال: حدثني أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا زيد، ادن مني فامسح ظهري». فمسحت ظهره، فقعت أصابعي على الخاتم. قلت: وما الخاتم؟ قال: «شعرات مجتمعات».

فقال: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث الخزاعي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي بريدة يقول: جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا سلمان، ما هذا؟» قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: «ارفعها، فإنا لا نأكل الصدقة». قال: فرفعها. فجاء الغد بمثله، فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما هذا يا سلمان؟» قال: هدية لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ابسطوا». ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به. وكان لليهود، فاشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهماً على أن يغرس لهم نخلاً فيعمل سلمان فيه حتى تطعم. فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل إلا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النخل من عامها ولم تحمل نخلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما شأن هذه النخلة؟» فقال عمر: يا رسول الله، أنا غرستها. فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرسها فحملت من عامها.

أحسن الله إليك وجزاك خيراً. في الحديث السابق قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عُزرة بن ثابت. هذا الحديث تفرد به المصنف عن بقية أصحاب الكتب الستة. وقد أخرجه الإامم أحمد من طريق آخر، كلهم من حديث عمرو بن أخطب، لكن رواية الإمام أحمد شعر مجتمع على كتفه، وهنا شعرات مجتمعات، ولا تعارض بينهما لكني اردت التدقيق. هذا أبو عاصم هو الذي يسمونه أبو الذي قال حدثنا أبو عاصم؟ هذا أبو عاصم النبيل. قال البخاري عنه: قال سمعت أبا عاصم يقول: منذ عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحداً. إن هذا الذي في الرواة روى عنه البخاري أنه قال: منذ عقلت أو عقلت، تأتي بالوجهين: أن الغيبة حرام ما اغتبت أحداً. نسأل الله سبحانه وتعالى من فضله.

أما الحديث الذي يليه، الحديث الطويل، أحاديث أبو بريدة. قال: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث الخزاعي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي. ما اسم أبيه؟ بريدة. فهنا بريدة بدل من أبيه، فاسم أبيه بريدة. وليس المقصود سمعت أبي بريدة بأن اسمه أبا بريدة، لا، اسمه بريدة. فقال: سمعت أبي، أو قال: سمعت بريدة، كلها بنفس المعنى. ثم أتى بقصة سلمان، وهذا الحديث إسناده حسن، وإن كان فيه علي بن الحسين لكنه صدوق، والحديث أخرجه الإمام أحمد والبيهقي في الدلائل.

سبب إيراد هذا الحديث هنا هي مسألة خاتم النبوة، وأن سلمان الفارسي رضي الله عنه آمن به لما رآه؛ لما عنده من بصر وخبرة ومعرفة مسبقة بالأنبياء وخاتمهم. فكانت هذه الشعرات المجتمعات والبضعة الناشزة كما وصفناها سبباً في إيمانه مع غيرها من الأسباب. فليس الخاتم هو السبب الوحيد، لكنه كان من ضمن جملة الأسباب. وهذا الحديث فيه عدة فوائد أحب أن أقف معها.

المسألة الأولى الفائدة الأولى بأن مريد الهدايه تكفيه أقل الدلائل. مريد الهداية تكفيه أقل الدلائل، فهذا سلمان رضي الله عنه لما رأى خاتم النبوة أسلم. بعضنا يكون عنده حكم شرعي فلا يقبل بالحديث والحديثين والثلاثة، وقول عالم وآخر وثالث، لا يريد أن يسلم لأنه لا يريد الهداية. لكن مريد الهداية فقط لو استشعر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب هذا، سواء على جهة الوجوب أو الندب، أي فقط هذا يحبه النبي صلى الله عليه وسلم يحبه الله سبحانه وتعالى سأفعله. مريد الهداية لا يحتاج إلا إلى أقل الدلائل لينطلق، أما البعيد أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا العناد وأن يجنبنا عدم التسليم فلا تؤثر فيه الأدلة.

