الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا أول الدروس في شرح علل ابن أبي حاتم رحمه الله. وقبل البدء في الكتاب أحب أن أقدم مقدمة يسيرة، وإن كنت أرغب في الحقيقة الدخول في الكتاب مباشرة، لكن قد أشار علي بعض أهل الفضل بذكر مقدمة ولو يسيرة عن علم الحديث أو تاريخ علم الحديث.
كما تعلمون، بدأ علم الإسناد أو علم الحديث أو البحث عن الحديث من زمن مبكر، من أيام النبي صلى الله عليه وسلم. كان الصحابة يسمعون من النبي الحديث، فيأتون إليه ويسمعونه منه صلى الله عليه وسلم، وبعض ذلك موجود في الصحيح؛ هذا الرجل الذي جاء وقال: يا رسول الله، إن رسلك يقولون إنك قلت كيت وكيت، ضمام وحديثه مشهور، وهناك أحاديث أخرى في هذا الباب. ثم لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، انتشر الصحابة في أقاصي الدنيا ينشرون العلم وينشرون الدين، وكان مما نشروه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه يقوم الدين.
فاستمر الناس في أخذ الحديث من أفواه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن إلى أن وقعت الفتن. طبعاً في عهد الصحابة كان الصحابة يتوقون ويحترزون ويحتاطون في التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فبعضهم ما كان يحدث إلا قليلاً. الزبير بن العوام يقول له ولده: يا أبتِ، لم لا تحدث مثل فلان وفلان؟ فيقول: يا بني، إني لم أفارق النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً أو نحو هذا الكلام، وهذا في الصحيح. ولكني إنما يمنعني من التحديث -أو التحديث كثيراً- قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». فكان الصحابة يحترزون غاية الاحتراز من التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا أنس بن مالك وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعثمان بن عفان، وكان عمر يخوفهم أيضاً في التحديث.
لما جاء أحد الصحابة وطرق عليه الباب، لا أدري هل هو أبو سعيد أو غيره، فطرق الباب ثلاث مرات وكان عمر بن الخطاب أميراً على الناس، أمير المؤمنين، فانصرف الرجل بعد الطرقة الثالثة، استئذان الثالث فخرج عمر فإذا هو قد ولى، قال: ما لك؟ قال: قد أمرنا بأن الاستئذان ثلاثاً، فإن أذن لكم وإلا فانصرفوا، فقال: والله لتأتينَّ عليه بشاهد، وإلا أوجعت ظهرك أو ضربت ظهرك. فذهب يبكي لأن الذي يتهدده هو عمر بن الخطاب، فجاء إلى بعض الصحابة جالسين وفيهم زيد بن ثابت، فأخبرهم فقالوا: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا، يعني كلهم قد سمعوا هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. فلما جاء أصغرهم وشهد عند عمر، قال عمر: ألهاني الضرب في الأسواق، يعني ألهتني التجارة، هذا يقوله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
الشاهد من الكلام أن الصحابة كانوا يتوقون، وكان عمر يحذرهم، وكان معاوية رضي الله عنه يقول: لا تحدثوا إلا بالأحاديث التي يُحدث بها في زمن عمر، فإنه كان يخوف الناس. ثم بعد ما وقعت الفتن بين بعض الصحابة، بين علي ومعاوية، ثم استمرت هذه الفتن، ظهر الكذب شيئاً فشيئاً، وظهرت الزيادات، فأصبح الأئمة يحتاطون. ابن عباس مرة من المرات يُحدث عنده أحد الناس أو أحد التابعين، ظننتُه بشير بن كعب، وهذا بصحيح مسلم، فلم يأذن له ابن عباس، لم يستمع له، فقال: يا ابن عباس، أُحدث عن رسول الله ولا تأذن لي؟ قال: إنا كنا إذا سمعنا الحديث أو سمعنا رجلاً يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ابْتَدَّت إليه أبصارنا وأسماعنا، أما وقد ركب الناس الصعب والذلول فلا إلا ما نعرف.
وهكذا قال محمد بن سيرين، وهو من أئمة التابعين الكبار: كان الناس لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فقالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فأصبح هناك تفتيش عن الأسانيد، وأصبح هناك بحث عن الأحاديث، إذا حدث الرجل قالوا: من حدثك؟ لما حدث إسحاق بن أبي فروة، وكان الزهري حاضراً وهو من أئمة التابعين الكبار، صار يقول: قال رسول الله، فقال الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، أتحدث بأحاديث لا أزمة لها ولا خطم؟ هنا بدأ الحديث يتشكل، وبدأ الناس يبحثون عن الإسناد، وبدأت المجالس شيئاً فشيئاً تُعقد مجالس التحديث، وبدأت الرحلة؛ فلان مُحَدِّث عنده أحاديث، وفلان، فصار تجتمع المجالس، وصار الناس يدونون الحديث ويصنفون فيه، فصار علم الحديث يتشكل شيئاً فشيئاً.
خرجت المصنفات من المسانيد، ومن الصحاح، ومن السنن، ومن الجوامع، ومن المستخرجات؛ ألف العلماء تأليفاً كثيرة في جمع السنة بالإسناد، وكان أكثر اهتمامهم بالأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقلَّ من يهتم بالأحاديث الموقوفة أو الأحاديث المرسلة، ولذلك لا تجد المراسيل والموقوفات في الكتب كثيراً، أغلب كتب السنة إنما عُنيت بالأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فصار هناك التأليف، وصار هناك البحث عن الرجال والفحص، وصار من الفاحصين -أول الفاحصين عن الرجال أو المفتشين عنهم- ابن سيرين رحمه الله عليه، إمام التابعين، هذا أول من فتش عن الرجال. سأل يعقوب بن شيبة يحيى بن معين: هل هناك أول من محمد بن سيرين في هذا الشأن في البحث والتفتيش عن رجال؟ فهز رأسه وقال: لا، لا أعرف ليس هناك من تقدم هذا الرجل في التفتيش. ثم أخذ تلاميذه عنه أيوب السختياني، ثم أخذ عن أيوب السختياني شعبة بن الحجاج أبو بسطام العتكي، وكان هو فريد زمنه في هذا الشأن، هو أول من وسع البحث في الرجال، وأول من انتقى الرجال، وأول من حرر، فتوسع جداً في هذا الباب بحيث أصبح علماً، وهو منشأ علم العلل هذا العلم الذي ندرسه؛ يعني أكثر من وسع فيه هو شعبة بن الحجاج، ثم تلاميذ شعبة إنما أخذوا عن شعبة، وتلاميذ تلاميذه إنما أخذوا عنه.
فشعبة، من الأخبار التي رويت في شعبة أنه مرة من المرات حدث حماد بن نصر في مجلس فيه شعبة وفيه عبد الله بن إدريس وغيرهم، فحدث عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر حديثاً من الأحاديث وهو في الوضوء، في فضل الوضوء، فلطمه شعبة بن الحجاج على وجهه، وكان يعتبر من تلاميذ شعبة لأن شعبة في مقام إسرائيل أو أكبر حتى من إسرائيل. فدخل شعبة، ولما خرج فإذا الرجل يبكي، فقال: ما يبكيه؟ فقالوا: آذيته، يقول عبد الله بن إدريس، فقال: أما سمعت ما حدث به؟ أنا سألت أبا إسحاق، هو حماد بن النصر يروي عن من؟ عن إسرائيل، وإسرائيل عن أبي إسحاق، هو يقول: أنا سألت أبا إسحاق، يعني شيخ شيخه، وهو شيخ لشعبة بن الحجاج.
