دخولتسجيل الدخول

العالم اللغوي المعروف والرواية المعروفة، هو من أوثق رواة الشعر ومن أشهرهم، وهو المفضل الضبي، ولكن الأصمعي معروف بشدته في الرواية.

الأصمعي معروف أنه بصري، وأهل البصرة عموماً في الرواية لا يساعدون فيها كأهل الكوفة. والأصمعي من أهل البصرة معروف بالزيادة في التشدد في الرواية؛ ولهذا جرت العادة حينما أنظر في الدواوين التي رواها الأصمعي وروها غيره، أن أرى الديوان الذي رواه الأصمعي أقل في عدد القصائد من نفس الديوان من رواية غيره، وأرى القصيدة أقل في عدد الأبيات من التي رواها غيره من نفس القصيدة.

هذه صفة عامة في رواية أهل البصرة ورواية أهل الكوفة، لكنها ظاهرة بشكل أكبر، وبأمر أخص، في الأصمعي. توفي رحمه الله في العام 215، وقيل 216، توفي عن ثمانية وثمانين عاماً، رحمه الله تعالى.

مشهور بأنه من أوثق الرواة، مشهور بدقته وتنقيحه، حتى إن تلميذه أبا حاتم السجستاني، الذي روى عنه هذه الأسئلة أو هذه الأجوبة، لما روى عنه ديوان امرئ القيس قال في آخره: «هذا آخر ما حرره الأصمعي من القيس، ويحمل عليه شعراً كثيراً لأناس كانوا معه». وديوان امرئ القيس عند الأصمعي في بضع وعشرين شعراً، لا تكاد تخلص بخمس قصائد تعد طويلة، وامرؤ القيس في الجملة مقل.

فالأصمعي من النقاد الرواة العلماء باللغة، من حملة اللغة الذين حملوا من لغة العرب الكثير، وحملوا من الشأن الكثير، وطروا عنه في قضية الحفظ الشعري الشيء الكثير. امرؤ القيس في الأصل مقل في الشعر، وذكره ابن رشيق في كتاب "المقلين والمغلبين" من أنه أصلاً مقل، ليس مثلاً كشعراء آخرين لهم أشعار كثيرة وضاعت. هو أصلاً امرؤ القيس مقل على خلاف ما قد يصور في المسلسلات والأفلام، وامرؤ القيس لم يقل شعراً كثيراً؛ يعني أنت بعد «قفا نبكِ» و«سِلمى تقصّي» و«ألا يا صباحا»، هذه القصائد التي قلبت الدنيا، أصلها بعد ذلك ترى أطول قصيدة فيها أربعين أو ثلاثين بيتاً وخلاص، وبعد ذلك مقطعات ولا تبلغ هذه القصائد الطوال.

تلميذه أبو حاتم السجستاني كان روى عنه بعض الأسئلة، ومن هذه الأسئلة ما هو من جواب الأصمعي. طبعاً أنا كان ممكن أن أخوض في ترجمة الأصمعي وترجمة أبي حاتم، لكن هذا الكلام موجود، وأنا جئت هنا لأشرح الكتاب وأضع تعليقات عليه، وإلا كان ممكن يقول: اقرأوا الكتاب أيضاً اقرأوا التراجم. لكن أنا أريد أن أقف على شيء في قضية رواية هذه الأسئلة؛ ما الذي يجعله يسأل؟ ما الذي يدفع أبا حاتم لهذه الأسئلة؟ أن يذهب ويسأله يقول له: ما رأيك في الشعراء؟ وبعضها أسئلة في آخر حياته قبل موته أو قبيل موته كما سيأتي.

لنأخذ في مادة الكتاب مباشرة؛ هذا الكتاب ابتداءً يبدأ تاريخ الموازنة بين الشعراء، هذا يعد أقدم كتاب في تاريخ الموازنة بين الشعراء، يعني تاريخ التأليف في هذا الأمر. أول كتاب وصل إلينا فيه كلام في الموازنة بين الشعراء، وأقام الموازنة على أساس الفحولة؛ فلان فحل، وفلان ليس بفحل، فلان أفضل من فلان، وهكذا. أخذ ابن سلام من هذه الفكرة وتوسع فيها.

الأصمعي ناقد عربي ينتهي نسبه إلى مضر بن نزار، وهو راوٍ ثقة كما قلت، شديد التثبت، وهذه من أكبر ميزات الأصمعي. أنا حينما أرى مثلاً نقادات الأصمعي من جهة اللغة، وهو صاحب الكلمة المعروفة: «من عرف اتساع كلام العرب كاد ألا يخطئ أحداً»، هذه الكلمة أنا دائماً أستشهد بها وأقولها للكثيرين: لا تقل هذا غلط، قل لا أعرفه. الأصمعي يقول: «من عرف اتساع كلام العرب كاد ألا يخطئ أحداً».

تظهر كما قلت قيمة الأصمعي، له نقادات وكذا، لكن من خلال ميراثي أنا الشخصي، الأصمعي تظهر قيمته الأكبر من خلال شدة روايته، يعني أنا شديد في قضية الرواية وتوثيق الرواية، وهذا مهم جداً في توثيق الشعر. ثم له نقادات ذوقية يحكم بها على الشعر نفسه؛ فرغم قلة ما رواه من شأن القيس، جاء إلى بعض الأشعار وقال: هذا ليس لامرئ القيس، ولا يكون امرؤ القيس هو محرر لهذا الشعر، قال: هذا يقوله الصعاليك. ويثبت فعلاً لبعض الصعاليك كهذه الأبيات التي رواها المفضل الضبي في «قفا نبكِ» وقربه أقوام حملت كذا على كذا ويخاطب الذئب وكذا؛ قال: هذا كلام يقوله الصعاليك، ونسبات بالفعل موجود في ديوانه.

كنت أقول هذا في هذه القطعة من الأبيات، ماذا يقول؟ «ألا لا تكن إبلاً...» وفي آخر قطعة فيها قال: «وحسبك منه وحسبك من غنى شبع وري...» فهو قال: هذا لا يقوله امرؤ القيس وهو الملك. قصة فيها مناسبة، هو فيها كأنه صرح ببعض المعيز وكذا وكذا، طبعاً عليه قصص كثير جداً، له أبيات أخرى فيها. وحتى ما بقي من الشعر له ورواه الأصمعي نفسه بعد أن رواه عن الأعراب، تدخل بذوقه فيه أيضاً ويحكم على بعضه. حتى ما رواه الأصمعي، البيت الثالث والرابع عن الأصمعي وغيره في «قفا نبكِ»، أنهما منحولان أو مدخلان في القصيدة؛ ترى بعض الأرقام في عراصاتها وقيعانها كأنه حَب فلفل، أنا لا أرويهما أو لا أنشدهما في القصيد لأنني وجدت ما يشبه الإجماع على أنهما مدخلان في القصيدة.

بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأسدي، قال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني -وهو أبو حاتم السجستاني-: سمعت الأصمعي عبد الملك بن قريب غير مرة يفضل النابغة الذبياني على سائر شعراء الجاهلية.

وسألته، آخر ما سألته قبيل موته. هنا نسأل نفسي: على أي أساس، أو على أي علة يسأل؟ وعلى أي علة يكتب؟ وهو كتب كل هذا، وعلى أي علة جاء تلامذته من بعده والناس من بعده ونسخوا هذا الكلام وصرفوا المخطوطات؟ يعني حتى أقول لك قبيل موته؛ تخيلوا الآن عالماً يذهب إلى عالم، أو راوياً يذهب إلى عالم راوٍ ويقول له: من أفحل الشعراء؟ وما...

قضية النابغة الذبياني، وما رأيك في فلان والقصيدة الفلانية والراوي الفلاني وفلان؟ إن الأمر عند العرب يا إخوة لم يكن لعبًا ولم يكن هزلاً، ولم يكن مجرد أنهم يتلهون بالشعر وكذا؛ الشعر عندهم قضية أمة، إنهم كانوا يفهمون.

انظر، يقول وسألته -وهو نفسه أبو حاتم- لا يقول لك سألته فحسب، بل يقول: «وسألته آخر ما سألته قبيل موته»؛ ليقول لك إن هذا الذي هو مروي عنه وانقله عنه هو آخر ما قال ليوثق. رايتم؟ يقول: جاء الكتاب، ممتاز ممتاز، وجدناه، والحمد لله بسبب هذه النسخة، هذه أجود درست من هذه النسخة.

قال: «وسألته آخر ما سألته قبيل موته من أول الفحول: قال النابغة الذبياني». نحن في الصفحة التاسعة عشرة: «وسألته آخر ما سألته قبيل موته من أول الفحول قال النابغة الذبياني»، ثم قال: «ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول امرئ القيس: وقاهم جدهم ببني أبيهم *** وبالأشقين ما كان العقاب».

تعرفون هذه الأبيات؟ لما دخل على قوم وظن فيهم بني أسد، وفي مشكلة، ثم وجد أنهم منصرفون بليل، قالت لهم امرأة عجوز: «ما نحن لك بقصد أو بغرض، وبنو أسد قد ارتحلوا»، فقال كأنه ارتجل هذه الأبيات على ما قالوا: ألا يا لهفه هندٍ أثر قومٍ *** هم كانوا الشفا فلم يصابوا وقاهم جدهم ببني أبيهم *** وبالأشقين ما كان العقاب فافلتهم علباءُ جريدًا *** ولو أدركنه صفرَ الوطانِ

حتى البيت الأخير فيه شاهد النحوي على عود الضمير على معهود غير مذكور؛ لأنه لما قال: ﴿فَأَفْلَتَهُمْ﴾، أفلت ماذا؟ الخيل، والخيل ليست منصوصة لكن مفهومة من القتال، فـ«أفلتهم» تعود على الخيل.

قال أبو حاتم: «فلما رآني أكتب كلامه فكر»، هذه النقطة لابد أن نقف عندها. «فلما رآني أكتب كلامه فكر»، ثم قال: «بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس، له الحظوة والصدق، وكلهم أخذوا من قوله واتبعوا مذهبه».

هذه العبارة مروية بنصها عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سئل عن الشعراء، قال بالضبط هكذا: «أولهم امرؤ القيس له الحظوة والصدق وكلهم أخذوا من قوله واتبعوا مذهبه». ويروى كذلك عنه قوله: «خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معاني عورٍ أصح بصر».

لكن انظروا إلى قوله هنا: «فلما رآني أكتب كلامه فكر»، ثم قال: «بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس». هل تتصورون بعد الكلام الذي سبق في النابغة الذبياني أنه يغير هذا التغيير الجذري في تفكيره لمجرد أنه رآه يكتب؟ وما علاقته أن رآه يكتب بأن قال: «بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس»؟

هذا يشير لك إلى أنه إنما كان يتكلم عن عرف، وهذا ما قد يثمر عنه التأمل. يقول لك النابغة الذبياني هو المحكم في سوق عكاظ. ولاحظوا أن عصر الأصمعي هو الذي انتشر فيه المديح، والمديح له بناء وله شكل معين، وانتشرت فيه الاعتذاريات وهي شعبة من المديح رئيسة. بل في ذلك الزمن، الاعتذاريات سبقت المديح؛ فبمناسبة أهل الجاهلية لم يكونوا مداحين للملوك، وإنما كانوا يعتذرون أحيانًا. الأعشى مثلاً تأخر جدًا لأنه دخل في الإسلام في العهد الإسلامي، لكن في الجاهلية كان هناك اعتذاريات.

وقد نبه إلى هذا ودرسه جيدًا واستقرأه تاريخيًا الدكتور السوري وهب رومية في كتابه «بنية المدائح العربية»، وهو مطبوع في دار سعد الدين في مجلد كبير، وأثبت فيه أن شعبة الاعتذار سابقة، وهي شعبة من المديح، سابقة في الوجود على المديح نفسه.

النابغة الذبياني كان أستاذًا؛ لأن المديح له بناء وله شكل في البناء الفني، لا ترى مثل هذا عند امرئ القيس؛ فامرؤ القيس ما كان يمدح، كان يتكلم عن أمور تتعلق به، فعنده شكل البناء الذي هو المطلع الطللي ثم يدخل في موضوعات أخرى تخصه. أما البناء المديحي فمنهجه: يذكرون فيه الأطلال أو الديار، ثم ينتقلون إلى فصل الرحلة، ثم يباشرون عناصر المديح من التبرئة (تبرئة النفس)، والاعتذار، والاستعطاف؛ وهي عناصر نبه إليها وهب رومية أيضًا.

القاعدة هي: المطلع الطللي أو الديار، ثم فصل الرحلة، ثم وصف الراحلة، ثم عناصر المديح. سترى من امرئ القيس مثلاً أنه كان حرًا في هذا؛ مشهد طللي ولم ينتقل منه إلى فصل الرحلة، وعند لبيد مثلاً مشهد طللي وانتقل منه إلى فصل الرحلة، وعند امرئ القيس «قفا نبكي» مشهد طللي ولم ينتقل منه. لكن قاعدة المديح: المشهد الطللي، ثم فصل الرحلة، ثم عناصر المديح، وترتبط بحسب كل شاعر وبحسب حالته، سواء كانت تبرئة النفس أو الاعتذار أو الاستعطاف.