من الاستنباطات التي يمكن أن تكون من فوائد هذا الحديث بأن هذا الحديث أصل في مسألة سلامة الصدر ونقاء القلب وضعوها بين قوسين وتكبير العقل من وجهين. الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع سلمان هذه المائدة التي عليها رطب قال في البداية قال إنها صدقة، ثم في المرة لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم بل أرشده إلى ما في الأمر بلطف وسماحة. اليوم الثاني أتى سلمان بمائدة أخرى وقال أنها هدية، لم يعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على كلمته في الموقف الأول، ولم يقل من أنت لتتصدق علينا؟ ما كبر الموضوع، كبر عقله ولم يكبر الموضوع، قال: «ابسطوا أيديكم»، وكان الموقف الأول لم يحدث. هكذا الكبار. هكذا الكبر. حدث موقف ثم حدث تعديل للموقف انتهى انتهى، أما أن يعيد الإنسان الموقف الأول على جهة العتب: وأنت قلت، ولا ذاك ما كان في قلبك وهذا ما على لسانك، وتأتي بتحليلاته، هذا ليس شأن الكبار. الكبار الكبار عندهم صفاء قلب وعندهم حمل للكلمات على الحسنى وعندهم تكبير للعقل، الموقف يأخذ حجمه الطبيعي ثم يمضي. أما الإنسان الذي لا ينسى، أو أنه يعيد ويزيد في كلمة صدرت، فهذا هذا ليس شأنه شأن الكبار. عنتر يقول: ولا يحمل الحقد من تعلو به الرتب. من علت رتبته لا يحمل الحقد ولا يدقق في المواقف أيضاً.

هذا أصل في في الموقف أن عمر رضي الله عنه لم تحمل نخلته التي غرسها، نزعها النبي صلى الله عليه وسلم وأعاد غرسها فحملت من عامها ببركة النبي صلى الله عليه وسلم. ما خالج قلب عمر هنا أي حزن، ولم تلح عليه أي لائحه كراهة لما حدث، وإلا لنقل لنا، بل ذكر الراوي هنا هذه القصة وفيها دلالة على أن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينظروا للحدث إلا من زاوية ظهور بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يخالط نظرهم أبداً أي تنقص لعمر ووضع من مقامه رضي الله عنه. كانوا كباراً، كبار النفوس، لا ينظرون إلى ما هو أبعد من الموقف، وعادة النفوس الكبيرة أنها لا تبالغ بتحليل الكلمات، ولا تستطرد أذهانها في توليد الاحتمالات.

بعض الناس لما تجلس معه تدقق في كل كلمة حتى كأن الجلوس معه كأنه جلوس على حافة جبل تخشى أن تقع بسبب نسمة هواء. وبعض الناس سمح هين، رضي الله عنه وكثر من أمثاله في العالمين أياً يكن، سمح هين تقول الكلمة دون أن تدقق فيها ودون أن تعقد عليه ولم أصدق، ولا تظن بكلمتي؛ لأنه كبير نفسه كبيرة، هكذا كان الكبار.

وأيضاً هنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذه فائدة مهمة: ما كان يربي صحابته على هذه الحساسية، يعني ما أتى إلى الصحابة رضوان الله عليهم وقال لا تحملوا على سلمان في كلمته، وما أتى إلى عمر وقال لتطب نفسك، لا، ما رباهم على الحساسية. الموقف العادي يظل عادياً، نحن أحيانا نزرع الحساسية في نفوس الناس بمثل هذه الاحتراسات. الموقف عادي دعه يمضي عادياً، لا تكثر من الاعتذار ولا تكثر من إيقاظ النفوس إلى مواطن التحسس. أحيانا تمر الكلمة عابرة لكن نحن من نوقظ المتحسس لها. وبكل صراحة، بكل صراحة، من معالجات النفوس الحساسة المبالغة في حساسيتها لا أطيل في أن يكون حساساً فلا بد أن يكون الإنسان حساساً وإلا كان متبلداً، لكن أتكلم عمن يبالغ في الحساسية حساسية. من معالجات هذه النفوس ألا تعطى ما يغذي هذه الحساسية، يعني المفترض أن يشعر بقدر من الاتزان في التعامل معه، أما التعامل كما يحب فالامر لن يغيره أبداً.