وله قصة عجيبة مع شيخه هذا، وهي من باب الترويح وأيضاً نفهم الوسط الحديثي في ذلك الزمن؛ ترافق شعبة بن الحجاج وهشيم بن بشير للحج، وشعبة بصري وهشيم واسطي، فمروا على الكوفة، فمروا على أبي إسحاق، أو جلس معه شعبة، فمر عليه هشيم، فقال له: من ذا؟ قال: شاعر سبيع، هو السبيعي، أبو إسحاق السبيعي، وهو شاعر، فتركه هشيم، ما اهتم بالرجل، وشعبة صار يأخذ الأحاديث من هذا الرجل، وربما أخذ منه كتاباً أو نحوه. فذهبوا إلى مكة، وذا وهذا كان في بداية الطلب، ذهبوا إلى مكة وحجوا، ففي الطريق صار شعبة يقول: حدثنا أبو إسحاق السبيعي، وذاك يعلم بأبي إسحاق ويسمع عنه، فقال: أين لقيته؟ قال: هو الرجل الذي قلت لك شاعر سبيع، لماذا يفعل هذا شعبة؟ يريد أن يستحوذ على حديث الرجل دون صاحبه، حتى مثل ما يقولون يقهره أنه أخذ أحاديث ليست عنده، وهذا من باب التنافس، فأُغيم هشيم.
فلما حجوا كان من الناس الذين حجوا في ذلك الوقت الزهري، وهو حافظ التابعين، أقوى من أبي إسحاق وإن كان أبو إسحاق أكبر قليلاً، فمر عليه شعبة، مر عليه هشيم فوجده مُعَرِّجاً له ضفيرة، فقال: من ذا؟ قال: هذا شرطي لبني أمية، لأنه كان موظفاً عندهم، فتركه. فلما رجعوا فإذا هشيم يقول: حدثنا الزهري، قال: أنا لقيته، قال: الرجل الذي قلت لك شرطي بني أمية أو شرطي عند بني أمية، فقال: أرني الكتاب، فأراه الكتاب فمزقه، يقول الذهبي: فلم يعلق بذهن هشيم من حديث الزهري إلا أربعة أحاديث، وكان هذا في شبيبته عفا الله عنهم، يقول: وقالها جزاء وفاقاً، هذه بهذه جزاء وفاقاً، يقوله الذهبي رحمه الله عليه.
الشاهد من الكلام أن شعبة كان من أوائل الناس الذين اجتهدوا، طبعاً من هذه القصص كثير جداً، وقائع عجيبة وغريبة تبين لك وسط أهل الحديث، وكيف أنهم يتنافسون على الشيوخ، مما يدل على أن ذلك الزمن كان التفرد؛ لما يأتيك إمام ويقول لك تفرد به فلان من باب الطعن، هم يعنون ما يقولون، لأنه كان وسطاً حديثياً ورغبة الناس في التحديث والبحث عن الأحاديث، فتفرد ذلك الوقت يصعب أحياناً ويسوغ أشياءه أحياناً، وسيأتي إن شاء الله ربما يأتي مع الوقت ما يجيز التفرد وما لا يجيزه.
الشاهد أن شعبة من أوائل الناس، لطم هذا الرجل وقال: أنا حدثني أو سمعت هذا الحديث من أبي إسحاق، فسألته: سمع عبد الله بن عطاء من عقبة بن عامر؟ دائماً شعبة إذا رأيته في حديث، اعرف أن هذا الحديث من الصعوبة بمكان، يكون فيه انقطاع؛ لأنه من الناس الذين يفتشون عن السماعات، فإذا روى عن مُدَلِّس، اعرف أنه قد خنق المدلس، ما أعطاك حديثه إلا بعد ما صفاه، واضح؟ فقال: سَمِعَ عبد الله بن عطاء من عقبة بن عامر؟ فسكت الشيخ، ربما لا يدري هل سمع أو لا، فقال مسعر، وكان جالساً وهو من الأئمة: عبد الله بن عطاء حي في مكة، رُحْ له، اذهب إليه. فذهب إلى مكة ووجد عبد الله بن عطاء ويقول: وليس ذهابي للحج، يعني كان في وقت حج، لكن إنما ذهبت لأجل الحديث، فقلت له: أسمعت هذا الحديث من عقبة بن عامر؟ قال: لا.
فقال: إنما سمعته من سعد بن إبراهيم الزهري، فقال: مالك؟ سعد بن إبراهيم في المدينة لم يحج العام، قال: فرحلت إلى المدينة وجئت إلى سعد بن إبراهيم فقلت له: أسمعت هذا الحديث من عقبة بن عامر؟ قال: لا، من عندكم خرج زياد بن مخراق، زيد بن مخراق بصري، قال: سبحان الله، بينما هو كوفي وسامع في الكوفة عند أبي إسحاق، إذا هو مكي، إذا هو مدني، إذا هو يرجع بصرياً، فذهب إلى البصرة إلى زياد بن مخراق وهو ثقة، فقال: أسمعت هذا الحديث من عقبة بن عامر؟ قال: لا، وليس هو من بغيتك، يعني ليس هو من الأحاديث التي تبغيها أنت، أنا أعرفك، قال: حدثني به شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر، قال: فأفسدها، وأبو ريحانة لا أدري ربما يكون مجهولاً أيضاً.
الشاهد أن شعبة من الناس الذين فتشوا في الأحاديث، وهو أمسك أبا إسحاق ولم يدعه يُدَلِّس عليه، وهكذا قتادة وغيرهم من الناس، كان يتحرى جداً وكان أعرف الناس بالرجال، ولذلك كان أحمد بن حنبل وغيره يقدمونه على سفيان الثوري في تنقية الرجال وفي معرفة الحديث، وإن كان سفيان أحفظ منهم من حيث الحفظ، سفيان أحفظ، من حيث معرفة الصحة شعبة أعرف.
ثم جاء بعد شعبة تلاميذه، يحيى القطان وهو إمام في عصره، يقال له الأحول، يحيى بن سعيد القطان توفي سنة 198، شعبة توفي سنة 160، وأيضاً تلميذه الآخر عبد الرحمن بن مهدي وهو إمام من الأئمة الكبار، هذان الرجلان تعلما من شعبة بن الحجاج تعلما فن العلل فن الحديث، وكلاهما توفي في سنة واحدة 198، مع شيخهم أيضاً سفيان بن عيينة، 198، سفيان بن عيينة يعتبر في مقام شعبة، لكنه تأخر شعبة أكبر منه قليلاً، لكنه في مقامه من حيث الإسناد وعمر دهراً، فهو شيخ ليحيى القطان وشيخ لعبد الرحمن بن مهدي، أيضاً أو في مقامهم هو شيخ لهم صغير، هما أخذا من شعبة بن الحجاج، وكان يحيى القطان يعني يجله أحمد ولا يقدم عليه في هذا الفن أحداً، ويقول: إنه أعرف الناس به، حتى أن شعبة نفسه كان ربما قدمه على نفسه.