فأنت ترى الشاعر يبني على قاعدة شاعت في العرف والاستعمال، وما أن النابغة الذبياني هو المصدر والرئيس. وبما أننا نتكلم بعرف ولسان، فهناك عرف مستصحب؛ فلما رآه يكتب، علم أن هذه الكتابة ستنسل من العرف وتبقى الكتابة مرتبة كما هي وتؤخذ من المقروء.

لقد كان في البداية يميل للنابغة، فلما رآه يكتب فكر؛ هل فكر فغير رأيه الذي يجزم به في أن النابغة أعلى الشعراء؟ نعم، قوله: «ما علمت أحدًا ولا أدركت أحدًا من العلماء يفضل عليه أحدًا»؛ هذا له سياق خاص، وإلا فالجمهور على أن امرأ القيس هو الأول، وهذا معروف وسنأتي لذكر كلام بعض العلماء فيه.

فهذا يدل لك على أنه عرف خاص؛ فانظر إلى قوله: «فلما رآني أكتب كلامه فكر»، يعني كأنه انتبه وتخيل الخطورة التي قد تحصل إذا ذهب العرف واللسان القولي، وإذا ذهبت البيئة وبدأ الناس يتعلمون من المكتوب. فكر ثم قال: «بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس»، لأن لما سأله في الأول سأله باللسان ولم ينتبه إلى أنه يكتب، فكان على عرف معين، فلما رآه يكتب علم أن الكتاب باقية، فكأنه قال: بما أنك ستكتب، لا تكتب من الأول، اكتب من الأول أن امرأ القيس رقم واحد؛ لأن العرف سيزول.

النابغة الذبياني من الفحول. وكأنه جعل النابغة الذبياني من الفحول. طبعًا ممن فضلوا امرأ القيس على كل الشعراء من القدماء، امرؤ القيس. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا مشهور، حتى إن ابن رشيق نفى اعتبار ما وقع في ذلك من خلاف؛ قال: «إن امرأ القيس ينبغي -حتى وإن وقع في تفضيل غيره عليه من خلاف- فإنه عند التأمل يضعف هذا الخلاف، يسقط».

وكأنه جعل النابغة الذبياني من الفحول. بهذا السؤال، هذه كلمة تحتمل أن تكون من أبي حاتم، وتحتمل أن تكون من بعض النسخ؛ لأن الكتاب في فحولة الشعراء، يعني وكأنه جعل النابغة... وكأن الأصمعي جعل... بعض الكلمات تراها أحيانًا لا يصح توجيهها إلا أن تكون من كلام الناسخ، حتى عن أبي حاتم، حتى عن صاحب الكتاب الذي يروي عن الأصمعي.

قال أبو حاتم: «قلت: ما معنى الفحل؟» قال: «يريد أن له مزية على غيره، كما مزية الفحل على الحقاق». كما ذكر هنا من أولاد الإبل الذي بلغ أن يركب ويحمل عليه ويضرب الأنثى.

مزية الفحل، يعني الجمل البالغ الكبير القوي الذي أتى من نسل... طبعًا عندهم أنساب مسجلة. عندكم أنساب مسجلة؟ من السعودية؟ مرحبا به. ما اسمك؟ مفلح البدوي؟ يا مرحبا، أخوه البلوي. هنا علم بهذه الزيارة من الأردن وجاء من السعودية، جزاه الله خيرًا. والله لو استطعت ما فوت زيارتك.

على الجميع، نعم، حتى قال لك هنا: الذي بلغ أن يركب ويحمل عليه ويضرب، يعني يضرب الأنثى. فهو الذكر. قال: «كمزية الفحل على الحقاق». فحل الإبل له أنساب، والخيل لها أنساب، حتى أسعار الفحول الأصيلة المنسوبة عندكم أشياء غريبة، ملايين، غريبة، السلالات. صحيح، أنا رأيت بعض الفحول، أساطير، ليس جملًا.

فأنت تنظر هنا إلى هذه الكلمة: «مزية الفحل على الحقاق». الفحل دائماً ما يقود السرد، يكون في الأول، يكون أقوى، يكون مصدرًا لصفاء النسل. لماذا نتأمل في قضية معنى الفحل عند الأصمعي؟ لأنه واضح اختلاف الفحول؛ معيار الفحولة عند الأصمعي عنه عند ابن سلام. مثلاً، الأصمعي قال: الأعشى ليس بفحل، وعمرو بن كلثوم ليس بفحل. نفى الفحولة عن أسماء كبيرة، منها الأعشى، وهو عند ابن سلام في الطبقة الأولى، ألحقه بامرئ القيس والنابغة والزهير، لكن قال: ليس بفحل. وعمرو بن كلثوم كما قلنا قال: ليس بفحل، قال: هو فارس فاتك. وعنترة ليس بفحل، وكل هؤلاء فحول عند ابن سلام.

فكان الأصمعي يرى الفحل هو الذي بلغ مرتبة معينة عالية جداً، وصل إلى أن يكون مرجعًا ومصدرًا؛ لأن هذه وظيفة أو مزية الفحل على الحقاق في الإبل. أولًا في القوة هو القائد، وفي صفاء النسل هو المعيار. أحيانًا يقول لك هذا أبوه، نسله من جد أبيه فلان، ويكون أرفع لو كان الأب والأم من هذه الجهة. هذا رأيته في الخيل مثلاً، في الإبل خمس، لو كان مثلاً من أبيه من هذه الخمس والأم من جهة أخرى ينزل.

فكانوا معيارًا. ولو رأيت الذين سماهم امرؤ القيس فحولا في هذا الكتاب، وجدتهم معايير فعلاً ومصادر، كمرئ القيس الذي عده ابن رشيق في باب المقلين الذين أصلًا نزلوا، يقول شعرًا غلطًا، امرؤ القيس حياته ثلاث قصائد لكن أجاد فيها جدًا وقلبت موازين الشعر، حتى قال ابن رشيق: «وشعره كله الذي رواه الأصمعي في بضع وعشرين شعرًا»، وهذا أنت تصفيه أقل بكثير. ومع هذا لا يكاد شاعر يسلم من حبائله، وهذه زيادة مزية في تفضيله.

وابن رشيق يرى أن امرأ القيس أشعر العرب بإطلاق، ولا يعتد بالخلاف في هذا أصلاً، يعني يقول: «وإن ورد هذا في كتابه قرادة الذهب في الشعر العربي، وإن ورد في ذلك بعض الخلاف، فإنه عند النظر والتأمل يسقط».

فنحن ننظر هنا في قضية الفحولة؛ لأنها عند الأصمعي معقدة شديدة. ما معنى الفحل عندك؟ لا، هو يعتبر أن يكون قائدًا، هذا أول شيء، أن يكون قويًا قائدًا يقتدى به، وأن يكون معيارًا للجودة الشعرية، مرجعًا، أن يكون مضافًا وتكون هذه الإضافة معيارًا يتبع فيه.

بالمناسبة لمن لا يعلم، نحن نشبه المرأة في المجتمعات بالغزال. أول من شبه المرأة بالغزالة امرؤ القيس، وأول من شبه المرأة بالبيضة ونزل بها القرآن امرؤ القيس. فإذاً هو صار معيارًا، صار ميزانًا يوزن به، صار قائدًا. هذا معنى الفحول الذي هو بعينه موجود في فحل الإبل على الحقاق.

حتى انظر له الحظوة والسبب، وكلهم أخذوا من قوله: «واتبعوا مذهبه». وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معانٍ عور، أصح بصر». مما يفسر به ذلك بأن امرأ القيس استعمل معاني كانت ربما تعيب العربي كالبكاء والغزل وكذا، ومن قوتها الفنية التي أظهرها فيها صارت عرفًا فنيًا عنده. كان ربما يتجنبونه، فافتقر عن معانٍ عور، معانٍ معيبة، أصح بصر. رأيتم؟ وهذا ربما أول فصل بين الفن والأخلاق في التاريخ.

حصلنا في الشعر هذا أول فصل. هم في الأخير كان العرب يتجنبون البكاء، ربما بكى في الواقع، بل التعيين ابن خذام بأنه بكى على الديار يدل على أنه حدث فلان يبكي. واضح، أنت لا ترى أهل الصعيد، وهم بقايا العرب الآن في مصر، عندنا يستحون من البكاء، وإذا بكى ستر نفسه. واضح، فحولها عرفًا صار أي شاعر حتى لو سيفخر يبكي في الأول.

قال: «وبيت جرير يدلك على هذا، وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صوله البز للقناعيس». قال أبو حاتم، وسأله رجل: «أي الناس طرًّا أشعر؟» يعني جميعًا إطلاقًا، أي الناس جميعًا أشعر؟ قال: «النابغة»، قال: «تقدم عليه أحدًا؟» قال: «لا، ولا أدركت العلماء بالشعر يفضلون عليه أحدًا». وهذا يؤكد أنه لا يريد ما يهمه الظاهر، لما فكر قليلاً ثم غير رأيه.

انظر، لأنه مستحيل أن يقول الأصمعي: «ولا علمت أن أحدًا قدم عليه أحدًا»، لا طبعًا؛ لأن امرأ القيس مقدم عند الجماهير من القديم.

ومن هؤلاء القدماء من ربيعة، أحد شعراء المعلقات، عاش قطعة من عمره في الجاهلية وقال فيها شعرًا كثيرًا، وعاش قطعة في الإسلام، وأسنَّ إلى زمان معاوية، وحتى أرسلوا وراءه شابًا أبو غلامًا يسأله: من أشعر الشعراء؟ فقال: الملك الضليل.

أرسلوا وراءه شابًا يسأله: من أشعر الشعراء؟ قال: الملك الضليل. قال: ثم من؟ قال: الغلام القتيل طرف بن العبد. قال: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل. شوف الموضوعية والإنصاف وترتيبها: فلان، ثم فلان، ثم فلان. فهذا يكاد أن يكون إجماعًا موروثًا من قديم، وهذه العبارة «ولا أدركت العلماء بالشعر يفضلون عليه أحدًا» تؤكد أنه لا يريد، مما تقدم، أن يقدم ذلك بإطلاق، وأنه فكر قليلاً ثم غير رأيه أو في من القياس لما وجده يكتب.

هل كان يهبد كما نقول؟ لا، ما يهبد، الموضوع خطير. لا، فكر وعرف مقام الكتاب من مقام الكلام، وعرف الكلام في العرف خلاص يكون مقيدًا بالعرف ويتبدد معه، لكن الكتابة تبقى؛ فقال: لا، أكتب في الأول قيس. نعم.

قلت: فزهير بن أبي سلمى، قال: «اختلف فيه وفيهما»، والضمير فيه الأول يعود على زهير، وفيهما يعود على زهير والنابغة معًا، وإن اختلف في زهير وفيهما في النابغة وزهير سواء من حيث الموازنة بينهما، أو الموازنة بينهما وبين غيرهما؛ فقال: «اختلف فيه وفيهما». ثم قال لا... كانت تذكر كلمة عن أستاذها أبي عمرو، وانظر إلى شدة الثقة مع الأستاذ، قال له أبو عمرو، وسأله رجل -وأنا أسمع الذي قال هذا الأصمعي- وسأله: النابغة أشعر أم زهير؟ فقال: «ما يصلح زهير أن يكون أجيرًا للنابغة».

لا يصلح زهير أن يكون أجيرًا للنابغة. هذه الكلمة تناولها الدكتور أبو موسى في بعض كتبه، واعتبر أن كلمة أبي عمرو إجحاف بحق زهير، وهذا غلط وليس حقيقيًا؛ لأنه لما قال: «ما يصلح زهير أن يكون أجيرًا للنابغة»، كان مقام زهير حاضرًا، وكان مقام النابغة حاضرًا، وكل ما حصل هو أنه رفع مقام زهير فوق مقام النابغة كثيرًا.

لكن الدكتور محمد أبو موسى رأى في هذه الكلمة إجحافًا بحق زهير وقال: لا، هو يبلغ أكثر. لكن أنت لو رفعت زهير مهما رفعته، ثم رفعت مقام النبي الذبياني المحكم بسوق عكاظ الذي كان يرجع إليه زهير وغيره، خلاص، فنعم يمكن أن تصح هذه الكلمة.

ثم بعد سنوات من قراءة هذا الكتاب، وأنا أقرأ مقدمة الأصبهاني التي كتبها على رواية أبي نواس في الطبعة الألمانية، وجدت عبارة من أبي نواس تؤول إلى نفس هذا الأمر. طبعًا لم أستطع في الوزن أن آتي بالمجلد كاملاً فصورت لكم الورقة. هذا من الطبعة الألمانية في سبعة مجلدات؛ انتبهوا، لديوان أبي نواس في سبعة مجلدات. خلاص، بعض الدول تبيع خمسة بنزع المجلدين الفهارس السادس والسابع، وبعضها تبيع أربعة في مصر بنزع ديوان المجونيات، كأنهم منعوا ديوان المجونيات، المجلد الذي فيه المجونيات. فالذي في أربعة مجلدات طبعًا الألمانية ناقص.