قد يتبادر أيضاً من الفوائد هنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على مخالطة الناس والصبر على أذاهم، لأن الأذى لا يأتي فقط ممن نكره. النبي صلى الله عليه وسلم حث على أن نخالط الناس. المسلم إذا كان مخالطاً الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، هكذا في الترمذي. طيب من الناس الذين نخالطهم هم المؤمنون، لأن المؤمن مأمور بأن يخالط المؤمن، ومن هنا نعلم بأن الأذى المقصود في مخالطة الناس هو أذى المؤمنين، يعني قد يؤذيك مؤمن أين الاشكال؟ قد يؤذيك من لا يكرهك دون قصد أو أن عنده غلبة أحوال. بعض الناس لا يحسن حساب الكلمة، ومن الأذى لا بد أن تعتاده النفوس أن تتاقلم عليه. بعض الناس في طبعهم جفوة أو غلظة قد لا يفطنون إليها، لكن المخالط يتاذى منهم، فربما يأتي أحدهم بالكلمة التي تغضب أو تكسر الخاطر أو تحزن المؤمن دون أن يبالي، لكن الذي يخالط الناس لا بد أن يكون عنده صبر وصدق تحمل.

وفي الحديث أيضاً فائدة في جواز قبول الهدية وأن سماحة النفس ليست في العطاء فقط وإنما في الأخذ والعطاء، كما يقال من قبل الغداء فقد قبل أن يعشيك هكذا يعني. فالذي يقبل أن يأخذ هو بالمقابل سمح في العطاء. وفيه فائدة أيضاً بأن المستحب للمهدى له أن يطعم الحاضرين مما أهدي إليه، ومما روي في ذلك على ضعف فيه لكنه روي: من أهديت له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيه. يعني يستحب لمن أهدي له مثلا عطر أو طيب في مجلس أن يطيب الحاضرين، ومن أهدي له طعام أن يطعم الحاضرين، وعليه فقس أيضاً.

من الفوائد ذكر بعض أهل السير الوجه الذي جمع منه سلمان ما أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم. الآن من أين أتى سلمان الفارسي رضي الله عنه بهذه الهدية؟ قال في رواية أخرى قال سلمان: كنت عبداً لامرأة، فسألت سيدتي أن تهب لي يوماً فعملت في ذلك اليوم، يعني تهب لي يوماً حراً أكون في العمل معها يكون عندي إجازة، قال: فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر هذه أجرته، وجئت به النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته لا يأكل الصدقة سألت سيدتي أن تهب لي يوماً آخر فعملت في على ذلك اليوم، يعني صار عنده يومان إجازة، ثم جئت به هدية للنبي صلى الله عليه وسلم فقبله وأكل منه. وهذا فيه معنى الحريص على الهاية الطالب لها بصدق يبذل جهده ويتفنن في سبل الوصول إليه. فهذا سلمان رضي الله عنه على ما كان فيه من الرق وتقييد الحرية والتصرف لم يمنعه ذلك من بذل الجهد وتكلف العناء لتحصيل شيء من الطعام يذهب به لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإنما فعل سلمان ذلك لأنه قد أخبر قبل مقدمه المدينة من أحد الرهبان أن من علامات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأراد أن يستوثق من ذلك ويطمئن به قلبه. انظروا سلمان الفارسي رضي الله عنه يريد الهداية وسعى لها سعياً شديداً، ونحن المفترض حينماسي بالشمائل ومن رويت له في الشمائل أحاديث بأن لا نبالي بما نبذله من أوقات ومن جهود في تحصيل الهداية، إلا أحب الملامة وأنا أول المقصرين وعلى راسهم، لكن انظروا هنا هو اخذ يوم إجازته للعمل لتحصيل الهداية، ونحن نحن هنا ناخذ يوم إجازتنا الذي هو الجمعة لتحصيل الهداية بالشمائل، ويوم إجازتنا الآخر الذي هو السبت لتحصيل الهداية بالاستهداء. فبهذا يقع الائتساء والاقتداء بأن الإنسان حتى في أوقات إجازته لا بد أن يكون له جدول لتحصيل الهداية وزيادة ما عنده من خير وعلم وبركة.

الحديث الذي يليه بسم الله: وقال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا بشر بن الوضاح قال حدثنا أبو عقيل الدورقي عن أبي نظرة العوقي قال: سالت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال حدثنا أحمد بن المقدام أبو الأشعث العجلي البصري، قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ناس من أصحابه، فدرت هكذا من خلفه، فعرف الذي أريد، فألقى الرداء عن ظهره فرأيت موضع الخاتم على كتفيه مثل الجمع حولها خيلان كأنها ثاليل، فرجعْت حتى استقبلتُه فقلت: غفر الله لك يا رسول الله! فقال: ولك.

فقال القوم: استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، ولكم. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19].