مرة من المرات اختلف شعبة وبعض أصحابه في حديث، في تصحيح وفي رأي، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكماً -يقولون لمن؟ لشعبة-، فقال: ذاك الأحول، اجعل لكم الحكم الأحول يحيى بن سعيد القطان، فجاء الأحول فأخبروه بالخلاف الذي بينهم، فقضى لهم على شيخه فوافق شعبة، شوف ما منزلة يحيى القطان! حتى سفيان الثوري يقول عبد الرحمن بن مهدي: قال لما جاء سفيان الثوري: ابغني رجلاً أذاكره، يقول جيب لي واحد أذاكره حافظ، قال: فأتيت له بيحيى القطان، قال: فجلس معه فترة ثم قال: ويحك، قلت لك: ائتني برجل، لا تأتني بشيطان! هذا من بهر حفظ الرجل، قال لك جيب لي رجل ما تجيب لي شخص غير عادي، غير طبيعي، طبعاً عبد الرحمن بن مهدي مثل يحيى القطان في المنزلة وفي المعرفة، وهو صاحب رسالة الشافعي، الرسالة التي ألفها الشافعي في الأصول، إنما ألفها لأجل عبد الرحمن بن مهدي، طلب منه علماً في الأصول أو قواعد في الأصول، فألف هذا الكتاب وسماه الرسالة.
وكان الشافعي رحمه الله يجل عبد الرحمن بن مهدي رضي الله عنه الجميع ورحمهم الله. فهذان الرجلان عبد الرحمن بن مهدي تعلما من شعبة بن الحجاج وتعلم منهم هذا الفن أيضاً الأئمة الذين غلبوا غيرهم و فاقوا غيرهم، وهم يحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل؛ هؤلاء الثلاثة في هذه الطبقة هم أعلم الناس. الطبقة الأولى قلنا شعبة بن الحجاج ومعه مالك بن أنس ومعه الثوري وسفيان بن عيينة أيضاً، كلهم من أهل المعرفة بالحديث، لكن شعبة كان يفوقهم، وإن كان مالك أنق في الرجال منه، لكن من حيث المعرفة شعبة مقدم في هذا الباب.
ثم بعد هذه الطبقة جاءت طبقة يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومعهم أيضاً وكيع بن الجراح وجماعة، لكن هذان الرجلان يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي من أعلم الناس بهذا الفن، ولهم أخبار. جاء بعدهم قلنا الطبقة الثالثة، وهي طبقة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، ثم بعد هؤلاء معهم بعض الناس الآخرين مثل ابن أبي شيبة وشاذكوني، لكن ليسوا في منزلة هؤلاء في المعرفة. كان هؤلاء يأتون لجماعة من الحفاظ ويذكرون لهم أحاديث فيقولون هذا خطأ وهذا صحيح، فيذعنون لهم، اللي هم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني.
وأخذ عن هؤلاء تلاميذهم؛ البخاري رحمه الله عليه ومسلم أظن أخذ عنهم بواسطة، لكن البخاري والترمذي وأبو داود هؤلاء تلاميذ هذه الطبقة، فهؤلاء طبقة أخرى، لكن البخاري كان من أقواهم، وكذلك مع البخاري أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي. وهما الرجلان اللذان ستسمع عنهما في هذا الكتاب الذي سنقرأ، أسئلة موجهة إلى أبي زرعة وإلى أبي حاتم الرازي. أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم توفي سنة 264، والرازي محمد بن إدريس توفي سنة 277، ومؤلف الكتاب صاحب الأسئلة عبد الرحمن بن أبي حاتم ولد سنة 244. وأبو زرعة الذي كان يسأله وموجود أسئلته في هذا الكتاب توفي سنة 264، يعني كم كان عمر الولد لما ألف هذا الكتاب؟ لا يتجاوز 24؛ لأنه ولد سنة 240، وأبو زرعة الذي يسأل هنا توفي 264.
لكن هذا الولد سمع كثيراً وتربى أين؟ تربى في حجر أبي حاتم وفي حجر أبي زرعة، فحتى قيل له: هذه السعة في الحفظ والسعة في الرواية من أين حصلت عليها؟ طبعاً بقي والده معه إلى عمر صار عمره تقريباً 37 سنة لأن والده توفي سنة 277، ورحل معه رحلة استمرت مدة من الزمن، فكان يقول: كنت أقرأ على أبي وهو يأكل، وأقرأ عليه وهو يمشي، وأقرأ عليه وهو في الحمام. شوف إلى أي درجة المحافظة على الوقت، ربما قرأت عليه وهو يمشي، وربما قرأت عليه وهو يأكل، وربما قرأت عليه وهو في الحمام، هذا موجود مثبت في ترجمته.
هذا موجز لتاريخ العلل، طبعاً هناك كتب ألفت، قلنا المسانيد، هناك الكتب التي ألفت في الجرح والتعديل وهي أتت من هؤلاء الأئمة من يحيى بن معين وعلي بن المديني والقطان والإمام أحمد وهؤلاء، وكتب العلل أيضاً ألفت، وأخذ كثير من العلم من هؤلاء الناس. طبعاً هذه التأليف عندنا المسانيد وعندنا الصحاح وعندنا الجرح والتعديل وعندنا العلل، كلها جاءت لحفظ السنة، ولا توجد هذه إلا عند أهل السنة، أولاً لا توجد إلا عند أهل الإسلام، ليس هناك إسناد لأي أمة من الأمم، الإسناد خصيصة خص الله بها هذه الأمة، فلا يوجد عند أي أمة أخرى إسناد. وأيضاً هي في الإسلام خصيصة لأهل السنة، فليست عند الرافضة ولا عند أهل البدع، الرافضة إذا جئتهم ما عندهم أسانيد. نحن عندنا أسانيد إلى يومنا هذا، لا زال الأحاديث تقرأ بأسانيد المشايخ، البخاري ومسلم وكل السنن تقرأ إلى يومنا هذا بالأسانيد المنتشرة المتكاثرة، وإثباتات كثيرة جداً.
طبعاً لا يسع المقام أني أتكلم في هذا الجانب، اللي هو جانب إثبات السنة وكيف انتشرت، وكيف مثلاً وجدت في الإثبات وفي الأطراف وفي النسخ المخطوطة، وكيف أنه قرأها فلان وفلان وفلان؛ يعني ثبوت السنة، من نظر فيه وجد أن هذا إعجاز رباني، لا يمكن الناس يضحون بحياتهم سنين، يرحل من بلده إلى بلد لأجل أحاديث. أحمد بن صالح المصري رحل من مصر إلى العراق وهو حافظ مصر في عهده، والتقى بمن في العراق، التقى بحفاظ العراق ومنهم أحمد بن حنبل، فتذاكر هو وأحمد بن حنبل حديث الزهري في ليلة من الليالي.
يقول ابن زنجويه كان حاضراً، أبو بكر بن زنجويه يقول: ما رأيت مذاكرة أحسن منها. قال أحمد بن حنبل: سمعت أنك جمعت حديث الزهري، من الذي جمع حديث الزهري؟ أحمد بن صالح المصري حافظ مصر، جمع حديث الزهري كله، معناه أنه أتقن هذا الحديث ويعرفه حديثاً حديثاً، والذي يذاكره منه أحمد بن حنبل، فأخذ أحمد يذاكره، فقال: ما رأيت مذاكرة أحسن منها، قال: تعال نروي ما روى الزهري عن الصحابة، فتذاكروا، ثم انتقلوا إلى ما روى الزهري عن أبناء الصحابة، فما رأيت مذاكرة أحسن منها، إلى أن قال أحمد: حدثنا الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنا يخونني السند ربما نسيته المهم أن فيه جبير بن مطعم محمد بن جبير بن مطعم من طريق الزهري عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحب أن لي كذا وكذا بحلف المطيبين»، يفخر النبي صلى الله عليه وسلم بحلف المطيبين.
فقال أحمد بن صالح المصري: أتقول هذا وأنت الأستاذ؟ منين جايب هذا الحديث ولا يعرفه الزهري؟ هذاك جمع حديث الزهري كله، فتبسم الإمام أحمد وعلم أنه ليس عنده، فقال: حدثنا به يرويه عبد الرحمن بن إسحاق أو إسحاق بن عبد الرحمن، فقال: من حدثك بهذا؟ قال: حدثنا به ثقتان بشر بن المفضل وابن علية إسماعيل بن علية، فقال: أسألك بالله إلا أمليت علي؟ قال: من الكتاب، من الكتاب! فدخل وأخرج الكتاب وأملاه عليه، وكتبه أحمد بن صالح المصري، وقال: لو لم أستفد في هذه الرحلة إلا هذا الحديث لكان كافياً، يعني هذه الرحلة ما زادته شيئاً من كثرة إلا هذا الحديث الواحد.
هؤلاء حفاظ الإسلام لهم رحلات ولهم بحث عميق جداً، والكلام في مذاكرات عجيب جداً، وكيف أنهم يكشفون الكذابين ولو كانوا حفاظاً. مرة تناظر أبو زرعة الرازي وهو كان من أحفظ الناس، تناظر أو تذاكر مع الشاذكوني، كان الشاذكوني يحدث، الشاذكوني في مقام الإمام أحمد من حيث السن وهو حافظ بليغ، لكنه أحياناً يسرق بعض الأحاديث، فحدث بحديث فخطأه أبو زرعة، قال للمستملي: قل له لا الحديث ليس كذا كذا كذا، فعرف أنه أخطأ فعاد وحدث بالحديث الصواب، ثم لحظ عليه قال: من أنت؟ أنت؟ فصار قال: أنا من أهل الري، فصاروا يتناظرون والناس يسمعون، تعرف كذا؟ ماذا تعرف في الأذان؟ ماذا تعرف في كذا؟ إلى أن أعجزه أبو زرعة، أعجز الشاذكوني على سعة حفظه، فقال الشاذكوني حديثاً يرويه الرازيين أو أهل الري يعني من جماعة أبي زرعة، فلم يعرفه أبو زرعة حتى تصبب عرقاً وفاز عليه من أذكا، وذهب أبو زرعة مغموماً، وكان معه أظن محمد بن مسلم بن وارق قال: لا عليك فقد وضعه الساعة، يقول: هذا ما عنده هذا هو وضعه عشان يحرجك أمام الناس فقط.
شاهد أن هناك مذاكرات بين الأئمة وهناك جمع، والحديث عجيب وغريب، يعني الأطوار التي مرت بها السنة النبوية تدل على أن هناك تأييد رباني من الله سبحانه وتعالى لحفظ هذه السنة. ويتكلمون في آبائهم ويتكلمون في أولادهم ويتكلمون في إخوانهم ولا يخافون في الله لائمة، ولا يحبون أحداً. مرة من المرات سئل علي بن المديني عن أبيه عبد الله السعدي علي بن عبد الله المديني: ما رأيك في أبيك؟ أبوه عنده أحاديث، قال: سلوا غيري. قال: لا نريد الجواب منك، فأطرق رأسه ثم رفعه وقال: إنه الدين أبي ضعيف، إنه الدين أبي ضعيف. وهكذا.
أما الناس الآخرون فيقبلون ما يوافق أهواءهم الذين هم الرافضة ويردون ما يخالف أهواءهم، وهكذا أهل البدع في كل زمان. بعض الناس ممن ينتحل العلم، وأحياناً يتكلم في الحديث كأنه من أهل الحديث تجده يرد حديثاً صحيح البخاري، ويقبل أحاديث لا زمام لها ولا خطام، لماذا؟ لأن هذه توافق دينه وتدينه أو مذهبه، وهذه تخالف مذهبه. بينما أهل السنة ما كان موافقاً لهم رووه، وما كان مخالفاً لهم وثبت عندهم رووه، فيروون كل ما ثبت لديهم روايته، سواء من حديث الثقات أو من حديث الصادقين، فيروون ما حصل لهم دون محاباة ودون إخفاء لشيء، ولذلك رووا أشياء في ضدهم، وفي ظاهرها أنها ضدهم، وهي في الحقيقة ليس ضدهم.
حديثنا هنا في هذا الكتاب عن أهمية علل الحديث، ولا شك أن علل الحديث مهمة جداً. الآن لو نقرأ من الكتاب، لأني ذكرت هنا في أهمية علل الحديث نقرأ من كتاب ابن أبي حاتم، قال المؤلف هنا: حدثنا أحمد بن مسلمة قال سمعت أبا قدامة السرخسي يقول سمعت عبد الرحمن بن مهدي -عرفتم عبد الرحمن بن مهدي- يقول: لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي، هكذا رواه الخطيب وغيره، أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي، هكذا يقول عبد الرحمن بن مهدي.
من أهمية الأحاديث أني لو عرفت علة حديث عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثاً، إذا كانت هذه هي الأصوب، أن أكتب حديثاً، فمعناه أن هذا العلم مهم جداً لأننا نعرف بهذا العلم الصحيح من غير الصحيح، ونميز السقيم مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول الراوي: قال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد قال سمعت محمد بن عبد الله بن نمير وهو من الأئمة الكبار يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام. معرفة الحديث هذا دقة، هذا يدلنا على دقة علم العلل، معرفة الحديث إلهام. قال ابن نمير: وصدق، لو قلت له من أين قلت لم يكن له جواب. وهذا بسبب تبحر في هذا العلم، وأنهم قضوا سنين معه فيعرفون دقائقه ويعرفون من أين يأتي الخلل، فإذا أرادوا أن يبينوا للشخص العادي أو سألهم لماذا قلت إن هذا الحديث خطأ؟ لم يستطع أن يجيبه بالجواب الذي يقنعه، هذا الشخص العادي، وإنما يقنعه هو، الجواب يقنعه هو ويقنع من كان على شاكلته؛ لأنهم يعرفون كيف الحديث يسير وكيف يتلقى، وسياتي إن شاء الله ما يبين وجه ذلك.
قال أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله قال: وسمعت أبي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة. لما ننكر الحديث، نقول هذا حديث منكر مثلاً أو هذا حديث غير صحيح، يظنه الجهال أنه كهانة، فيقولون من أين قلتم ذلك؟ يعني مرة من المرات جاء رجل معه جزء من أهل الرأي إلى أبي حاتم وسأله عن أحاديث الجزء، قرأ عليه فصار أبو حاتم يقول: هذا الحديث صحيح، هذا الحديث منكر، هذا غلط، هذا موضوع، هذا باطل. فلما انتهى قال: تعرف صاحب الجزء؟ قال: لا. يعني تعرف الراوي؟ قال: لا. قال: من أين قلت هذا؟ تقول هذا صحيح وهذا ليس بصحيح وهذا كذا وهذا كذا؟ قال: إني أعرف. قال: تدعي الغيب؟ قال: ما هذا بغيب.