ولا أدري كيف أصفها، إنهم نزعوا كلمة مجونيات وهي طبيعية، والمجلد هذا قبله فيه الذكوريات؛ غزل بالذكور، شذوذ، خلاص فتركوا الذكوريات ونزع المجونيات وكذا. خلاص، الطبعة في سبعة مجلدات بدون الفهارس، وبدون الفهارس في خمسة مجلدات المحذوفة تأديبًا، أربعة مجلدات ناقصة من الشعر، والخمسة ناقصة من الفهارس، والسبعة هي الكاملة.

يقول: وحكى النبختيون... نعم، يوافقه، كأنه قال لما لم يستطع -شوف العبارة هنا دقيقة- من الأصمعي كأنه لم يستطع أن يبت فيهما، فقال ماذا نقل؟ لم يستطع أن يبت كما أبت في امرئ القيس مع النابغة، فلما هو لم يستطع أن يبت فيهما، شوفوا الإتقان والدقة، قال: «ماذا اختلف فيه وفيهما؟». وبما أنه في نقل، تذكر نقلاً آخر؛ قال أبو عمرو: «ليبلغ النابغة أو يبلغ زهير أن يكون أجيرًا عند النابغة».

رأيت الفكرة؟ فهو من الأول نقل: «اختلف فيه وفيهما»، هذا نقل كأنه يخلص ساحته، يبرئ ساحته من الحكم فيهما، لم يستطع أن يبت في أمرهما فقال: «اختلف فيه وفيهما ووقع خلاف بين النقاد»، ثم قال: «لا، أبو عمرو الذي هو العالم الكبير الراوي الناقد قال: لا يبلغ زهير أن يكون أجيرًا عند النابغة». طبعًا كل هذا هو يدون ويكتب، تخيلوا عالم كبير يذهب إلى عالم كبير في آخر حياته ويتكلمون في الشعراء، وينقل عنه هذا النقل يثبت للتاريخ.

نحن الآن نقول كلامًا تافهًا، هذا الأصمعي، وعلماء أبو عمرو بن العلاء تعرفونه، من رواة امرئ القيس ومن رواة الأشعار الماجنة، أبو عمرو صاحب القراءة السبعية، القراءة السبع المتواترة. أبو عمرو بن العلاء كان دينًا، صاحب قراءة سبعية، وكان شاعره الأثير الأخطل؛ كان شعره الأثير، صاحب الخمريات الذي أساس وظيفته هجاء الأنصار لحساب بني أمية، بل تجرأ حتى على كل المسلمين وبني أمية بقوته الشعرية، لما قال: «بني أمية قد ناضلت دونكم... وأبناء قوم هموا وهم نصروا».

يقول المسلمين مهما وقع الخلاف بين المسلمين على الطوائف لا يمرر هذا، لكن لهفة بني أمية على سلاح الأخطل في الشعر وهو نصراني متدين، كان يعلق الصليب، خلاص فكانت جعلتهم يتغاضون عنهم، فكان سيقتل في وقت من الأوقات وتدخل له زيد بن معاوية عند معاوية؛ كان معاوية سيقتله لما تناول الأعراض وكذا حتى على المخالفين، فتدخل زيد بن معاوية وأنقذه من القتل.

رأيت؟ فهذا الشاعر الذي أسس فن الخمريات ووضع أصوله الأولى، حتى قال أبو نواس: «الأخطل إمام في الخمر». يعني صاحب الخمريات النصراني الذي يهجم على المسلمين وكذا، هو الشاعر الأثير عند أبي عمرو بن العلاء المتدين صاحب القراءة، وكان يُضرب به المثل كما سيمر في الكتاب معنا. هذا يقول: هذه القصيدة لا يقدر عليها أحد من الإسلاميين ولا الأخطل، لأنه شعر إسلامي في عهد إسلامي ولا الأفضل.

رأيت؟ يقول يعني هذه لا يقضي عليها إلا الجاهلي لما يمدح قصيدة مدحًا عاليًا. وكان يحب سماع علي بن أبي طالب ويحط من فنيته، وهذا يأتي أيضًا معنا في الكتاب؛ لابد ابن الربيع الصحابي الصالح كان يسأل، هو فحل، فقل هو عبده صالح لا يراه فاعلم، ويذم شعره من جهة الفن ويحب سماعه من جهة المعاني والدين وذكر الآخرة، والأخطل يرفعه من جهة الفن وقطعًا لا يحب معانيه من جهة الدين. موضوعية شديدة جدًا، لا يعرفها حتى الآن من يوصفون بالعلماء للأسف الشديد، بل يشتكي.

منها علماء جمعوا بين الأدب والشريعة؛ الشيخ الثقاف صاحب العود الهندي، مفتي شفايات حضرموت، الشيخ عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف. لما يذكر أنه اجتمع ببعض الصوفية وتناولوا بيتا لابن الفارض، وبيتا الذي يقول فيه صاحب البردة: "فغاية العلم فيه أنه بشر، وأنه خير خلق الله كلهم"، ويروى بأنه أُملي عليه هذا البيت من النبي ﷺ في المنام.

فالشيخ السقاف، وهو صوفي وفقيه ومفتي شفايات حضرموت، ناقشهم في هذا، وقال: هذا البيت -بيت ابن الفارض- يعلو على بيتي صاحب البردة. فقال له: كيف؟ وقد أُملي عليه في المنام من النبي ﷺ! فقال: هذا ادعى لضعفه. لم يكن هذا من دلائل النبوة أن البيت الذي أُملي عليه ضعيف، طبعاً في بعضكم مأخوذ هذا صواب؛ لأن البركة والأجر وكذا هذا شيء، والفن شيء، والجهتان منفصلتان.

يعني مثلاً البعض الآن يقول: قصيدة البردة ليس فيها أخطاء وليس فيها ضعف، يا أخي لا، فيها أخطاء فنية وفيها ضعف فني من جهة الشعر، وهي في جملتها -كنت أتكلم عن القاعدة القدسية وكذا- على الذين يقدسونها من جهة الفن أيضاً، قال لي: هي قصيدة مملوكية توضع في مكانها بجوار العمالقة الجاهليين والإسلاميين، قصيدة مملوكية عادية، ليست فنياً ليست منفجرة كما تظنون، وكذا هي فيها روح دينية، وما يروى فيها صح أو لم يصح فيها روح، وإن شاء الله تشفى لصاحبها.

كل هذا ننكره لا نتكلم فيه فنياً؛ لا، فيها ضعف وفيها حشر وفيها قوافي غيرها أجود منها وأفضل منها، وفيها بلا شك في شاعرية صاحبها تراه استقى تراكيبك كاملة عن أبي تمام من البائية، خلاص فهي قصيدة مملوكية من جهة الصفة الفنية كاملة، مهما حاولت الدفاع من جهة الفن سيكون تكلماً، وأهل الفن يفهمون هذا يعرفونه.

فطبعاً قضية الفن شيء آخر، فالشيخ السقاف رحمه الله قال -يعني تأسف على العقل وعلى العلم وكذا- وقال: ورغم أنهم لم يجيبوا عما قلته، أصروا على أن البيت الذي أُملي في المنام هو أجود. لم يكن شاعراً، صلى الله عليه وسلم، هذا ادعى لضعف البيت، لا هو أجود، خلاص الفني عندهم لا تتصور بعيداً عن هذا الأمر.

فانظر أبا عمرو بن العلاء كما سيأتي إن شاء الله، انظروا هنا يقول أبو نواس، أو الأصفهاني -أو الأصفهاني راوي ديوان أبي نواس يحكي هذا في المقدمة النقدية- مقدمة مفيدة جداً، مقدمة حمزة الأصفهاني في ديوان أبي نواس في روايته، الأصفهاني يقول: وحكى النيبختيون أن أبا نواس -انظر إلى العبارة- كان يعجبه شعر نابغة ويفضله على زهير تفضيلاً شديداً.

رأيت أبا نواس كان عالماً ناقداً، وبمناسبة أيضاً كان عالماً بالشريعة وبعلوم التفسير والحديث والأصول، تخيل أيضاً! والإمام الشافعي يقول: «لولا مجونه لأخذت عنه العلم»، لما يعلم من علمه. وهو عكس شيخه النظام؛ النظام بدأ شاعراً وانتهى في علم الكلام والعلوم الشرعية، وأبو نواس بدأ في العلوم الشرعية وانتهى شاعراً وماجناً.

قيل إن الشافعي شاعر غلب عليهم الفقر والمواصف، لا، الشافعي رضي الله عنه ليس شاعراً أصلاً، وما ينسب إلى الشافعي من نظم فيما يسمى ديوان الشافعي، لو صح أنه للشافعي فهو يقطع بأنه ليس شاعراً، هذه حكم ولا تليق بالمرحلة الزمنية التي كان فيها الشافعي رضي الله عنه أصلاً، هذا كله يحمل عليه الشافعي لو كان يتفرغ للشاعر أو ترك نفسه للشاعر.

لكن شيئاً عظيماً جداً نشأ في هذيل ومحب للشاعر، ولكن أنه لما وجد السهامة توجه في هذا الزمان لأسباب خارجية للشعراء، كان يتخفى أصلاً، كان يحفظ ديوان الهذليين وكان يستظهره، والأصمعي أخذه عنه كاملاً من حفظه، وكان يقول لمن روى عليه الديوان أو قرأه عليه: «لا تخبر بهذا أهل الحديث فإنه لا تطيقه عقولهم»، يعني لا يتحملوا أن يكون الشافعي من أهل الحديث والفقه وهو يحفظ ديوان الهذليين.

لكن الشافعي كانت عنده نزعة شديدة ومراوغة نحو الشعر والأدب، فلو كان توجه للشريعة لكان شيئاً عظيماً جداً من المعدودين الكبار، هذا نقطع به خلاص. أبو نواس بدأ عالماً بالشريعة وانتهى شاعراً، بخلاف شيخه النظام؛ بدأ أديباً شاعراً وانتهى بأهل الكلام وعالماً، وكان بينهما شيء أصلاً معتزلي، والأصل أن أبا نواس معتزلي، فحتى البعض يقول أبو نواس صار سنياً بالفسق؛ لأن المعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، تقول في منزلة بين المنزلتين والمحصلة واحدة وفي الأخير لا غفران له وكذا.

بالضبط، فكان ذكره في سبب هذه القصيدة التي أولها: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسدت سراء فيقول في آخرها: «لا تحضر العفو»، قالوا يقولون شيخه النظام: «لا تحضر»، أول ما قاله: «تحضر العفو»، ما خلاص ما أنت مش معتزل سني، لا تحضر العفو، إن كنت أمراً حرجاً، فإن حذرك بالدين إدراؤه، فإن حذرته... هذا البيت الأخير فيها صح.

كل من يدعي في العلم فلسفة؛ علمت شيئاً وغابت عنك أشياء، نعم. فانظر إلى أبي نواس العالم الناقد، كان يعجبه شعر نابغة ويفضله على زهير تفضيلاً شديداً، ثم يقول: الأعشى ليس مثلهما، يعني دون النابغة وزهير كثيراً أيضاً. رأيت وكان يتعصب للجرير ويقول هو أشعر الناس، ويتم ببشار ويقول هو غزير الشعر كثير الألفاظ، ويقول أدمت قراءة الأخوة فكرين الشاعر يجيء من الهوى، يقول أدمنت قراءة شعر الكميت، ويقول كذلك إنه روى لستين امرأة من العرب في الشعر، يقول دعا الرجال لا عدد.

قال: فزهير بن أبي سلمى قال اختلف فيه وفيهما، ثم قال لا، قال أبو عمرو وسأله رجل: أأنابغة أشعر أم زهير؟ فقال: «ما يصلح زهير أن يكون أجيراً للنابغة»، طبعاً قلنا معنى هذه الكلمة أنه رفع النابغة جداً ولم يحط من قدر زهير، فلا يعني يتأتى هنا اعتراض الدكتور محمد بن موسى حفظه الله على الكلمة وأن أبا عمرو قد أجحف بحق زهير.

ثم قال: أوس بن حجر أشعر من زهير، ولكن النابغة طأطأ منه. هذه نقطة خطيرة جداً ومهمة، مسألة تحتاج إلى تأمل. أوس بن حجر أشعر من زهير، أو سيدنا حجر هو زوج أم زهير وهو أستاذه الرئيس الذي تلقى عنه طريقته، ومن قرأ شعر زهير وشعر أوس بن حجر سيعلم إلى أي حد اعتمد زهير على طريقة أوس بن حجر بل على حتى تراكيبه ومعانيه.

ولكن ما الذي حصل هنا؟ نقطة خطيرة؛ الشاعر العظيم أخمله، الشاعر أعظم منه، يعني أوس بن حجر أشعر من زهير، فجاء النابغة طأطأ من أوس بن حجر، إن وجد في زمان واحد وطأطأ منه، فلما طأطأ منه ارتفع ذكر زهير، والأصل أن أوس فوق زهير.

فأنت في دراستك للإشارات تنتبه إلى هذا: الشعراء الذين أكملوا، ينبغي أن تنتبه أنهم قد يكونون أشعر من بعض المشهورين، ولكن بسبب الإخمال. لأن الإخمال لم يطل زهيرًا، الإخمال أطال أو أطاله من طالبنا حجر، من أوائل أستاذ زهير. ومن هو أشعر منه؟ فأنت تنتبه إلى هذا بالذكر.

طبعًا الفني لا يُخْمَل، طبعًا. خلاص، يعني شاعر أخمله، من هو أعظم منه؟ فظهر من هو مفضول على هذا الذي أخمن وهو أفضل ممن ظهر. نعم، هو نص على هذا: أوس بن حجر أشعر من زهير.

أكبر من الاثنين النابغة، شوف لا يذكر مثل النابغة. خلاص، يعني أنت إذا وضعتها من القذف في القمة، بعده النابغة لا يمكن أن تقول أحد غير النابغة، لو نقصت لم يُخلق، فهو النابغة الذبياني، وهو المحكم في سوق عكاظ. في وقت اجتماع الشعراء كان حشد من الشعراء موجودين في هذا المكان في هذا الزمان، ومع ذلك هو الذي حكم، مع أنه قال الشعر بعد الأربعين وقيل بعد الخمسين.

هذا ممن نبغ، ولنا طريقتان في نبوغ الشعر: هناك الطريقة الشائعة العادية؛ الأصل أنه يظل يتدرب ويظهر شعره، وشعره يجود شيئًا فشيئًا، يحصل هذا مع المتنبي ومع الجميع. وهناك من ينفجر شعرًا بعد ذلك، هذا إذا كان قبل ذلك في عمره هو بالفعل يمارس الشعر، لكن لا يعلن، يمارس ويصنع وينقح وكذا، لكن لا يظهر هذا، يأتي في حالات استثنائية، لكن إذا ظهر فجأة أخذ مكانه.

وهذا يدلكم على إنصاف العرب في هذا وعلمهم بالكلام؛ يعني كان الشعراء الذين ربما موجودين كانوا موجودين في زمان النابغة قبل أن ينبغ النابغة ويصير النابغة، كانوا هم الشعراء وما كان النابغة يعرف شاعرًا، فلما ظهر بشعره حكموه، وجلسوا له. رأيتم، إحنا عندنا إيه؟ من الأقدم؟ أنا قبلك، أنت عارف أنا بقول الشعر من متى؟ كنت أنت مش عارف ما بتعملش حاجة وأنا كنت بقول. يا أخي قارن القصائد الموجودة. رأيتم الدكاترة في الجامعة نفس الكلام ده: أنا اللي مناقشك في الدكتوراه، طب هو فقط ده أنت كنت طالب، فأنا دكتور بقالي مش عارف كم سنة، كل هذا لا يعرفه العرب، في الأخير هم ميزانهم الكلام. خرج النابغة الذبياني وساد وصار المحكم في عكاظ، وأجلسوا له مع أنهم سابقون له بقول الشعر، قالوا قال الشعر في الأربعين وقيل آخر في الخمسين من عمره.

مرة أخرى، ما المشكلة؟ ممكن يكون موجهًا على القصيدة التي ألقاها، أو على تقديره له في هذا الموقف، أو حتى ما أنت بدونهم في المجلس؛ يعني أنت في الطبقة عمومًا، الطبقة نفسها مراتب؛ امرؤ القيس وزهير في طبقة واحدة، ولكن بينهم وبين كل واحد الآخر بعيد. بمناسبة الطبقة الأولى من الجاهليين، البون بين كل واحد والآخر بعيد.

لا، ليس زمنية، الطبقة الشعرية، يعني نفس الطبقة الفنية والرتبة الشعرية لا تعني التساوي، لا تعني التساوي، قد يكون البون بينهم بعيدًا، ولكن البون بين مجموعهم وبين سائرهم أبعد. يعني أنت شايف النجوم قريبة من بعض، ما بين النجم والنجم من يتصوره الخيال؟ ما لا تفهمه إلا بالأرقام، تستوعبه الأرقام فقط، أنت تراهم قريبين حتى تسميها مجموعات، كل سنوات ضوئية وأنت بتسميها مجموعات الثريا وكذا، وأنت ترسم مجموعته، هي في الحقيقة بينها سنوات ضوئية لكن أنت بعيد جدًا عنها. البحر ليس من طبقة النابغة أصلاً، أنت يمكنك أن تجعل الجاهليين جميعًا طبقة واحدة أصلاً من جهة القسم بما بعدهم، هم طبقة فنية.

قال طبعًا هناك هنا نقطة مهمة جدًا لما قال: «ولكن النابغة تطاطأ منهم»، هذا الكلام قد يشعرك بأن أوس بن حجر نازل أو أن زهير هو النازل وكان السابق كذلك، لا، انتبه إلى خطر الموازنة؛ الموازنة فيها أمر خطر جدًا جدًا، وهي أن الإغراق في الموازنة قد يخدعك عن المكان الحقيقية للشاعر ويجعلك تظلمه.

هناك في النقد منهج مطلق ومنهج نسبي. المنهج المطلق أن تأتي بالشاعر، تأتي بقصيدته أمامك وبشعره وتقيسه على موازين الشعر، هذا هو الأصل: أين يوجد هذا الشاعر؟ خلاص، ما مقام هذا الشاعر في الأدب العربي، في الشعر العربي، في مقام البيان؟ هل هو فحل أو لا أو كذا. لكن إذا وازنته بغيره فهذا نقد أو موازنة مقيدة، لا توازن على مطلق المعايير ولكن بالقياس إلى شاعر، فسيكون الحكم أيضًا مقيدًا، فربما توازن بين شاعرين وتحكم لأحدهما بالعلو، هذا لا يعني أن الآخر نازل، قد يكون فحلًا في السماء أيضًا.

يعني الموازنة بين أبي تمام والبحتري، انتصر فيها أبو تمام، أنت ربما إذا أغرقت في ذلك تقول لا تعرف، لم تفهم القضية، كلاهما فحل، وازن بين فحلين ولكن رجح فحلاً على فحل آخر.

في مرة أجريت اختبارًا هكذا، دعوت أحد الطلبة عندي في مصر وقلت له: تعال ندرس على علم الصبابة بروايتها، وتعمدت قراءة الروايات من روايات السكري؛ أنها الرواية الجامعة لنتذوق القصيدة ونعيش فيها أكثر، يعني نقول هذه الرواية هذا البيت يقدم هناك كما ثروال فدانيه أو يؤخر وكذا، المهم وعشنا في سحر علم الصبابة والدقة البيانية العالية العجيبة وكذا وكذا، وبعده مباشرة جردته بما يتعلم المتنبي من ذهنه، فقال فجأة قصيدة مرتجمة بالأرض، قلت له: والله ما مرتجمة، بل تحلق أيضًا، لكنك أنت كنت تحلق أعلى بكثير، فأنت رأيت الآن أنها مرتجمة بالأرض فصرت أحذر من قضية الإغراق في الموازنة أو الإغفال أن تغفل حقيقة المفضول، وأنه مفضول نسبة للفاضل. لما ترجح البحتري على أبي تمام، ليس على أبي تمام ولا أي شيء، لا طبعًا، فاحترسوا من هذا، كل هؤلاء فحول.

يقول قال أوس بن حجر: ترى منه الفضاء معضلا ... في قافية

وقال النابغة فجاء بمعناه في نصف بيت وزاد شيئًا آخر، فقال: جيش يظل به الفضاء معضلا ... يدع الأكمة كأنهن صحاري

قال أبو حاتم: حدثنا الأصمعي قال: حدثنا شيخ من أهل نجد. طبعًا طلبنا المعلومات هنا متناثرة لا ترتبط ببعضها لأن كلها أسئلة ارتجالية وجواب عن هذه الأسئلة، وهو همهم في هذا الوقت التدوين. قال أبو حاتم: حدثنا الأصمعي قال: حدثنا شيخ من أهل نجد، طبعًا يريد أنهم ممارسة الأخبار في البادية، لماذا قلت شيخ من أهل نجد؟ لأن أهل نجد كانوا هم ورثة رواة الشعراء في هذا الوقت، فكان الرواة من أهل المدن كالبصرة والكوفة يذهبون إلى الرواة في صحراء نجد أو في بادية نجد، فهو لم يخرج منها ولم يسكن الحضر فما زال يروي الأشعار كما هي.

قال حدثنا الشيخ من أهل نجد، قال: كان طفيل الغنوي يسمى في الجاهلية محبرا لحسن شعره.

طفيل الغنوي هو أصل مدرسة الصناعة في الجاهلية، وكان أستاذاً مشتركاً لأوس بن حجر وابن زوجته زهير بن أبي سلمى، ثم أتم زهير دراسة الشعر وإكمال الشعر على أوس بن حجر في رواية الشعر. فهذا المحبر الذي كان شديد العناية بشأنه، ممن سمي بعد ذلك بعبيد الشعر؛ الأعصار عبيد الشعر الذين يمكثون على الشعر كأنهم يتعبدون له، ينقحونه وكذا، ولا يلقونه إلقاء بعض المرتجلين من أهل البادية، أو من يقول على البديهة.

قال: طفيل كان طفيل الغنوي يسمى في الجاهلية محبرا لحسن شعره. هناك كتاب مؤرخ لمرحلة جيدة أو لأصول جيدة من الشعر الجاهلي، وهو كتاب "دراسات في الشعر الجاهلي" للدكتور يوسف خليفة، مطبوع في مصر في دار غريب، موجود الآن. خلاص، هذا الكتاب صغير ليس كبيراً، لكن تناول قضايا تاريخية جيدة جداً وممتازة.

مخالفة الدكتور يوسف فقط في تأويل بناء القصيدة. هذه الزمرة القديمة في الجيل الماضي أو قبل الماضي في مصر، الدكتور يوسف خليفة يؤخذ منهم جيداً جداً التاريخ للظواهر، يعني يحكي لك كيف ظهرت المقدمات، لماذا انتشرت في الشعر العربي، كيف ظهرت كذا وكذا. لكن لما يأتي إلى تأويل بناء القصيدة، يحصل هنا الخلل، سواء عند يوسف خليفة أو عند شوقي ضيف، وأضراره بهما رحمهم الله جميعاً. هذا كتاب ليوسف خليفة في الدراسات في الشعر الجاهلي، كتاب من جهة التاريخ رائع جداً وممتع جداً أيضاً.

قال: وطفيل عندي في بعض شعره أشعر من امرئ القيس. "طفيل عندي في بعض شعره أشعر من امرئ القيس"، هذا يقفون على قضية يعرفها المشتغلون بالشعر، وهي التفريق بين الشعر والشاعر في الموازنة؛ التفريق بين الشعر والشاعر، أو بين الأشعار وبين الشعراء.

كيف؟ شوف المعلقات العشر، قصائد فحول عالية، بعض شعراء المعلقات ليسوا فحولاً. لن أعشى فحل عند الأصمعي، ولا عمرو بن كلثوم فحل عند الأصمعي، ولا الليث بن ربيعة فحل، ولا عنترة نصف شعراء المعلقات ليسوا فحولاً عند الأصمعي، ولكن المعلقات مجمع عليها، فكيف ذلك؟

الفحول لها معيار يرتبط بالتكرار؛ هذه نقطة مهمة، الفحول لها معيار يرتبط بالتكرار والقدرة. يفرقون لك في الذي يدرس علم البلاغة، يقول لك: ما الفرق بين البليغ ومن يقول الكلام البليغ، ومن قال كلاماً بليغاً؟ ما الفرق؟ البليغ هو القادر على تكرار الكلام البليغ بحيث يكون ذلك ملكة له، أما من قال كلاماً بليغاً فقد يتفق له.

امرؤ بن كلثوم اتفقت له المعلقة، هل استطاع أن يقول غيرها؟ هل يستطيع؟ لنا بما ظهر منه هو لم يره فحلاً. إن قلت قصيدة قوية، لكن لا نرى أن هذا القدر كان كافياً لأن يجعلك قيادياً في الشعر، وأن يجعلك من الشعراء بمنزلة الفحل من الحقاق. خلاص.

تقول: طيب، ما الحارث بن حلزة أيضاً شعره ليس كثيراً. القضية ليست قضية كم، هناك معنى ما. ما هو عندك مثلاً امرؤ القيس؟ جرير بن عطية يقول لما سئل عن الشعراء وأجاب: "في كل شعب عنده"، ثم سئل امرأ القيس، قال: «الخبيث اتخذ الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء».

كانت هذه الكلمة تحيرني لأنني كنت أنتظر أن يكون هذا المعنى يقتضي كثرة الديوان وكثرة الأبواب التي قال فيها امرؤ القيس، على مستوى القصائد، كل قصيدة في موضوع، ويعدل هنا مدحاً وهنا كذا وهنا هجاء وهنا هكذا، وهذا هو الأصل. ثم انتبهت أن امرأ القيس في قصيدة واحدة ضرب في كل باب.

يعني مثلاً الآن، امرؤ القيس والأطلال، هناك رابط ذهني، صح؟ في الذاكرة عندكم بوصفكم دارسين، الأطلال عند امرئ القيس، صح؟ طيب، امرؤ القيس والمجون واللاهو مع الفتيات، صح؟ وامرؤ القيس ووصف الليل في أذهانكم حاضر، صح؟ وامرؤ القيس ووصف الفرس، ووصف السحاب والسيل؛ هذا ترتيب المعلقة، ست موضوعات بالضبط.

ترتيب المعلقة الواحد ست موضوعات، جاء بها في قصيدة واحدة. وأنا قلت خمسة في الأول، لأن هناك موضوعين في نفس الباب، لكن ما هو الباب الواحد وهو المجون؛ لأنه قال: ﴿ألا رُبَّ يَوْمٍ لِيَ مِنْ الْبِيضِ صَالِحٍ * وَلَا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ﴾ [المجنون: 12]، هذه رواية أخرى في خلاص، ونختاره، ثم قال: «وبِيضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِبَاؤُها»، موضوعان لكن باب واحد، باب اللهو مع الحبيبة أو كذا. فالقصيدة من ست موضوعات في خمسة أبواب، وهذه الخمسة أبواب هو قائد في كل باب فيها.

ولو انتقلت إلى امرئ القيس، ستراها أيضاً مصدراً للشعر القدماء، حتى حاكاه عمر بن أبي ربيعة في موضوع التسلل للحبيبة وصار التشبيهاته وكذا وأجزاء معانيه صارت مراجع للشعراء. فهذا معنى كلمة: «الخبيث اتخذ الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء». فاقسم بالله لو أدركته لرفعت له أذياله.

يعني أنا مكاني من امرئ القيس عند جرير بن عطية؛ شوف لأن الجرأة الآن على الشعراء يقول لك: هذا غلب امرأ القيس ويتكلم بجد. أقسم بالله لو أدركته لرفعت له أذياله. يعني هو كان ملكاً، فصور نفسه بصورة من يجر أذياله، فيقول: أنا مكاني امرؤ القيس لو أدركته لأرفع له أثوابه، ما ظل في الأرض من الثياب في الأرض. أنا أمشي وراءه أرفع له. يعني مكان الجليل صور نفسه وهو متسلط بنفسه وبشعره، صور نفسه في الشعر لو كان في زمان امرئ القيس أن يمشي وراءه يرفع له أثوابه.

إذاً تريد أن المقياس الحقيقي، تخيل المسافة بين جرير وامرئ القيس، ليس مجرد رفع أذيال. واضح؟ وضع نفسك من جرير أو بعشرين أو مائتين شاعر قبل جرير، ثم لما تصل إلى جرير ترفع أذياله من امرئ القيس. هذا تقويم جرير، ذكر هذا في الأمالي وفي الأغاني، الروايتان خلاص.

نرجع، قال: وطفيل عندي في بعض شعره أشعر. انظر الفرق بين المقامين؛ مقام الحكم على الشاعر والحكم على الشعر. ربما توازن بين قصيدتين فترجح قصيدة على قصيدة، وصاحب القصيدة المرجوحة يكون أفحل من صاحب القصيدة الراجحة. أنت رجحت بين نصين، ولهذا أقول دائماً: المسافة بين قصائد المعلقات أقرب من المسافة بين أصحاب هذه القصائد. المسافة بين المعلقات تعرف، أقرب من المسافة بين أصحاب هذه المعلقات؛ يعني امرؤ القيس مثلاً والنابغة، لن ينظر إلى عنترة في الشعر أصلاً، لن يرى شاعراً في الأصل، نعم.

قال: وطفيل عندي في بعض شعره أشعر امرأ القيس. يعني في بعض الشعر، هناك أشعار لما وازنها بما يقابلها عند القيس في هذا الباب وجدناه أشعر، الأصمعي يقولها.

سيأتي أيضاً، كما في بعض شعره، أشعر من الذبياني. ثم قال: شوف هذه النصوص في الفقرة الثانية عشرة والثالثة عشر، هذه النصوص كأنها تدفع ما في الفقرة السابقة. وطفيل عندي في بعض شعره أشعر من امرئ القيس، وكان الأصمعي هنا يقول لك لماذا وقع هذا أو لماذا حسبت هذا، يقول: «وقد أخذ طفيل من امرئ القيس شيئاً». طفيل أخذ من امرئ القيس شيئاً، فربما ما فضلته به على امرئ القيس هو... نعم، في نقطة.

يعني القراءة عن موازاة بين الشعراء؛ إذا كان الفضل السابق في كونه أنه سبق وأعطانا من علمه، هل من يأتي بعده قادر على أن يكون أفضل منه حتى ولو كان آخذاً على مستوى؟ هل يمكن الآن، عقلاً وتخيلاً، أن يتفوق بعض أفراد الجيل المتأخر على بعض أفراد المتقدمين؟ نعم ممكن، لكن هل يمكن أن يتفوق هذا الجيل جملة على الجيل السابق؟ لا أحسب هذا، ولعله ممتنع عادة وربما عقلاً؛ الأول قد علم الثاني، والثاني يبقى في ميزان الأول، حتى لو قضية السبق بالمعلومة أو المعرفة.

لا يعني الصدق في الفن؛ ربما يأتي متأخر ويتفوق على المتنبي كثيراً، ويقلب معنى المتقدم بما هو أجود، وهذا فعله المتنبي كثيراً حتى ما اتهموه فيه بالسرقة، أكثر ما قيل عنه إنه سرق، هو أخرج المعنى من قبل أو أخرجه من مستوى أقل إلى مستوى أعلى. وكما قلت، لا بد أن نفرق بين النصوص وبين... هل يمكن لواحد منكم الآن أن يقول قصيدة عالية يجتهد فيها ثم تكون أجود من قصيدة متقدمة زل فيها صاحبها؟ طبعاً ممكن، وارد، لكن هذا لا يعني أنك أفحل منه في جملة الصفة أو الوصف بالشاعرية.

الأصمعي ما كان يسلم إلا بشرط شديد في الشعر، حتى ولم يبدأ في العناية بكتابة هؤلاء المتأخرين، كالجرير ومن بعده وكذا، إلا بعد أن حسنه جداً. ولكنهم مثلاً في بشار، رووا أنه ذهب إليه، وذكر هذا الأصمعي أنه ذهب مع خلف الأحمر وأبي عمرو، ودخلوا على بشار وجلسوا تحت قدميه، ورحب بهم وسألهم عن قصيدة وسألهم عن تأويل بعض أشياء فيها، لماذا قلت كذا ولم تقل كذا؟ قال: «القصيدة بدوية، لو قلت كذا صارت مولدة». فقام خلف الأحمر وقبل بين عينيه، تقديراً لبشار.

وأنا أقول: هذا من تعظيم العلماء للشعراء قديماً، بشار المشهور بالفسق وبالتعرض وبالكلام المكشوف وبالهجاء، ومع ذلك أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر، والأصمعي يذهبون إليه، ولما تعلموا منه علماً فرحوا به وقبلوا بين عينيه بشار بن برد! تخيل الكلام، بشار بن برد كان ممن أسسوا للمجون في العهد المتأخر ورأس المولدين، بل ذكر أنه لما رُد الاستشهاد به، روي أن أبا الأسود الدؤلي لما رد الاستشهاد به وهجاه وشتمه بأمه في شعر، فصار يستشهد بشعره إكراماً ويذكره خوفاً من لسانه.

شوف، الشعراء مقامات، وبشار هذا ظل في أوله يهجو جرير، ينتظر أن يرد عليه جرير ويجرفه عنه، وقال: «لو هجاني لكنت أشعر الناس». لماذا؟ لأن جرير هجا أحداً، فإياك أن تهاجم أي عدو مهما هاجمك؛ ردك على العدو شرف، فدرس عدوك لأنه يخبر عنك كما يخبر عنك صاحبك. عدوك كفؤ، أنت رددت على فلان فأنت كفؤ له، انتهى. إياك أن تنيل أي أحد شرف العداوة.

جاءوا مرة لجرير وقالوا له: هناك رجل هجاك، قال: ما اسمه؟ قالوا: بردخت، قال: وما تعني بردخت؟ قالوا: عن الفارغ، قال: إذاً أشغله به وتنزه عنه. لكن كان يرد على الأخطل والفرزدق والراعي النميري، فحول أصلاً من غيرهم فحول. هؤلاء يتهاجون، الفرزدق والآخرون بينهم، ولما مات الفرزدق وعلم أنه سيموت بعده، كأنه شعر بهذا الحزن، وشعر بأن من اقترن في شيء يلحق الآخر بصاحبه، وأخبر بهذا ومات بعده بشهور قليلة، اذكر شهرين تقريباً. وكان يتهاجيان حتى يعزرهما الأمير، ويعاقب أشدهما ويضربوه بالسياط من شدة ما يقولان في بعضهما. وكان الفرزدق من انحطاطه يسمي جرير ابن الأتان، يعني يكلف شعره في يدعي على أبي جرير أنه يأتي من الأتان.

والقصيدة التي في السبع الملحمات في أبي زيد القرشي، جمال العرب، قصة في هذا الشكل حتى أنا لا أستطيع شرحها مع أنني أدعي الحرية. أرسل إلي بعض المشايخ من شنقيط قال: لم تتعرض لهذه القصيدة؟ قلت له: لا أستطيع، يعني هو قصتها تخيل أن يذكر لك كيف حصلت حاجته لأم جرير لزوجها، فلمسته في الفراش لم تجده، فإذا هو في الزريبة، فأخذ تكلم... «درتي حماره»، أتخيل هذه تلخص القصة بدون تفصيل، طبعاً التفصيل أبشع بكثير. فقلت لهذا الشيخ الشنقيطي: أنا لا أستطيع، قلت له: أنتم تشرحون هذا؟ قال: بالتفصيل وفي المحضرة والإخوة جالسون وراءهم الأخوات، قلت لهم: أنا لا أستطيع هذا التفصيل، لا أستطيع في بلادنا على الأقل، ولا أستطيع حتى مع نفسي، ربما في مجلس خاص.

كثير من الأشياء تكون قيل وروي وليست واقعية، لكن مؤديها في الأخير يكون معناها الذي بنيت عليه صواباً، وهو انظر ماذا يفعل الشعر. من نسب المتنبي؟ آباؤه المتعينون لا نعرف، ولا نخوض ولا نبالغ في قضية المتنبي وأنه كان مجهول النسب، كل هذا كلام فارغ، هو غالباً من النسب العلوي على ما قيل، وكان واضحاً من سيرته ومن إشارات في شعره أنه كان شيعياً، وهو لحق بني حمدان، وقام فيهم حمدان، فمن الواضح أنه نشأ في حي الكوفة حيث غلب فيه العلويون والشيعة في حي كندة، وكان حياً شيعياً في هذا الوقت.

طبعاً هو لا أحد يبقى عروباً الآن، لا داعي للدعاء على آخرين، هو يقول: «ولم تكن الشيعة ولا السنة كالسنة»، لا نفتح سياسة، هو كان وكانوا مسلمين وعرباً، والخلاف كان ضيق الزاوية وكان محدوداً، لكن ما زالت فيهم الأصول، هم عرب وهم مسلمون ويجاهدون ويحاربون. أبو فراس الحمداني ماذا كان يفعل مع الروم؟

بالضبط لهذا أحبهم، أحبهم المتنبي. المهم، نرجع الشاهد، هذا بشار بن مقدم كان يهجو جريرًا، شوف المراتب وكيف يردون عليه؛ لأنه يختار عدوه. أين كان بشار في هذا الوقت من جرير؟ ما كان بشار بنفسه شاعرًا بجوار جرير، بل قال له هجاني، كان ينتظر أن يهجوه، أقول له هاجاني لكنت أشعر الناس خلاص، بقى أنا تبع جرير واضح، رد علي وسينشر شتمه بنفسه، هو يفرح.

قال: «وقد أخذ طفيل من امرئ القيس شيئًا». ويقال إن كثيرًا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه. الكلام كأنه يعلل لك سر بعض الضعف الذي وقع في شعر امرئ القيس؛ أن بعض مما روي له لصعاليك كانوا معه وليس شعره. لأنك ترى، أنا أحفظ ديوان امرئ القيس والنابغة وزهير عن ظهر قلب، وأستغرب جدًا، فالنابغة تقريبًا ديوانه واحد، وزهير ديوانه واحد، أما امرؤ القيس، فترك كثيرًا من النازل جدًا يقول ليس له، وأنا أقطع بأنه ليس له. وأكاد أطمئن، أقول أنا أطمئن إلى أن ديوان امرئ القيس الحقيقي الذي يصح له خمس قصائد ومقطعات قليلة، خمس قصائد ومقطعات، هذا من خبرتي به من قديم، أقوم معه وأنام معه.

الخمس قصائد هي التي قلبت تاريخ الأدب العربي كلها، حتى يلقب بأبي الشعراء. في «الخصائص» لابن جني، لما ذكر أوصافًا في الشعر، قال: فلان، وقال فلان، والنابغة ثم قال: وقال أبو الشعراء. وقال: «ولئن كما وجه البحر»، وقال أبو الشعراء هكذا سريعًا، وقال أبو الشعراء عن أبي الشعراء.

قال: وكان عمرو بن قمئة دخل مع قيصر، دخل مع الروم إلى قيصر، طبعًا عمرو بن قمئة كان نديماً لأبي، وكان معاوية بن أبي سفيان يقول: «دعوا لي طفيلاً، فإن شعره أشبه بشعر الأولين من زهير». طفيل وزهير جاهليان، وفهم الأولين، تأمل هذا التقسيم إلى أول وآخرين داخل العهد الجاهلي نفسه؛ يقول إن شعره أشبه بشعر الأولين من زهير، يعني هناك من يسبقون زهير وطفيل، منهم امرؤ القيس. قال وهو فحل، طبعًا هذه من الأصمعي وليست من كلام معاوية.

ثم قال: من العجب أن النابغة الذبياني لم ينعت فرسًا قط بشيء إلا قوله: «وحذف الشطر الأول: صفراء مناخيرها من الجرجار». قال: ولم يكن النابغة وأوس وزهير يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل الخيل غاية في النعت، وهو فحل. ثم أنشد له، وطبعًا هذه القصيدة هي الأولى في ديوانه، وتقع في سبعة وسبعين بيتًا: «ولكن طفيل الخيل غاية في النعت».

النعت، الوصف، ليس كل أحد يقدر عليه في الشعر. وانتبه أخي الدكتور عبد القدوس، قال لي: ألا تلاحظ أن المحدثين المعاصرين لا يستطيعون الوصف بالصورة المركبة التي ترتبط فيها، لأنها تحتاج إلى ذهن متسلسل سليم؟ والحداثة عن ماذا تبحث؟ تبحث عن إضافة. أنا حتى الصورة النمطية أو التقليدية الكلاسيكية، كما نقول، التي أشرح بها الحداثة؛ تجد مضافًا ومضافًا إليه غير مفهوم، أو نكرة أتي بها.

مسؤولية الخشب، موضوع المسؤولية يحمل من مسؤولية الخشب. بعضهم قال هذا مسؤولية الخشب، مثل: «سريرنا طاعن بالصمت، منتحلًا ثغرين، كم يشتهي أعماق من نطقه، فمن كتاب غلامي أخبئه، أشهى من امرأة لو طعمها ورق». أي تراكيب؟ مبتدأ وخبر، أو مضاف ومضاف إليه، أو فعل ومفعول؟ أي تركيب هو يبحث عنه؟ هو مشغول في جزئية ثنائية، لا يستطيع أن يأتي بصورة مركبة لأن عقله ليس واسعًا، لا يستطيع أن يصف صورة مركبة لأن شرطها اتصال الكلام وصحته، لا يستطيع أن يأتي بما يلي كلمة مثل ﴿كَمَا﴾ في القرآن، أن يأتي بمثله، لأنه تشبيه مركب طويل أو وصف طويل مركب لا يستطيع أن يأتي به.

بالضبط، الوصف ليس مشكلة؛ الوصف في الشعر أن تصف الشيء على ما هو عليه، لأن هذا سهل، هذا من منطق الكلام والعقل. مشكلة الوصف أن تصفه على ما هو عليه محققًا صحة ذلك الوصف في الواقع ومحققًا للشاعر أو الشعرية، وهذا الصعب. تستطيع أن تأتي بمعنى مجرد، المعنى الخامس، الفكرة المجردة، وأن تأتي به في الشعر في صورة حكمة أو في صورة معنى مباشر وتقول هذا المعنى، وتكون شاعرًا، وهذا أسهل. الصعب أن تأتي بالصورة لتعبر منها إلى الشعر.

ولهذا قلت إن قول المتنبي: «إذا رأيت نيوب الليث بارزة، فلا تظن أن الليث يبتسم» أعلى منها فنيا قول عنترة: «لما رآني قد قصدت أريده، أبدًا وأجده لغير تبسم». لأنه يحكي قصة وحدثًا ويشغل القراءة، يدخل عليه لي هو كذا، ثم جعل الابتسامة لغيره، وانظر إلى الإشارة لغيره، هو قال لك: لغير تبسم. فأنت إذاً، لماذا لغير تبسم؟ الآخر صريح: «فلا تظن أن الليث يبتسم»، درس صار درسًا علميًا أو إرشادًا. الآخر فقط يشف؛ «فلا تظن أن الليث يبتسم»، حواها لغير تبسم. فعنترة لغير تبسم، واللفظ قليل. انظر، هذا مثال على الفرق بين الجاهل والمتأخر: «لغير تبسم» بس وانصرف، هكذا، لغير تبسم، عقلك يفكر ماذا ويذهب وكذا، أما الآخر: «فلا تظن أن الليث يبتسم»، المعنى الذي وضع فيه هكذا عند عنترة فُرض في شطر كامل عند المتنبي.

الوصف صعب لأنه يتحول إلى شعر، فأنت مرتبط بواقع ومرتبط بإحساس الشاعر الذي يصاغ شعراً، بخلاف المعنى المجرد الذي ليس بوصف، لأنك مرتبط بالمعنى المباشر وصورته في الذهن هي صورته الشعرية تقريبًا تصوغه. ولهذا كثير من الحكم قال فيها النقاد: هذا ليس شعرًا، هذا مباشرة للمعنى. ولهذا يتكلمون في الشارع عن الوصف ويؤلفون فيه كتبًا، والصفدي له كتاب الوصف والتشبيه.

قال: «ولكن طفيل الخيل غاية في النعت»، هو فحل، ثم أنشد له: «يراد على فاس اللجام، كأنما يراد به مرقاه جذع مشذبه». يعني أنت شوف الاختصار في التشبيه. «وهو منحني مرتفع»، هكذا كأنما يراد به مرقاه جذع مشذب؛ جذع مشذب طويل ناعم أنت تنزلق عليه، كلما أمسكت وقفزت وانزلقت عليه، فصور لك كل هذا التصوير في هذا البيت. رأيت النعت والشاعر كيف يكون. فاس اللجام، القطعة التي تركب هنا.

قالوا هنا توجد قضيب أسطواني، أو الشكيمة، التي يمضغ فيها الحصان. لا، قوله «يراد على فاس اللجام»، تقول راودته على كذا أي حاولته عليه، ويقال أردته أيضًا، وإنما يصف عنقه. قال: والنابغة الجادي فحل، النابغة بالمناسبة.

ولد قبل النبي الذبياني ومات بعده، ولهذا سمي النابغة. ومن النبغة الأكبر من الأصغر؛ فالنابغة الأكبر هو النابغة الجاهلي الذي نعرفه صاحب المعلقات، ويسمى النابغة الأكبر لأنه مات قبل النبي ﷺ.

ويسمى هذا النابغة الأصغر لأنه مات بعده، وهو ولد قبل النابغة الجاهلي المعروف صاحب المعلقات، النابغة الذبياني. ولد النابغة الجعدي قبل النابغة الذبياني، ثم في حياته ولد النابغة الذبياني ومات، فأكمله فسمي النابغة الأصغر، كأنه ولد بعده ودخل في طبقته، ولم يعد يُذكر النبي في القصيدة بل أسلم وكذا، فهو كأنه صار من الطبقة الإسلامية مع أنه في الجاهلية ولد قبل النابغة الذبياني.

قال: وهو جيد الصفة للخيل جداً، ثم أنشد: «يشد الشؤون» أو «أراد ليزفر»، وطبعاً هنا أنا كتبته حتى الأبيات: «شديد قلات»... موقفين، كأنما هناك رواية أخرى «نهى نفساً» أو «قد أراد ليزفره»، هذه هي، لحظة، كذا في الأصول أنها «نفساً» والمعنى الكبير لعلها... نعم، الرواية الأخرى اللامية، اللامية التي فيها: «تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبة بماء»، فعاد بعد أبواله. هذه قصيدة رائعة في تسعة وثلاثين بيتاً.

قلت: ما مذهبه فيها؟ ذا فإن هذا البيت يدخل في شعر غيره. انظر لهذا السؤال: «ما مذهبه في ذا؟» يعني ماذا قصد من البيتين في قصيدته؟ يريد أن يشد وثاق البيت مع القصيدة؛ لأن البيت رويّ لغيره. كذلك يسألك ما موضوع بيته؟ ما مذهبه؟ ليربطه بالقصيدة ليرى أي الشاعرين أحق بالبيت. انظر للكلام: «ما مذهبه في ذا؟ فإن هذا البيت يدخل في شعر غيره». المكان الذي سيرى البيت فيه نافراً، ويغلب على الظن فيه أنه داخل في القصيدة مقحماً فيها، والذي يظهر فيه ملتئماً بما قبله وبعده هو الذي قال فيه: «ماذا أصيل في القصيدة؟». قلت: «ما مذهبه في ذا؟ فإن هذا البيت يدخل في شعر غيره».

قال لما قال سوار بن الحيا القشيري: «ومنا ناشد رجله، ومنا الذي أسر حاجبا، ومنا الذي سقلبنا»، قال النابغة الذي هو الجعدي حينئذ: «تلك المكارم الثعبان من لبنان»، هذه أصلاً في آخر القصيدة. هذا البيت قال عنه الأصمعي: «لو كانت هذه القصيدة للنابغة الأكبر -طبعاً هو أكبر في المقام الشهري وفي الوفاة، خلاص مات قبله- لو كانت هذه القصيدة للنابغة الأكبر بلغت كل مبلغ».

ما معنى هذا؟ ما الإشارة في هذا الكلام؟ هذا الكلام يشير به إلى أن أحياناً عدم شهرة الشاعر تظلم قصيدة كثيراً من قصائده العالية، ويقول: هذه القصيدة لو وضعناها في شعر النابغة لتأثر بها الناس، ولكن ظلمت؛ لأجل لماذا؟ لم تكن في الشعر الذي ينظر الناس إليه، فكأنه يقول: عدم شهرة الشاعر أو عدم شيوع النابغة الذبياني جعل الأنظار لا تلتفت عن القصيدة أو لا ترى القصيدة فلا تبلغ كل مبلغ. طبعاً أنا أرى ذلك؛ المتنبي غطى على أبي فراس، هذا بالضبط، كذلك المتنبي غطى على أبي فراس، وهناك قصائد لأبي فراس ربما تطير أكثر من كثير من شعر المتنبي، حتى الآن شعره مهمل للأسف الشديد مع أن شعره رفيع. هو موجود ومحقق لكن ليس مطبوعاً، جيدة لكن بالعكس، حققه سامي الدهان وطبع في المعهد الفرنسي فيما أظن.

فهو يقول: هذه القصيدة لو كانت للنابغة الأكبر بلغت كل مبلغ، يعني لو كانت لشاعر مشهور التفتت لها الأنظار، طبعاً هذه التزكية للقصيدة. نحن في هذا الكتاب معرفة تعريف القصائد، منها القصيدة التي سبقت له خلاص، الرائية وتلك القصيدة اللامية. قلت: فالأعشى، أعشى بني قاسم ثعلبة، قال: ليس بفحل. هذا الأعشى في الطبقة ليس بفحل، هذا ابن سلام جعله في الطبقة الأولى. قلت: فقام ابن عبيد قال: فحل. قلت: فالحارث بن حلزة قال: فحل. قلت: فعمرو بن كلثوم قال: ليس بفحل، هذا مع كون قصيدته المعلقة فحلاً، لكن كما قلنا فرق في الحكم بين الحكم على الشاعر والحكم على القصيدة. قلت: فالمسيب بن علف قال: فحل، مع أن عمرو بن كلثوم موضوع في السادسة من طبقات ابن سلام، والمسيب بن علف موضوع في السابعة عند ابن سلام.

قلت: فعدي بن زيد أفحل، قال: ليس بفحل ولا أنثى. ليس بفحل ولا أنثى يعني ليس رفيعاً، لكن انتبه ليس ساقطاً، ليس ليناً ضعيفاً. ولماذا فعل هذا؟ لأن عدي بن زيد من الشعراء الذين خالطوا العجم، فشعرهم وصار كعبد أبي الأياذ، صار لا يستشهد بشعره في تدوين اللغة. اشتهر من هؤلاء شاعران: عدي بن زيد، وعبد الأياذ علي بن زيد أبو دؤاد الأياذ، خالطوا العجم وكذا، وخالطوا أهل الريف في العراق، فصوروا، القبائل التي تقارب العراق وتخالطها وتقارب الشام وتخالطها، لأجل خلطتها بالفرس والروم لم يستشهدوا بأشعارها لما دونت اللغة.

انتبه، ليس بأشعارهم فنياً، هم شعراء كبار، لكن لم يستشهدوا بأشعارهم لما خالطوا العجم في اللغة في النحو والصرف وتدوين المعاني، احتياطاً أيضاً. ليس معناها أنهم عجم، احتياطاً كل من تاقم العجم من فرس أو روم لم يستشهدوا بأشعارهم. ولهذا لما انتشر العجم في الحجاز، كثير من أهل الحجاز أصولهم من مكة وعرب في الأصول بخلاف وسط الجزيرة، وهذا بقي إلى الآن، بقيت هذه المشكلات حتى الآن بين هذه المناطق، مهاجرين في الأصول، المهاجرون من غير العرب.

فلما حصل هذا، الإمام الشافعي رضي الله عنه ماذا فعل؟ هو مولود سنة مئة وخمسين من الهجرة، يعني ولد في العام الذي قالوا فيه هو خلاص، المئة وخمسون انتهى الاستشهاد، لكن ذهب البعض إلى أنه يمتد قليلاً في البادية. أمه ماذا فعلت؟ لماذا جهزته لبادية مكة؟ لا لمكة، ليس لمكة، لبادية مكة؛ لم يقم في مكة، أقام في بادية مكة؛ لأن مكة في هذا الوقت في القرن الثاني امتنعت بالعجم مع أنهم يتكلمون العربية، لكن لا أرادوا العربية الفصيحة التي لا يشاركها أي شيء ولا أدنى احتمال، فذهبت به إلى بني هذيل، وأقام في بني هذيل، فما بعد هذه مكة والمدينة التي في ضواحيها بني هذيل، فما بالك بالمتاخمين بالعراق وبالشام؟ لأنه في وقتها كانت تحت الفرس وهذه كانت تحت الروم. حتى قالوا في هذا: علي بن زيد تعلم الكتابة وتعلم اللسان الآخر وكذا. عندنا الشيخ رحمه الله عبد المتعال الصعيدي من...

الجيل الأخير الذي سمى التنويري في الأزهر ألف كتابًا اسمه «زعامة الشعر الجاهلي بين امرئ القيس وعدي بن زيد»، وقلب الطاولة في خطابه وحماسه على الأصمعي والروى. وكذا قال: تفضلون هذا الأعرابي الماجن مقتحم الخضور، تفضلون هذا على عدي بن زيد فقوه وتجاهرون بأنه العلة؛ لأنه أمسك القلم وتعلم وثقف ثقافات أخرى وكذا وكذا. فأي علم هذا؟

وقلب الطاولة على كل النقاد والقدماء، ولم ينتبه إلى القضية أصلاً في أصلها، هي قضية تدوين لغة، لابد أن تكون من هذا الأعرابي الذي كان ملكًا في نجد طبعًا، وقلب الأمور رأسًا على عقب، والكتاب كله خطابه وحماسه، ولا يمد للعلم بالصلة ولا بقضية التدوين صلة أصلًا.

عدي بن زيد من الشعراء الذين لانوا شديدًا واختلط حتى شعرهم بالمتاخرين، فلهذا كأنه أراد أن يدفع الذي قال فيه «ليس بفحل»، لم يدافع عنه بأنه ولا أنثى، لم يقل هذا، لكن يشتبه عند عدي بن زيد بسبب لين شعره حتى قالوا اختلط بشعر من بعده من المولدين وصعب تخليصه. وهذا لا يصعب في سائر الجاهلية أن تخلص الجاهلية من المولد، فقال: «ليس بفحل ولا أنثى»، يعني ليس بفحل الجاهليين ولا أنثى، يعني لم يلن للمولدين. فيقول لك: لم يلن حتى وإن اخترت كثيرًا من شعره بشار المولدين.

قال أبو حاتم: «وإنما سألته لأني سمعت ابن سلام لا يقدم عليه أحدًا»، هذا قول شاذ غريب جدًا. قلت: فحسان بن ثابت هذا الخزرجي من الخزرج، قال: «فحل هذا في ابن سلام من فحول شعراء القرى». قلت: فقيس بن الخطيب هذا من الأوس، قال: «فحل هذا من فحول شعراء كذلك». قلت: فالمرقشان، قال: «فحلان المرقشان»، هناك المرقش الأكبر والمرقش الأصغر، وطرف ابن العبد ابن أخ المرقش الأصغر. وهؤلاء المرقشان كانا على عهد من عندكم في الحاشية، وشهد كما قال بكر وتغلب.

قلت: فابن قمئة؟ قال: هذا قديم جاهلي كان مع امرئ القيس، فلما خرج امرؤ القيس إلى بلاد الروم صاحبه، يقولون هو الذي قال فيه: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... في رحلته كان شديدًا عنيفًا ومَن معه أما يتخلون عنه أو يبكون؟ أرى امرأ عمرو دمعها قد تحدر ... بكاءً على عمر وما كان أصبر وقال: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... خلاص الموضوع دخل في الجد يعني لقي أرض العرب دونه ودخل على قيصر، خلاص الموضوع كبير؛ بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنه لاحق به قيصر، فقلت له: لا تبكِ عينك، إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا. كان عليه شديد الصلابة في هذه الحرب أو في هذه الرحلة.

قلت: فابن قمئة؟ قال: فحل، قال هو قمئة بن سعد بن مالك وكنيته أبو يزيد. قلت: فأبو زبيد هذا نصراني؟ أبو زبيد هذا نصراني، نعم، يقول هنا أخبرنا أبو الغراف، قال هذا ابن سلام، قال: أبو زبيد الطائي واسمه حرملة بن المنذر، أخبرنا أبو الغراف قال: كان أبو زبيد الطائي من زوار الملوك ولملوك العجم خاصة، وكان عالمًا بسيرهم، وكان عثمان بن عفان يقربه على ذلك ويدنيه ويدني مجلسه، وكان نصرانيًا. يعني كان من زوار الملوك يرحمك الله نصرانيًا، وكان عثمان بن عفان يقربه على ذلك ويدنيه، ومنه القصيدة التي في وصف الأسد وكذا، حتى قال: «حسبك أخفتنا»، يعني من وصفه للأسد وكذا.

قال: وكان جاهليًا قديمًا أدرك الإسلام إلا أنه لم يسلم ومات نصرانيًا، وكان من المعمرين يقال إنه عاش مئة وخمسين سنة ولم يسلم. أنا زعلت والله، قلت: فأبو زبيد، قال: «ليس بفحل»، هذا جعله ابن سلام من الطبقة الإسلامية الخامسة.

قلت: فالشماخ؟ قال: «فحل هذا عند ابن سلام في الثالثة»، قال الأصمعي: «وأخبرني من رأى قبر الشماخ بارمينيه». قلت: فمزرد أخوه؟ قال: «ليس بدون الشماخ ولكنه أفسد شعره بما يهجو الناس». هنا توجد مشكلة، «أفسد شعره»؛ يعني هذا يحتاج إلى وقفة وتفسير، ليس أفسد شعره يعني جعله رديئًا، أفسد شعره يعني عطل على الناس النظر فيه أكثر من أعدائه، ومن كثرة من يهجم ويتناول فيه الأعراض فأعرض الناس عن شعره. فقال: «ليس»، انظر، يعني الشر نفسه عالم، قال: «ليس بدون الشماخ»، يعني هو في الشعر ليس بدون الشماخ ولكن أفسد شعره بما يهجو الناس، يعني أعرضوا عنه، فغاب شعره عن الناس وكغلبه النابغة الذبياني في الشهرة. على النابغة الجعدي، فكانت هناك قصيدة لو رويت للنابغة الذبياني لذهبت كل مذهب ولشاعت في الناس.

قال: «وأخبرني الأصمعي قبل هذا أن أهل الكوفة لا يقدمون على الأعشى أحدًا». هنا ينبغي أن تكون واسع الاطلاع حتى تفهم هذه القضية، وحتى تربط ولو بالظن والاحتمال بين بعض الأمور. أهل الكوفة أهل رواية، يكثرون الرواية جدًا، ولهم مذهب؛ من درس منكم أصول النحو وتاريخ النحو لهم مذهب يختلف عن مذهب البصريين.

البصريون ماذا يفعلون؟ يأتون بالأكثر ويقاعدون، يحاولون أولًا تأويله على ما لا يتعارض مع القاعدة، فإذا لم يصلح —طبعًا هو أيضًا ينظرون في قضية وثوقه وثبوته— إذا لم يصلح انتهى بهم الأمر إلى ماذا؟ يحفظ ولا يقاس عليه، يسمى الشاذ. يحفظ صحيحًا لكن في هذا فقط ولا يقاس عليه، لا يغلط لكن يحفظ ولا يقاس عليه ويكون صحيحًا. ترون من قرأ منكم مناقشات ابن جني مع أستاذه المتنبي، وابن جني كان شغوفًا بالمتنبي، يقول شاعرنا، كان أقول له: كيف قلت كذا؟ كيف تقول كذا والقاعدة كذا؟ قال: أما هذا فلا أعرفه ولكن عندي فيه، ويأتي له ببيت فيه شاهد على هذا. ما الفرق؟ ابن جني فيه صبغة الجمهور التي هي صبغة أهل البصرة، والمتنبي كوفي.

أهل الكوفة عندهم كل بيت قاعدة، يعني إذا صح البيت عن أهل الحجة قاعدة لا يدخلونه قضية الشاذ، يحفظ ولا يقاس عليه على حسب القاعدة، ويحبون الرواية الكثيرة. الآن تقريبًا أي ديوان له رواية كوفية ورواية بصرية، سترى الديوان، عدد القصائد في الرواية الكوفية أكبر وعدد الأبيات في القصيدة في الرواية الكوفية أكبر. رأس الرواية الكوفية المفضلة الضب، ورأس الرواية البصرية الأصمعي. انظر مثلًا ديوانه من امرئ القيس، وأي ديوان فيه رواية كوفية ورواية بصرية سترى عدد القصائد أكثر في الكوفية، وعدد الأبيات في القصيدة في الرواية الكوفية أكبر.

والأصمعي متشدد أكثر من سائر البصريين، ولهذا حتى تفوته أبيات هي من القصيدة وتجزم أنها من القصيدة عند البحث، ولكنه يتشدد كثيرًا في الإثبات. فلما ترى الأعشى محببًا إلى الكوفيين، ثم ترى ديوان الأعشى أكبر ديوان جاهلي على الإطلاق، ديوان فردي، يعني الأعشى صاحب أكبر ديوان فردي، هناك المجاميع.

صاحب أكبر ديوان فردي، يعني ديوان شاعر بعينه، من الجاهليين؛ ديوانه كبير جداً بالنسبة لديوان جاهلي، وحجمه عادي بالنسبة لديوان متأخر، لكنه بالنسبة لشاعر جاهلي ديوان كبير. الجاهليون كانوا أفخم في الشعر، وأجود وأعلى، وقصائدهم أقل؛ لم يتساهلوا في الأمر كما عند المتأخرين.

حتى كنت أناقش مع الحبيب عبد القدوس بعض هذه الأمور، فنبهني قال: ألا ترى أن هناك أسباباً ألبت بالمذهب المتأخر إلى هذا؟ كانت هناك مناسبات، سيمدح الملك الفلاني، الملك جاء من كذا، فلا بد من قصيدة. هناك مناسبات فلا بد أن يتنازل عن حرية الرفع والتنقيح. أنت لا تضرب في الأصل في القصيدة، تضرب لها موعداً، ستضع القصيدة هكذا وتظل تعمل عليها إلى أن ترتضيها وترى أنها قد ثقلت وبلغت مبلغاً لا مزيد عليه في نفسك، خلاص. هذا لا يليق مع انتشار ثقافة المناسبات، فلا بد أن تقصر منه الجودة، لا بد أن ترضى بمستويات أقل وإن كانت جيدة أيضاً، لكن ستنزل.

أما الجاهليون فكانت كل قصيدة عندهم يضرب بها في السماء، ولهذا كل قصيدة عندهم استثناء، لا تكاد تجد قصيدة ساقطة عند الجاهلي، كلمة ساقطة وتنسب للجاهلي لا توجد، سقطها رديئة لا توجد، بل توجد في المتأخر كثيراً، وحتى في الإسلام موجود، لكن في العباسي ومن بعده كثير، فهي قضية مختلفة.

الأعشى ديوانه كبير، فربما ربطت هذا التفكير على خطاه لو كنت أخطأت فيه، ربطت بين كون الأعشى مكفراً وبين ميل أهل الكوفة لكثرة الرواية. انظر حتى العلة، قال: «وكان خلف لا يقدم عليه أحداً»، قال أبو حاتم: «لأنه قد قال في كل عروض وركب كل قافية». ركب كل قافية، يعني ماذا؟ ننظر إلى كثرة التنوع والتعداد، وهذا داخل عندهم في كثرة الرواية وحب التنويع، وهذا لا يرتبط ارتباطاً شديداً بقوة الشعر.

قصائده العالية على الطويل بس، على الطويل وخلاص، أنت ثلاثيته الكبيرة: «قفا نبكي» كلها على الطويل، وقوافيها سهلة؛ اللام والراء، كفى كان التعاون ثلاثة لام ولام وراء، واللام من القوافي الذلل السهلة. رأيت؟ وبحر الطويل بحر واحد عليه القصائد الثلاث، فأين التنويع؟ فالتقديم هنا ليس تقديماً بقدر ما هو ميل وتفضيل، لا يمكننا أن نقول أهل الكوفة يفضلون الأعشى فنياً، لا، هو عللوا الأمر بهذا، لا جد عندهم ما يشبع بالضبط.

قلت: فـ «هرو بن الورد» قال: «شاعر كريم وليس بفحل»، انظر: شاعر كريم وليس بفحل، والحديث هنا عن سياق الفحول الشعرية لمطلق الشاعرية، الفحول الشعرية لا مطلق الشاعرية. فقال الشاعر: «وليس ابن فحل»، قلت: فـ «الحويدرة»، انظر هنا، قال: «لو قال مثل قصيدته خمس قصائد كان فحلاً». هي القصيدة الثامنة في المفضليات، المفردات عندك مئة وثلاثون شعراً، القصيدة رقم ثمانية في المفضليات تقع في واحد وثلاثين بيتاً. لو قال مثل قصيدته خمساً كان فحلاً. الآن وضع لك بشكل ظاهر الأصمعي أول نص على المعيار الشعري، وهو تكرر القصائد العالية؛ يجد الحويدرة هذه القصيدة في واحد وثلاثين بيتاً، قصيدة فحلة ومنتقاة مختارة في المفضليات، خلاص، يقول لك لو قال مثلها خمس قصائد كان فحلاً.

لماذا لا تكفي واحدة؟ لا تكفي، القصيدة فحلة هناك ما سيأتي منه أدق الآن، معنا قلت لكم هذا الكتاب سيضع لكم معايير وأصولاً في فهم الشعراء. طبعاً الآن المعاصرون عندنا انتهوا خلاص، قبل أن نبدأ، كل الذين يزعلون من المعاصر، ما قلت أنت شاعر، كله مشى، والله لو قال ألفاً لازداد نزولاً، لا، لكان أدلى على ضعف.

الحويدرة عند ابن سلام في الطبقة التاسعة، هنا بدأ يضع أول معيار، أن القصيدة بالنظر، وطبعاً في الأخير الأمر تقديري، هناك من سيقول إذا زاد شيئاً كان فحلاً، إذا قال ثلاثاً مثل هذه كان فعلاً، ابن ربيعة مع الراية خلاص، لكن الواحدة العالية لم تكفِ، نريد أن نطمئن إلى القدرة على التكرار وبحسب كل قصيدة، وهذا يعطيك إشارة لو كنت مغرقاً في فنك مخلصاً له.

لماذا لم يقل مثل ذلك في امرئ القيس؟ حقيقة العوالي عندما تبلغ خمساً أصلاً، فهذا يعطيك إشارة إلى مقام هؤلاء الأوائل. انتبهوا، الناس يتعجلون في تقويم الشعراء ويتعجلون في الحط من الشعراء القدماء، يرى شيئاً يعجبه من المعاصرين أو المتأخرين. أنت حينما ترى مثل هذا الكلام يقال في شعراء وفي قصيدة من واحد وثلاثين بيتاً، وتختفي بجوار قصائد النابغة وزهير وابن القيس، فلماذا لم يقل فيه مثلاً إنه ثلاثة فقط أو أربعة أو خمسة؟ لماذا لم يقل فيه ذلك؟ فتتذكر كذلك كلمة جرير: «اتخذ شارا علينا يطؤهما كيف شاء».

ثم هذا الشاعر عنده الثلاثة فقط، «قفا نبكي» وحدها ديوان، لو تأملت «قفا نبكي» بموضوعاتها ورؤوسها وانسجامها وبلاغتها العالية، هي ديوان معلقة النابغة وحدها في دراستها وتصويرها مذهب كبير، لكن تُضرب من القسطرة التي صنعها امرؤ القيس في «قفا نبكي». عملياً على مدى التاريخ، لو كنت تقرأ كتب النقد، هذه القصائد الثلاث هي امرؤ القيس، ولكن فيها من الفن ما صنع هذا الصرح الأدبي كله، ليس فقط عند امرئ القيس بل عند من بعده، فهذا يجعلك تعرف في الدراسة من الذي تقدم ومن الذي تأخر.

قال: «لو قال مثل قصيدته خمس قصائد كان فحلاً»، قلت: فـ «حميد بن ثور» قال: «ليس بفحل» مع أنه في الطبقة الرابعة الإسلامية عند ابن سلام، قلت: فـ «المهلهل» قال: «ليس بفحل»، ولو قال «ابن ربيعة» الزير سالم، المهلهل قال: «ليس بفحل»، ولو قال مثل قوله: «ليلتنا بذي حسنٍ أنيري»، هذه في ثلاثين بيتاً في أمال القالي، لو قال مثل قوله: «ألا بذي حسنٍ أنيري» خمس قصائد كان أفحلهم.

ثم كأنه يجيب عن سؤال: طيب وأين شعره الآخر؟ فأجاب وقال: «وأكثر شعره محمول عليه»، ليقول لك لماذا؟ كأنك تعترض، أو كأنه كما يقولون قدّر سؤالاً وقدّر اعتراضاً: وأين بقية شعره الذي ينسب إليه وقد قال شعراً فعلاً مثل هذه القصيدة؟ لماذا لم يجعله في مرتبة الفحول؟ يقول: لا، هذا محمول عليه وليس له، الذي نعرفه له فقط «ألا بذي حسنٍ أنيري»، ننشدها لكم.

هذه مما هو من درجات الحفظ والطبقات، هناك طبقات شعر، أحفظ الفاتحة منه، هذه القصيدة، هناك قصائد بنظرة واحدة في الديوان أتذكرها كاملة، هناك قصائد نسيت أني حفظتها، سألتني عن الحفظ أقول لك محتملة، لكن إذا رجعتها أتذكر طبعاً. يقول في قضية مقتل أخيه وما كان فيه من أمور:

ليلتنا بذي حسنٍ أنيري *** إذا أنتِ انقضيتِ فلا تحوري فإن يكُ الثناءُ بطالَ ليلٍ *** فقد...

أبكي من الليل القصير، وأنقذني بياض الصبح منها، لقد أنقذت من شر كبير. كأنك واكب الجوزاء، عود معطفه على ربع كثير. كان الجدي في مثنات ربق أسير، أو بمنزله الأسير. كان النجم إذ ولى سحيرا، فصال جل في يوم مطير. كل تشبيه من هذا خطير جدا: "كان النجم إذ ولى سحيرا فصال جل في يوم مطير". كواكبها زواحف لغبات، كأن سماءها بيدي مديري، كواكب ليله طالت وغمت، فهذا الصبح راغمه فغوري.

وتسألني بديلة عن أبيها، ولم تعلم بديلة ما ضميري. فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالثناء بأي يزير، بيوم الشعثمين لقر عينا، وكيف لقاء من تحت القبور؟ وإني قد تركت بواردات بجيرا، في دم مثل العبير ينوء بصدره، والرمح فيه ويخرجه كدب كالبعير. قطعت به بيوت بني عباد، ماذا قال؟ لا قبله ليس قطعته، هتكتبه بيوت بني عباد وبعض القتل أشفى للصدور.

وهمام ابن مرة قد تركنا عليه القشعمين من النسور، على أن ليس عدلاً من كليب إذا طرد اليتيم عن الجزور، على أن ليس عدلاً من كليب إذا رد رضاه من الدبور، على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما ضيم جيران المجيري، على أن ليس عدلاً من كليب إذا خيف المخوف من الثغور، على أن ليس عدلاً من كليب غداه بلابل الأمر الكبير، على أن ليس عدلاً من كليب إذا برزت مخباه الخضور، على أن ليس عدلاً من كليب إذا علنت نجيات الأمور.

فدا لبن الشقيقة يوم جاءوا كأسياد الغاب لجت في زائري، كأن رماحهم أشطان بئر بعيد بين جاليها جروري. فلا وأبي جليله ما أفانا من النعم المؤبد، من بعير ما هربنا لأجل الغنائم، فلا وأبي جليله ما أفانا من النعم المؤبد من بعير، ولكن نهكنا القوم ضربا على الأفواج منهم والنحور. قتيل ما قتيل المرء عمر؟ وجساس ابن مرة ذو ضريري، تركنا الخيل عاكفة عليهم، كأن الخيل تضحك في غديري، كأن غدوه وبني أبينا بجنب عنيزة.

يا مديري، التشبيه أتى به حفيده عمرو بن كلثوم؛ خلاص، تشبيه الرحى بالحرب، نعم، بالرحى، بالضبط. وعنده، وعند ابن أبي سلمى، كركر راحة بتفالها، عندكم في المتحف، في قلعة الجبل، وجبل القلعة أمام جبل التاج. المتحف فيه الرحى القديمة بالضبط بهذا الوصف بالضبط، ينقص فقط رقعة القماش أو الجلد، الثفال يقع بالضبط. لو رأيتموها، أنا أنشر صورتها إن شاء الله؛ حجرا أسطوانيان هكذا، وتضع اللوة هنا، خلاص، وتطحن، ويقع الناس منها. نعم، "كأن غدوه وبني أبينا بجنب عنيزة"، الرحى يا مديري كأنها وهم الحجران.

يا مديري، فلولا الريح، اسمع، أهل حجر صليل البيد تقرع بالذكور. هذه لو قالها الآن أحد، قالوا فحل، ولا يطلبون منه قصيدة أخرى، ليس بفحل، ويحتاج مثلها خمساً ليكون فحلاً. يعني خمسة في مضادات أخرى، مش تقولها خمس مرات، خمس قصائد بهذه الجودة ليكون فحلاً.

قلت: قلت فابو دؤاد؟ قال: صالح، ولم يقل إنه فحل. قلت فالراعي؟ قال: ليس بفحل، وهذا هو الملحق بالثلاثة الإسلاميين، الراعي نعم. كما ألحق الأعشى بالثلاثة، ونص على أن الراعي دون الثلاثة الجاهلية ولم يجعله فحلاً. قلت فالراعي؟ قال: ليس بفحل، نعم. له القصيدة التي يقول فيها: «من لم يروها من أبناء فقد عقنه».

قلت فابن مقبل؟ قال: ليس بفحل. هذا في الطبقة الخامسة من طبقات ابن سلام، والراعي في الطبقة الأولى ومع ذلك ليس بفحل. قال أبو حاتم: وسألت الأصمعي: من أشعر؟ الراعي أم ابن مقبل؟ قال: ما أقربهما. قلت: لا يقنعنا هذا، يعني يطلب منه مزيد بيان. قال: الراعي أشبه شعراً بالقديم وبالأول. هذا النص خطير جدا؛ قال الراعي أشبه شعراً، لأنه سأل ماذا من أشعر؟ فقال ما أقربهما، قلت لا يقنعنا هذا، قال الراعي أشبه شعراً بالقديم وبالأول، فلا يتكلم عن مجرد الشبه الأسلوبي، أتكلم عن المكانة.

وهذا يلتقي في صفحة 24 في ترجيح معاوية لطيف الغنوي؛ قال: هو أشبه بالأولين من زهير. أيضاً يتكلم عن المكانة، يعني حتى الشعراء من الإسلاميين، أو نقد من الإسلاميين، أو في العهد الإسلامي، كمُعاوية وكم ينقل عنهم مثل هذا، يعلمون أن الأولين أشعر. الأمر لم يكن فقط انبهاراً بالأبيات القديمة، كانوا قريبين أصلاً، هذه الزمرة كانت في الجاهلية، لكن هم رأوا الشعر ضعف، لا سيما في العهد الإسلامي، حصل نزول.

انتهينا، خلاص، ننتهي فقط من هذا السطر إن شاء الله. قلت: لا يقنعنا هذا، قال: الراعي أشبه شعراً بالقديم وبالأول. قلت فابن أحمر الباهلي؟ قال: ليس بفحل ولكن دون هؤلاء وفوق طبقته. هذا أورده ابن سلام في الطبقة الثالثة الإسلامية، قال: ولكن هذا استدراك كما صدرك في عدي بن زيد، دون هؤلاء الذين في طبقته، أو هؤلاء وفوق طبقاته، يعني أعلى أحد في طبقته ودون من هو فوقه.

شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.