جزاك الله خيراً، وغفر الله لي ولك وللمؤمنين والمؤمنات على هذه القراءات الطيبة المباركة. الحديث الذي يليه هو في معانيه سبق أن تحدثنا عنه، أما هذا الحديث الاخير فسنقف معه وقفات. حديث عن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ناس من أصحابه.

هذا الحديث أصل في أن يتواضع العالم والشيخ والمربي لأصحابه، فهو لم يقل بأنهم جالسون إليه، وإنما قال: جالس في ناس من أصحابه من ضمنهم معهم يخالطهم. والمربي الذي يريد أن يكتب أثره وأن يحمد، لا يلقي على طلابه الأوامر من بعيد افعلوا ولا تفعلوا، لابد أن يكون هناك قدر من المخالطة ولو تأذى ولو ذهب وقته، فهو محتاج إلى هذه المخالطة لينقي نفسه، وسيتربى هو أولاً ثم سيربي من معه أيضاً.

من الفوائد هنا قال: فدرت هكذا من خلفه، فعرف الذي أريد، فيه فائدة بأن الذكي اللماح له قدر من الجاذبية. النبي صلى الله عليه واله وسلم يفهم الأمور دون إشارة حتى، فكيف باللفظة وكيف بالتصريح بما هو فوق ذلك! فقال: فدرت هكذا من خلفه، فعرف الذي أريد، النبي صلى الله عليه وسلم كان ذكياً لماحاً بأبي هو وامي صلى الله عليه واله وسلم. وهكذا أن تتعلم من شخص يكون قد تم عقله وذكاؤه وعنده هذا اللموع يعطي قدراً من الثقة والاطمئنان، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يفهم أصحابه دون أن يصرحوا في بعض المواضع، وله شواهد أخرى.

قال: فرأيت موضع الخاتم على كتفيه مثل الجمع، وفي رواية القمع، حولها خيلان كأنها ثاليل. فرجعت حتى استقبلته فقلت: غفر الله لك يا رسول الله! فقال: ولك. فقال القوم: استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم ولكم. هنا الجمع تأتي مثل الأصابع مثل جمع الكف وأن تجمع الأصابع وتضم، وفي بعض الروايات كما ذكرت لكم القمع وهو نفس المعنى.

وفي هذا الحديث من المعاني الشريفة ما يجعل المؤمن يقصدها للاستهداء والتأدب منها كما ذكرت؛ جلوسه بين أصحابه والمخالطة على سجيته. انظروا فألقى الرداء، ليس هناك رسوم، ما استنكر أحد من الصحابه كيف تلقي رداء الشيخ، كيف تجعل الشيخ يفعل كذا وكذا! لا لا لا، مخالطة على السجية وعلى اللين، ليست كجلسة الملوك وليست كالاجتماعات التي يملاها الحذر والتحرز والكلفة. قد كان ياتي من ياتي منهم متأخراً، وهذا فيه دلالة على تأخر عبد الله بن سرجس في المجيء يأتي دون عتب دون رد له، بعض الأشياخ إذا تأخر التلميذ عن الدرس عاتبه وقال: لست بطالب علم، وإنما أنتم الهاكم كذا وكذا، ولا تعرفون قدري، وأنا الذي وأنا الذي! لا لا، رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه أصحابه متأخرون ويجلسون إليه دون عتاب بل بالمؤانسة والسجية. يخلع له رداءه أيضاً، بعضنا لا، الوقت جميل الحرص على الوقت، لكن أحياناً نحن ندخل من هذا المدخل يعني من مدخل حفظ الوقت إلى صراحة إلى حفظ مقاماتنا، يعني قد يكون في مدخل كبر أحياناً. بعضنا إذا دخل القاعة لا يدخل أحد خلفي وإنما أريد أن أربيهم، وفي الحقيقه هو يريد أن يجعل له مقاما وشرفاً وجاهاً، ما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة.