ثم قال له: ما الدليل على ذلك؟ ذكر له -لا أدري في هذه الرواية أو في غيرها- أنك إذا جئت إلى صاحب الذهب بشيء وقال لك: هذا مزيف، هذا الذهب ليس ذهباً، هذا مزيف، وقلت له هل تشك في معرفته؟ قال: لا. قال: فإذا قلت له هل يستطيع إخبارك؟ هذه خبرة يعرف أن هذا مزيف وهذا صحيح، ثم قال له: وإذا أردت أن تعلم ذلك فاذهب إلى أبي زرعة، قال: ويقول مثلما قلت؟ قال: نعم، اذهب إلى من يحسن ما أحسن، قال: من هو؟ قال: أبو زرعة. فذهب إلى أبي زرعة وسأله وقرأ عليه الجزء، فقال مثل ما قال أبو حاتم، فقال: سبحان الله كيف اتفقوا وهم لا يعرفون صاحب الجزء ولا من رواه؟ فقال: هذا لتعلم أنا لم نجازف، وأنا إنما نقول ذلك عن علم. هذا فن يعرفه أصحابه، ولذلك الذين يتقحمون هذا الفن ويردون على الناس، يردون على البخاري ويردون على مسلم ويردون على الحفاظ ويقول: أنا أعمل عقلي، هذا الحديث يحتاج إلى خبرة طويلة ويحتاج إلى معرفة.
ومن البديهي ومن العادي ومن المعقول أن كل أهل فن يسألون في ذلك الفن أصحاب الفن، ولا لا؟ كل شخص يريد واحد يريد الطب وين يروح؟ يروح للأطباء يسألهم، يريد الهندسة يروح للمهندسين ولا يجوز له مخالفتهم، يقول: لا والله أنتم غلطانين يا أهل الطب، أنا أعرف الطب، أنا والله قريت في النت كذا وكذا وأنتم غلط، يجوز هذا؟ ولا يقول يا أهل الهندسة أنتم بانين غلط، البني لازم يكون كذا، طيب أنت من وين يا حبيبنا عرفت البني؟ قال: والله النت، عينت في واحد قايل ما يصلح. يجونا من الشارع شباب ما عرفوا شيئاً في العلم هذا في تويتر وأنا أعرف منهم أناساً معينين ليس عنده علم لا فقه ولا غيره ويتبعون أناساً ممن فتحوا هذا الباب، ممن يتكلم في...
هناك بعض الدكاترة ممن عنده شيء من العلم يتكلم في بعض الأحاديث، ويعلل أحاديث ويرد أحاديث، ثم هؤلاء يتلقون منهم هذا التشكيك في السنة. واحد يقول لك: مشكلتي مع البخاري، وأنت صار لك قرن مثل قرن البخاري ويسوي لك مشكلة مع البخاري! مشكلتي مع البخاري ويسرد لك أشياء في البخاري وأن البخاري أخطأ فيها؛ فيسمع هؤلاء الشباب العوام العاديون الذين أعرف بعضهم، يسمعون هذا الكلام فيتجرؤون على السنة، يتجرؤون على الدين، بل وينكرون السنة مطلقًا. هو صاحبنا ما أنكر السنة وإنما يشكك فيها كما يفعل المنافقون، وإن كان وجه المشابهة قد يكون بعيدًا.
المنافقون يشككون في السنة في عهده؛ الجلاس بن سويد لما نزلت آيات التوبة في ذم المنافقين، قال: والله لئن كان محمداً صادقاً لنحن أضل من الحمير؛ لأنه من المتخلفين. فسمع عمير بن سعد ربيبه وهو أحب الناس عنده، الجلاس أحب الناس عند عمير وهذا شاب صغير، قال: يا جلاس، لقد قلت كلمة أنا فيها بين أمرين؛ إما أن أكتمها عليك وأخشى أن ينزل فيّ أو يغضب الله عليّ، وإما أن أبينها وإن كنت كارهاً لذلك. فعد للجواب عدته وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فأنكر جلاس بن سويد ذلك الكلام. هذا التشكيك فقط، فنزل القرآن: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74].
والعجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عقلاً أخذه من الناس -أي دية- واستغنى الرجل، وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله؛ فإن يتوبوا يك خيراً لهم. فلما فتح الله له التوبة تاب وحسن توبته. لكن الشاهد من الكلام أن المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكروا السنة وإنما بل يؤكدون عليها، لكنهم فيما بينهم وأحياناً يضعون كلمة هنا وهناك يرجفون في الناس، فالله يكذبهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] في زعمهم، وهم ليسوا صادقين، قولهم صدق لكنهم كاذبون في الحقيقة.
وهكذا كثير من هؤلاء الناس؛ بعضهم قد ينكر السنة في داخله لكنه لا يريد أن يبين إنكار السنة لأن إنكار السنة كفر. الشافعي لما قال له رجل حدث بحديث، فقال له رجل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ قال: ويحك! أرأيتني خارجاً من كنيسة؟ أرأيتني نصرانياً؟ أرأيت أني شددت على وسطي زناراً؟ أحدث بحديث ولا أقول به! مما يدل على أن إنكار السنة جملة وتفصيلاً كفر، لأنه إنكار للقرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4]، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: 3]، إلى غير ذلك من الآيات. فهؤلاء في الغالب ما ينكرون السنة ولكنهم يشككون فيها، لكن تلاميذهم دون أن ينتبهوا يظنون أن المشايخ ينكرون السنة فيُنكرون السنة جملة وتفصيلاً، يقول: لا تأتِ إلا بالقرآن.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون أحدكم على أريكته فيأتيه الأمر مما أمرت به أو النهي مما نهيت عنه، فيقول: لا تحدثون إلا بالقرآن، فإنما حرم رسول الله مثل ما حرم الله». يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، قد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث. فالمهمة وهي معرفة الصحيح؛ المشكلة التي جاءت هؤلاء الناس أنهم رأوا أن هناك أحاديث ليست بصحيح، فلعدم علمهم بالسنة ولأنهم هذا صعب عليهم أن يدرسوا كما درس البخاري ومسلم وكما تعبوا هؤلاء، فقالوا: تعالوا نشكك في السنة وأي شيء لا يوافق أهواءنا نرده لكن بغير علم، فقط بالعقل يقول لك بالعقل، وأنا عقلي غير وعقل غيري ليس هناك صندوق اسمه العقل نستطيع كلنا أن نتفق عليه، العقول تختلف بدليل أن من أهل العقل من أنكر الرجل وقال العقل ينكره، ما هذا الإنكار؟ أي عقل هذا؟
فالرد في الحقيقة إلى قوانين الأئمة، الطرق التي يضعف بها الأئمة الأحاديث، والطرق التي يصحح بها الأئمة الأحاديث، هناك قوانين وقواعد لا بد من اتباعها. أختصر الكلام قبل البدء في الكتاب؛ هناك حديث في هذا الكتاب ربما أتركه لكم كواجب ونبدأ فيه من الدرس القادم، لكن أذكر هنا كثير من القواعد التي تحتاج ذكر. في الحقيقة هناك مراتب الرواة وألفاظ الجرح والتعديل، مراتب الرواة بشكل عام ثلاثة مراتب: هناك المقبولون بالاتفاق، وهناك المردود بالاتفاق وذكره سفيان الثوري أول من ذكره، وهناك وسط بينهم مرة يقبلون ومرة يردون بعضهم.
وهذا الوسط أيضاً دائرته واسعة، أحياناً بعضهم يكون قريب من الدائرة الأولى من القسم الأول وبعضهم يكون قريب من القسم الثاني، فتجد خلافات بين الأئمة. ولذلك إذا وجدنا الأئمة مثلاً يذكرون في رجل أنه ثقة ثقة كلهم يوثقونه، وبعضهم يقول ثبت ثقة وإليه المنتهى، عرفنا أنه من المرتبة الأولى. فإذا جاءنا مثلاً خمسة يوثقون رجلاً وواحد يقول لا بأس به أو يقول ضعيف، من نقدم؟ الخمسة، لكن الضعيف هذا نلغي كلامه؟ لا، ننزل الدرجة من العليا إلى أين؟ بين لنا قوله ضعيف وقوله لا بأس به أن أولئك الذين قالوا ثقة أرادوا المعنى العام للثقة، وهذا من الخلل الذي يحصل عند بعض الشباب أحياناً؛ يبحث عن الأكثر ويقول بقول الأكثر دون أن يراعي قول الأقل وأنه قد حدد لك المكان الحقيقي للرجل وهو أنه أقل من المرتبة العليا، يعني أقل في الصحة، وهذا يؤثر على الأحاديث من حيث الترجيحات.
وهكذا بعضهم يكون أقرب إلى المردود، والمردود أيضاً أقسام، منهم من هو مردود في الاحتجاج فقط ويمكن الاعتبار به وهكذا، الذين في الوسط قد يردون أحياناً ويقبلون أحياناً لكنه يعتبر بهم قطعاً، والكلام في هذا طويل حقيقة. المردود إما أن يكون مردوداً بسبب ضعف حفظهم فهؤلاء يقبلون في المتابعات في الشواهد؛ يعني يمكن يصحح لهم أو يحسن لهم، وبعضهم يكون مردوداً لأجل كذبه أو فسقه أو عدالته فهذا لا يقبل أبداً، وبعضهم يكون لأجل حفظه لكن حفظه شديد الضعف أو شديد الغفلة فهذا أيضاً الاعتبار به. فالمردودون قسمان، منهم من لا يعتبر بهم، ومنهم من يعتبر بهم، وضحت المسألة؟
وأحياناً نأتي لعبارات الأئمة ونستشكل وهي في الحقيقة لا إشكال فيها، فإنما هي دليل على أن هذا الرجل في أي مرتبة من المراتب. أحياناً يكون كلام الأئمة بالمقارنة مع رجل وهذا مهم جداً. يعني الشيخ إيهاب، ما اسمك شيخنا؟ محمد. أنت الشيخ إيهاب ومحمد؛ أنا بضعف الشيخ إيهاب، بقول: واحد سألني مثلاً عن محمد في الشيخ كلاهما تلميذان لشيخ، فسألت عن محمد فقلت: ثقة، ومحمد ثقة جداً وإيهاب ثقة لكنه بالنسبة لمحمد ضعيف، فقلت: ضعيف. وأنا ضعفي هنا تضعيف له نسبي، وهو بالمقارنة مع من؟ مع محمد. فهنا لا يمكن أن آخذ هذا التضعيف بإطلاق، فقد يكون الرجل ثقة في نفسه، وإنما بمقابلة إمام آخر نزلنا رتبته، وهذا سيأتينا في أول حديث قبيصة، قبيصة من رواة الكتب التسعة، يعني من رجال الكتب الستة، روى له الشيخان وعن الثوري بالذات، وفي أول حديث إذا رجعنا إلى كلام العلماء فيه فسنجد تضعيفاً عجيباً له، لكنه في الحقيقة بالمقارنة مع أئمة كبار كيحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، فهنا نفهم أن هذا التضعيف ليس تضعيفاً مطلقاً، واضح؟
طبعاً أنا ما حليت لأني سأترككم بالبحث في هذا الحديث وهذا من باب الفائدة. هذا آخر ما عندي في المقدمات، لكن قبل أن أنتهي أعطيكم الواجب. قبل الواجب سأذكر حديثاً من باب معرفة العلل، من باب الموازنة بين الأئمة في الدقة، وهو حديث حصل بين البخاري ومسلم جرى بينهم مخاطبة فيه، وسنبينه لكم إن شاء الله. قبل بيان الحديث أريد أن أعطيكم الواجب وهو الحديث الأول عندنا، لو نقرأه.. نكمل المقدمة، نحن ما أكملنا المقدمة. المقدمة فيها إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة.
قال: سمعت أبي يقول يقول ابن أبي حاتم: مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مئة دينار، وآخر مثله على لون ثمنه عشر دراهم. يعني شخص صاحب ذهب يعرف أن هذا ثمنه عشرة دراهم وهذا ثمنه مئة دينار، هذه مثل معرفة الحديث، يعني هؤلاء الناس يعرفون أن هذا الحديث صحيح وهذا الحديث ليس بصحيح، لكن عن خبرة وعن معرفة دقيقة، وإن شاء الله بقراءة الكتاب سيتبين لكم دقة هؤلاء الناس ولماذا قالوا في هذا الحديث ليس بصحيح أو هذا الحديث صحيح أو هذا أخطأ فلان أو لم يخطئ فلان، سيتبين لكم وجه ذلك إن شاء الله.
قال حدثني أبي، أخبرنا محمود بن إبراهيم بن سميع، قال سمعت أحمد بن صالح -يعني المصري- يقول: معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشبه، فإن الجوهر إنما يعرفه أهله. الشبه نوع من النحاس يسمى الشبه، فالفرق بين الذهب والنحاس يعرفه النحاس الأصفر، الشبه مثل النحاس أصفر عليه صبغة كأنها صبغة ذهب، فصاحب الجوهر يعرف ذلك إنما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة؛ ليس للبصير -يعني الناقد العارف- فيه حجة، إذا قيل له كيف قلت إن هذا الجيد أو الرديء، أن هذا بائن -يعني أن هذا واضح- كيف عرفت أن هذا واضح؟ يقول: ليس له حجة، يعني الجيد من الرديء.
ثم نقرأ الحديث الذي بعده وهو أول حديث وهو واجب عليكم. نريد منكم في الأسبوع القادم ترسلون لي الذي سيدرك منه إشكاله، يرسلها لي في البريد الإلكتروني، أنا سأسجله إن شاء الله على السبورة بحيث إني سأطرح لكم ما كتبه إخوتنا بدون تسمية ثم نتكلم عن الحديث. الحديث يقول: سألت أبا زرعة رضي الله عنه عن حديث رواه قبيصة بن عقبة عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن محجل أو محجن عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصعيد كافيك ولو لم تجد الماء عشر سنين، فإذا أصبت الماء فأصبه». قال أبو زرعة: هذا خطأ، أخطأ فيه قبيصة، إنما هو أبو قلابة عن عمر بن بوجدان عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أولاً هذا سؤال موجه إلى من؟ إلى أبي زرعة، وأبو زرعة راح وبحث في الكمبيوتر ولا ما بحث؟ ما بحث، يعني لو وجه السؤال لي أنا سأذهب إلى الكمبيوتر، وأجد فلاناً، الذين ينتقدون سيذهب إلى الكمبيوتر ويبحث عن الحديث، لكن هذا الرجل ماذا قال؟ خطأ، أخطأ فيه قبيصة، الكمبيوتر هنا في رأسه. قيل له كم يحفظ الإمام أحمد؟ قال: يحفظ ألف ألف حديث، يقول هو أبو زرعة وهو تلميذه، قال كيف عرفت؟ قال: ذكرته الأبواب، معناها الرجل يحفظ كم؟ يقول ذكرته الأبواب. فهو لما سئل، وهكذا الأئمة الآخرون، إذا سئل أحدهم قال هذا خطأ رواه فلان، وانظروا للدارقطني في العلل، هذا الحديث رواه فلان وفلان وفلان، يقول الذهبي إنه أملاه من حفظه فهو إمام الدنيا بلا منازعة، اثنا عشر مجلداً كلها أسئلة يسأل ويجيب: رواه فلان عن فلان عن فلان، وخالف فلان، وخالف فلان، يعني حياتهم كلها في هذا الشأن في هذا الفن.
ماذا قال أبو زرعة؟ قال هذا خطأ، أخطأ فيه من؟ أثبت الخطأ على من؟ على قبيصة، ثم قال الصواب ما هو؟ عمر بن بوجدان عن أبي ذر، يعني أخطأ قبيصة في التسمية، واضح المسألة؟ الذي أريده منكم الواجب، اكتبوا إشكالية الحديث الذي أريده، لماذا أبو زرعة قال أخطأ قبيصة؟ لماذا هذا أول شيء لماذا قال أخطأ قبيصة؟ الأمر الثاني لا بد أن يكون مستنداً على شيء، لماذا قال أخطأ قبيصة معناه ما هي القرينة التي جعلته يخطئ قبيصة؟ قبيصة ثقة فنبحث عن القرينة، هل هو ناس خالفوا قبيصة أو أن قبيصة ضعيف؟ حتى لو كان ضعيفاً لا يمكن أن يقول أخطأ قبيصة إلا إذا كان خالفه أحد، واضح والدليل على ذلك أنه قال عمرو بن بوجدان الصواب، معناه في ناس قالوا عمرو بن بوجدان.
إذاً المطلوب علينا نعرف من خالف قبيصة إذا كان هناك من خالفه، وما هي درجة قبيصة، وفي النهاية لماذا قال أبو زرعة أخطأ قبيصة؟ نقول أخطأ لأجل أن خالفهم مثلاً جماعة، ولأن قبيصة ضعيف، وبعدين قال هنا محجل أو محجن صح ولا لا في الرواية يعني فيها أو كأنه متشكك. فهنا ممكن أن نعرف ما هي القرائن التي ضعف أو خطأ أبو زرعة من أجلها قبيصة، هذا هو الواجب عليكم هذا أولاً. ثانياً هل هذا الحديث صحيح أو لا؟ الحديث بنفسه هذه مسألة أخرى، لأن أبا زرعة ماذا قال؟ قال إنما هو أخطأ فيه قبيصة، إنما هو أبو قلابة عن عمرو بن بوجدان عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهل أبو زرعة يصحح هذا السند "إنما هو" هل هذا تصحيح للسند أو أنه يقول هذا الثابت بغض النظر عن صحة الحديث أو لا؟ فنحن نريد أن نعرف هل الحديث صحيح عندنا مسألتين: لماذا أخطأ قبيصة؟ ما هي القرائن التي جعلت أبا زرعة يخطئ قبيصة؟ هذا أولاً. ثانياً هل الحديث أصل الحديث الذي قال فيه أبو زرعة إنما هو عمرو بن بوجدان.
عن أبي ذر، هل هو صحيح أو ليس بصحيح؟ المثال الذي ذكرت لكم أنه بين مسلم والبخاري، هذا يبين مثلا تفاوت الأئمة من حيث المعرفة. أذكر لكم السند هنا: حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، حديث كفارة المجلس.
هناك سند آخر: موسى بن إسماعيل، وهيب بن خالد، سهيل بن أبي صالح، عون بن عبد الله. قوله: ما معنى قوله؟ يعني هذا الحديث قاله هذا الرجل الذي حصل أن مسلما هذا على ما تذكره، عادي به قديم، إن شاء الله ما أكون أخطأت في السند.
الذي حصل أن البخاري دخل عليه مسلم، فقال له مسلم: «يا أبا عبد الله، هل أحسنت؟ هل رأيت أحسن من هذا الحديث؟ حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة» وذكر كفارة المجلس: ﴿مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ﴾ [التوبة: 114]. هل رأيت أحسن من هذا الحديث؟ فقال البخاري: «لا، ما رأيت، إلا أنه معلول». فانتفض مسلم وقال: «وما علته؟» قال: «استر ما ستر الله».
استر ما ستر الله؛ هو في الفضائل والناس يروونه، هذا يدلنا على أن الأئمة ما كل شيء يضعونه أو يبينون علته، وأن بعض الأشياء يمشونها مع معرفتهم بالإشكال فيها، وليس كل شيء في الأحكام يتشددون فيها غاية التشدد. لابد أن نفرق بين المسائل، ولذلك سنرى مستقبلا أن بعض الأئمة يتشددون غاية التشدد في بعض الأحاديث وياتون في حديث ويسهلون فيه؛ لماذا سهلوا في هذا وشددوا في هذا؟ هذا يثبت سنة معينة، هذا يثبت حكما قضائيا، هذا يثبت سيترتب عليه دماء وأموال، وهذا لا يترتب عليه دماء ولا زيادة في الصلاة؛ فتجده متشدد هنا وسهل هنا، واضح؟ فمتن الحديث نفسه له أثره في الحكم على الحديث كما سيأتينا.
وحديث قبيصة متنه مهم فيه حكمان فقهيان، وبسببهما صار الأئمة يختلفون: هل يقبل هذا الحديث أو لا يقبل؟ لمَ قال مسلم؟ أخذ مسلم يلح على البخاري أن يخبره بعلة هذا الحديث، فقال: «إن كان ولا بد، فاكتب: موسى بن إسماعيل، وهيب بن خالد، سهيل بن أبي صالح، عون بن عبد الله». قوله: فقال مسلم: «لا إله إلا الله، أشهد بالله إنه ليس في الدنيا مثلك، وإنه لا يبغضك إلا حاسد»، وقبله بين عينيه.
فمسلم قنع بالعلة، ولا أهل هذا العصر ما قنعوا؟ البخاري يقول علة، ومسلم يقنع بمجرد أنه ذكر له السند. وأصحاب العصر أمثالنا قالوا: هذا لا معنى له، ما هذا التعليل؟ هذا سهيل بن أبي صالح، وهيب بن خالد، موسى بن عقبة؛ أقوى منهم أوثق؟ لا، هذا إمام، ذاك ثقة، صاحب المغازي؛ فيقول هذا التعليل من البخاري لا معنى له ويردون عليه.
طيب، مسلم ما رد عليه، مسلم جاء مبسوطا على الحديث في النهاية، قال له: معلول، وما علته؟ قال كذا، فصدق. فأمان من أئمة النقد يتفقون على أن هذا السند علة لهذا السند، معناه أن عندهم شيئا لم نصل إليه بكل سهولة.
طبعا لماذا مسلم قال: «هل رأيت أحسن من هذا الحديث؟» هو لا يقصد أن السند هذا جميل جدا من حيث القوة، وإنما يقصد نقطة معينة، وهي رواية هذا الرجل عن هذا الرجل؛ موسى بن عقبة عن سهيل، أقران كلاهما من أهل المدينة، توفي في قرابة سنة واحدة، إما في سنة واحدة أو في سنتين متتاليتين 130 أو 131، فكلاهما إمام أو عالم من علماء المدينة، فلما يروي رجل عن قرينه هذا يعتبر حسنا عندهم.
«هل رأيت أحسن من هذا الحديث؟» هذا الحديث يثبت لنا أن موسى روى عن سهيل؛ شيخ عن شيخ. مثل لو نقول ابن باز قال عن ابن عثيمين كذا، ولا ابن عثيمين قال عن ابن باز كذا، ينبسط الناس على ذلك أم لا؟ فالروائي فيها هو الاستغراب الموجود هنا أن موسى بن عقبة... فالبخاري قال: «لا، ما رأيت أحسن من هذا، لكنه معلول»، طيب ما علته؟ أخبره.
العلة بكل بساطة، البخاري قال في الصحيح: «لا أدري أو لا أرى موسى سمع من سهيل»، فجعل هناك واسطة. يعني كانت المشكلة ليست من موسى، المشكلة من الواسطة الذي أخبر موسى. واضح؟ أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي قالا: لعل ابن جريج دلسه، أو دلسه ابن جريج، فجعل المشكلة من ابن جريج؛ يعني كل واحد منهم يظن أن هناك مشكلة، المشكلة من واحد قال من ابن جريج، وواحد قال... لكنهم متفقين على أن هذا الحديث ليس بصحيح.
طيب ما القرائن التي يمكن أن نقول إنهم استندوا عليها؟ من أهم القرائن التي عرفت بعد ذلك، عرفت مؤخرا، ما يسمونه «سلوك الجادة». سهيل بن أبي صالح كثير الرواية عن أبيه، بل يكاد لا يروي إلا عن أبيه، هو يروي عن غير أبيه لكن أكثر روايته عن أبيه، وأبوه أكثر روايته عن من؟ فهي جادة معروفة، فأي واحد يسمع حديث سهيل ماذا يقول؟ عن أبيه عن أبي هريرة، واضح. لكن واحد يسمع سهيل يقول عن عون بن عبد الله، هل يمكن أن تكون غلطا جادة سلكها؟
أنت لما تجي ناس وتقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، هذا لا إشكال فيه ولا لا؟ لكن هل يمكن أن تقول ذلك في الصلاة غلطا؟ ممكن، الصلاة كيف تقول: «السلام عليكم ورحمة الله» وتسكت؟ لا، هذه السنة "وبركاته"؛ هذه رغبة لا تصح، فمن الناس ممكن أن يقول لا شعوريا من كثرة ما يسلم بالسلام الطويل: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ممكن في الصلاة يقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» غلطا، لا يريد أن يقول "وبركاته" وإنما سبق لسانه على ذلك. هذا يسمى الجادة، يعني يسلك الإنسان في التعبير جادة كان تعود عليها فيخطئ، وهذا كثير في عادات الناس.
فهذه جادة، وهناك أسانيد تعتبر جادة من ذكر أول راوٍ ذكر الذي بعده مباشرة، سلسلة واضحة، فهذه جادة. في مسلم وحده أكثر من 100 حديث من هذه الجادة. فلما البخاري ذكر هذا قال: «وهيب قال: سهيل عن عون بن عبد الله»، دل على أن هنا شخص سلك الجادة والصواب فيه واضح. الأمر الثاني أن الأحاديث المرفوعة هي المحبوبة عند العلماء، وسنرى ربما من في كتابي هذا كثير أوردت من هذا القبيل، أن الأسانيد غير المرغوبة وهي النازلة أو التي ليست عن رسول الله أو الموقوفة، هذه لا يرغبها الناس.
آثار التابعين ما يرغب المحدثين، أكثر ما يرغبون في الرحلات ويذهبون للمشايخ حتى يسمعوا منهم حديثًا من حديث النبي ﷺ. فهذا الرجل ماذا يريد بحديث عن عون بن عبد الله، تابعي، ما أحد يسمعه ولا أحد يأخذه منه؟
المحدث شهوة الحديث عنده عجيبة في ذلك الوقت، ويقول سفيان الثوري -يعني كان يبكي ويخشى من شهوة الحديث- حتى قيل له في المقارنة بينه وبين شعبة، قال سفيان: تغلبه شهوة الحديث، أو كذا، يعني يحب الجمع. وكذلك أخذ الطلبة عنك؛ إذا جئت إلى الطلبة وحدثت بأسانيد صحيحة أو أسانيد متصلة إلى النبي ﷺ كثر عندك الناس، فكثرة الناس مرغوبة عند المحدث ينبسط.
إذا روى أحاديث مقطوعة موقوفة صار الناس يذهبون عنه وهو لا يريد ذلك، فسمعه للحديث الموقوف لا يفيده شيئًا، هو يقلل من رغبة الناس في التحديث الذي عنده. واضح؟ فهذا الرجل لا يمكن أن يأخذ حديثًا هو في الحقيقة مرفوع ويقتصر على هذا. واضح؟ وهكذا سهيل، لا يمكن يكون عنده حديث عن أبيه عن رسول الله ويروح يحدث عن عون بن عبد الله.
واضح؟ يعني مثلًا أعطيك مثالًا من التجارب العادية، أنت يا شيخ -ترى نسيت اسمك، خليل، شيخ خليل، عندك الله يسلمك- فتوى تبغي تبلغ الناس بها، وفي اثنين أفتوك؛ واحد ابن باز رحمه الله، وأفتاك واحد سعيد البديوي، إذا جئت تخبر الناس، تخبرهم عن من؟ الشيخ باز ولا لا؟ ما يصير يروح يخبرهم عن واحد.
عندك الشيخ ابن باز، فأنت لما يكون عندك حديث عن رسول الله تروح تحدث به عن عون بن عبد الله، هل يمكن هذا؟ فلما حدث عن عون بن عبد الله دل على أن هذا ليس عنده، وضحت؟ هكذا تبرمج عندهم العلماء في ذلك العصر، يعرفون ما الذي يريده الناس ويعرفون كيف طريقة التحديث.
فمش علم مسلم أن هذا خطأ كما علمه البخاري ووافقه مباشرة، بينما خالفهما المتأخرون أو المعاصرون. فهذه من العلل الدقيقة، وهي سلوك الجادة، أو أن الشخص عنده حديث عن رسول الله لا يمكن أن يحدث عمن هو دونه، فإذا حدث عمن هو دونه علمنا أنه ليس عنده حديث عن رسول الله، وإنما ذلك خطأ أخطأ فيه راوٍ من الرواة، وضحت المسألة؟
هذا من باب حتى لا أترككم اليوم بدون أن أذكر لكم شيئًا من الأحاديث أو شيئًا من العلل، وإن شاء الله في المستقبل سنقرأ الأحاديث التي في علل ابن أبي حاتم، وإن شاء الله ستستمتعون وتعرفون بعد ذلك دقة هؤلاء الأئمة، وأنهم إنما يتكلمون عن علم دقيق، ولا يحسن لمن لا يعرف هذا العلم أن ينازعهم فيه، عليه أن يسكت.
كما أننا إذا جاءتنا الفتوى من العلماء الكبار نقبلها ونقلدهم فيها، كذلك إذا جاءتنا الأحكام من هؤلاء الأئمة في الأحاديث ينبغي علينا أن نقلدهم فيها إلى أن نكون مثلهم، ولا أدري متى.
صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري