دخولتسجيل الدخول

الدرس 2

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

فهذا الدرس الأول بعد المقدمة التي ذكرناها في الدرس السابق، وهي مقدمة يسيرة جداً ليس فيها شيء من القواعد العلنية لأنها ستطول، وأنا أريد أن أدخل بكم في أغمار هذا الكتاب المبارك، ومنه نستنتج تلك القواعد. وإذا مرت معنا نقول: هذا الحديث إنما رجح الجانب الفلاني للقاعدة الفلانية أو للقرينة الفلانية، فتجتمع.

أنا أحثكم إذا سمعتموني أن تذكروا في الترجيح أن هناك قاعدة أو أن هناك قرينة معينة، وأن الواحد منكم يجمع هذه القرائن أو هذه القواعد، حتى تكون على كل قرينة هناك عدد من الأمثلة؛ لأن هذه الأحاديث التي ستمر معنا سيكون في كل حديث قرائن أو قرينة أو قواعد ترجح جانباً على جانب. وبالتالي، لو قلنا قرينة مثلاً إن رواية الجماعة أولى من رواية الواحد، ولأجله خطأ فلان هنا، أو رجحت الرواية الفلانية هنا، سيأتي حديث آخر وتستخدم فيه هذه القاعدة وهذه القرينة، فنجمع الأمثلة على هذه القاعدة.

واضحة المسألة؟ فهنا قال المؤلف في أول حديث: «سألت أبا زرعة عن حديث...»، قال: سألت أبا زرعة رضي الله عنه عن حديث رواه قبيصة بن عقبة، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن محجن، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: «إن الصعيد كافيك ولو لم تجد الماء عشر سنين، فإذا أصبت الماء فطبه». وفي لفظ السنن: «الصعيد الطيب وضوء المسلم»، والألفاظ متقاربة.

قال أبو زرعة لما سأله ابن أبي حاتم عن هذا الحديث: «هذا خطأ، أخطأ فيه قبيصة، إنما هو أبو قلابة عن عمرو بن وجدان عن أبي ذر عن النبي ﷺ». الآن نبين هنا في السبورة -طبعاً نسيت ذكر أبي قلابة بين خالد الحذاء وعمرو بن محجن- هنا أبو قلابة واضحة؟ في الوسط هنا أبو قلابة، يعني الرواية أصلاً لأبي قلابة، فهنا رواية من طريق خالد الحذاء، وعنه الثوري، وعن الثوري قبيصة بن عقبة. لكن هذه الرواية رواية قبيصة بن عقبة وهي التي سئل عنها أبو زرعة، قال فيها: عن أبي قلابة عن عمرو بن محجن أو ديال عن أبي ذر ذكر الحديث.

لما سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن الرواية قال: «هذا خطأ، أخطأ فيه قبيصة». طبعاً هو قال: أخطأ فيه قبيصة، بناءً على ماذا؟ على حفظه، وطرق أخرى، وأنتم تلاحظون أن هناك طرقاً أخرى تخالف هذا الطريق. وهذا يميز الأئمة عن سائر الناس؛ الإمام تسأله عن حديث فيجيبك من رأسه، ونحن إذا سألنا عن حديث أو أردنا الكلام الذي في حديث لابد أن نرجع إلى حافظ العصر الذي هو الكمبيوتر، بعضهم يقولون الشيخ جوجل.

قال: «هذا خطأ»، ولم يبين أبو زرعة ما هو الخطأ، لكنه ماذا قال؟ قال: «هذا خطأ، أخطأ فيه قبيصة، إنما هو أبو قلابة عن عمرو بن وجدان عن أبي ذر»، يعني بين الرواية الصحيحة؛ قال هذه الرواية خطأ وهذه الرواية هي الصواب. يعني الصواب من كلام خالد الحذاء هو أنه قال: عمرو بن وجدان، ولم يقل: عمرو بن محجن أو محجن، بغض النظر عن الحديث هل هو صحيح أو لا؟ فقوله: «إنما هو أبو قلابة عن عمرو بن وجدان» يعني هذا الطريق هو الطريق المروي، وأحياناً يقولون: الصحيح كذا، يقصدون أن هذا هو الطريق الصواب، بغض النظر عن صحة الحديث في الأصل، أولى.

واضحة المسألة؟ لما قال: «إنما هو أبو قلابة عن عمرو بن وجدان»، يبين لك أن الأشهر والأكثر هو رواية هذا الطريق، فمعناه نفهم من كلام أبي زرعة أن هناك من خالف قبيصة. لماذا عصبناها برأس قبيصة؟ لأن السؤال أصلاً مسؤول عن قبيصة، لأن صاحب السؤال أيضاً من أهل العلل فهو يسأل عن موطن الخلل، فقال: «سألت أبا زرعة عن حديث رواه قبيصة»، معناه هنا مشكلة لو لم يكن قبيصة هو صاحب المشكلة لارتفع قليلاً. وضحت المسألة؟ فنفهم من السؤال، حتى لو ما رأينا التخريج، أن هناك مشكلة بين قبيصة وبين آخرين، فجاء الجواب: «إنما الصواب هو هذا».

بعضكم جزاه الله خيراً أرسل لي مشكوراً وبين أن الخطأ سببه مخالفة قبيصة لهؤلاء الناس. الآن لو أردنا بالنظر إلى هذه الطرق، ما القرائن التي استدل عليها؟ يعني سنجتهد في إدراك القرائن التي بسببها قال أبو زرعة إن قبيصة أخطأ. هنا قبيصة يروي عن من؟ والثوري عن خالد الحذاء. هل قبيصة خالف أحداً من أصحاب الثوري؟ شوفوا رواية الثوري هنا أيضاً، هذه الروايتان واحدة، لكن هنا يروي قبيصة وحده فيقول: عمرو بن محجن، وهنا أربعة: أبو أحمد الزبيري، وعبد الرزاق الصنعاني، ومخلد بن يزيد، وإبراهيم المؤذن؛ أربعة كلهم يقولون: الثوري، عن خالد الحذاء، عن عمرو بن وجدان، عن أبي ذر.