المعنى الثاني؛ عبد الله بن سرجس لما أراد أن يزداد إيماناً، النبي صلى الله عليه وسلم ألقى رداءه. فهنا من الفوائد أن الواجب على المؤمن أن يعين أخاه على موجبات الإيمان، وكذلك يعينه على رغبات نفسه إن كانت خيراً. يعني سواء كان هدف عبد الله بن سرجس من رؤية الخاتم، سواء كان هدفه زياده الإيمان فالنبي صلى الله عليه وسلم أعانه على زيادة الإيمان، أو كان إعانة على رغبات النفس أحياناً يكون هناك سؤال شخصي مثلاً لا يضر ويكون خيراً، يكون فيه قدر من الخير، يعني كما يقال لا تخليها في خاطره أسعده، تريد أن ترى هذا خاتم النبوة من الرحمة أن أريك خلاص يعني، ليس هناك أي إشكال، يعني ليس هناك رسوم زائدة، ليس هناك مبالغات في الحذر. أحياناً يكون سؤال عابر أحياناً يكون شيء لطيف، هذا من لطف النبي صلى الله عليه وسلم. فسواء حملنا التفاف عبد الله بن سرجس بأنه من باب زيادة الإيمان أو أنه حتى من باب الرغبة النفسية المحضة، النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كل من تدبر سيرته بأنه كان رحيماً بالعباد حريصاً على هدايتهم، لا يترك شيئاً مما يدعو الناس إلى الإيمان ويقربهم منه إلا أعانهم عليه، سواء كان هذا الأمر محسوساً أو غير محسوس.

أيضاً هذا وارد في قصة إسلام سلمان الفارسي لما قال: ثم استدرت أنظر إليه، فلما راني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدرتُ عرف أني أستثبت في شيء وصف لي فألقى رداءه. فهذه عادته مع أصحابه الذين يعرفون والذين لا يعرفون، وهذه أيضاً فائده أضاف فائدة أخرى، ولعلي أختم بهذا الحديث حتى لا أطيل عليكم.

في هذا الحديث أن عبد الله بن سرجس قال: رجعت حتى استقبلت، ثم قال: غفر الله لك يا رسول الله! وهذه العبارة تحمل على الشكر لما مكنه النبي صلى الله عليه وسلم من مبتغاه بأيسر طريق، هذه كلمة شكر. النفوس الكبيرة إذا أُسدي إليها معروف تشكر صاحبه، وشكر عبد الله بن سرجس كان عفوياً سلساً، اتاه الرد من النبي صلى الله عليه واله وسلم على سبيل مقابلة الإاحسان بالإحسان امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُوهَا﴾ [النساء: 86]. من الأشياء التي نستهدي بها في الشمائل بأن الإنسان إذا أُسدي إليه معروف من حسن خلقه أن تكون كلمة الشكر مطرفة على لسانه جاهزة، أحسن إليه، شكر الله لك، هكذا يكون سمحاً بها.

المعنى الخامس؛ طبعا بعض الشراح استوقف عند هذا: وكيف يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قد غفر له؟ وكيف وكيف؟ وهذا تحصيل حاصل، لا معنى لتشقيق العبارات هنا، هذا موقف أنس فيه عبد الله بن سرجس وقضى ما في خاطره، ورأى ما كان يريد، فدعا للنبي صلى الله عليه وسلم بأقرب دعاء حضر إلى ذهنه هكذا فقط، دون أن تأتي مسألة أصولية في عصمة الانبياء وهل يدعى للنبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا خلاف المقصود وخلاف الفهم الصحيح لما كانت عليه علاقة النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه مما يكون من الألفة والمحبة وعدم الاحتراز.

المعنى الذي يليه وهذا اريد أن نقف معه وقفة؛ جاء في الحديث أن القوم الذين حدثهم عبد الله بن سرجس قالوا متعجبين: استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وليس تعجبهم تعجب كذب أو تعجب أنه يكذبونه، لا، بل تعجب إجاب وفرح، يعني أمر كبير يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال لهم: نعم. انظروا، لكنه لم يستأثر بهذا وحده، بل جبر خواطرهم، قال: نعم ولكم، يعني لم يستغفر لوحدي، بل استغفر لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم معي. ثم أتى بالتفاتة كما يقول البلاغيون، فذكر قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. هنا عبد الله بن سرجس لم يتفاخر على أصحابه مع أن هذا مظنة الفخر ومأبنته؛ استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اعظم ما يفتخر به، وإنما طيب خواطرهم قال: وأنتم أيضاً دخلتم معي في هذا الاستغفار، مع أننا نعلم وتعلمون أجمعين بأن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء واستغفاره لنا كان استغفاراً عاماً، واستغفاره لعبد الله بن سرجس كان استغفاراً خاصاً، لكنه لم يستأثر، ولكنّه طيب خواطرهم، وهذا فيه نفس المؤمن الذي لا يفخر على أصحابه ولا يكثر من قول أنا وحصلت وعندي وفعلت، وإنما إذا كان من ضمن فريق وأراد أن يحدث عن منجز معين فعليه أن يشير إشارة واضحة بأني لم أعل هذا لوحدي، وإن اليد وحدها لا تصفق لابد أن يقول: إنما أعانني فلان وأعانني فلان، ودخل معي في ثواب هذا الأمر فلان ولم أكن وحدي، وأنتم قد ترون ما هو ظاهر لكم ولكن خلف الكواليس أناس يعملون بصدق وبر، وهكذا هكذا نستهدي بالشمائل، هكذا تطيب أخلاقنا.

والأحاديث القادمة إن شاء الله سبحانه وتعالى من هذا الكتاب سيكون فيها مزيد من الفوائد التربوية والتزكوية والإيمانية والأخلاقية والنفسية، ما نقف عندها بإذن الله سبحانه وتعالى حتى يتحقق مقصود الدرس بأن نتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه واله وسلم ونقيم المثل المحمدي في نفوسنا.

إلى هنا ننتهي قد ختمنا الباب، أليس كذلك يا شيخ؟ الباب انتهى، سيكون معنا في الدرس القادم إن شاء الله باب ما جاء في شعر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فنحن الآن ختمنا باباً كاملاً الحمد لله اليوم، وهذا الباب الثاني طوي، سندخل في الباب الثالث في الدرس القادم.

أما بالنسبة لعهد الأسبوع، فنحن نرى بأن من الفوائد التي استفدنا منها في هذا الحديث بأن الإنسان يعين أخاه على ما يكون به هدايته، كما أعان النبي صلى الله عليه وسلم سلمان في مسألة إلقاء الرداء ليرى خاتم النبوة، فعهد الأسبوع أن نعين ولو شخصاً واحداً على ما قوي إيمانه؛ إما أن ننشر ماده أو نصنع فائدة نعلم أنها تنفع هذا الشخص، أو نجلس معه جلسة تعينه على الهدايه، فنحقق بذلك الاستهداء. عهد الأسبوع أن نصنع ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان من إظهار دلالة ترفع الإيمان، فعلينا أن نعين إخواننا. ولست أحصر هذا ولا أحب هذا أن يكون في نشر ماده لاخيكم لا بل أي ماده نافعة، وخذوها مني أنا لا أرى نفسي والله أهلاً لأن يشار إلى درسه ولم أطلب في يوم من الأيام لا من قريب ولا من بعيد حتى أصحابي لم أطلب منهم النشر ولا أرى ذلك لي بمقام، إنما ينشر الخير لأي أحد كان، سواء ترون ذلك فيما يلقى بين أيديكم من فلان أو من أي شخص آخر، فلست ممن يعلقكم بشخص، ولست ممن يقول لكم إنما أنا مورد الهداية وينبوع الحكمة، وإنما أقول لكم انشروا الخير لأي أحد كان بأي طريقة كانت، أما أنا فمن من تراب وإلى تراب ومليء بالأخطاء ولا يمكن أن أدل الناس عليه. لا يمكن أن أدل الناس عليه، فمن أراد أن ينشر أي عمل نافع فلينشر، لكن ليس شرطاً أن يكون لي ولا أحب هذا، ولا أحب الشيخ الذي يعني يستخدم تلاميذه ويستغلهم لبعض الأغراض لنشر صيت أو جاه أو مشاهدات، هذا أمر بعيد عن خلق الربانيين، وهذا الأمر لا يمكن أن تستقيم معه أمور الإخلاص حتى ولو تأولنا بأن في ذلك مصلحة وأن في ذلك وأن في ذلك، لكن الحق أن الإنسان على نفسه بصيرة، إذا تقبل الله من الإنسان فنشر الناس له أو لم ينشره يكفيه أن يقبل الله سبحانه وتعالى منه.

اللهم يا حي يا قيوم، اللهم يا رب العالمين، اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت. اللهم أدم علينا نعمة العلم وتدارسه ومجالسته يا حي يا قيوم. اللهم إن كنت قد كتبت في سابق علمك وسالف أقدارك بأن تحرمنا من محبوب لبتلينا، فلا يكن هذا البلاء حرماننا من الفهم عنك ومدارسة كتابك وسنتك والجلوس مع الصالحين والتحديث عنك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].