الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيقول المؤلف في الحديث الثاني: سألت أبا زرعة عن حديث رواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رجلاً أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء، فذكر عمار عن النبي ﷺ في التيمم. ورواه الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنت عند عمر إذ جاءه رجل. قال أبو زرعة: حديث شعبة أشبه. قلت لأبي زرعة: ما اسم أبي مالك؟ قال: لا يُسمى، وهو الغفاري.
هذا الحديث رقم اثنين في علل ابن أبي حاتم، وله علاقة بالسؤال رقم أربعة وثلاثين في نفس الكتاب، وهو عن الحديث نفسه، لكن المسؤول هناك أبو حاتم. نرجع إلى رقم اثنين لنبين ما هو الخلاف؛ الخلاف بين شعبة وبين الثوري. طبعاً الأعمش ورد في السؤال، لكن سأبين لكم أن وروده في السؤال لم يكن هو القصد. رواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، أن رجلاً أتى عمر فقال: إني أجنبت ولم أجد الماء، فذكر عمار عن النبي في التيمم؛ لأن الحديث المرفوع هو عن عمار. ورواه الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي مالك الغفاري عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنت عند عمر إذ جاءه رجل، ثم ذكر عماراً. إذًا الخلاف المسؤول عنه بين هذين الطريقين: طريق شعبة وطريق الثوري.
في السؤال رقم أربعة وثلاثين قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن اختلاف حديث عمار بن ياسر في التيمم وما الصحيح منها؟ فقال: رواه الثوري عن سلمة عن أبي مالك الغفاري عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي ﷺ في التيمم. ورواه شعبة عن الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار عن النبي ﷺ في التيمم. ورواه شعبة أيضاً عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار عن النبي ﷺ في التيمم. وأورد أبو حاتم طريق الحكم من باب أن شعبة روى -لأن الخلاف بين شعبة والثوري- وأورد طريق شعبة الآخر عرضاً ليس مقصوداً في الجواب.
ثم قال: ورواه حصين عن أبي مالك قال: سمعت عماراً يذكر التيمم موقوفاً. قال أبي: الثوري أحفظ من شعبة. هناك أبو زرعة قال: حديث شعبة أشبه. وهنا أبو حاتم قال: الثوري أحفظ من شعبة، معناه أن أبا زرعة يرجح حديث شعبة، وأبا حاتم يرجح حديث الثوري. قلت لأبي: فحديث حصين عن أبي مالك؟ قال: الثوري أحفظ. طبعاً المقارنة ليست مع الثوري، بل مع سلمة بن كهيل؛ لأن حصيناً هنا مخالف لسلمة بن كهيل، وسيأتي في آخر الكلام أنه يقول: حصين أحفظ. إنما قال الثوري أحفظ لأن الثوري متمكن من الرواية عن حصين، معناه أن الرواية ثابتة. قال: الثوري أحفظ، ويحتمل أن يكون سمع أبو مالك من عمار كلاماً غير مرفوع، ويسمع مرفوعاً من عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي. يعني كأنه هنا يصحح الوجهين الموقوف والمرفوع، وهذا موجود كثير في السنة؛ نجد أن الراوي يروي الموقوف بطريق أقصر أو بطريق آخر غير المرفوع، ويكون كلا الطريقين ثابتين.
قال هنا عن عمار عن القصة، قلت: وأبو مالك سمع من عمار شيئاً؟ قال: ما أدري ما أقول لك، قد روى شعبة عن حصين عن أبي مالك: سمعت عماراً. يعني شعبة هنا موجود في الموضوع، وشعبة متحري في السماع يقول: سمعت عماراً، وما يمكن أن يقول شعبة هذا وهو لم يسمع. لكن ما الذي انقدح في ذهن أبي حاتم هنا؟ أن أبا مالك يروي المرفوع بواسطة ابن أبزى، فقال: ما أدري ما أقول لك، روى شعبة عن حصين عن أبي مالك: سمعت عماراً، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه. وسلمة أحفظ.
هنا الآن يقارن بين سلمة وبين حصين، قبل قليل قال الثوري أحفظ وهو يريد سلمة، ثم قال: وسلمة أحفظ من حصين. قلت: ما أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ يقول له الابن لأبيه؛ ما الذي جعلك تقول: ما أدري، شعبة يقول كذا، ما الذي يجعلك تتشكك؟ وأورد الابن حجة. طبعاً أنا ما سأتكلم عن هذه الحجة إلا أن يأتي موضعها، وإنما أوردت الموضع الثاني رقم أربعة وثلاثين حتى تكتمل الصورة. قال: ما تنكر أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ طبعاً هذا السؤال الابن كان عمره في العشرين تقريباً وهو يسأل هذا السؤال، فهو محدث كبير، ويدل على أنه ليس عنده علم كبير بوفيات هؤلاء؛ هل كانت متباعدة أو لا؟ طبعاً نحن أحياناً نقول: هذا شيء واضح لنا. متى صار واضحاً لنا؟ بعد ما جمعوا الوفيات، وحين جمع الكلام الآن فهمنا. لكن لو لم يجمع الكلام ولم نتتبع أقوال النقاد ما عرفنا أن هذا مات سنة خمس وثلاثين، وهذا مات سنة بعد السبعين أو نحوه. قال: بين موت ابن عباس وموت عمار قريب من عشرين سنة، يقولها أبو حاتم وهي قريبة من ثلاثين سنة في الحقيقة، إنما علمناها كما قلت لكم بأقوال النقاد الآخرين.