إذاً من رواية الثوري، رواية الجماعة أولى بالصواب من رواية الواحد. إذاً أول قرينة ما هي؟ هي مخالفته للجماعة، أو أن الجماعة رووا بشكل آخر يخالفه. هذه أول قرينة أو أول قاعدة، وهذه القاعدة وهذه القرينة هي أشهر القرائن في العلل: عند المخالفة رواية الأكثر مقدمة على رواية الواحد، رواية الجماعة أولى من رواية الواحد المنفرد، ولو كان بعضهم قال: ولو كان شعبة أو ولو كان فلاناً.

لكن أحياناً إذا كان المخالف حافظاً كبيراً، هؤلاء الآن الخمسة: قبيصة بن عقبة، وأبو أحمد، وعبد الرزاق، ومخلد بن يزيد، وإبراهيم بن مؤذن، هؤلاء في الطبقة متقاربين، لكن هناك طبقة أخرى أرفع من هؤلاء ممن يروون من أصحاب الثوري؛ كوكيع بن الجراح، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، هؤلاء الواحد منهم ممكن يعادل جماعة من هؤلاء. ففي الغالب أن رواية الجماعة أولى ترجيحاً من رواية الواحد، إلا إذا كان هذا الواحد جبلاً عظيماً جداً كعبد الرحمن بن مهدي، هنا ممكن نتوقف ولا نستطيع الترجيح؛ لأن هؤلاء فيهم شيء من الضعف في الثوري لا أولئك.

ولذلك لو رجعنا إلى كتاب تهذيب الكمال لرؤية قبيصة، ما حاله في الثوري؟ هنا عندنا عشان ندرك كلام أبي زرعة لابد من أشياء: الأول ما هو حال قبيصة في الثوري؟ لأنه قال: أخطأ قبيصة. الثاني: هل خالف قبيصة أحد؟ فنحن بالتخريج وجدنا أنه خالفه أربعة أشخاص، ربما بعضكم وجد اثنين أو وجد ثلاثة، لكن الموجودين الآن خمسة، أربعة مخالفين لقبيصة. أيضاً لو رجعنا إلى ترجمة قبيصة لو وجدناه في الدرجة الأدنى بالنسبة للثوري، ليس من الحفاظ من أصحاب الثوري الحفاظ الكبار.

نجد بعض الأئمة يقولون: قبيصة ضعيف في الثوري. طبعاً هو ليس بضعيف؛ فروايته عن الثوري موجودة في صحيح البخاري في أكثر من أربعين رواية، لكنه بمقابلة أولئك الجبال كعبد الرحمن بن المهدي ويحيى القطان يُعتبر ضعيفاً، لأن أولئك لا يكادون يخطئون، وهو له في كل عشرة يمكن خطأ أو خطآن. بهذه النسبة وبهذه الطريقة يصبح هذا في قول بعض النقاد أنه ضعيف، لكنهم ما يريدون ضعفه المطلق، وهذه أشرت إليها في الدرس السابق أن التضعيف أحياناً يكون بالمقارنة مع راوٍ أكبر.

فننظر إلى قول الإمام، ولذلك نجد منهم من يقول مثلاً -سُئل ابن نمير فيما أتذكر عن قبيصة هل يُقبل في الثوري؟- قال: لو حدثنا عن النخعي لقبلناه، مما يدل على أنه ثقة. لكن لما سُئل الإمام أحمد عنه وعن وكيع وأمثاله قال: ضعيف، هو يقصد في مقابلة هؤلاء ولا يقصد ضعفه بشكل مطلق، بل روى عنه عن الثوري، وهكذا البخاري روى عنه عن الثوري، ومسلم أيضاً؛ لكنه في المرتبة الدنيا. هو وأبو أحمد الزبيري وعبد الرزاق أيضاً ثقة في طبقة واحدة، لكنه في الطبقة الثانية أو الثالثة بالنسبة لأصحاب الزهري وبالنسبة لأصحاب الثوري.

طبعاً أصحاب الثوري هناك كبار وهناك أقل منهم درجة؛ فمثلاً وكيع بن الجراح من أحفظ أصحاب الثوري ومن أكثرهم رواية، ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم أحد في الثوري. يقرب منهم أبو نعيم الفضل بن دكين أحب الثوري أيضاً لكنه أقل رواية منهم.

إذاً القرينة الأولى ما هي؟ واحد: مخالفة الجماعة، اثنين: ضعفه النسبي في الثوري. مخالفته الجماعة هنا خالف جماعة أصحاب الثوري، وأيضاً خالف جماعة أصحاب خالد الحذاء؛ لماذا؟ هنا راويان أيضاً عن خالد الحذاء: خالد بن عبد الله الواسطي ويزيد بن زريع، كلاهما يرويان هذه الرواية بقولهم: عمرو بن وجدان. إذاً أصحاب خالد الحذاء ثلاثة: الثوري وخالد الواسطي ويزيد، الذين رووا هذه الرواية كلهم يقولون: عمرو بن وجدان، إلا رواية الثوري من رواية قبيصة بن عقبة عنهم. إذاً اتضح لنا الآن أن رواية قبيصة بن عقبة واضح أنها خطأ. أضف إلى ذلك يمكن أن نضيف قرينة أخرى من يدركها؟ قلنا ضعفها النسبي، وقلنا مخالفة الجماعة، لو تلاحظون هنا في الرواية اسم.

تردده، أحسنت؛ لأنه قال: عمرو بن محجن أو وجدان، مما يدل على أنه ليس متثبتاً، فالشك قرينة على أنه مخطئ. إذاً ممكن نقول هذه ثلاث قرائن تدل على أن قبيصة أخطأ في روايته. طبعاً الضعف النسبي هذا قد يكون وليد أمثال هذه الرواية؛ يعني العلماء إنما أدركوا ضعفه بسبب أخطائه في مثل ذلك، لأنهم أدركوا خطأه هنا بسبب مخالفة الجماعة.

فأحياناً العلماء يطلقون الضعف أو يعطون الراوي درجة بسبْر مروياته، هم أدركوا الخطأ من جهة أخرى ليست من جهة ضعفه فيُنزل رتبته عندهم. بينما نحن في تعاملنا العادي مع الروايات أول ما نبحث عن ماذا؟ عن درجته، فبحسب الدرجة نقول الحديث صحيح أو ضعيف. لكن الأئمة ماذا يفعلون؟ يدركون درجته من أحاديثه، لأنهم يكتشفون الخطأ في الحديث قبل إدراكهم للدرجة، لكن الدرجة لها أثر؛ فهم إذا أدركوا أن قبيصة كثير الخطأ في الثوري بسبب أخطاء له معينة في رواية ثم معينة، فنزلت رتبته عندهم، هذه الرتبة بقيت كما هي ملاصقة له فيشككون في كل حديث يرويه. وضحت المسألة؟ يعني يكتسبونها من سبر المرويات ثم يكون لها أثر على المرويات؛ فهو سبر جماعة من المرويات فوجد فيه شيئاً من الضعف، أو سبر جماعة من الروايات فوجد فيه شيئاً من الثقة، أصبحت هذه الرتبة تلازم هذا الراوي؛ فإذا جاءت الرواية وكان الإمام قد سبر قبيصة في روايات أخرى ووجد أنه ثقة، فجاءت الرواية الأصل أن هذه الرواية صحيحة إلا أن يكون فيها خطأ، والعكس صحيح.

هذا هو الحديث المسؤول عنه بالنسبة لأول حديث سُئل عنه أبو زرعة فيه، وهو حديث قبيصة عن الثوري، لكن أنا لن أتجاوز هذا الحديث في هذا الدرس لأسباب. السبب الأول: أريد أن أعرف درجة الحديث، لا نذهب عن الحديث بدون أن نعرف درجته؛ فالسؤال ليس فيه وضوح هل الحديث صحيح أو ليس بصحيح؟ إنما فيه ترجيح بين روايتين أن هذه خطأ وهذه هي الصواب.

هذه الصواب الذي فيها عمرو بن وجدان هل هي صحيحة أو ليست بصحيحة؟ هذه مسألة، ومن صححها من العلماء ولماذا صححوها؟ أولاً: رواة الحديث هذا الحديث أبو ذر عن عمرو بن وجدان وعنه أبوه قتادة الذي هو عبد الله بن زيد الجرمي، وعنه خالد الحذاء وعنه جماعة. الآن رواية قبيصة ألغيناها، رواية صحيحة ما هي؟ فجعلنا رواية الثوري مع رواية الجماعة كأن رواية قبيصة لا وجود لها؛ وهذا معناه إذا قالوا هذه الرواية خطأ أو منكر معناه أنه خطأ، فالأئمة لا يروون في الغالب في كتبهم الأحاديث الخطأ مثل هذا. ولذلك ربما لا تجد هذه الرواية في الكتب المشهورة، لأنهم عرفوا أنها خطأ وتركوها وألغوها. وهذا معنى كثير من العلماء لما يقولون كتاب الترمذي صحيح، مقصودهم ليس فيه الأخطاء، أو كتاب فلان صحيح، يقصدون صحة أن هذه الرواية جاءت هكذا، لا يقصدون أنه حديث صحيح للعمل.

هنا مع خالد الحذاء راوٍ آخر، من هو؟ أيوب السختياني، وأيوب السختياني من الأئمة روى عنه جماعة منهم الثوري وغيره، لكن رواية أيوب فيه أبو قلابة أيضاً، كان هنا قال رجل، وهنا أبو ذر. الآن المخالفة بين أيوب وبين خالد الحذاء، لكن هل هذه تعتبر مخالفة؟ لا تعتبر مخالفة؛ لأن أيوب لم يحفظ اسم الرجل، وسبب عدم حفظه لاسم الرجل أن الرجل غير معروف، عمرو بن وجدان هذا لا يوجد له إلا هذه الرواية ورواية أخرى عن أبي زيد الأنصاري، ولم يروِ عنه إلا أبو قلابة.

هو لم يحفظ اسمه، لكن اسمه أول مرة يمر عليه، فهؤلاء المهم لم يحفظ رجل من بني خشير، قال: أو رجل من بني عامر أو رجل بن عامر الذي حفظه خالد الحذاء، فرواية أيوب السختياني لا تعلّ رواية خالد الحذاء لأنه لم يخالفه، وإنما قال: رجل، وهذا عين ذلك الرجل وبينه وهو عمرو بن وجدان. إذاً هذه الرواية ماذا نستفيد منها؟ أن أبا قلابة لم ينفرد عليه خالد الحذاء، بل روى عنه ثقتان جليلان. إذاً هذه الرواية ثابتة عن أبي قلابة بلا شك، لو لم يروِ عنه إلا خالد لكانت ثابتة، لأن خالد من من أتباع التابعين الكبار، وهكذا أيوب السختياني تابعي صغير، رواية التابعين أو أتباع التابعين لا إشكال في التفرد بها، فهنا ليس هناك تفرداً أصلاً عن التابعين، بل هناك راويان رويا عن التابعين.

هذه الرواية قوية بالنسبة إلى الوصول إلى أبي قلابة، فكأنها من روايات الصحيحين؛ لأن هؤلاء كلهم من أهل الجمع من أهل الصحيحين، فهذه الرواية لأبي قلابة تُعتبر صحيحة لا إشكال فيها. بقينا في من؟ عمرو بن وجدان، ما حاله؟ وثقه العجلي أولاً الإمام أحمد سُئل عنه عمرو بن وجدان هل هو معروف؟ فقال: لا. اثنين: علي بن المديني قال: لا يروي عنه إلا أبو قلابة، وهذا رسم المجهول عند العلماء؛ المجهول هو الذي لم يروِ عنه إلا واحد. ورواية المجهول في الغالب أنها غير مقبولة إلا عند المتابعة، فعندنا رجلان جهّلا الرجل تقريباً، وعندنا من صحح الحديث ومن وثقه، ممن وثقه أحمد العجلي في كتاب الثقات قال: ثقة، لكن أحمد العجلي يُوصف بالتساهل في التوثيق، في توثيق المجاهيل، وهكذا ابن حبان يذكر في كتابه الثقات كثير من المجاهيل، ولذلك لا يُعتمد على توثيق هذين الرجلين، لا بد من توثيق شخص آخر.

المتحصّل أن هذا الرجل في الغالب أنه مجهول. قال ابن القطان، ابن القطان ضعف الحديث أليس كذلك؟ لا، ليس هذا فقط، ضعّفه أيضاً لحال عمرو بن وجدان قال إنه لا يُعرف ثقته أو لا تُعرف حاله فهو مجهول. فهذا سبب، طبعاً القطان الذي نقوله أبو الحسن القطان صاحب "الوهم والإيهام"، هو من طبقة ابن الصلاح فهو ليس من المتقدمين، لكن تضعيفه بسبب ماذا؟ بسبب جهالة عمرو بن وجدان. لكن هناك من صححه ومن رد على ابن القطان، ابن دقيق العيد رد على ابن القطان بتصحيح الأئمة له.

طيب، من صحح هذا الحديث؟ صححه الترمذي. إذاً نمسح هذا ونذكر من صحح الحديث. أولاً الترمذي، قبل الترمذي فيه البخاري؛ صححه، ابن حجر نسب تصحيح ابن أبي حاتم لكن ما وقفت عليه، ولا أدري ما مقصوده هل وقف عليه في كتاب أو وهم من الحافظ، لم يذكر غير الحافظ هذا الكلام، وربما اعتمد الحافظ على شخص آخر، ما أدري. المهم البخاري ماذا قال؟ "باب الصعيد الطيب وضوء المسلم"، فلما بوّب بلفظ الحديث دل على أن هذا الحديث مقبول عنده، أليس كذلك؟ لكنه ليس على شرطه. غير البخاري الترمذي، الترمذي اختلفت النسخ بالنسبة للترمذي؛ منهم من نقل عنه أنه قال صحيح، ومنهم من نقل عنه أنه قال حسن صحيح، ومنهم من نقل عنه الحسن كابن القطان والذهبي قال لم يرتقِ إلا للصحة، لكن هناك نسخ صحيحة ونقل عنه الأئمة الكبار مثل ابن عساكر في "الأطراف" وكذلك المنذري في "مختصر أبي داود" وغيره من العلماء أنه قال: حسن صحيح، وهو الذي في المطبوع الآن أيضاً حسن صحيح، وهو صواب أن الترمذي قال فيه حسن صحيح، إذاً الترمذي صححه.

وأيضاً عندنا الحاكم، الحاكم نص على التصحيح صراحة، والحاكم يقول من فيه شيء من التساهل. عندنا ابن خزيمة أخرجه في كتابه واستدل له بالباب، وعندنا ابن حبان أيضاً يعتبرون صححوا هذا الحديث، ثم بعدهم المتأخرون ابن دقيق العيد وغيره من العلماء يصححه النووي وغيره، كلهم يصححون هذا الحديث.

السؤال: لماذا هؤلاء العلماء هذا الحديث هو فيه هذا الرجل؟ ابن دقيق العيد رد على ابن القطان بقول أن تصحيح هؤلاء العلماء توثيق للرجل، وهذا الرد في الحقيقة عليه مأخذ، أو هناك احتمال يردّه: ما هو هذا الاحتمال؟ أنه ليس بالضرورة أن يكون تصحيحهم توثيقاً للرجل، فقد يكون صححوا الحديث لاجل أن له شواهد، أليس كذلك؟ مسلم في صحيحه والبخاري في صحيحه أخرجوا عن أناس ضعفاء وأوردوا أحاديثهم في الصحيح مما يدل على أنهم يصححونها بشواهدها، وهناك الكثير مما يصححون كثير من أحاديث المجاهيل لأجل أنها اعتضدت بروايات أخرى. فرد ابن دقيق العيد على ابن القطان بأنه ليس توثيقاً لعمرو بن وجدان، تصحيح هذا لا يلزم، تصحيح الإمام لا يلزم منه توثيق الرجل، هذه مسألة ولها دلائل، أنا كتبت كلاماً كثيراً لكن ما أريد أن أضيع عليكم الوقت.

إذاً ما هو الاحتمال الثاني؟ أنهم صححوه لأجل أن متنه صحيح المعنى. طيب ما هو متن الحديث؟ نريد أن نذكر متن الحديث سنعرف ما فيه من الإشكال أو ما فيه من العلم، وهل لهذا الذي فيه من العلم شواهد؟ هل منكم يحفظ النص؟ "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشرة سنين، فإذا وجد الماء فليمسَّ بشرته، فإن ذلك خير".

هذا اللفظ من الحديث فيه معنيان فقهيان، ما هو المعنى الأول؟ أن التيمم وضوء، يعني أنه مثل الوضوء في المعنى في الحكم، ماذا يلزم على هذه الكلمة؟ أن التيمم رافع للحدث. إذا قلت أنت التيمم والوضوء واحد هو وضوء المسلم، معناه أن التيمم رافع للحدث، وهذا المعنى فيه خلاف بين الفقهاء؛ فالفقهاء على رأيين: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح؟ ما الفرق بين هذا وهذا؟ رافع للحدث معناه إذا تيمم الإنسان لا يلزمه أن يتيمم مرة أخرى لصلاة أخرى، بل يصلي الخمس صلوات إذا لم ينقض وضوءه، هذا معنى رافع الحدث أصبح مطهراً. والذين يقولون مبيح يلزم عليه مسائل كثيرة؛ منها أنه إذا دخل وقت الثانية أو خرج وقت الأولى بطل التيمم، فعليه أن يتيمم مرة أخرى.

طبعاً هنا الجمهور يقولون مبيح، والحنفية يقولون رافع؛ الحنفية هم الذين يقولون التيمم رافع للحدث، والجمهور يقولون التيمم مبيح فقط، ماشي؟ طبعاً هناك رواية للحنابلة مع الحنفية واختارها شيخ الإسلام.

الثاني: فإذا وجد الماء فليمسَّ بشرته، أن المتيمم إذا وجد الماء عليه أن يستعمله، فإن كان تيممه عن حدث أصغر يتوضأ، وإن كان تيممه عن حدث أكبر ماذا يفعل؟ يغتسل، هذا المعنى في الحديث مجمع عليه، إذاً هذا المعنى في الحديث لا يُشكل فيه، صحيح ولا لا؟ مجمع عليه وعليه أدلة. صحيح البخاري في الصحيحين، المرأة التي صاحبة المزادة في غزوة من الغزوات، جيش ليس معهم ماء، وقف النبي صلى الله عليه وسلم فوجد امرأة معها مزادتين، قالوا: هلمّي إلى رسول الله، فجاؤوا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي مرتعبة فأخذ المزادتين وصب منها ونفث فيها وبرك فيها وصب منها وملأ الناس أزواجهم وسقوا إبلهم من هاتين المزادتين وبقيت المزادتان كما هي، فقال: هل رأيت؟

نقصنا منه من قربتك؟ قالت: لا، بقيت كما هي. ففي الحديث قال: وكان آخر ذلك أنا آخذ شيئاً من الماء فأعطاه رجلاً كان جنباً، لأنه لما انفتل من الصلاة -في الحديث أنه انفتل من الصلاة- فإذا رجل معتزل للصلاة ما صلى، فقال: لم لم تصلِّ؟ فقال: يا رسول الله، إني كنت جنباً. قال: «إن الصعيد يكفيك»، «إن الصعيد يكفيك» التيمم، فتيمم وصلِّ. وفي بعض الروايات أنه تيمم وصلى، وفي هذه الرواية أن النبي آخر شيء أخذ بعض الماء وأعطاه هذا الرجل وقال: «أفرغه عليك»، فهذا يوافق فليمسه بشرته.

الصعيد الطيب وضوء المسلم، هل يخالفه شيء في الشرع؟ الإمام أحمد يحتج بأثر عن ابن عمر وعن غير ابن عمر، هكذا الجمهور أن ابن عمر يقول: لكل صلاة تيمم، وروي ذلك عن علي وعن غيره من الصحابة. فقال: هذا الذي يقوله الخلال عن أحمد، والخلال ينقل عن أحمد أنه يضعف هذا الحديث؛ لأنه لو لم يضعفه لقال به، فإنه قال بآثار الصحابة، وعادة الإمام أحمد إذا كان الحديث ضعيفاً انتقل إلى الصحابة، فإن وجد عند الصحابة شيئاً أخذ به وترك الحديث، وإن لم يجد رجع على الحديث وأخذ به، هذه قاعدته. إذا كان الحديث فيه شيء من الضعف.

فيقول الخلال إن أحمد أخذ بآثار الصحابة وترك الحديث، مما يدل على أن الحديث ضعيف عنده. لكن هذا ليس نصاً من أحمد أنه ضعف الحديث؛ لماذا؟ لأن هذا المعنى "الصعيد الطيب وضوء المسلم" ليس صريحاً في المسألة، ليس صريحاً في أنه رافع للحدث؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6].

فكلمة ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ راجعة للوضوء وراجعة للتيمم. فهل يلزم أن نقول في القرآن إن التيمم رافع للحدث؟ ليس صريحاً في القرآن، صحيح أن الظاهر أنه رافع للحدث، ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ معناه أنه يرفع الحدث، فإذا أول الجمهور الآية قالوا: مقصود الآية هو الإباحة، أنه مثل الطهارة أو مثل الوضوء في الطهارة، أي في إباحة الصلاة. فأولوا الآية، فيؤول الحديث ويكون الحديث لا إشكال فيه؛ لأن ما يفهم منه يفهم من غيره. وبالتالي هذا مأخذ من صحح الحديث من الناس أن هذا الحديث ليس فيه شيء يخالف الشريعة، بل القرآن يوافقه والإجماع يوافقه في طرفه الآخر، ولذلك صححه الأئمة.

فهذه مسألة وهي أن حديث المجهول يجوز تصحيحه أو لا يجوز؟ يجوز إذا وافق غيره. ونصوص الأئمة سأذكرها لكم هنا، هذه في المرحلة القادمة إن شاء الله بعد الانتهاء من هذا الكلام. فإذاً هؤلاء الذين صححوا الحديث رأوا أن هذا الحديث له ما يشهد له من الشريعة، فالقرآن يشهد لأوله والإجماع يشهد لآخره، هذا الحديث صحيح. ولماذا قلنا صحيح؟ لأن هذا الرجل ليس بمجروح، هو مجهول، والمجهول حديثه يحتمل القبول، لكن لما شهد له ما شهد له دل على أنه مقبول. وضحت المسألة؟ ومن هنا ربما أدرجه العجلي وغيره في الثقات أنه لم يأتِ إلا بحديث صحيح.

تصحيح الحديث ما تؤول ليست كافية لأن هذا الرجل ليس مشهوراً وليس معروفاً، لو كانت عنده أحاديث نحكم عليه بمجموعها، لكن حديثه هو رجل عليه ستر الله، في الغالب أنه مسلم، ما يروي هذا عن هذا ولا يروي هذا عن هذا إلا كأنه مسلم، فاحتياطاً للحديث نقول: هذا الحديث مقبول صحيح، وإن كان فيه رجل مجهول، لكن تصحيحه لأجل الشواهد الأخرى عليه.

الآن سنتكلم عن مسألة المجهول وما هو قول أهل العلم فيه، وهي مسألة مصطلحية، نحن انتهينا من الحديث، لكن هذه المسائل التي تطرق لها هي من الفوائد التي ربما نحتاجها في المستقبل. المجهول عندنا، وبالتالي هنا لما قال الخلال إن الإمام أحمد ضعف هذا الحديث، هذا الكلام ليس صريحاً، كون الإمام أحمد يقول إن التيمم مبيح لا رافع، لا يدل على أنه يضعف الحديث؛ لأن الحديث يحتمل ما تحتمله الآية من كونه مبيحاً. نعم، وهكذا ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ وحتى صلاة ابن عباس وهو متيمم بالمتوضئين، ما جعل ذلك الإمام أحمد يقول إن التيمم رافع، مع أنه يقول التيمم مبيح، يجوز أن يؤم المتيمم المتطهرين.

نعود إلى مسألة المجهول، المجهول أقسام، أولاً المجهول هل هو قسم ولا قسمان؟ هذا سؤال. عندنا في المصطلح المجهول قسمان، كم قسم المجهول؟ أهل الاصطلاح، عندنا مجهول، ما معنى مجهول؟ غير معروف في اللغة، طيب عندنا مستور، ما معناه؟ يعني عليه ستر الله، المستور هو الذي دونه ستر، طبعاً الشخص المستور ليس معناه أننا سترنا جسده بستر، وإنما لم نعلم من حاله الذي ستر، ما هو حاله؟ واضح؟ وعندنا المبهم، ما هو المبهم؟ في اللغة شيء انبهم عليك يعني لم تعلمه، ومنه البهيمة، بهيمة لا علم عندها، وبعض الرجال البهم لا علم عندهم، أو رعاة البهم، السود، الذي ليس فيه تميز عن غيره، يعني ليس فيه لون آخر يميزه، مبهم. وعندنا مهمل، ما معنى مهمل؟ متروك، هذا ينطبق على اسم زيد هكذا بدون إذن، أو محمد بدون ابن، يسمونه في المصطلح مهمل، مبهم، رجل أو امرأة بدون تسمية يسمى مبهم. مستور له كلام في الاصطلاح والمجهول له كلام في الاصطلاح.

أهل الاصطلاح يفسرون المجهول يقسمونه أقساماً، أول من قسم المجهول ابن الصلاح، ماذا قال؟ مجهول الباطن والظاهر، مجهول العدالة الباطنة والظاهرة، مجهول الباطن دون الظاهر. وهنا مجهول العين، طبعاً الأئمة أو المفسرون الذين في الاصطلاح استشكلوا الفرق بين هذا وهذا، فجاء ابن حجر وقال: المجهول قسمان، هنا نقول ابن الصلاح وهنا ابن حجر، قال مجهول حال ومجهول عين، وهنا اتفقا في مجهول العين وهذا عندهم يعتبر مجهول الحال. هذا كثير من الناس يتبع فيه ابن الصلاح بدون أن يفسروا ما هو هذا، منهم من انتقد أنه لا يتبين له وجه الفرق. ما معنى مجهول الباطن والظاهر؟ من كان مجهول الباطن أنه لم يزكَّ فكيف يكون مجهول الظاهر؟ إذا كان الظاهر المقصود بجهالة الظاهر أنه لم يزكَّ، فما هو مجهول الباطن؟ أما هنا إذا قلنا مجهول الباطن معناه أنه لم يزكَّ فجهل باطنه، وأما ظاهره فلأنه مسلم يعتبر عدلاً. مجهول عدالة الباطن الظاهر معناه أن الأصل في العدالة في الظاهر، لكن في الباطن لم يزكَّ، لم يوثق، فهو مجهول الباطن.

أما هذا مجهول الباطن الظاهر ما عرفنا ما وجهه، لكن بعد التأمل أنا ظننته أنه يقصد المبهم، من هو المبهم؟ الذي لم يسمَّ، رجل، فلما تقول رجل أو امرأة، لعدم تسميته فهو مجهول الباطن قطعاً؛ لأنه لا يمكن تزكية مبهم، لا نعرفه حتى نزكيه. وأما جهالة ظاهره احتمالية؛ لأنه قد لا يكون مسلماً وقد يكون فاسقاً، فقوله رجل يحتمل ينطبق عليه، أو امرأة ينطبق عليه جهالة الظاهر؛ لأنه قد يكون فاسقاً، وينطبق عليه جهالة الباطن لأننا لم نعرف تزكيته. وأما إذا سُمِّي مثل عمرو بن وجدان، فهو في الظاهر عدل لأنه مسلم، في الباطن ليس هناك تزكية وليس هناك توثيق فهو مجهول الباطن، وبالتالي لا يكون هناك خلاف بين ابن حجر وابن الصلاح؛ لأن ابن حجر أيضاً جعل من المجهول المبهم، لكنه مبهم، هذا متفقون عليه كلهم أنه مجهول ليس معروفاً.

وإنما تقسيم ثنائي عند ابن حجر: مجهول عين ومجهول حال. من هو مجهول العين؟ هو الذي لم يرو عنه إلا واحد، طيب من هو مجهول الحال؟ هو الذي روى عنه أكثر من واحد لكنه لم يوثق. وضحت المسألة؟ إذاً وهذا الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، أن مجهول العين هو من لم يرو عنه إلا واحد ولم يوثق، ومجهول الحال هو الذي روى عنه أكثر من واحد لكنه لم يوثق.

طيب عندنا إشكالية، معكم وقت ندخل في الإشكالية؟ نعم، ما هي الإشكالية؟ الإشكالية لا هذا التقسيم عند المتقدمين، طبعاً هذه الإشكالية وردت عند المتأخرين فيما أظن بسبب الخطيب البغدادي؛ لأن الخطيب البغدادي لما عرف المجهول لا أدري هل تعريفه يحضرني، هو قال: من لم يشتهر بطلب العلم، أو لم يعرفه العلماء بطلب العلم، ثم قال: ومن لم يرو عنه إلا، هذا تعريف الخطيب للمجهول، فهل هذا التعريف لمجهول واحد؟ ولا لمجهولين؟ لما مثل الخطيب مثل بهذا الأخير، قال كفلان وأورد أناساً لم يرو عنهم إلا واحد، فالعلماء أهل الاصطلاح قالوا بأن هذا مجهولان، واحد: من لم يشتهر بالعلم وهو الذي روى عنه أكثر من واحد لكنه لم يوثق، واثنين: من لم يرو عنه إلا واحد. فصار عندنا مجهولان، وأيدوا ذلك بقول الخطيب لما ذكر كلام محمد بن يحيى الذهلي وقال: أقل ما ترتفع به الجهالة -أنا أقولها بالمعنى- رواية راويين أو عدلين. يعني أقل، وهذا كلام من؟ محمد الذهلي تلميذ الإمام أحمد، قال: لا ترتفع الجهالة عن الرجل إلا برواية راويين. الخطيب ماذا علق على هذا الكلام؟ قال: لكن لا تثبت له العدالة. إذا لم تثبت العدالة ما معناه؟ ما زال مجهولاً ولا لا؟ صحيح ولا لا؟ فكان هناك تناقض بين تعليق الخطيب وبين كلام محمد بن يحيى. محمد بن يحيى الذهلي يقول ترتفع الجهالة برواية راويين، إذاً من روى عنه اثنان فأكثر معناه ليس بالمجهول.

إذاً المجهول عندنا في تعريف الخطيب ينبغي أن يكون واحداً، من لم يشتهر بطلب العلم أو لم يعرفه العلماء، وهو من لم يرو عنه إلا واحد. طبعاً ما قال وهو من، قال ومن، ليش أنا أقول هذا الكلام؟ لأنها أورثت عندنا تقسيم المجهول إلى قسمين، مما أخذ من كلام الخطيب تقريباً، أخذه ابن الصلاح، فمن أورث عندنا إشكالية، ما هي هذه الإشكالية؟ نجد في كلام النقاد كثيراً يقول: هذا ليس بمجهول، ليس من روى عنه فلان وفلان، يذكرون ثلاثة، يذكرون اثنين، هم يقولون ليس بمجهول ونحن نقول لا مجهول، يعني فيه تباين في صنيع المتقدم وبين تطبيقاتنا أو تطبيقات المتقدمين، وهم يقولون لا هذا ارتفع. سئل الإمام أحمد عن سعيد بن جهمان: أمجهول هو؟ قال: لا، روى عنه فلان وذكر خمسة، ليس من روى عنه هؤلاء بمجهول، ثم وثقه في مكان آخر بناء على رواية الخمسة.

الآن نريد أن نستقرئ كلام العلماء بالنسبة لما ترتفع به الجهالة وما يثبت به العدالة. أولاً من لم يرو عنه إلا واحد، هذا مجهول قطعاً وجزماً، هذا عند الجميع، ليس كذلك؟ طيب خلنا نقسم المجهول إلى قسمين. المجهول المتفق عليه، المجهول عين: من هو؟ من لم يرو عنه إلا واحد. طيب ما حكم روايته؟ حكم روايته الأصل فيها ماذا؟ الأصل الرد، الأصل فيها عدم القبول، هذا الأصل، لكن يمكن نقبلها؟ نقبلها متى؟ تقبل بالشواهد، وهذا عليه عمل النقاد، وسآتيكم بأمثلة إن كان هناك متسع من الوقت.

الثاني المجهول المختلف فيه، هل هو مجهول أم لا؟ المختلف فيه من هو؟ يسميه القدماء المستور، والمتأخرون يسمونه مجهول الحال، مجهول الحال وأيضاً يسمونه المستور فيجعلون له تسميتين: مستور ومجهول الحال. لكن معليش الوقت عندنا ضيق، الذي أريد أن أقوله أن جمهور النقاد يخرجون هذا من أن يكون مجهولاً، وسأقرأ لكم بعض أقوالهم. أعطيكم مثلاً قول أبي الحسن الدارقطني، وهو من أئمة النقد كما تعلمون، قال: وأهل العلم بالحديث -هو يتكلم عن أهل العلم بالحديث- لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلاً مشهوراً، هذا واحد، أو رجل ارتفع اسم الجهالة عنه، هذا اثنين، وأقل ما ترتفع عنه الجهالة بكم؟ قال: أو رجل ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعداً. واضح الكلام؟ إذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة وصار حينئذ معروفاً، فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره، حتى تأتي الشواهد. صريح كلام الإمام هذا، هو صريح.

طيب، أحياناً نجد الأئمة يأتون إلى رجل ويقولون: بل قد روى عنه اثنان فارتفع عنه اسم الجهالة، ماذا يريدون بهذا الكلام؟ أليس يريدون تصحيح الحديث أو توثيقه أو قبوله؟ فإذا كان قولهم هذا لا معنى له، ارتفع عنه هذا ليس بمجهول، ارتفع عنه اسم الجهالة لأنه روى عنه فلان وفلان، نقول يا أخي بس لم يوثق، كأننا نقضنا كلامهم، لا معنى لقولنا لم يوثق إلا نقضاً لكلامهم. هم يقولون طبعاً هذا المختلف فيه الذي قلنا روى عنه أكثر من واحد، ما حكم روايته؟ لو أردنا أن نصنف روايته نعطيها حكماً، نقول: الأصل في روايته ماذا؟ هذا ليس مجهولاً، مجهول عند المختلف فيه، لا يسمى مجهولاً ما دام روى عنه أكثر من واحد، وليس أكثر من واحد ضعفاء، لا بد أن يكونوا عدولاً أو مشهورين بالعلم، فهذا الأصل في روايته القبول وإنما ترد لعلة أو لقرينة.

فأحيانا الأئمة يأتون إلى شخص روى عنه أكثر من واحد فيردون روايته لأن هذه الرواية لا تحتمل القبول من مثله، وإلا فالاصل في رواية أمثالها القبول. لكن الروايات تكتنفها القرائن الكثيرة، فليس خبر يحلل دماء ويحلل أموالاً كخبر عن مسألة فقهية صغيرة عليها شواهد. واضح المسألة؟ لكن الأصل ما هو؟ القبول. وأقوال الأئمة كثيرة، مثلاً أعطيك قولاً، قبل الدارقطني هناك أقوال أكثر من هذا، لابن خزيمة له أقوال، وأبو بكر البزار مثلاً.

نأتي إلى من قبل أبي بكر البزار، البخاري قال كثير من العلماء إنهم لا يروون عمن لم يروِ عنه إلا واحد، ورسمهم أن يكون روى عنه أكثر من واحد، فمعناه أنهم لا يشترطون أن يكون صُرِّح به بالتوثيق، ولا نجد هذا في كثير من الناس ولا في كثير من روايات الصحيحين. وللذهبي كلام أنه ابن القطان ضعّف حديثاً لرجل وقال إنه لا يعرف له حال، فقال الذهبي في كلام له: ما أكثر من وُجد في الصحيحين لا يعرف لهم حال، ولو مشينا على رسم ابن القطان لرددنا كثيراً من أحاديث صحيحة، إنما هم مستورون بستر الله عليهم.

هنا مثلاً محمد بن يحيى الذهلي يقول: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة. ويقول بعد ذلك أو قبل ذلك: ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح، إذا استثنى إما أن يكون مجروحاً وإما أن يكون مجهولاً، وبعده قال: وتترفع اسم الجهالة، وإذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة. فأصبح غير مجهول، إذاً مقبول الحديث، هذا يُفهم من كلام محمد بن يحيى وهكذا غيره من الأئمة هناك أشياء كثيرة جداً.

الشاهد من الكلام أن عندنا مع المجهول وقفة حقيقة، لا ينبغي أن نمشي هكذا ونرد أحاديث كثيرة في الصحيحين لو مشينا على هذا، طبعاً كثير من المتأخرين لا يردون أحاديث الصحيحين مع أن فيها أناساً لم يوثقوا أبداً، لأن الحديث في الصحيحين صحيح، فيقولون تصحيح البخاري يدل على توثيقه، لما لا نقول إن البخاري مشى على القاعدة التي عليها الأئمة وقد ذكر ذلك البخاري وغيره.

أصحاب الذين تكلموا عن البخاري، انظر هنا أبو مسعود الدمشقي، سنة أربعمائة توفي، وهو ممن علق على الصحيحين، يرد على الدارقطني في جواب له للدارقطني على مسلم قال: لا أعلم أحداً روى عنه غير أبي هانئ، يقصد راوياً، يقصد عمرو بن مالك الجنبي، قال: أبي هانئ وحده لا يرتفع عنه اسم الجهالة إلا أن يكون معروفاً في قبيلته. أحياناً من لم يروِ عنه إلا واحد يكون معروفاً، كيف معروف؟ لأنه معروف في أخبار أخرى، لكن في الرواية لم يروِ عنه إلا واحد، فهذا يختلف، ولذلك نجد في بعض الأحاديث الصحيحة من صحح العلماء مع أن راويه لم يروِ عنه إلا واحد لأنه معروف في باب آخر.

يعني هو الخوف من من لم يروِ عنه إلا واحد أن يكون خطأً، أنه لا يوجد شخص بهذا المسمى، واضح؟ فلما نعرف أنه كريم مالك بن دينار مثلاً أو شجاع نعرف أن هذا الرجل أصلاً عنده أخبار كثيرة فهو الآن لا داعي لأن يروي عنه اثنان، لماذا نحن نشترط اثنين وأكثر من الثقات؟ حتى نعلم وجود هذا الرجل حقيقة وأن هذا الرجل معروف وليس خللاً من الراوي المنفرد، وضحت؟ فإذا علمنا ذلك، أما أن له آباء وله أبناء وله فهذا يغنينا عن رواية الأكثر من واحد، وضحت المسألة؟ فهو يقول: إلا أن يكون معروفاً في قبيلة أو روى عنه أحد معروف مع أبي هانئ يرتفع عنه اسم الجهالة.

الآن مثلاً هذا الكلام الذي ذكرته عن الإمام أحمد قال: قلت لأبي: يا عبد الله سعيد بن جهمان هذا رجل مجهول؟ قال: لا، روى عنه غير واحد حماد بن سلمة وحماد بن زيد والعوام بن حوشب وحشر، ثم بناء على ذلك وثقه في موضع آخر ووثقه غيره، لأنه إذا روى عنه أئمة اثنان فأكثر وله روايات، لو كان هناك طعن لطعنه الأصل فيه هذا مسلم، فلو كان هناك أي طعن فيه وروايات موجودة لتكلم الناس فيه.

هذه هي تقريباً كما يقولون الفلسفة، يأتينا رجل مثلاً يروي أحاديث، مجموعة أحاديث، يروي عنه مجموعة من الناس ولا أحد يتكلم فيه، لو كان فيه كلام لتكلم الناس، هاهُم الضعفاء ويقولون فلان روى حديثاً منكراً، فلان روى حديثاً منكراً، فلما سكتوا عن أمثال هؤلاء من الناس الذين عُرفوا دل على أنهم ثقات، أو أنهم لم يأتوا بشيء يُنكر عليه.

هذه هي صورة المسألة، لأنه شخص واحد قد يكون أخطأ، ثم لا نعرف هذا الرجل يعني لو أنه معه شخص آخر، لأنه في الغالب أن الشهادات إنما تقبل عن اثنين، تزكيات تقبل على اثنين، فكأنهم من هذا المنظور انطلق جمهور أهل العلم، أحياناً قد يردون من روى عنهم جماعة وليس هو مجروحاً، فيأتي رجل ويروي عنه جماعة ومع ذلك تجد إماماً يتوقف في روايته. هذه التوقف في روايته لأجل غرض آخر أو لأجل سبب آخر كما يتوقفون في رواية الثقات أحياناً. أليس يردون رواية الثقات؟ قبيصة ردوها لماذا؟ لأنه خالف. فأحياناً قد يقفون ويتوقفون في رواية من رسمه عندنا مجهول وهو عندهم ليس بمجهول، ليس لأجل أنه مجهول أو لأجل أنه لم يوثق، وإنما لأجل اعتبار آخر.

نعم، هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.