نرجع إلى المشكلة التي عندنا. كتبت لكم هذه الطرق على السبورة حتى يكون الكلام واضحاً لنا إذا أردنا أن نقارن بين الروايات. الرواية الأولى هي حديث مرفوع وفيه قصته لما تمرغ وجاء إلى النبي ﷺ يذكرها لعمر. سأقرأ لكم الرواية من طريق جماعة كثيرون عن الأعمش، والأعمش إمام من الأئمة الكبار، توفي سنة مئة وثلاثة وعشرين، عن أبي وائل، وهو تابعي مخضرم جليل من أجل التابعين، توفي النبي وعمره ربما ثمان سنوات أو تسع سنوات، لكنه لم يرَ النبي ﷺ. يروي عن أبي موسى وابن مسعود، وهو من أصحاب هذين العلمين العالمين من أهل الكوفة، فيروي نقاشهما بينهما، أحدهما يرى أن الجنب يتيمم والآخر يرى أن الجنب لا يتيمم.
يقول أبو وائل شقيق بن سلمة: كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً، أما كان يتيمم ويصلي؟ فرد عليه برد، قال: فكيف تصنعون بهذه الآية؟ يقول أبو موسى الأشعري في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]. وهو فقيه والآخر فقيه أفقه منه، لكن مرة يكون الفقيه الأدنى في مسألة ربما أعرف منها الذي هو أكبر منه في الفقه. فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم. فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع، فضرب بكفه إلى آخره. فقال عبد الله: أفلم ترَ عمر لم يقنع بقول عمار؛ لأن عمر قال: اتق الله يا عمار! فقال: إن شئت لم أحدثه. قال: لا، بل نوليك ما توليت. وهذا الحديث في الصحيحين له طرق كثيرة.
هذا الحديث إنما أوردته لأبين لكم أن خبر عمار ثابت بلا شك. هذه الرواية متفقون على صحتها، رواها أكثر الأئمة، فالخبر عن عمار وقصة عمار مشهورة جداً وروايته لحديث النبي ثابتة بلا ريب، فأصل الحديث عن عمار موجود. هذا مقصود إتياني بهذا الحديث أو بهذا الطريق، وليس له شأن في الخلاف الذي وقع بين أبي زرعة وأبي حاتم، وإنما أوردته كما ذكرت لكم من باب أن الحديث عن عمار موجود.
أيضاً هذا الحديث عن عمار موجود، وقد يكون له أثر في الترجيح بعد ذلك. نفس الحديث يرويه عبد الرحمن بن أبزى، وهذه الرواية في الصحيحين أيضاً، من حديث شعبة، وفي الخمسة إلا ابن ماجة من حديث قتادة عن ذر. رواية شعبة قال عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء. يقول عبد الرحمن بن أبزى فهو يحكي قصة وقعت لعمر معناها أنه كان حاضراً، وهذا في الصحيحين. فقال عمار لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ: «إنما كان يكفيك هكذا». فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. أخرجه الشيخان كما ذكرت لكم، وهو من طرق كثيرة عن شعبة والألفاظ متقاربة. زاد بعضهم عن شعبة قوله قال الحكم: وقد سمعته من ابن عبد الرحمن بن أبزى. يعني هو يرويه هنا عن ذر، يقول: قد سمعته من شيخ ذر، هذا في بعض الزيادات، وهي في الصحيحين أيضاً. وهذا الحديث فيه إثبات أن عماراً روى الحديث، وأن مسح الوجه والكفين كالحديث السابق.
ثم الطريق الآخر الذي رواه الخمسة إلا ابن ماجة، هو من طريق سعيد بن أبي عروبة وأبان العطار، كلاهما عن قتادة عن ذر بن عبد الرحمن عن سعيد. هذا متابع لهذا الطريق، فلا إشكال في صحة هذا الطريق. ولذلك أخرج الشيخان طريق شعبة عن الحكم؛ شعبة في الحقيقة عن الحكم لم يتابعه أحد عليه؛ لأنه من أخص الناس بالحكم، وهو من الشيوخ الذين انفرد شعبة بالرواية عنهم عن سفيان الثوري. هذا كوفي، ومع ذلك شعبة يروي عنه والثوري لم يرو عنه. من خصائص شعبة أنه تفرد بجماعة من الكوفيين؛ أنا سميتهم الثوريين لأن المفروض الثوري يروي عنهم، هكذا ذكر أحمد بن حنبل، ذكر الشيوخ الذين انفرد بهم أو روى عنهم شعبة دون ثوري، فذكر ربما ثلاثين شيخاً. فهذا الحديث لا إشكال فيه من حيث خلاف الروايات؛ ليس هناك خلاف روايات لأن الحكم يرويه عن ذر ويقول: سمعته من سعيد، فكأنه عن سعيد قد روي من ثلاثة طرق: من طريق الحكم ومن طريق ذر ومن طريق ذر، طبعاً ذر يروي عنه قتادة وهو ثقة من الثقات، وقد صرح بالتحديث ويروي عنهم سعيد بن أبي عروبة وأبان العطار، وهما من أخص أصحابه لا سيما سعيد. واضح؟ هذا الطريق لا إشكال فيه.
نأتي إلى هذا الطريق الموقوف؛ هذا طريق موقوف، موقوف معناه عمار كان يخطب، يرويه عن حصين وعبد الرحمن جماعة، وحصين يروي عن أبي مالك الغفاري، وأبو مالك يقول: رأيت عماراً كما ذكر شعبة، رأيت عماراً سئل أو كذا، فضرب بيده على الأرض ثم رأى التيمم. وهذا في ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر في الأوسط، وعند الدارقطني في السنن، وعند غيرهم. طبعاً لماذا هو في ابن أبي شيبة وابن المنذر وليس في شيء من الكتب الستة؟ لأنه موقوف؛ الموقوفات ليس مجالها الكتب الستة، وإنما مجالها المصنفات، الكتب التي تعتني بالموقوفات. لما هو في الدارقطني إذاً؟ الدارقطني أيضاً يعتني بالمرفوعات، لأنه أورد الحديث مرفوعاً من طريق وهو خطأ، ثم بين الخطأ وبين الطريق الصواب، فلذلك وجد في الدارقطني. وضحت المسألة هذه؟ إلى الآن ما جينا أسئلتنا. أسئلتنا هذا مجالها؛ أو أسئلة أبي حاتم أو السؤال الموجه لأبي حاتم ولأبي زرعة هو عن هذه الطرق. الآن السؤال عن هذه الطرق، هذه الطرق لا إشكال فيها، طبعاً هذا ورد في السؤال طريق حصين الموقوف ورد في السؤال.
أنتم ترون ما في إشكالية. عندنا لو أردنا أن نميز الخلاف بين الروايات هذه؛ الخلاف بين رواية شعبة ورواية الأعمش. شعبة يقول: سلمة، والأعمش يقول: سلمة عن سعيد مباشرة بدون ذر، وشعبة يثبت ذر. طبعاً الأعمش ثقة من الثقات، لكن شعبة أوثق منه، وهو أصغر منه. الأعمش قديم وهو شيخ لشعبة، وشعبة شاركه، وكذلك شاركوا الأعمش في عدد من الشيوخ منهم سلمة بن كهيل، لكن سلمة بن كهيل بالنسبة للأعمش يعتبر شيخاً صغيراً.
وهكذا بالنسبة للأعمش يعتبر شيخاً صغيراً، والشيخ الصغير لا يهتم به المحدث، يعتبره صغيراً لأنه سيجد أحاديثه عند المتأخرين من أصحابه أيضاً. فلذلك الأعمش لم يعتنِ بأحاديث هؤلاء الناس، فضعف في شيوخه الصغار، وهذا التضعيف نسبي يضعفونه في مقابلة شعبة وإلا فهو ثقة.
هنا الخلاف بين شعبة والأعمش، شعبة أوثق من الأعمش وشعبة مقدم هنا على الأعمش في هذه الرواية لسببين: الأول أنه أحفظ منه ويقطعه أحياناً ويرجع إلى الأعمش لتخطئة له، والأمر الثاني أنه زاد رجلاً، وزيادة الرجل لها اعتبارها عند المحدثين. هل وضحت؟ نعم، نعم صحيح هنا انقطاع. ولذلك في السؤال لو قرأت السؤال وأنا قلت لكم اتركوا رواية الأعمش، قال: سألت أبا زرعة عما رواه شعبة والأعمش عن سلمة عن ذر، فأثبت الذر في رواية الأعمش وهي غير ثابتة. السائل إما بأمر أبي زرعة أو بحاتم أو هو حمل رواية الأعمش كأنه يقول هي رواية هذا، فهذا متابع لهذا ولا إشكال هنا سقط. وضحت المسألة، فسؤالي لما قال ما رواه شعبة والأعمش حمل رواية الأعمش، وإلا رواية الأعمش في السنن هي بدون واسطة، فهو حمل هذه على هذه لأنه يقول هذه مردها وهذه الأصول. وضحت المسألة.
نحن الآن نريد أن نتكلم عن الأعمش فقط حتى أوضح كيف كان السؤال. الإشكالية هي بين هذا وهذا، بين الثوري وبين شعبة، وهي التي اختلف فيهما أو في الترجيح بينهما الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة. نأتي لأبي زرعة ماذا قال؟ قال: حديث شعبة أشبه. وأبو حاتم ماذا قال؟ حديث الثوري أو الثوري أحفظ. فقدم رواية الثوري هنا؛ يعني كأن سلمة هذا هل قال عن أبي مالك عن ابن أبزى عن عمار، أو قال عن ذر عن سعيد عن ابن أبزى عن عمار؟ أيهما الصواب؟ فذاك يقول حديث شعبة أشبه، وهذا يقول الثوري أحفظ.
نريد أن نعرف لماذا قال أبو زرعة إن حديث شعبة أشبه، يعني أشبه بالصواب. هل يمكن أن تقولوا أنتم بحسب المعطيات التي قدمتها لكم، هل يمكن أن يكون هناك شيء يرجح حديث شعبة على حديث الثوري من هذه المعطيات؟ تفضل. خليل الحكم تابع يقول الحكم تابع سلمة، هي المسألة ماذا قال سلمة ليس في المتابعة، لو كان هذه مش موجودة ما عندنا مشكلة، لكن المسألة هل سلمة عنده ذر أصلاً أو ما عنده؟
تفضل ممكن زيادة شعبة زاد رجلاً من هذا المرجح بروايته، زاد ذر هنا لا يوجد هنا لا يوجد حتى سعيد، سعيد هنا لا يوجد لا ذر ولا سعيد. جميل، هذا جميل جداً. نزول يعني إيش يقولون قرحة في الوجه أو شؤم، فالإمام لما يذهب إلى نزول معناه أنه ذهب إلى شيء غير مرغوب، فهذا مما يرجح رواية شعبة نوعاً ما، أنه لو كان عند سلمة علو قال به كما هنا، لكن يضعف هذه أن هذا غير معروف بخلاف هؤلاء، فالسند هنا أحسن منه هنا، ودائماً الناس يبحثون عن السند الصحيح دون السند العالي أو غير الصحيح. إذا أنا سأقول لكم نفسي ما هي القرائن التي يمكن أن يكون اعتمد عليها أبو زرعة الرازي؟ هذا الحديث هو ثابت عن شعبة، ما في إشكالية في ثبوته عن شعبة، الخلاف بينه وبين الثوري.
أولاً شعبة روى هذا الحديث قلنا في مسلم ولا لا؟ أين هو؟ هذا هو في مسلم، لكن روايته في مسلم كيف جاءت؟ قال الوجه الأول ما رواه جماعة عن شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى إلى آخره، أن رجلاً قال، هنا رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وغالب الروايات أنما يأتي شعبة برواية سلمة عطفا على رواية الحكم، كيف؟ يأتي يسوق رواية الحكم ثم يقول: وحدثني سلمة عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم، فقال عمر نوليك ما، يعني يأتي به تبعاً لا يأتي به استقلالاً. أنا سأذكر لكم لماذا أوردت هذا الذي هو إتيانه به تبعاً. أولاً مرجحات رواية شعبة، نترك رواية الثوري الآن، لأن هذا الذي ذكرته تبعاً يرجح رواية شعبة في وجه ويرجح رواية الثوري في وجه.
قال هنا يمكن بحسب المعطيات التي ذكرتها تبرير هذا الترجيح، الذي هو ترجيحها بسرعة لقول شعبة بعدة قرائن: القرينة الأولى أن شعبة حافظ، شعبة من الحفاظ أليس كذلك؟ وحافظ جبل وهذا الحافظ عنده رواية لا مطعن فيها، فالحديث عنده برواية لا مطعن فيها بهذا الشكل، وكونه يأتي عنده يروي عن سلمة أو يحدثه شيخه سلمة بسند مختلف عن السند الذي عنده، ينبغي على مثل هذا الحافظ أن يتنبه للإسناد المختلف، يعني يستغرب أن يظن أن الإسناد واحد، أليس كذلك؟ وهو حافظ، فلو جاءه إسناد مختلف عن هذا لتنبه له، أليس كذلك؟ هذا المرجح الأول أنه لو كان هناك خلاف بين سلمة والحكم لانتبه له شعبة لأنه حافظ، مع أنه يقولون أكثر ما يخطئ في الأسانيد، يعني خطأه في أسماء الرجال أكثر، والثوري أوثق منه ومقدم عليه وأحفظ، هذا باتفاق تقريباً إلا بعض الأئمة قد يرجحون شعبة.
القرينة الثانية متابعة هذا الرجل، أليس هذا تابع شعبة في الحديث؟ تابعه متابعة قد لا تكون تامة لأنه أسقط منه ذر، لكنه تابعه في سلمة عن سعيد، أو يعني أثبت لنا أن رواية سلمة فيها سعيد، فهذا الإثبات من الأعمش يدل على ترجيح رواية شعبة، فأخذ المتابعة البسيطة أو جزء من المتابعة هذا يستخدمه النقاد أحياناً، ويمكن أضرب لكم أمثلة أو مثالاً واحداً سريعاً أعطيكم سنداً هنا أرجو أن تنتبهوا له، كيف سأكتبه؟ قول هشام عن قتادة عن شريك بن خليفة عن عبد الله بن عمر، وسند آخر هنا سعيد عن قتادة من سعيد من أبي عروبة، يقولون بقر بطن قتادة يعني أخذ كل ما عنده فهو من أكثر الناس رواية عنهم، عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو ليس ابن عمر، وهنا همام وهذان الرجلان أوثق من هذا، يقدمان على همام هشام وسعيد بن أبي عروبة في قتادة مقدمان على همام.
همام يقول قتادة شريك عبد الله بن عمرو، ما رأيكم أيهما أصح؟ هذه الروايات كلها مختلفة، ها؟ رواية سعيد أو هشام أو همام بينهم خلاف، خلنا نقرب لكم الموضوع، قلت هذا متفقين عليه ولا لا؟ الخلاف على قتادة ماذا قال هشام؟ قال: شريك عن عبد الله بن عمر. سعيد قال: أبي أيوب عن عبد الله بن عمر. همام قال: شريك عن عبد الله بن عمرو. هنا لو أردنا أن نبحث في المتابعات، شريك الذي في رواية هشام هل له متابعة في رواية هذين؟ نعم همام تبعه، صح ولا لا؟ طيب أبو أيوب هل تابعه؟ لا، ألغيناه. طيب عبد الله بن عمر الذي في رواية هشام هل تابعه همام أو سعيد؟ لا، هؤلاء قالوا ابن عمرو، إذاً ألغيناه، ألغينا أبا أيوب وألغينا عبد الله بن عمر، فما الذي بقي؟ شريك أين هو؟ شريك في عبد الله بن عمرو في رواية من؟ في رواية همام.
لذلك قال يحيى بن سعيد القطان لما سأله عفان وسأله عن هذا الخلاف قال: همام أصلب، قال لما؟ قال: تابعه هشام في شريك وتابعه سعيد في عبد الله بن عمرو، فيأخذ جزئية من هنا وجزئية من هنا ويبين لك من الأصل منهم، لكن الحديث ثابت، الرواية ثابتة بدليل أن هؤلاء كلهم رووها عن قتادة وإنما اختلفوا في جزئيات، فالرواية ثابتة فنبحث عن الأصوب من هذه الرواية، وضحت المسألة؟ فهنا لما نقول الأعمش يفيدنا هنا في ماذا؟ يفيدنا في وجود سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى أنه موجود في رواية سلمة، فاستفدنا من رواية الأعمش هذه ثانية، وضحت المسألة؟
القرينة الثالثة: قلنا إن لسعيد ذكراً الآن، تابع شعبة أن سلمة في روايته سعيد بن أبزى. أيضاً قال هنا إن لذكر سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى أصلاً في الحديث، أصلاً وجود سعيد في الحديث موجود، له أصل في هذا الحديث، أين هذا الأصل؟ هنا، وهذا الأصل لا فيه من روايته ثقتين بل ثلاثة، حتى الحكم روى عن سعيد، وضحت المسألة؟ فوجود سعيد في حديث عمار له أصل، هذه قرينة ثالثة.
هناك قرينة رابعة وهي ذكرها الأخ وأنا أضفتها لو تلاحظ هنا في الكتابة كاتب النزول، وهي أن هذا السند نازل، أنزل من هذا السند، والنزول يرجح الرواية النازلة، ولها أمثلة كثيرة، أنا ما أريد أطيل الدرس بالتمثيل ترجيح الأئمة بالرواية النازلة، لأن الناس كانوا يحبون العلو، يحبون المرفوعات، يحبون المتصل، فلما يأتي موقوف أو يأتي مرسل أو يأتي حديث نازل يخرب علينا الحديث الآخر ويدل على أن هناك خللاً ما. طبعاً في حالات معينة، الآن عرفنا أن أبا زرعة له وجه في قوله حديث شعبة أشبه بالصواب، أليس كذلك؟
طيب نأتي إلى حديث الثوري، الثوري قال أبو حاتم الثوري أحفظ، الثوري أحفظ من شعبة، معناه يرجح رواية الثوري عن سلمة عن أبي مالك عن ابن أبزى رواية شعبة. طيب ما هي المرجحات عنده؟ قال أول القرائن أن الثوري أحفظ، وهذا باتفاق أن الثوري أحفظ من شعبة، وهناك أخبار وروايات عن حفظ الثوري فيها العجب العجاب، يعني مثلاً سأسوق لكم قصة حصلت مع الثوري، يقول عبد الرحمن بن مهدي لما حدث الثوري عن حماد عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان، إذا حككت جسدك، حماد، الثوري يقول عن حماد عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان، واضح الإسناد؟ حماد، عمرو بن عطية، سلمان. قال: قلت له -يقول عبد الرحمن بن مهدي لشيخه الثوري-: هذا يا حماد يروي عن ربعي بن حراش عن سلمان، يعني ليس عن عمرو بن عطية، قال: من يقول ذلك؟ قلت: حماد بن سلمة، قال: امضه، يعني اتركه، أنا أقوى منه. فقلت له: حدثنا شعبة، قال: امضه، يعني حماد بن سلمة وشعبة، ويقول امضِ، اثنان على واحد وهم من الحفاظ أيضاً نعم، سعيد يقول سيبه اتركه.
قال: فقلت حدثنا هشام الدستوائي الذي كان هنا، وهشام من أوثق الناس بالقانون، قلت حدثنا هشام الدستوائي عن حماد عن ربعي، فقال هشام وقف، ثم قال: قلت نعم، قال فأطرق هنيهة ثم قال: امضه. الآن ثلاثة: حماد بن سلمة، وهشام الدستوائي يقول امضه، قال: أمره سمعت حماداً يحدث عن عمرو بن عطية عن سلمان، متوثق من روايته، فقال عبد الرحمن فمكثت زماناً أحمل الخطأ على سفيان، قال وبعد ذكر في عند الخطيب أنه في سنة ثمانين، يعني بعد موت الثوري بعشرين سنة -الثوري توفي سنة مئة وواحد وستين وهذا مئة وستين بينهم سنة توفي هذا قبله، ولما توفي قال ذهب الحديث، يقول الثوري لما توفي شعبة- فقال هنا فمكثت أحمل الخطأ على سفيان، لماذا يحمل الخطأ على سفيان؟ لأنهم جماعة. وهو قال حتى نظرت في كتابي غندر عن شعبة فإذا هو عن حماد عن ربعي بن حراش عن سلمان، قال شعبة: وقد قال حماد مرة لنا عن عمرو بن عطية التميمي عن سلمان، فعلمت أن الحديثين صحيحين.
شف يعني هذا الحفظ إذا حفظ قال فعلمت أن شوف ماذا قال هنا؟ قال فعلمت أن سفيان إذا حفظ شيئاً لم يبالِ من وكان شعبة يقول إذا خالفني سفيان فالصواب مع سفيان. هو يعترف فأولاً الشعبة يقوله يقول إذا خالفني الثوري أو سفيان الثوري فالصواب معهم لأنه بالتجارب اختلفوا كثيراً. هذه أول قرينة وهي حفظ الثوري.
ثاني قرينة أن الثوري أتى بالإسناد الأصعب، الآن سلمة عن ذر عن سعيد عن عبد الرحمن بن أبزى، هذا كثير حتى في الصحيح يروي سلمة عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن، لكن سلمة عن أبي مالك لا يوجد له إلا هذه الرواية، فهو جاء بالإسناد الصعب، يعني على الثوري أسهل أن يحفظ هذا الإسناد الذي يعرفه، أليس كذلك؟ من أن يأتي بإسناد غريب، واضح يا مشايخ؟ فالإسناد الغريب يصعب الحفظ فمعناه أنه لم يأتِ به إلا وقد حفظه، وهذه أيضاً قرينة من القرائن التي يعلل بها الأئمة، ويستدلون بها، وأعطيكم أمثلة على ذلك، لن أكتبها لكن سأقرأها لكم. من الأمثلة على هذه القرينة التي يستخدمها النقاد كثيراً، قول سفيان قول الحميدي قال حدثنا سفيان، قال حدثنا صفوان بن سليم، سفيان يعني ابن عيينة، لما الحميدي يقول سفيان معناه ابن عيينة هو راويته ومسنده عن سفيان بن عيينة لم يكن كله، قال حدثنا سفيان حدثنا قال حدثنا صفوان بن سليم عن امرأة يقال لها أنيسة عن أم سعيد بنت مرة الفهرية عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة كهاتين»، وأشار.
قيل لسفيان بن عيينة: إن عبد الرحمن بن مهدي يقول إن سفيان أصوب في هذا الحديث من مالك. من يقول؟ عبد الرحمن بن مهدي، هو تعلم علل الحديث من شعبة بن الحجاج، هو والقطان. قالوا: فإن عبد الرحمن بن مهدي يقول إن سفيان بن عيينة أثبت في هذا الحديث أو أصوب في هذا الحديث من مالك. مالك ماذا قال؟ وسفيان ماذا يقول؟ صفوان عن امرأة يقال لها أنيسة عن أم سعيد بنت الفهرية عن أبيها. ومالك ماذا يقول؟ صفوان عن عطاء بن يسار.
قال سفيان بن عيينة: وما يدريه؟ ما يدري عبد الرحمن أنني أصوب؟ أدرك صفوان شيخنا يقول: هل أدرك صفوان وسأله؟ فقالوا: لا. ولكنه قال: إن مالكاً عن صفوان عن عطاء بن يسار، وصفوان بن سليم عن عطاء بن يسار كثير، وإسناد سهل، وقال سفيان عن أنيسة عن أم سعيد بنت مرة بها، فمن أين جاء بهذا الإسناد إلا وقد حفظه؟ قال سفيان: ما أحسن ما قال، لو قال لنا صفوان عن عطاء بن يسار كان أهون علينا من أن نجيء بهذا الإسناد الشديد.
وضحت المسألة؟ الإسناد الصعب هو الذي يأتي به معناه أولى بالحفظ. وهناك أمثلة كثيرة، سألت أبي -يقول عبد الله بن أحمد لأحمد بن حنبل يسأل أباه-: سألت أبي عن حديث هشيم عن حصين بن عبد الرحمن، هذا الذي معنا، عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين. قال: ورواه شعبة عن عمرو بن مرة، هناك حصين عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه، هنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: عن أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل، فجاء بإسناد عن وائل بن حجر آخر.
أبو البختري اليحصبي عبد الرحمن اليحصبي خالف حصين شعبة، فقال شعبة أثبت في عمرو بن مرة. يقول أحمد بن حنبل: من حصين. لو سكت هنا ما علمنا لماذا قال، ظننا فقط في الثبوت، ثم قال: القول قول فمن أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟ يعني هذا الإسناد من أين يقع عليه إلا وقد حفظه؟ ولذلك قال ابن رجب الحنبلي في علل الترمذي: يشير إلى أن هذا إسناد غريب لا يحفظه إلا حافظ، بخلاف علقمة بن وائل عن أبيه فإنه طريق مشهور. وضحت المسألة؟ فالثوري من المرجحات له أنه جاء بإسناد غريب، جاء برجل غريب، ليس هو من شيوخ المكثرين عنه، أنا أقول ما وجدت له إلا هذه الرواية، ربما له روايات أخرى، أما هذا الطريق فهو مشهور.
القرينة الثالثة وجبت لكم أيضاً كلامنا الثوري مع عمرو بن عطية بن حراش. الثوري خالفه ثلاثة يقولون ربعي بن حراش وهو يقول عمرو بن عطية، أليس كذلك؟ عمرو بن عطية هذا شبه مجهول، لكن ربعي بن حراش من الأئمة من التابعين الأجلاء، يقول عنه أظن ابن مسعود: لو رآك النبي صلى الله عليه وسلم لأحبك. رجل في منتهى الثقة، ومع ذلك الثوري أتى بعمرو بن عطية، معناه لو كان عنده ابن حراش لأتى به فضبطه، ولذلك صار الحديث ثابتاً من الطريقين؛ هؤلاء جماعة قالوا ابن حراش، معناه أنه موجود ربعي بن حراش وهذا رجل ثقة حافظ، الثوري قال عمرو بن عطية، معناه أنه وجد عمرو بن عطية أولاً لأنه حافظ ولأنه أتى شخص غريب.
الثالثة أين القرينة الثالثة؟ أن لذكر أبي مالك في إسناد الثوري أصلاً في حديث عمار. أين الأصل؟ من رواية حصين، يعني أبو مالك وجوده في رواية في حديث عمار له أصل، فهذا يقوي هذه المتابعة مثل تقوية متابعة هذا لهذا، فوجود هذا وسعدنا به أبدنا قلنا له أصل في حديث عمار، وكذلك أبو مالك له أصل في حديث عمار، هذه قرينة ثالثة.
هذه القرائن التي ترجح رواية شعبة والقرائن التي ترجح رواية الثوري، واختلف فيهم في الحديثين أو في الطريقين إمامان جليلان: أبو زرعة وعنده القرائن، وأبو حاتم وعنده القرائن. أنتم ما رأيكم؟ ولا ما لكم رأي؟ طبعاً رأينا ليس له وزن، لكن نريد أن نشارك، لعل حبنا للصالحين يحشرنا معهم إن شاء الله. إيش رأيكم؟ أيهما أثبت في هذا الحديث تقريباً في ظنكم؟ تفضلوا يا راشد، واستشهد بقول شعبة بنفسه: لو خالفني الثوري فهو الأصغر.
ممكن أوريكم بعض هذا من القرائن التي ذكرناها، ملت للحفظ، ولذلك قال أبو حاتم: تم الثوري أحفظ، يعني اعتمد اعتماداً كلياً على حفظ الرجل في شيء آخر. شعبة عنده قرائن أكثر، وهو أن سعيداً توبع فيه هنا من طريق سلمة، وسعيد له أصل في الحديث. لا، ربما تركوه لأن أبا مالك غير معروف، هذه مسألة أخرى، وترك البخاري يرجح متى لو كان الإسناد صحيحاً في ظاهره وتركوه، لكن هذا الإسناد في ظاهره ليس بصحيح إنما هو صحيح بالطرق، لو قلنا بصحة حديث أبي مالك فإنما بالشواهد، لو لم يوجد إلا حديث أبي مالك لم نقبله؛ لأن هذا رجل مجهول أو غير معروف.
حتى في السؤال لو تقرأ السؤال، يسأل أبو ابن أبي حاتم أبا زرعة: أبو مالك من هو؟ اللي يسمى، قال: لا يسمى، وأكثر الأئمة لا يعرفون اسمه، إلا يحيى بن معين قال اسمه غزوان، وربما تكلم عنه. لا يقدم مثلاً الفريق الثوري من أجل أن المشايخ يتقدم، الحقيقة هنا قرائن كما قال أخي، وهنا قرائن أيضاً، ألا يمكن أن يقال إنهما طريقان صحيحان لسلامة سلمة؟ أكثر ترى من المكثرين جداً، له شيوخ كثيرون، فيمكن أن يقال إن سلمة يروي هنا ويروي هنا، وهذا يعزز له وجود هذا وهذا يعززه وجود هذا، يعني لكل قرائنه، هذا يمكن أن يقال.
لكن أبو زرعة وأبو حاتم لم ينفيا صحة الطرق الأخرى، أبو زرعة قال: حديث شعبة أشبه، معناه أن ذاك أيضاً في قوة، فقط أشبه، ولذلك قال: الثوري أحفظ، فهو ميول فقط إلى طريق دون إنكار الطريق الآخر، ما قالوا أخطأ شعبة ولا يمكن أن يقولوه، ولا أخطأ ثور، وإنما مجرد ميول.
أنا أذكر لكم شيئاً من الميول عندي لعل الله سبحانه وتعالى يوفقنا، قلت أنا هنا الترجيح بين هاتين الروايتين عسر جداً، ويحتمل أن يكون الطريقان ثابتين عن سلمة بن كهيل لأنه من المكثرين، ولكل طريق ما يدل على ثبوته عن سلمة، إلا أن نفسي إلى ترجيح أبي حاتم ما رجحه أبو حاتم، أميل لسببين: الأول أن طريق رواية شعبة للحديث عن سلمة بن كهيل تشعر بعدم تثبته أو تيقنه منه، وذلك أنه كان يورده تبعاً لرواية الحكم، ما أورده مستقلاً، ربما بعضهم أورده مستقلاً لكن من رواية أكثر أصحابه يوردونه تبعاً، فالذي أورده مستقلاً ربما تصرف أو أورده مستقلاً مرة وهو دائماً يورده تبعاً، يعني إيراده تبعاً هذا فيه إشكالية.
قلت تشعر بعدم تيقنه أو تثبته منه وذلك أنه كان يريده تبعاً لرواية الحكم بن عتيبة، ولم يورده مستقلاً ولا جمع بينه وبين الحكم بإسناد، يعني ما قال حدثنا الحكم وسلمة، إنما يأتي بالحكم بنفسه ثم يقول وحدثني سلمة، لأن الحكم في رواية شعبة وسلمة والحكم يرويان عن ذر مباشرة بنفس السند، فلم لم يقل حدثنا الحكم وسلم؟ يأتي بالحكم أولاً ثم يعطف عليه، وما جمع بينه وبين الحكم في الإسناد كأن يقول حدثنا الحكم وسلمة عن ذر.
الثاني: أن طريقة رواية الثوري للحديث عن سلمة بن كهيل تشعر بتثبته من ذكر أبي مالك بالإسناد، وذلك أنه أحياناً يعطف على أبي مالك عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، هذه مسألة جميلة جداً، وانتبهوا لي، هو الثوري أحياناً يقول قالها في رواية عبد الرحمن بن مهدي عنه فقط، الذين رووا عن الثوري هذه الرواية كثيرون جداً، لكن في رواية عبد الرحمن بن مهدي عنه، عبد الرحمن من أخص تلاميذه وأثبت الناس، ولا يمكن أن يخطئ على الثوري، قال عن الثوري: حدثنا سلمة عن أبي مالك وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى أخو سعيد عن عبد الرحمن بن أبزى، فجمع رجلين في رواية من عبد الرحمن المهدي.
أنا ليش أقول هذه الطريقة تدل على تثبت الثوري في أبي مالك؟ الثوري يعطف عبد الله بن عبد الرحمن هذا مع أنه أثبت من أبي مالك معروف كأخيه، سئل عنهم الإمام أحمد فقال: ما منهم إلا ثقة وإن كان سعيد أقيل، لماذا جعل رواية عبد الله بن عبد الرحمن معطوفة على رواية أبي مالك؟ يريد أن يقول إن حديثي أثبت من حديث شعبة، فيعزز أبا مالك بعبد الله بن عبد الرحمن، وهو ليس عنده رواية لعبد الله بن عبد الرحمن بهذا السند، إنما أتى بها تدليساً، يعني هذا توقع وأنا سأبينه لكم كيف.
هو لم يأت بها دائماً، لو كان عنده عبد الله بن عبد الرحمن أليس من الصواب أن يبدأ به أو يذكره على طول بدون أبي مالك؟ أبو مالك غير معروف، فلما ما جاء بها إلا مرة عطفه وكأنه يعضد رواية أبي مالك، لكنه تعضيده لها من باب التدليس، كأنه يقول أيضاً هذا سلمة يروي عن عبد الله بن عبد الرحمن فحديثه فطريقه هذا الذي أرويه عن سلمة أقوى من طريق شعبة. هو لا يرد طريق شعبة لكن كأنه يعضد طريقه أنه أقوى من طريق شعبة، فهذا التعظيم يدل على أنه متثبت من أبي مالك.
ليش متثبت من أبي مالك؟ لأنه جعل أبا مالك أصلاً وعطفه لهذا من باب التدليس، لأن سفيان يفعل هذا أحياناً وسأذكر لكم مثالاً حصل لسفيان وبينه الإمام أحمد رضي الله عنه. أحسنت، هذا يشبه تدليس العطف، لكن ليس هنا كأنه يقول الثوري: إن سلمة بن كهيل عن أبي مالك طبعاً بهذا الإسناد إسناد، لكن هو يقول عبد الله بن عبد الرحمن يروي وروايته عموماً واضحة، فقط ليقوي حديثه، لأن حديثه عنده أنه قوي، وبينه وبين شعبة شيء من المنافسات، تعرف أن شعبة مرة حدث حديثاً وقال: الحمد لله أنه لم يسمعه سفيان، حدث عن ثلاث ويقول الحمد لله أن سفيان ما سمعه، يعني كان يريد التفوق على سفيان في عديد ما هو موجود، هذا هو ما ولدت أتشعب بكم حقيقة، لكن يقول إن شعبة حدث مرة عن سلمة بن كهيل عن أبي عمرو الشيباني قال: قال عبد الله: السائبة يضع ماله حيث شاء. قال شعبة مرة من المرات: حدثني سلمة بن كهيل والحمد لله الذي لم يسمعه سفيان.
يحمد الله أن سفيان لم يسمع، يريد أن يكون عنده شيء، فكأنه يقول لتلاميذه، لتلاميذ عبد الرحمن المهدي، هذا الحديث ثابت أفضل من حديث لكنه دلس عليه، وقد ذكر ذلك مرة من المرات وساخبركم بالرواية التي حصلت، نمسح هذا هنا، رواية لسفيان، حديث ابن مسعود مشهور في الصدقة، سفيان ماذا يقول؟ ابن مسعود، عبد الرحمن بن يزيد، محمد بن هذا؟ حكيم بن جبير الثوري، الثوري عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من سأل وله ما يغنيه جاءت خموشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة». قيل يا رسول الله وما يغنيها؟ وماذا أغناه؟ قال: «خمسون درهماً وحسابها من الذهب».
قال يحيى، قال سفيان، شف في مكان آخر، قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل، حديث حكيم بن جبير في الصدقة، رواه زبيد، لأن سفيان يروي عن، منه جماعة؟ منهم يحيى بن آدم، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، هنا يحيى بن آدم سأله سفيان، شعبة يروي عن حكيم بن جبير؟ فقال لا. سأله عبد الله بن عثمان، آسف، في رواية يحيى قول قال الثوري بعدما حدثنا هذا الحديث لعبد الله بن عثمان صاحب شعبة، قال شعبة يروي عن حكيم بن جبير؟ قال: لا، يعني يضعفه، قال وحدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن. زبيد من هو؟ زبيد اليامي، هذا إمام ثقة وهذا ضعيف، ماذا صنع سفيان؟ يحدث كثيراً بهذا الحديث، وفي رواية يحيى قال حدثنا زبيد، عندما سأل عثمان، عبد الله بن عثمان يقول، يقول يحيى بن معين لما ذكر له حديث زبيد هذا قال: لو كان هذا لحدث به الناس جميعاً عن سفيان.
لو كان عنده حائل إسناد، لأن هذا الإسناد أصح من هذا لحدث به الناس جميعاً، معناها إلا حدث به سفيان كثيراً ولا حدث به الناس، فبعضهم حمل الخطأ على يحيى أنه ليس عند سفيان هذا، أخطأ يحيى، يحيى لم يخطئ لأنه روى الطريقين معاً، معي؟ بين الإشكالية، أحمد بن حنبل ماذا قال؟ أحمد قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد، حديث حكيم بن جبير في الصدقة رواه زبيد أيضاً، ماذا قال؟ أنا ما أشوف وين نظارة؟ رواه زبيد فقال كذا قال يحيى بن آدم، قال سمعت سفيان يقول لعبد الله بن عثمان أبو.
شعبة، أبو بسطام، يروي عن حكيم بن جبير شيئاً، قال: لا. فقال سفيان: فحدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. ثم قال أحمد في مكان آخر يسأله أحمد بن حفص، قال: سئل أحمد بن حنبل وهو حاضر أحمد بن حفص: متى تحل الصدقة ترى هذا الحديث؟ فقيل له: حديث حكيم بن جبير؟ قال: نعم. ثم حكى عن يحيى بن آدم عن الثوري: قال يوماً أبو بسطام يحدث هذا الحديث عن ابن جبير، وأبو بسطام هو شعبة. قيل له: لا، قيل لسفيان: لا. قال: حدثني زبيد عن محمد بن عبد الرحمن. ولم يزد عليه.
يقولها أحمد بنبه، ولم يزد عليه. قال أحمد: كأنه أرسله، أو كره أن يحدث به وهو ليس عنده، إنما يريد التحديث عموماً أن زبيد يروي عن محمد بن عبد الرحمن. قال أحمد: كأنه أرسله أو كرهه، كره أن يحدث به، أما تعرف الرجل؟ أما تعرف الرجل؟ أو كلاماً نحو هذا؟ يعني أنه مسألة تدليسية، وضحت المسألة. فهذا من مرجحات فيما أظن حديث الثوري أنه متثبت قطعاً من أبي مالك، عطف شخصاً وجعله الأصل مما يدل على أنه متثبت من روايته.
فإذاً الرواية عند سلمة موجودة عن أبي مالك وربما تكون موجودة من هذا الطريق، فيكون الطريقان صحيحين، أن كون طريق سلمة ليس بصحيح صعب؛ لأن شعبة حافظ وأورده مباشرة بعد طريق الحكم، لكن فيه شبهة. ومسلم أورده بهذه الكيفية، كيفية السؤال، وأورد بعده قال: فلان كذا وكذا، ولم يذكر حديث سلمة. يقول مسلم في صحيحه بعد هذه الرواية: قال ولم يذكر حديث سلمة. يعني كأنه أتى بها تبعاً فقط، والأصل حديث الحكم بن عتيبة عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وضح الخلاف في هذا الحديث، أرجو إن شاء الله أن تكونوا قد استوعبتموه واستفدتم منه إن شاء الله. أحد عنده سؤال؟ تفضل.
إذا أنا هنا هذا الدرس، وإن شاء الله نلتقي بكم في السبت القادم، ويكون عندنا الحديث رقم ثلاثة، الحديث رقم ثلاثة ليس فيه كبير شيء، وأربعة أيضاً ليس فيه كبير شيء. أربعة لو تلاحظون، اقرأ أربعة: سألت أبا زرع عن حديث رواه ابن أبي ليلى عن سلمة والحكم، من الذي يروي ابن أبي ليلى؟ عن ذر عن ابن أبزى عن النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم، هذا خلط تخليطات متعددة، اللي هو عبد الرحمن وهي سهلة، لكنه أيضاً هذه الرواية تعزز رواية شعبة؛ من جهة أنه ذكر في رواية سلمة ذر، أنه قال ابن أبي ليلى: سلمة هو الحكم، لكن ابن أبي ليلى ضعيف سيء الحفظ جداً.
عن سلمة هو الحكم، ويأتينا إن شاء الله في الأسبوع القادم، لكن أريد أن تستحضروه. إذاً عندنا رقم ثلاثة ورقم أربعة، ولا بد أن نأخذ رقم خمسة أيضاً، وربما رقم ستة، ثلاث أحاديث إن شاء الله سنأخذها لأنها بسيطة. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري