دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.

توقفنا عند الفقرة السابعة بعد الأربعين، قلت: فابن أحمر الباهلي هذا في الطبقة الثالثة الإسلامية، فابن أحمر الباهلي قال: «ليس بفحل ولكن دون هؤلاء وفوق طبقته»، دون هؤلاء يعني من هم معه أقران في طبقته هو فوقهم، ودون هؤلاء الكبار. قال: «ولكن دون هؤلاء وفوق طبقته»، قال: «وأرى أن مالك بن حريم الهمداني من الفحول».

وأرى أن مالك بن حريم الهمداني منظر كيف أنه حتى من لم يستطع أن يحكم فيه بنفسه، وبشورة كبيرة اعتمد فيه على النقل. وهذا النص أيضًا يدلك على أن الفحولة معنى محدد دقيق عند الأصمعي، وليس يرتبط بشكل عام فقط بالشهرة. قال: «وأرى أن مالك بن حريم الهمداني من الفحول»، قال: «ولو قال ثعلبة بن صعير المازني مثل قصيدته خمساً كان فحلاً».

وفي قصيدة المهلهل قال: «كم ثلاثاً ثلاثاً»، ذلك أن الأمر تقديري في مرتبة القصيدة؛ يعني هم ينظرون إلى مرتبة القصيدة ويقولون: هذه يحتاج مثلها خمساً، وهذه يحتاج مثلها ثلاثاً ليبلغ الفحولة.

قلت: فكعب بن جعيل هذا ذكره ابن سلام في الطبقة الثالثة أيضًا من فحول الشعراء الإسلام، وقال في نسبه: كعب بن جعيل بن قمير بن عجرة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن طالب بن وائل. قال: «شاعر مفلق قديم في أول الإسلام»، أقدم من الأخطل والقطامي، وقد لحق به وكان معهم.

هذا يمكن أن تقول هو شاعر معاوية. لماذا؟ قال ابن قتيبة في «الشعر والشعراء»: قال له يزيد بن معاوية: «إن عبد الرحمن بن حسان قد فضحنا، فاهجوا الأنصار»، فقال له كعب: «أتريد أن تذهب إلى الشرك؟ أتهجو قوماً نصروا رسول الله ﷺ وأباك؟ ولكني أدلك على غلام منا نصراني كافر»، شاعر هو الأخطل.

يعني كانت بداية التعرف إلى الأخطل؛ انظر إلى حاجة بني أمية إلى من يهجو الأنصار. الشعر عندهم كان شديدًا كما قال النبي ﷺ لشعرائه أو لحسان بن ثابت: «اهجهم فهو أشد عليهم من رشق بالنبل». فكذلك العرب الكرام مثل هذا الكلام شديد عليهم إذا خرج من الأكفاء، وإلا فكما قال ابن رشيق: «ما من قبيلة إلا وقد هُجيت»، كثيرًا هاجاه بشر وأراد أن يرد عليه ولم يجبه. وقال بشار: «لو أجابني لكنت أشعر الناس». فقضية الهجاء كانت قضية مطلوبة لو كان من الأكفاء، وانتبهوا: الأكفاء جمع الكفء.

معاوية أو يزيد بن معاوية، قال: «إن عبد الرحمن بن حسان قد فضحنا فاهجوا الأنصار»، فقال له كعب: «أتريد أن تذهب إلى الشرك؟ أتهجو قوماً نصروا رسول الله ﷺ وأباك؟ ولكني أدلك على غلام منا نصراني كافر»، فدله على الأخطل. وقال المرزباني في «معجم الشعراء»: هو شاعر معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام. تعرفون كانت العراق تمثل المناصرين لأهل البيت عليهم السلام، وكانت الشام تمثل المناصرين لبني أمية.

فدله على الأخطل، قال المرزباني: هو شاعر معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام، يمدحهم ويرد عنهم ويرثي موتاهم، ويذم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وشل لسان تعرض لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام شل لسانه، ويذم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وشهد مع معاوية صفين وفخر بذلك في أشعاره.

قلت: وقد جمع شعره خليل مردم بك بعنوان «شاعر معاوية»، كعب بن جعيل قال: «أظنه من الفحول ولا أستيقن»، هذا الكلام يدلك على ماذا؟ على أن الفحولة أمر قياسي اختباري، لا يتعلق بشهرة أو عدم شهرة. «أظنه من الفحول»، كأنه يقول: أنا لا أذكر، لو كنت تعرضت لبعض شعره أو قرأت شعراً له هل هو له أو لا، «أظنه من الفحول ولا أستيقن»، إنه لا يتذكر ما قرأ.

رأيتم هذه الدقة؟ إذًا هناك وصف في الفحولة ودقة في الفحولة تحتاج إلى توثيق، وهي معيار دقيق؛ ليس فلان هذا شاعر كبير، أو فلان هذا شاعر معروف الكل يعجب به، هذا كلام لا يجدي، يأتون لنا ويستعملون إرهاب الشهرة: فلان هذا نحبه، ولا تعرف ماذا قال؟ ومن استقبله؟ كل هذا ولا شيء، أرني شعره! «أظنه من الفحول ولا أستيقن»، وهو شاعر معاوية.

قلت: فجرير تكلمنا فيها عندما قال: «أجله مزية كما جاء الفحل على الحقاق». وقلنا أمورًا، أنا أيضًا هذه القضية تدرس، أصلاً ما زالت تدرس: مشكلة الفحول عند الأصمعي، معيارها الشديد أنه نفى الفحول عن بعض من نص عليهم ابن سلام، هذه قضية كبيرة أصلاً. لم يسمى كتابه «الطبقات» بل «فحول الشعراء»، هو كتاب اسمه «طبقات الشعراء»، الذي قال إن محمود شاكر كان يطبع قبله بـ «طبقات الشعراء»، لكن هو أراد أن يجمع الشعراء الكبار الفحول كما قرر ذلك شاكر، ويقول لأن الشعراء الكبار بعد ذلك لم يخرجوا عن هؤلاء، فهذه طبقات الفحول.

أو كما قال شاكر رحمه الله: قلنا هناك مزية، نظرنا في الفحل ما هو؟ قيادة وقوة ومرجعية، لأن الفحل يؤخذ منه النسل. فالشعراء الذين هم قادوا -بالمناسبة إن أخبركم بشيء من أظنه أبا عمرو بن العلاء يقول- إنك لا ترى هذا، مما يؤيد هذه الفكرة. طبعًا الدارس يربط الأمور ببعضها، يقول: إنك ترى الأعشى على كثرة شعره لا ترى له بيتاً يقتدى به أو سائراً.

الكلام الفارق جيد، وشاعر كبير، لكن كأنه يقول ليس قائداً في باب. في حين قلت لكم: لا، أنا سرقت عليكم الأطلال، والمجون أو اللهو، وذكر الليل، والصيد، وذكر السحاب والبرق، كل باب منهم رقص قائد فيه، وهي الأبواب الخمسة في القصيدة الواحدة. رأيت من هو قائد في قصيدة في خمسة أبواب في قصيدة واحدة. القاعدة أن يكون مرجعاً، يعني يأتي بجديد، يكون به مرجعاً، وليس جديداً يعني تأتي بجديد المعاني، تأتي بالإحسان، وانتبهوا إلى هذا، هذه نقطة مهمة، انتبهوا إلى هذا الكمين.

هذا الشرك لما يمدحون الشعر بأنه أتى بمعنى جديد؛ تظنون أن القدماء مدحوه بأنه أتى بمعنى جديد للمعنى الجديد؟ لا، هو لماذا مدح الشاعر القديم بالمعنى الجديد أنه نسج فيه على غير من والي سابق فأحسن النظم.

لماذا أنت حينما تستعمل معنى موجودًا، أنت رأيت فيه تراكيب ورايت فيه صورًا ورايت فيه كذا، لاحظت فيه فوق ملاحظة غيرك فأحسنت النظم؟ الذي يأتي بمعنى جديد يكون فوق أنه مطالب بأن يكون المعنى حسنًا في ذاته وشريفًا في ذاته، يكون مطالبًا بتحقيق شرف المعنى عن طريق اللغة، يأتي على غير مثال سابق.

ولهذا تميز امرؤ القيس على خلاف العادة بابتداءات ناضجة، ولهذا لما سألوا حماد الراوي عنه -وترون هذا في كتاب ألفه الدكتور المغربي حسين زروق اسمه مرويات حماد الراوي في النقد، وهذا نص له في الأغاني موجود لما سئل عن امرئ القيس وعن الشعراء- فقال: «ماذا أقول في امرئ القيس؟ ماذا أقول؟ ابتدأ بإحسان، والناس بعده له تبع لا يلحقونه».

يعني ابتدأ بإحسان خلاف العادة. دائمًا يقولون له فضل الصدق، يعني إيش فضل الصدق لفلان؟ قد أحسن وأحسن وأحسن، ولكن هذا الأول، انظر إلى الطائرة، الطائرة 380 الفخمة والضخمة، ماذا يأتي بجوارها الآن؟ طائرة عباس بن فرناس، أو أول طائرة هذه الشراعية الكرتونية الورقية، أي شيء خلاص التي مات بسببها كثير، لا شيء، الأولى لا شيء. هذه الفكرة مجردة وهذا الفن العالي، ولكن هذه يبقى لها الصدق، هي جاءت على غير مثال سابق فتظل تُحمد صاحب هذه الفكرة الذي ابتكرها.

وإن أتيت الآن بأخبر طيار على وجه الأرض، لن يكون شيئًا بجوار صاحب الفكرة الأولى، هو الفيلسوف هو المفكر هو الرياضي هو العالم والفيزيائي هو أي شيء كانت مكانته، خلاص، لكن هذا الطيار عنده تحكمات وعنده أمور، لكن هو لا يحمل فكرة ولا يبلغ شيئًا في الأول، لكن الوضع مختلف؛ المعنى في الشاعر لهم فضل وكذا، ويبقى للأول فضل الصدق.

امرؤ القيس خالف القاعدة ابتدأ بإحسان، يعني المعاني التي ابتدأها امرؤ القيس بلغ فيها ذروة من الإحسان جعلت الشعراء يحاولون إلحاقه ولا يستطيعون مع أنه ابتدأها، ولهذا قال حماد الراوي: «ماذا أقول؟ ابتدأ بإحسان، والناس بعده له تبع لا يلحقونه». فهمت؟ هذا أشبهه في مجال العلوم الإسلامية أو الفقه بأبي حنيفة، هو ليس مبتدئًا تمامًا لكنه مبتدئ إناضج الفقه، وابتدأ بإحسان والناس له تبع لا يلحقونه.

اقرأ الآن كتاب الرسالة للإمام الشافعي رضي الله عنه، واقرأ كتاب المحصول للرازي في أصول الفقه، انظر فرقة التشعيب والتدقيق وفلسفة العلم كيف كانت مطبوعة في صورتها الأولى عند الإمام الشافعي حتى تستغرب هل هذا الكتاب في أصول الفقه؟ ثم تراها متشعبة، ولكن يبقى أن الإمام الشافعي استخرجها من عدم، ويبقى أنك لا تدقق في شيء منها إلا وجدت وراءهما في كتب المتكلمين في الأصول.

القرآن لأنه النمط جديد ولم يكن بالضبط هذه المعاني، غالبًا لم تكن عندكم أو كانت عند أهل الكتاب القريبين، ليست عند القرشيين. نعم هذا وجه وليس هو الوجه، الوجه هو النص نفسه. جرير والفرزدق والأخطل، قالها هؤلاء لو كانوا في الجاهلية كان لهم شأن، ولا أقول فيهم شيئًا لأنهم إسلاميون، هذه نقطة خطيرة ومهمة.

هو ذكر فيمن هم دون جدوى أنهم فحول، وانتبهوا إلى أن هذه النقولات عن الأصمعي في أوقات متأخرة أو متفرقة متباينة، فالمقامات تختلف. جرير والفرزدق والأخطل، في هذه الكلمة نراه يثبت قوة قريبة تجعلهم طاب قوسين أو أدنى من الجاهليين. البعض قد يفهم من ذلك أنه لا يقول فيهم شيئًا، يعني لا يعطيهم حكمًا من الفحولة، وهذا خلاف الواقع لو جمعتم من النصوص الأخرى حول هذا الأمر لانتبهتم إلى ذلك.

لو جمعتم النصوص الأخرى التي قالوها في مثل هؤلاء، بل في من دونهم كأبي نواس ممن يقتدي بهم، كأبي نواس وبشر، وجدتم أنه يعظم هؤلاء الشعراء، لكن هو هنا كأنه كان في هذا السياق يتكلم عن المرتبة العليا، مرتبة الجاهليين، والناس يفهمون هنا أنه لن ينصفهم لأنهم ليسوا جاهليين، وهذا غير صحيح. وسياتي مثل هذا في كلام أبي عمرو بن العلاء عن الأخطل، هو الذي رأى من حال شعرهم جعله يجزم أنهم بهذه القرائح لو كانوا في البيئة الجاهلية ولو توفر لهم ما توفر للجاهليين لكانوا في الجاهلية الطبقة الأولى.

يعني يقول هؤلاء بهذه القريحة الشاعرة لو كانوا في الجاهلية لكان ربما زهير أو كان من القيس أو كان النابغة، لكن القضية ليست قضية قريحة فقط، عندك مكونات أخرى كثيرة. تكلمت من قبل عن قضية المثلث الشاعر، وهذه الكلمة كما قلت فُهمت على الوجه الغلط أنه لا يقول لأنهم إسلاميون، لا، يريد أن يقول إنه لا يقول فيهم ما يقول في هؤلاء القدماء، ولكن لو كانوا في الجاهلية كان لهم شأن آخر.

هذه الكلمة ستأتي معنا في الأخطل، يقول أبو عمرو بن العلاء: «لو أدرك الأخطل من الجاهلية يومًا واحدًا ما قدمت عليه جاهليًا ولا إسلاميًا»، كأنه يقول لو وقع في الجاهلية ما قدمت عليه، بما رأيته من شأنه، كان فقط يحتاج إلى صفاء الجاهلية في الشعر ليكون شأنه كذا وكذا. فلننتبه إلى مثل هذه العبارات؛ لأن القدماء يختصرون في الكلام شديدًا ويعتمدون على كثير من المقدرات في رأس المخاطب.

بعض العلماء المتأخرين ممن يشكل كلامهم، بسبب هذا أنهم يتكلمون على معهودات يفترضون تحققها، بعضهم يتعمد هذا الإضمار وهذا التقدير حتى يشكل على الناس وحتى يخرج من العلم ليس منهم، وبعضهم جرت عادته بهذا، الذي يمارس العلم بكثرة تصير عنده معهودات. كما مر معنا، ما علمت أحدًا قدم أحدًا على النبي الذبياني قطعًا، لا يريد أنه قدمه على الحقيقة، لكن كان هناك معهود يستعمله، فلما رآه يكتب، فلا يكتب في الأول القيصر، فالوضع هنا وضع تسجيل وأرشفة فلا بد أن يكتب كل شيء على ترتيبه الطبيعي، لا على عرف موجود، بل على ترتيبه المطلق.

هذا السياق واضح أنه كان إنما يتحدث عن شأن طبقة الجاهليين؛ لأن هؤلاء النقاد، كأبي عمرو، عندهم نصوص أخرى صريحة في جرير والفرزدق والأخطل، ربما يمر بعضها معنا هنا. هي نصوص صريحة في هؤلاء وفي من دون هؤلاء.

هذا كتاب مهم، الدكتور عبد الحكيم راضي، له كتاب اسمه "النقد العربي والشعر المحدث في العصر العباسي". هذا الكتاب صغير لكنه خطير ومهم جداً، وفيه نصوص كثيرة. هو يفند أو يفند الظن حول الأصمعي وأبي عمرو أنهم لا يعتبرون إلا الجاهليين. مشكلتنا في قراءة هذه النصوص أنه تكون عندنا فكرة ثم نبحث عما يؤيدها، وهذه المشكلات وقعت الآن.

يبين لك هذا الكتاب شيئاً خطيراً ومهماً جداً، وهو أن الفكرة تكون حاضرة عند المحدثين الآن فيبحث لها عن نصوص تؤيدها ويغفل سائر النصوص. من أين أتوا بذلك؟ من المستشرقين؛ فالمستشرق قراءته جزئية، يأتي ويكون تصور بدق فهمه للأدب العربي فانت تتلقف منه هذا وتذهب لتؤيد، لا؛ فأبو عمرو والأصمعي يروون شعر أبي نواس، ويذهبون لزيارة بشار وهؤلاء دون جيل، فلا بد أن نفهم هذا الكلام في سياقه؛ فهو لا ينفي الفحولة ولا يقول شيئاً لا يعرفه، بل هناك نصوص أخرى قال عنهم وعن من دونهم.

فلا يمكن أن يفهم من ذلك أنه لا يقول في العباسيين ونحو ذلك أو في الإسلاميين. إذا أردت أن تستنبط موقفاً للنقاد من شيء ما أو مسألة ما، فالأصل أنك تستقرئ كل ما بين يديك من التراث بحثاً عن هذه المسألة. تقول لا أقدر، إذا أنت غير ملزم أمام الله وأمام المجتمع بإخراج هذا البحث، لكن لابد أن تبحث في الموضوع.

قال أبو حاتم: «وكنت أسمعه يفضل جريراً على الفرزدق كثيراً، فقلت له يوم دخل عليه عصام بن الفيح يوم دخل عليه عصام بن الفيح: إني أريد أن أسألك عن شيء ولو أن عصاماً يعلمه من قبلك لم أسألك، ثم قلت: سمعتك تفضل جريراً على الفرزدق غير مرة، فما تقول فيهما وفي الأخطل؟ فأطرق ساعة، ثم أنشد بيتاً من قصيدته: لَعَمْرِي لَقَدْ أَسْرَيْتَ لا لَيْلَ عاجِزٌ... بساهمه الخدين طاوية القرب، فأنشد أبياتاً زهاء العشرة، ثم قال: مَنْ قال لك إن في الدنيا أحداً قال مثلها قبله ولا بعده، فلا تصدقه».

وهذا أيضاً يدلنا على أنها أحكام لا يمكن أن نأخذها على ظاهر لفظها، يعني لا يطلق فيغير رأيه فيه، هو يقول لك نعم هو كذا وكذا، ولكن فلان هذا له أحكام وله شعر. ثم قال أبو حاتم: «سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: لو أدرك الأخطل من الجاهلية يوماً واحداً ما قدمت عليه جاهلياً ولا إسلامياً». ومن السذاجة أن نفسر ذلك بأنه يصرح بأن الفضل للزمان محضاً، أكيد لا يوجد ناقد أو عالم سيصرح بهذا المعنى؛ قوله "لو أدرك الأخطل من الجاهلية يوماً واحداً ما قدمت عليه أحداً" يعني أن قريحته من التكون والشدة وكذا، ما لو لاقت شيئاً من صفاء الجاهلية ما قدمت عليه أحداً.

ثم قال الأصمعي: «أنشدت أبا عمرو بن العلاء شعراً فقال: ما يطيق هذا من الإسلاميين أحد ولا الأخطل». ويضرب به المثل في الإجابة، وهذه العبارة أيضاً فيها إشادة بشعر من الجاهليين، يقول: "لا يطيق هذا من الإسلاميين أحد ولا الأخطل"، يعني أقول لك هذا شأن الجاهليين، هذه لا يقدر لها أحد من الإسلاميين، فيبقى شأن من شأن الجاهلية، فهو يرفع شأن الجاهليين.

قال أبو حاتم: «وسألته عن الأغلب، الأغلب العجل، هذا في الطبقة التاسعة الإسلامية، أفحل هو من الرجال؟ فقال: ليس بفحل ولا مفلح، وقد أعيا شعره». لماذا أعياه شعره؟ الأغلب العجل من الرجاز، والرجاز هم شعراء إسلاميون، هناك طبقة الرجاز؛ فالأغلب العجل، وأبو النجم العجلي، ورؤبة بن العجاج، وعبد الله بن رُبَيّة، هؤلاء الأربعة هم طبقة الرجال، إذا أرجعت إلى "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام ستجد طبقة الرجاز. هؤلاء الشعراء يغلب فيهم أن يكونوا إسلاميين أو مخضرمين من الرجاز على وجه الجملة.

ما الذي يفسد الرجز عن غيره؟ الرجز عند القدماء ليس من الشعر، الرجز عند العلماء من البحور التي يرتجزون عليها الكلام، وفيه معنى الحركة المنتظمة والاضطراب، ولهذا أبو العلاء المعري وبعض القدماء يطلقون الرجز على كل منهوك أو كل مشطور، أي كل بحر طويل كالكامل والوافر إذا أجزأت منه أو نهجته يصير من الرجز. أي شيء يسرع به الكلام يصير من الرجز، وتسمعون في السيرة كثيراً أن النسوة كن يخرجن يرتجزن حول الإبل، والنبي ﷺ حينما قال: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، لم يكن شاعراً لأن هذا رجز لا يعدونه شعراً، فضلاً عنه بيت واحد. فالرجز كان نوعاً من الأوزان يقال عليه الكلام ارتجالاً، وما يقابله أحياناً هو الشعر وأحياناً يقابله القريض. لماذا القريض؟ انظر إلى المقابلة بين القريض والرجز، القريض جاء على أحد التفسيرين من "قرض الشعر"، أي قطعه.

لأنك لا تأخذ الكلام كتلة واحدة، ولا ترتجزه ارتجازاً ولا ترتجله ارتجالاً، وإنما تقرض الكلام؛ أي تأخذ من الكلام شيئاً فشيئاً.

وسمي القصيد قصيدة على بعض الأقوال؛ لأنه من قصد الحراب، وقصد القناة، لأن القناة التي في الحرب تكون مقسمة كالسكر، وكالبوص في أي بلد، أو شجر البامبو؛ شفت البامبو؟ خرزان يكون له عقل، هذه العقل والفقرات متساوية، فسميت القصيدة هكذا من القصد، يعني من القطع.

والعروض، والقريد قريضاً من جهة صناعته؛ لأنك تقرض الكلام قرضاً، يعني تأخذ منه شيئاً فشيئاً، تبني الكلام بحرص ولست ترتجزه ارتجالاً، هكذا لا تهدر بالكلام هدراً. فالرجز ليس من عزيمة الشارع عند العرب في الكلام؛ الرجز مما تضع به الكلام وضعاً، هكذا قطعة واحدة.

ووقع الخلاف في هل الرجز هو أصل البحور؟ جاء الرجز ثم خرجت منه البحور بالتطوير، هذا قال به بعض المستشرقين. والقول الآخر المستقر الذي يعرف وهو أقرب إلى المنطق، أن الرجز يوازي وهو أقدم البحور؛ يعني هو نوع من الاتزان للكلام، أرادوا أن يضفوا عليه شيئاً من الإيقاعية، ولهذا البعض يعده نفراً أصلاً ليس من الشعر، لا، شوف حتى الرجز البعض يعده نفراً وليس من الشعر، ولما أرادوا الفن الشعري ابتكروا الأوزان الأخرى موازية في الابتكار، أي ابتكاراً جديداً، وليست أنها خرجت من رحم الرجز كما قال بعض المستشرقين.

وهو حمار الشعراء؛ لأنه كل المنظومات العلمية تنظم عليه، ألفية ابن مالك، وألفية العراقي، وألفية السيوطي، وألفية حمار العلماء أو في عمر الفقهاء، كل يريد أن يكون شيئاً يرجز، والأصل في الرجز -انتبهوا- الأصل في الرجز أن الشطر هو البيت.

هذا الموجود بين أيديكم الآن اسمه المزدوج؛ يعني ألفية ابن مالك، إذا قلت إنها ألف بيت، لا هي ألفان، فلو قلت مثلاً إنها ألف بيت هي مختلفة طبعاً، لكن هي ألفان، اضرب في اثنين لأن الشطر بيت، والشطر بيت. فماذا فعلوا حتى يسهلوا النظم عليه؟ هذا من أفعال المتأخرين في المجالات العلمية، ماذا فعلوا؟ جعلوا كل بيتين على قافية، ولهذا قالوا في الرجز: كل بيت قصيدة، يعني كله شطرين قصيدة، باعتبار الأصل.

قال محمد هو ابن مالك: «أحمد رب الله خير مالكِ».. قطعة مستقلة رسمتها، إذا سميتها القصيدة، إلى هذه القصيدة الأصل؛ قال محمد هو ابن مالك، هذا بيت تأتي القصيدة كلها على الكاف بالأشطار، تفتحون بعض الدوام ترون شطراً واحداً في المنتصف هكذا، هذا الرجز، هذا أصله ماذا فعلوا؟ رفعوا البيت الثاني بجوار الأول وجعلوه على قافيته، ورفعوا الرابعة بجوار الثالث، والسادس بجوار الخامس، ليجعلوها على هذه الهيئة، فجعلوا لكل بيت قافية، وكل بيت يتكون من بيتين، فهو قطعة شعرية مستقلة، أو كان يقول البعض القصيدة مستقلة.

قال محمد هو ابن مالك: «أحمد رب الله خير مالكِ.. مصلياً على النبي المصطفى.. وآله المستكن الشرفِ». هذه أربعة أبيات، يعني هذا هو بحر الرجز، هذه مساحته.

ما الذي حصل؟ جاء بعض المتأخرين، وتسمعون عبارة «قصدوا الرجز»، ما معنى قصدوا الرجز؟ جعلوا القصيد رجزاً. يأتي في المعاني المرسلة، ولا يأتي على طريقة العرب في ذكر الأطلال والبكاء عليها أو الضعائن أو كانت مكان المطالع، ثم انتقل إلى موضوع ثانٍ وموضوع ثالث. الرجز لا يتحمل هذا لأنه صاخب، يدل على المعنى بإيقاعه، وكلما قصر البحر ودل على المعنى بالإيقاع قلل ذلك من قيمة النظم، يعني سحب من طاقة النظم؛ لماذا؟ لأنه صار يدل بالصوت لا بالمعاني.

ولهذا أوقر البحور وأصعبها بحر الطويل، لأنه ملك البحور. لماذا دكتور عبد الله الطيب يقول لك ليس له نغم؟ أقاله له نغم، ونغم شديد، ولكن يتوارى نغمه وراء المعاني، فهو بحر فاضح، بحر فاضح، أرني قدرتك. بحر الحكاية مفصل يشغلك بمكان كبير، يحتاج إلى أن تملأ المعنى بتفاصيله، ثم هو بحر ثنائي التفعيلة، يعني يأتي بتفعيلة وتفعيلة وتتكرر، هو بحر لا يقبل هذا، هذا بحر وقور، فلذلك ترى القصائد العوالي الفخمة التفصيلية تراها على هذا البحر، أو يغلب أن تراها أكثر بحر نظم عليه من القصائد الفحول الجاهلية. كثرت البحور الأخرى والمنهوكة من هذه البحور، والأراجيز كثرت في المتأخرين، فجاء بعض الرجاز وأرادوا أن يقصدوا الرجز، فحصل هذا النوع من الغرابة الجديدة.

وهذا أحد الوجهين في قوله: «أعياني شعره»، لماذا؟ لأنه قصد أو نظمه على هيئة القصيد، ومن المحتمل أن يكون أعياه تخليصه، كما سيأتي أنه ضاع منه الكثير وأضاف أولاده إلى شعره، وهكذا فأعياه تخليصه، والوجهان محتملان. أغلب كان من الذين قصدوا، قيل في الأغلب وقيل في غيره، وحرر ذلك، ربما إن شاء الله إذا شرحته أبينه وأحرره في كتاب العمدة إن شاء الله.

لا، المزدوج هو فنون متأخرة ارتكبوها لتسهيل الحفظ في الرجز وليضعوا الأشياء العلمية، وهو نوع من التفنن، واضح؟ المزدوج هو بالضبط أن جعل كل شطرين كالبيت في القصيد، وجعلوا القافية هنا هي القافية هنا، يوحد القافية وغيره في الثانية، كألفية ابن مالك وكأغلب المنظومات العلمية المعروفة. واضح؟ كل بيت مستقل عن الثاني، نعم، هم احتاجوا إلى هذا لماذا؟ كما قالوا حمار الشعراء، ولما كان ممتهناً أصلاً، ليس شعراً، ليس قريباً، سهل اللعب به، قالوا طيب، لماذا لا نجعل -حتى لا نلزم أنفسنا بقافية واحدة- يعني لو ألفية ابن مالك لو كانت ألف بيت أو ألفي بيت سيكون عندك ألفان على الكاف، وأنت تنظم علمياً يعني لا تحتاج إلى هذه، لا تحتاج إلى أكثر من الحفظ، الإيقاع لا قيمة شعرية له في المنظومات العلمية.

إياك أن تسمع منظومة شعرية في كذا، هذا جهل، أجد بعض المشايخ كبار: منظومة شعرية في كذا، قصيدة في كذا، منظومة. القصيدة ممكن، لكن منظومة شعرية؟ منظومة! يقول لك هذا متن شعري في كذا، يعني لا متن نظمي منظوم. خلاص، فماذا؟ فاستهانوا فيه، لماذا نلزم أنفسنا بالكاف؟ نلزم أنفسنا فقط في كل بيتين، الذي هو بمقام بيت واحد في الحقيقة، يعني البحر الرجز البيت الواحد بمقام شطر في القصيد.

خلاص، فقال محمد هو ابن مالك: «أحمد رب الله خير مالكِ.. مصلياً على النبي المصطفى.. وآله المستكن الشرفِ.. واستعين الله في ألفية مقاصدِ». أعطتهم حرية كبيرة، فلم يلتزموا قافية، التزموها فقط في كل بيتين من الألفين، والغرض أن تحفظ ليس أكثر، لا يعد شعراً، إياك أن تقول هذا شعر.

وقد قال لي مرة أبو حاتم، يعني الأصمعي: «ما أروي للأغلب إلا اثنتين ونصف، قصتين ونصف»، قلت: كيف؟ قال: «أعرف له اثنتين وكنت أروي نصفاً من التي على الكاف، فطولوها».

ثم قال: كان ولده يزيدون في شعره حتى أفسدوها. لاحظ كيف أنه أدرك الفساد الذي يزيد في شعره؛ لأنه حصل بدخول غيره فيه، لم يخفَ عليه شعرهم من شعره، رأيتم الفكرة؟

قال أبو حاتم: وطلب منه إسحاق بن العباس رجز الأغلب، فطلبه مني فأعرتُه إياه. إسماعيل طلبه منه فأعرتُه إياه، فأخرج منها نحو عشرين، فقلت: ألم تزعم أنك لا تعرف إلا اثنتين ونصف؟ قال: بلى، ولكنني انتقيت ما أعرف، فإن لم يكن له فهو لغيره ممن هو ثبت أو ثقة.

هنا تبرز قضية الاهتمام بالقصيدة؛ هو طلب منه إسحاق بن العباس رجز الأغلب الذي قال الأصمعي لتلميذه: «احفظ منه قصيدتين ونصف». جاء الأصمعي وطلبه من أبي حاتم فأعاره إياه، فأخرج منه عشرين، فقال له: أنت زعمت أنك لا تعرف له إلا اثنتين ونصفًا، فقال: بلى، ولكنني انتقيت ما أعرفه.

يعني القصائد التي تعرفها والتي لها اعتبار فني ولها جودة، فإن لم يكن له فهو لغيره ممن هو ثبت أو ثقة. هذه قصائد لرجاز حقيقيين لكبار معروفة، فإن لم تكن الأغلب تروى للأغلب، حتى في الديوان الذي معك، فإن لم تكن له فهي لغيره ممن هو ثبت أو ثقة؛ فلا حاجة، لأنهم كانوا أيضًا يطلبون الرجز لأجل اللغة التي فيه، فهي من هؤلاء الذين تروى عنهم اللغة.

قال أبو حاتم: وكان أروى الناس للرجز الأصمعي. قال أبو حاتم: سمعت مرة نجرانيًا قطافًا من نواحي خراسان، فسأله النجراني الأصمعي فقال: أخبرني فلان بالري أنك تروي اثنتي عشرة ألف أرجوزة؟ قال: نعم، أربع عشرة ألف أرجوزة أحفظها. فتعجب، فقال له: أكثرها قصار؟ قلت: اجعلها بيتًا بيتًا. يعني قال يا قصيرها، أأربعة عشر ألف بيت تحفظ أيضًا؟

المفضليات كلها كم؟ لا، 130 قصيدة، لكن أذكر الموجود من عند المفضليات الآن. لابد أن تفتح المفضليات، سترى في تحقيق المقدمة؛ أحمد شاكر وعبد السلام هارون جاءا بإعداد المفضليات والأصمعيات وأبي زيد القرشي، وهذه كلها لتبلغ 10,000 أو 6,000. هذا الـ 14 ألف بيت لو كان بالأبيات، طبعًا الأصمعي لم يكن ليحفظها قطعًا، كان هناك قطعة من عمره مستمرة أو متقطعة يجلس وينظر ويعمل ويكرر قطعًا. فأنا أشير إلى هذه الأشياء حتى تفهموا خطورة هذا الباب.

قال الأصمعي، وقال خلف أيضًا: «إنما أعيان الشعر الأغلب». قال خلف: «فكان من ولده إنسان يصدق في الحديث والروايات ويكذب عليه في شعره». هذا مما يؤيد أنه تخليصه أعيان يشاله في التخليص. قال خلف: «فكان من ولده إنسان»، كلمة إنسان تشعرك أنه يريد أن يعرج عليه بالغلط، فكان من ولده إنسان يصدق في الحديث والروايات، ويكذب عليه في شعره.

قال: حاتم الطائي. حاتم الطائي هو الشاعر الكبير المعروف، وهنا ابن قتيبة يقول: «وكان جوادًا شاعرًا جيد الشاعر». انظر إلى الفرق هنا، هذه نقطة. لماذا ابن قتيبة قال: «وكان جوادًا شاعرًا جيد الشاعر»؟ انظر إلى الفرق بين ابن قتيبة والأصمعي في الحكم لتعرف أنه من الضروري حينما تقرأ كلام الناس عن الشعراء أن تفهم من المتكلم، وأن تفهم مقامات الكلام.

يأتي البعض، مثل الذين يذكرون الشعراء في مجالسهم، يقول: هذا شاعر كبير، وهو يقول شاعر كبير. آخر هذا لا شك بالنسبة للمجتمع شاعر، لكن هنا الأعشى ليس فحلًا، وهنا الفرسان ليسوا شعراء، انظر إلى طريقة التعبير. التعبير هو تعبير ابن قتيبة، وهو كان يكتب كتابه «الشعر والشعراء» للكتاب، حتى ذكر مجنون ليلى وكذا للكتاب، ولم يذكر غيره، والبعض أصلًا مر على المجنون لم يذكره شاعرًا ولم يعبأ به شاعرًا. رأيتم؟ هذا يعلمك أن تنظر إلى مقام الكلام ومقام المتكلم.

فانظر هنا إلى الفرق بين ابن قتيبة والأصمعي في التعبير. فحين يتكلم في الشعر رجل من أهل الشريعة، أو من أهل النحو والصرف، هو لا يهمه إلا أنه أعجبه أو أن الرجل معروف، فيقول لك هذا شاعر كبير. الألفاظ من غير المتخصصين سهلة، أما المتخصص لابد أن يراعي ألفاظه وعباراته.

فيقول عن حاتم الطائي: «إنما يعد بالكرم»، ولم يقل إنه فحل. يعني هو شاعر، لكن حتى لم يتعرض لكونه شاعرًا، نظر فقط إلى شدة شهرته؛ حاتم الطائي يعد بالكرم، أي ما تراه من الشهرة لكرمه وسيرته. الشعر كلام آخر، حتى مجنون ليلى، شعره رقيق، شعره عادي، شعره سليم، لكن شهرته التاريخية العظيمة تجعله أشهر شخص عند العامة من شعراء العرب لأجل العذر والغرام والمعاني والقصة، لكنه لا يبلغ أن يكون شاعرًا فحلًا، ولا أن يكون شاعرًا يقارب حتى الفحول أو المجيدين.

فهنا يقول: يعد بالكرم، والآخر المجنون يذكر بالعشق والهوى والنسيب، ولم يقل إنه فحل. نلاحظ هنا يا إخوة من طريقة الأصمعي شيئًا مهمًا، أنه إما أن ينفي الفحول باللفظ مباشرة، وإما أن يذكر صفة يفهم منها النفي.

الفحولة؛ رأيتم يفهم منها نفي الفحولة، لكن ليس شرطاً أن يقول ليس بفحل هكذا كالباقين. يمكن أن ترجع ذلك إلى اجتهاد الصفة، يعني لو كان الآخر مشهوراً بصفة هي التي اشتبه فيها الأمر بالشعر؛ يقول هو كذا، هو من الفرسان، هو من الأجواد، وهكذا، فيعني ذلك أنه ليس كفحل.

قلت: فمعقر البارقي حليف بني نمير، قال: «لو أتم خمساً أو ستاً كان فحلاً». ثم قال: «لم أرَ أقل شعراً من كلب وشيبان». قلت: فأبو ذئب الهذلي؟ قال: «فحل». وعينيتُه الخطيرة، ومن المنون وريدها تتوجع، خطيرة جداً قصيدة؛ الكل تحت العرش في السماء فوق العرب، تحت العرش، طويلة يا مولانا طويلة وسنستفيض معها، طويلة. قلت: فأبو ذئب؟ لكن هي مشهورة ندرجها لكم.

قلت: فأبو ذئب الهذلي؟ قال: «فحل». قلت: فساعد بن جوية؟ هذا مصدر الأبيات، وذئيب وأبو ذئب كانا راويين لشعره. وحتى عبارة: «والدهر لا يبقى على حدثانه» عبارة ساعدة بن جوية، أصلاً الآن لا يعرفها أحد إلا لي، لكن هي عبارة ساعدة بن جوية، وأبو ذئب راويه وتلميذه.

قلت: فأبو خراش الهذلي؟ قال: «فحل». أبو خراش شاعر فحل من شعراء المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم، وعاش بعد النبي ﷺ مدة، ومات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نعشته أفعى فمات. وكان ممن يعدو فيسبق الخيل في غارات قومه وحروبهم.

بين من يراه غريباً، لا يحب، في شعره محشور بالغريب والمعاني الغامضة. شوف يا سيدي، البديع والاستعارات وتكلفها، لكن في الأخير شعره أكبر من أن يسقط بمثل ما أكثر منه، فهمت هذا؟ يعني لا تخلو له قصيدة من أبيات تعاب، لكن لم يسقطوه شاعراً، بل شاعر عظيم فحل كبير.

أبو تمام أخذوه بأشياء كثيرة، لكن لم تبلغ أن تسقط، حتى هذا؛ شعره مليء بكذا، لكن لا يسقط شعره. هو خلاص شاعر ثابت قوي، مهما أكثر من شيء وكذا، هذا لا يسقطهم إذا ثبتت شاعريته وثبتت شعرية نصوصه وتضخم ديوانه عن السقوط. من يتجاوز قضية أنك خلاص لست بشاعر أو شاعرك ليس بجيد، فهل هو خلاص مر من هذه العبة؟ بعد ذلك بما تشاء. أنت لو عبت أبا تمام ببيتين في البائية أو بثلاثة أبيات في البائية مثلاً تكلف فيها البديع، انظر في كم بيت، وانظر إلى حجمها وبلاغة سائر الأبيات الأخرى، مستحيل أن تسقطه بإعادة هذين البيتين.

قال: «فأعشى همدان»؛ طبعاً تنتبهون، لابد أن تقول أعشى همدان، لأن عندك أعشى همدان وعندك الأعشى، أعشى لأبي بصير، أعشى الجاهلي، يعني هنا لابد أن تقول الأعشى الهمداني أو أعشى بني همدان، لتميزه عن الأعشى الباهلي الآخر. قال: «فأعشى»، قلت: فأعشى همدان؟ قال: هو من الفحول وهو إسلامي كثير الشعر.

ثم قال: «والعجب أو العجب من ابن داب حين يزعم أن الأعشى قال: من دعا لي غزيلٌ، أربح الله تجارته، وخضابٌ بكفه أسود اللون قارطُ». ثم قال: يعني الأصمعي سبحان الله، يحذف الألف التي قبل الهاء في اسم الله عز وجل؛ لأنه الله خلاص، وهنا تعرفون أنه الذين صنفوا الكتاب كان ينبغي أن يكتبوه بدون علامة الألف: «أن أربح الله»، ويسكن الهاء. قال: «ويسكن الهاء»، يعني سبحان الله يحذف الألف التي قبل الهاء في اسم الله عز وجل ويسكن الهاء ويرفع تجارته، ثم يجوز هذا عنه، يعني ينقل هذا عنه ويروى عن مثله.

يتعجب، يعني كل هذا وترويه عن أعشى همدان؟ يقال: «من دعا لي غزيل، أربح الله تجارته»، وتروي عن أعشى همدان؟ قال: ثم يجوز، يعني ينقل هذا عنه ويروى عن مثله. ثم قال: قال لي خلف الأحمر: «والله لقد طمع ابن داب في الخلافة حين يجوز عنه مثل هذا». يعني إذا جاز عنهم مثل هذا، فحق له أن يطمع في الخلافة بعدها، أن تطمع أن يصدق عنك أن أعشى همدان قال هذا، كما تطمع في الخلافة تماماً. قال خلف: «والله لقد طمع ابن داب في الخلافة حين يجوز عنه مثل هذا».

ثم قال: «ومع أي وفاق هذا؟ ومع هذا أن من دعا لي محال»، يعني غلط، إنما يقال: «من دعا لغزيل»، ومن دعا لبعير ضال. ثم تكلم عن هذا الرجل، قال: كان ابن داب هذا في كتابه «مراتب النحويين» لغوياً، قال: «وكان ابن داب يضع الشعر وأحاديث الثمر وكلاماً ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخفيت روايته، وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن داب، ويُكنى أبا الوليد، كان شاعراً وعلمه بالأخبار أكثر».

اعتبروا بهذا يا إخوة، اعتبروا بهذا مما نتنذر به في الأدب، لأنه يسقط الأخبار ويسقط قيمة الأدب. الذين يعتبرون الأدب شيئاً فقط من الترويح في المجالس العلمية وكذا، هذا يسقط قيمة الأدب. هل الذين تسهلوا في هذا سقطت قيمتهم عند العلماء في الأدب؟ ولهذا لا تعتبر أحداً يأخذ من الأدب أو لا يتكلم فيه إلا ترفيهاً أو تخففاً في المجالس، لكن لا تعتبره في علم الأدب.

وسألت الأصمعي عن... أحد قد يستعمل، لكن في أي شعر؟ يعني لن تستطيع أن تلهو بالأشعار العالية، ولن تستطيع أن يُنقل عنك، ولن تكون مصدراً لعلم الشعر إذا كنت تتساهل في التندر وفي نسبة الشعر وفي رواية الأشعار التافهة الساقطة كهذه الحال. هناك أصل شاعر، قول أي شيء جميل، جميل، لا غلط.

وسألت الأصمعي، شوف انظر للجدية التي يقوم عليها الكتاب، شوف الجدية والعزيمة والدقة التي يقوم عليها الكتاب، الأصمعي مع أبي حاتم، وانظر كيف يتعامل كثير من الناس الآن مع الشعر. قال: وسألته الأصمعي عن كعب بن سعد الغنوي، قال: «ليس من الفحول إلا في المرثية، فإنه ليس في الدنيا مثلها». هذه في خمسين بيتاً، وهي من مراثي السبع، أو السبع المراثي في جمهرة الشارع العربي، أبو زيد القرشي، فهي قصيدة نفيسة رائعة تملأ النفس، ومسجلة، سجلتها أنا بالكامل، وسجلها كذلك أخونا فلح القضاعة في اليوتيوب.

تقول ابنة العبسي: سليمان جسمك شاحبا ... كأنك يحميك الشراب طبي

انظر هنا إلى كلمة: «ليس من الفحول إلا في المرثية»، هذا يدل على أن المرثية قصيدة فحلة، ولكن نفى عنه أن يكون من الفحول بإطلاق، وقيد فحولته بالقصيدة، يعني حين قال هذه القصيدة وهو شاعر فحل.

في هذه القصيدة خارجها لم نجده بهذا المستوى، قال وكان يقال له كعب الأمثال، كان يقال له كعب الأمثال. وسألته عن خفاف بن ندبة وعنترة والزبرقان، قال ابن بدر -وطبعاً أنا ضبطت بفتح النون: الندبة والزبرقان- قال: «هؤلاء أشعر الفرسان». هذا قيد مهم؛ أشعر الفرسان، يعني أتى بالفرسان وقيد هناك الوصف بالشاعرية المطلقة.

جرير والفرزدق والأخطل ومن قبلهم امرؤ القيس والنابغة، هل هم شعراء بإطلاق؟ نعم، هم أشعر الشعراء من غير تقييد. لكن بعد ذلك إذا ذهبت وقيدته، ربما تخرج من هو أشعر أهل هذه الطبقة، ويكون أقل من أقل شخص في الطبقة المطلقة.

كما قالوا في عبيد الله بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة، قالوا: «كان أشعر الفقهاء وأوفق الشعراء». شوف، لكن لما تنظر إلى شعره بوصفه شاعراً وتضعه في الشعر، ليس له وجود جداً، ليس له وجود. له القصيدة التي أم الغلام التي أشهد عليها سعيد بن المسيب، وسأل الفقهاء له قصيدة قطعه هكذا، قالوا نزلت امرأة جميلة من هذيل بالمدينة، وكانت جميلة تتحدث الناس كثيراً عنها، ثم أم البنين تقريباً، فتحدث الناس عنها وكان هو ممن تعلق بها، وكان أحد الفقهاء السبعة، الأمر كان يسير، يعني يعرفون الحدود، فتعلقت نفسه بها.

فقال فيها أبياتاً ذكر فيها سائر الفقهاء السبعة، وقال يعني هم يشهدون على حبي وكذا وكذا وكذا. فلما قرأها سعيد بن المسيب قال: «لقد أمن والله أن تسألنا وإلا ما كنا نشهد بالزور». وهذا انتهى الأمر هكذا، عادي أحد فقهاء المدينة السبعة وقال وكان شاعراً وكان يتغزل وكذا، حتى قيل له مرة في الشعر قد يزري بك أو كذا، قال: «لابد للمصدوري أن ينفذ». هذه الكلمة عنها موجودة في الديباج.

قالوا: «كان أشعر الفقهاء وأوفق الشعراء»، لو أخذت شعره وأدخلته في الشعراء ظلمته، اجعله في الفقهاء، اتركه في الفقهاء يأخذ مكاناً ويعجبهم شعره، لكن إذا أدخلته في النقاد والشعراء ظلمته، سيسقط، يسقط تماماً ليس له وزن أصلاً.

أما المعري، طيب، كانوا يقولوا أشهر الفلاسفة، المعري نفسه لو تجردت عن قضاياه الفلسفية التي اشتهر بها ودخلتها في الشعر فهو من طبقة نازلة. المعري نفسه لا يقارن بالمتنبي، هو ظل بعيد عن المتنبي، الأقرب منه لما تُرْبِي، وأشعر منه الشريف الرضي، أيضاً تعلق بالمتنبي لكن له استقلال وله شعر رفيع، هو شاعر يذكر وله قصائد عالية.

بالمناسبة، وأنا لم أقل إنه ليس بشاعراً وأنه نازل، أقول سيكون في طبقة ليست طبقة الكبار في الشعر. وهذا من الأمثلة على الإشهار بكذا وبكذا. طبعاً هو له خبرة بالشعر كبيرة وله خبرة عروضية ووضع اللزوميات وكذا وله فكر وفلسفة، كل هذا فتن الناس بالعلاء، لكن لما ننظر ونأخذ أبا العلاء المعري الشاعر فقط ونبدأ في وضعه بجوار طبقته، انظر أين سيذهب.

حتى لم يذكروه بعد، قالوا: «الشعر ختم بالمتنبي»، لم يذكروه بعد المتنبي. المتنبي هو قريب عادي، لكن لما يذكروه معه، حتى إنه هو دخل في عموم الهبوط الذي حصل بعد المتنبي. نعم، لم يكن ساقطاً، لكن أيضاً لم يكن بالدرجة التي يلتحم فيها بعصر المتنبي، فيقولون: «ختم الشعر بأبي العلاء»، لماذا لم يقولوا خاتم بأبي العلاء؟ وقالوا ختم بالمتنبي، لماذا لم يقل ختم بالشريف الرضي؟

مهما كان، خلاص، الشعر بعد المتنبي حصل هبوط كبير، حتى لو كان هناك علو يظل هذا المجموع هابطاً، وهذا المجموع عالياً بعد المتنبي. خلاص حصلت حالة من النزول ظلت إلى مدرسة البعث للبارودي.

قال: «هؤلاء أشعر الفرسان»، ومثلهم عباس بن مرداس. طبعاً الذي أقوله هذا، بما أنني شرحت الكتاب، فهو على المستوى المتخصص، هذا لا تطيقه عقول العامة. ولا أقول للمشتغلين بالشعر الآن حتى في الأكاديميات، لأنهم في الحقيقة من العامة. هذه الحقيقة، الوزن الحقيقي الذي وجدته، ونحمد الله أنني لم أنغمس في أكاديمية حتى لا أكون مقيداً في بيانه، ولم تحدث لي وصلة وعلقة بهم تلوي ذراعي أو تقيدني.

فهذه فرصتي أقول كل ما لقيته تقريباً من الدوائر الأكاديمية؛ فكرهم فكر العامة في الأدب، ليسوا متخصصين، لا يقبلون أن تقول أبو العلاء المعري مثلاً من زمرة هي في الجملة -وإن كان شاعراً كبيراً- هي في الجملة نازلة عن عصر المتنبي. لا تضعها في طبقة أبي تمام والبحتري وابن المعتز ومن قبلهما أبو نواس وصريع الغواني ومن قبله بشار بن برد، كانوا طبقة واحدة، أخمل طبقة، لا يمكن أن تضعها مع هؤلاء، لا يمكن بحال من الأحوال.

ادرس كما تشاء عنه فيلسوفاً كذا، يؤمن بالعقيدة الكذا الهندية، ادرس كما تشاء عن نبل أخلاقه وعن ترفعه، اكتب ما تشاء، لكن في الأخير الشعر نعم كُتب بمرحلة المتنبي في عهده الرفيع. لا، هو ناقد كبير؟ عالم؟ طبعاً لا. أبو العلاء المعري فاهماً للشعر، عالماً بالشعر، متذوقاً، في النموذج في القمة، نموذج في القمة هذه جهة أخرى في الكلام. هو يذكرني بابن جني، لكن هو أفضل من ابن جني من جهة أنه شغل بالشعر وقطع مسافة في الشعر لم يقطعها ابن جني ولا ربعها ولا عشرها. خلاص، هو عالم وفاهم وشارح للشعر ويعرف ما هو الشعر، متذوق كبير وشاعر أيضاً كبير، لكن ليس من هذه الطبقة النجومية.

قال: «هؤلاء أشعر الفرسان»، ومثلهم عباس بن مرداس السلمي. هذا أيضاً من المقيدين، ليسوا مطلقين في الشعر، قال لم يقل إنهم من الفحول. قال: «وبشر بن أبي خازم». لحظة، هو حتى قال لك في ترجمة الزبرقان بن بدر، هو من الصحابة، قال: «وكان جميلاً والزبرقان القمر، وكان يدعى قمر أهل نجد». وقال ابن قتيبة في ترجمة عمرو بن معد يكرب: «هو ابن خالد الزبري». قال ابن بدر التميمي وقال ابن سلام ذكره، وقال: «كان الزبرقان شاعراً مفلقاً». شوف الفرق بينه وبين الأصمعي؛ «كان شاعراً مفلقاً وكان حليماً وقد تقدم عليه المخبل بالهجاء».

خلاص، قال: «وبشر بن أبي خازم»، وبشر بن أبي خازم هذا من الثاني عند ابن سلام. وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: قصيدته التي على الراء ألحقته بالفحول، يعني هو ما كان فحلاً، كان شاعراً وربما كان مجيداً، أول ما قال قصيدته التي على الراء:

ألا إنَّ الخَليطَ أَلْحَقُوا ... وَلَمْ يُزَارُوا وَقَلْبُكَ فِي الضَّعَاءِ

بِمَجْمُوعِ مَا فَاتَ لَحِقَ بِالفُحُولِ.

آه، لم يكن لو قال مثلها، قال له قصيدة لما قالها دخل خلاص. نعم، فمن تفسير هذه الكلمة أنه كان يقول شعراً عالياً علواً عادياً، كاد أن يقارب الفحول، فلما قال هذه بجودتها وانضمت إلى ديوانه بالمجموع استطاعوا.

نذكر إنا قلنا يا مولانا الأربعة أو الخمسة، هو لما قال إذا قال كذا، قال كذا، الشعر لم يبلغ، ولكن قال إذا قال مثل هذه كذا صار كذا؛ هذا الشاعر. وطبعاً لماذا خمسة وأربعة وستة؟ ولماذا كذا؟ ولماذا ثلاثة؟ هذا بالنظر للقصيدة نفسها.

امرؤ القيس لو كنت قلت الآن نصفها صرت، أو قال أحد كان فحلاً لو قلت قصيدة واحدة من قصيدك كنت فحلاً من الثلاثة الكبار، خلاص. لكن هنا يتكلم عن شخص صار فحلاً بماذا؟ بقصيدة تمت، لا يحتاج أن يقول لو قال مثل هكذا، هو قال فعلاً. ولما أضاف هذه اللاحقة بالفحول يعني حسب فيها، ربما لولاها لضاع ولم يحسب منهم.

هو ينقل عن أبي عمرو هنا، ينقل عن أستاذه. في كثير من المواضع رأينا الأصمعي ينقل عن غيره، هو يخبر عن أستاذه، كما لما سأل عن زهير قال: اختلف فيه وفيهم، يعني في زهير والنابغة، ثم قال لحظة: سمعت أبا عمرو يقول: «لا يبلغ زهير أن يكون أجيراً عند النابغة». هو الآن ينقل أيضاً، يقول حتى لك الفحولة هناك من سبقني بتعيين الفحول، تابع أبو عمرو بن العلاء.

قال: وسألته عن خفاف بن ندبة وعنترة والزبرقان، قال: هؤلاء كذا وكذا، لم يقل إنهم من الفحول. وبشر بن أبي خازم يعني مثلهم، وسمعت أبا عمرو يقول: «وبشر بن أبي خازم»، يعني كأنه يقول مثلهم في الفروسية، خلاص. ولكن أبو عمرو يقول قصيدته الفلانية ألحقته بالفحول، هو كأنه يستدرك على كلام نفسه، ومثلهم في الفروسية فارس ولكن لحق بالفحول، نعم لحق بالفحول، هذه في ظاهر ذلك.

قال: وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: قصيدته... يعني هو فارس مثلهم، ولكن أبو عمرو بن العلاء يقول: لحق بالفحول، فزال عنه قيد الفروسية، أنه أشعر الفرسان، أو فارس شاعر، لا هو صار شاعراً فارساً. وعندهم معيار دقيق يحتاج إلى تتبع ويتفرغ على التراث، لا أدري إذا كان ييسر الله لنا ذلك أو لا. تتبعوا وتفرغوا على التراث لأجل معرفة ما معيار الفحول عندكم.

غيرهم شديد جداً، يعني أنا أعترف عيارهم شديد من جهة الفحولة. حتى يكون الشاعر فحلاً لا بد من شروط كذا وكذا، فالأعشى غير فحل، لبيد بن ربيعة لا يحبونه أصلاً. نحن لبيد بن ربيعة تخيل يعيبونه! عندي أنا ضائع، أنا في النص، أنت مش شايف أن أنا عايش فيه؟ هيرمي أنا لو مسكت عيار واحد من دول هنعزل في جزيرة مش هقعد ومش هكلم حد، عبد القدوس ولا أكلم ده، أنا حاضر، الدكتور عبد القدوس هو خطته في الواجهة كده علشان الدنيا تمشي. لو بالفعل الموضوع لسه فيه نوع من... مش هقول التبطيلية، نوع من النظر الحكيم الحقيقي، وليس للعيار الأصلي نظر عملي وهو يتمتع به أكثر مني. الدنيا تضيع، لن أظل لا يعجبني شيئاً، أظل لا يعجبني شيء.

كان البعض يرسل لي قبل مجلس تقويم كذا: أرجوك لا قبل أن تأتي لا تقرأ، لأن القياس عندي طقوس. طقوس لازم كل يوم الصبح النابغة وزهير والقيس؛ لماذا؟ لأنني إذا تركت نفسي هبط المستوى. لازم في حصن، أنت عامل زي طبيب يتعامل مع ميكروبات، يجي لك أنت كمان؟ لا طبيب ولا غيره، فأنت لو تركت نفسك بالاعتياد ستهبط رغم عنك، ستهبط بالاعتياد دون قصد، دون قصد تهبط. فلا بد في الصباح تأخذ الجرعة: رفع السقف.

هذا هو الشعر، اسمع الشعر، هذا هو الشعر ثم اثبت. هذا هو الشعر وننظر أين نحن الآن. أنا أتصالح مع هذا الموقف، إنما موقف أن أنا أتعامل كل يوم مثلاً: محمد الحرزي، الشعراء الموجودين الآن كذا، سننحبط سنحط، واضح؟ لا، الصواب ترفع ثم تنظر إلى الواقع. هذا يحتاج إلى نوع من الدربة والخلطة الاجتماعية، ربما الذي يعكف على المادة نفسها في أصلها، رغماً عنه لا، ليست عنده نفس المرونة، فهمت؟ فنحتاج إلى من ينظرون إلى الواقع بتثبيت المعيار ثم التعامل مع الواقع بصدر مفتوح، كذا.

ربما لست النموذج الأمثل في هذا، ربما لأنني ليل نهار مثلاً أنا أؤلف الآن شرحاً منذ سنوات على سمكة شوق، خلاص ضربت عليه عدة مرات، عدة مرات ضربتك قلت لا يرضيني هذا، الشعر، القصيدة ما زال فيها الأجمل، فيها أعمق، فيها أدق، فيها شاعرية أعلى. فتركتها وصرت وطبعت كل بيت في ارتباط القصيدة بكل بيت في ورقة بيضاء، من أمامه ومن وراء، وكلما خطرت لي خاطرة عن البيت وأفكر فيها كذا ارتجالاً، يعني كلما خطرت خطرة دونته، حتى إذا وضعت الكتاب كان مكتظاً بالفائدة. أنا أتعامل مع القصائد بهذه الطريقة، هذا هو الأصل. هذا سيضيق عليك الصدر والنفس في قصائد المعاصرين، خلاص، سيضيق حتى لو أنك تعلم أنه ينبغي ألا تفعل، وهو صح ينبغي أن لا أفعل، لكن سيضيق عليك الأمر.

الأصمعي وأبو عمرو كان كذلك، يعني كان الكواسح ماشيين ما فيش حاجة قدامك، لبيد بن ربيعة، لبيد بن ربيعة صاحب ستروه. قلت: فالأسود بن يعفر النهشلي هذا في الخامسة من فحول الإسلام عند ابن سلام، قال: يشبه الفحول. شوف الدقة، الحكم المتناهية، يعني يساومه الفحول لقوة شعره وتكرره، لكن لم يصل بعد فحل، يشبه الفحول. شوف، يشبه الفحول؛ غريبة أول مرة تأتي معنا، يشبه الفحول، يشبه لكن ليس هم. طبعاً نصف شبه عندنا من الفحول، قال: يشبه الفحول.

ابن سلام قال عنه: وله واحدة رائعة طويلة، ألحقته بأجود الشعر، لو كان شفعها... شوف دا بن سلمان، هذه المرة لو كان شفعها بمثلها قدمناه على مرتبته. هذه القصيدة هي المفضلة الأربعة بعد الأربعين، أيوه الدالية، نعم هذه الرابعة بعد الأربعين في المفضليات.

قلت: أرايت عمرو بن شاس الأسدي؟ أرايت عمرو بن شاس الأسدي؟ طبعاً الأول كان هناك يتكلم عن النهشلي الأسود بن يعفر، كان الأسود شاعراً، الذي قال هذا ابن سلام، كان الأسود شاعراً فحلاً، وكان يكثر التنقل في العرب يجاورهم فيذم ويحمد، وله في ذلك أشعار. ذكر بعض أصحابنا أنه سمع المفضل يقول له: ثلاثون ومائة قصيدة، ونحن لا نعرف له ذلك ولا قريباً منهم، وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي، ويتجاوزون في ذلك بأكثر من تجاوزنا، يعني يزيدنا في الشارع ولا يحققون ما تكلمت معكم من قبل فيه. نعم، قال هذا كلاب بن قتيبة في الشارع والشعراء، وكان أعمى ولا عقب له، يعني لم ينجب، وكان الأسود ممن يهجو قومه.

قلت: أرايت عمرو بن شاس الأسدي؟ قبل أن كان كثير الشعر في الجاهلية والإسلام، وكان أكثر أهل طبقته شعراً، وكان ذا قدر وشرف ومنزلة في قومه، فقال ابن الجراح: يكنى أبا عرار، شاعر مقدم أسلم في صدر الإسلام وشهد.

وقعت القادسية، قلت: أرأيت عمرو بن الأسدي؟ هذه في العاشرة عند ابن سلام. الأسود النيافر في الخامسة عند ابن سلام. قال: أرأيت امرأ من شاسن الأسدي، ما قلت فيه؟ قال: ليس بفحل، هو دون هؤلاء.

قلت: فلبيد بن ربيعة؟ لبيد بن ربيعة، شوف، لبيد بن ربيعة. قال ابن سلام: كان لبيد بن ربيعة أبو عقيل فارساً شاعراً شجاعاً. كان دائماً الفروسية بالشعر عند العرب، والشاعر يعني يحطون منه، لا، الشاعر كان مقروناً بالفارس. كان أبو عقيل فارساً شاعراً شجاعاً، وكان عذب المنطق، رقيق حواش الكلام، وكان مسلماً، رجل صدق، وعمّراً عمرًا طويلاً. وكان في الجاهلية خير شاعر لقومه يمدحهم ويرثيهم، ويعد إيامهم ووقائعهم وفرسانهم، وكان يطعم مهبه الصبا. وكان المغيرة بن شعبة إذا هبت الصبا قال: أعينوا أبا عقيل على مروءته. وقال ابن قتيبة في الشارع والشعراء وملاعب الأسنة: هو عم لبيت نعم.

قلت: فلبيد بن ربيعة؟ قال: هو ليس بفعل. الأصمعي قال: لبيد بن ربيعة ليس بفعل، ثم قال لي مرة أخرى: كان رجلاً صالحاً. كأنه الذي يقول هذا أبو حاتم، كأنه ينفي عنه جودة الشعر لمقامه وصحبته وكذا، لم يشأ أن يقول ليس بشاعر، فكانت الروح مختلفة؛ فقال ليس بفحل، ومرة قال كان رجلاً صالحاً.

تلطفاً أكثر، يعني حسان بن ثابت لما سأل عن شعر عمرو بن العاص لما سمعه وقال: ليس بشاعر، ولكنه عاقل. وقال لي مرة: شعر لبيد كأنه طيلسان طبري، يعني أنه جيد الصنعة وليست له حلاوة. وأبو عمرو أيضاً كان ينقل الشعر، قال: وجرادة بن عميلة الغنوي له أشعار تشبه أشعار الفحول وهي قصار. شوف تأمل، وهي قصار، قوله: تشبه أشعار الفحول.

الذي يتدرب في النقد حالياً، لم يجد هذه الفروقات بين العبيد وغيره؛ لن يجدها الآن. من يعمل في النقد الآن ولم يكن متخصصاً تماماً لن يجدها، وأنا لا أجدها في كل شعر أصلاً، بالعكس له رقة، فما زلت في البحث عن هذه الصفات. تميزه بالفروقات بين الشعراء هذا يصل في القرآن لمعاني الأمور طبعاً.

أنت هنا كالسائق الجواهرجي أو الساعاتي، تتعلم تمسك التروس الدقيقة أو تقيس أشياء وتنحت، مثل هذا الخاتم. تفاجأت أن عليه أربع صور قرآنية منكوشة باليد. هذا أحد الإخوة في البحرين، هذا يسمى بعقيق كبدي، فإذا به يقول لي: هذا عليه قرآن. وكان لا يصف الخاتم، يقول الكلام الذي عليه. فلما رجعت إلى الفندق وأنظر لا أرى شيئاً، ثم رجعت أعطيته لأم قيس وأخذت تدقق، قالت: أربع صور قرآنية واضح، وفي قاعدته في الأسفل بخط الثلث الجلي، انظر، خط الثلث قرآن بخط الثلث، ها، رأيت منقوشاً باليد!

متى وصل إلى هذا؟ أنت تعمل هذا في الكلام الآن بالضبط. لماذا قلت لك هذا؟ لأقول لك القدرة الإنسانية تصل إلى مراحل ربما لا يتخيلها عقلك الآن. أنا أقول: كيف حفظ الله له عينه؟ كيف ثبته وأخذ يكتب هذه الأربع صور، قريبة من خط النسخ، أنا لا أرى شيئاً ضبابياً هكذا، لكن لما تقرب جداً ترى الكلام والضبط والتشكيل، كيف وهو حفر؟ حفر، ليس ليزر أو كذا، حفر.

رأيت، أنت تفعل هذا في الكلام الآن، كيف "طيلسان طبري"؟ جيد الصنعة وليست له حلاوة. قالوا مثلاً في النابغة الذبياني: كان لشعره ديباجة. طيب، هل امرؤ القيس له ديباجة؟ كيف تفوق امرؤ القيس؟ كيف ديباجة؟ يعني شعره فيه رقة شديدة جداً. الديباجة هي ذلك الثوب الرقيق الذي يكون ليناً جداً وقوي النسج، كالحرير كالماء. فكيف لشعره ديباجة؟ ولماذا ليس امرؤ القيس له ديباجة، أو هل امرؤ القيس له ديباجة؟ هل النبغة تميز لتفردها أم ماذا؟ هذا كله يجعلك تبحث، ديباجة تظل تقرأ هذا وتقرأ هذا ثم تعود تقرأ مرة أخرى للمقارنة. وزهير ما موقفه من ذلك؟ فتظل تفعل هذا حتى تكون خبيراً بالكلام.

هذه الدقة، هذا نوع من العبقرية النادرة غير الموجودة، ولهذا قالوا إن الذين يشتغلون بالنقد وعلم الشعر هؤلاء نخبة، عيون العيون من الناس. العلوم العقلية لها مقدمات عقلية تجعل سليم العقل والذكي يخوض فيها. أنا قابلت كثيراً من المشتغلين بالمنطق في الحياة، ولم ينفعهم. في الأخير، نفكر في النقد وفي الأدب، فنجد أنه أسرع وبصعوبة وأكثر تعقيداً مما تقدم.

وجدنا أن الأشياء التي لها أصول واضحة وقاطعة ورسوم محددة تسهل على الشخص، وبالطبع لن يشتغل فيها الغبي؛ لأن العلوم التي هي آلة للغبي لأنها تحتاج إلى عقل وأعمال وتدقيق. لكن في الأخير هناك شيء هو فوق هذه القواعد، وهو حينما تتماهى هذه الأجزاء أو الجزئيات وتتداخل مع بعضها، ثم يُطلب منك أن تشرح كيف جاءت وكيف وقعت. لم أقل لك وقع إسباغ في اللفظة، بل قل لي: علل لي الإسباغ. محمود شاكر يقول لك: إسباغ وتجريد، إسباغ الكلمة، وقع لها إسباغ. لماذا؟ كيف وقع الإسباغ؟ اشرح علمياً ما الذي حصل في النص بتجاور الكلمتين، جعل إحداهما تسبغ بهذا المعنى، فيكون من دلالتها في هذا النص الأدبي. هذا ما يقفون عاجزين أمامه. رأيت من هم أمام الناس، ما شاء الله، أساطير في هذه العلوم، إذا جاءوا أمام الشعر عجبوا كيف يقال هذا أصلاً! أقول لهم: لست مركباً في هذا الاتجاه، هذا عمل كبير.

يقول: وجرادة بن عميلة الغنوي له أشعار تشبه أشعار الفحول. ائتِ بمنطقي أو متكلم وقل له: اشرح ما معنى أشعار تشبه أشعار الفحول؟ مستحيل. قال: وهي قصار. شوف كلمة "قصار" مع قوله "تشبه أشعار الفحول" لتعلم أنهم لا يعتدون بالأبيات والمقطعات وإن بلغت جودتها ما بلغت. وهذا ينبغي أن يُفهم، لأن كأنه هنا يريد أن يقول نحن نبدأ أو هو يبدأ القصيدة ويسير فيها على طريقة الفحول، ثم ينقطع فتكون قصاراً. فله أشعار تشبه أشعار الفحول في مادتها، وهي قصار، يعني لم تتم مئة بيت، وكلها في الخمسين والستين والسبعين والثمانين، مع كون كل بيت فيها فحل، فأنت تنظر هذه علامة الفحل.

أن يستطيع هنا معيار جديد، أنك تطيل القصائد مع تعدد القصائد العالية، علو القصائد، طولها، تعددها. لما كان انظر إلى العبارة كيف ركب له: «أشعار تشبه أشعار الفحول»، وهي قصار؛ كان القصر هو الذي جعلها تشبه ولم يجعلها فحلاً. قصرت، يعني كان كما قال.

كما نقد الدكتور فراس شعر تلميذي عقيل لما قال: «خليلي جده بيكن فيك ما ذخري، وإلا يحز اليوم من دودها نحر». هذا الفحول، لكن ما أكثر مؤاخذة أخذها في رأسه على عقيل؛ قال إن طريقه في الشعر وفحوله الأبيات، وطريقته في الإقدام على المعاني والانتقال من موضوع إلى موضوع، أطمعته في طول القصيدة، فإذا وقع فيها شيء من الانقباض، جاءت في ثلاثة موضوعات على ثلاثين بيتاً، فأخذوه بذلك، لم يؤاخذ بذلك مع أنها في نفس الحجم تقريباً.

لماذا؟ لأن قصيدته على مستوى الأبيات كانت أقرب الأشياء للعباسيين. عرض عقيل كان يريد الوصول إلى الجاهلية، لم يصل، لكن كان يريد الوصول وسيصل يوماً إن شاء الله. كان يريد الوصول، لم يصل لكن كان يريد الوصول، وشابههم كثيراً، أو شابه المسلمين على الأقل.

كأننا نرى أبا فراس الحمداني خفيف اللطيف، قوة في النسج مع لطافة، بالضبط والمقابلات وشيء من البديعيات ليست عند عقيل. قال: «وأنه اهتديت وكنت غير دليله، شهدت عليك بما فعلت شهوده». نعم، وهذا البيت له: «إنه اهتديت وكنت غير دليله، شهدت عليك بما فعلت شهوده».

قلت: فأوس بن غلفاء الهجيمي؟ هذا من الثامنة عند ابن سلام. قلت: فأوس بن غلفاء الهجيمي؟ قال: لو كان قال عشرين قصيدة لا لحق بالفحول، ولكنه قطع به. هذا عدد كبير جداً بالنسبة لما مر قبله، خمسة وثلاثة، وبعضهم قال: لو كان زاد شيئاً، لو كان قال عشرين قصيدة لاحق بالفحول، ولكنه قطع به.

وقال: وعميرة بن طارق اليربوعي، انظر في ترجمته، وهو فارس وشاعر جاهلي أدرك الإسلام، له ذكر مع قومه اليربوعيين في بعض أيام الجاهلية مع قبيلة بكر بن وائل، وله فيها أشعار. أدرك الإسلام وشارك في فتوح فارس، وشعره مفقود إلا من بعض أبيات متفرقة في المصادر هنا وهناك، ويبدو أنه كان له شعر مجموع أشار له الحازمي في كتابه الأماكن بقوله إلى آخره. فهو تميمي، يعني قال: وعميرة بن طارق اليربوعي من رؤوس الفرسان، وهو الذي أسرق قابوس بن المنذر، يعني هو فارس وإن أنشد الشعر.

وسألته عن خداش بن زهير العامري، هذا في الطبقة الجاهلية عند ابن سلام، الطبقة الخامسة. وسألته عن خداش بن زهير العامري، هذه قصته في المقارنة بينه وبين غيره. كان أبو عمرو بن العلاء يقول: خداش بن زهير أشعر في عظم الشعر، يعني في نفس الشعر من لبيد. قال أبو عبيدة في الديباج: قال أبو عمرو بن العلاء: «وخداش بن زهير أشعر في عظم الشعر».

عندكم في نهاية الفقرة 159: خداش بن زهير أشعر في عظم الشعر من لبيد، إنما لبيد صاحب الصفات. خلاص، فهو يقول هنا، وهناك في بعض المراجع لم يذكرها هنا لكن أنا أذكرها من قرأتها، قال: «وأبى الناس إلا تقدمه لبيد، أو أن يقدمه لبيد». أنا أبو عمرو يشتكي، يقول هو أشعر من لبيد، وأبى الناس إلا أن يقدموا لبيد لصحابي بهذا الشكل، وكذا الخلق والكرم والسمعة. أبى الناس، شوف كلمة الناس، أبى الناس إلا تقدمه لبيد.

ووصف شعره، شعره لبيد، أبو عمرو بن العلاء كما وصفه الأصمعي، وصفه أبو عمرو بن العلاء فقال: «شعره كأنه رحى بجر رحى شديد قوي». وكان يفضل طبعاً الأخطر، ولكن أبو عمرو بن العلاء كان يسمع الشعر لبيد لمعانيه؛ لأنه يذكر الآخرة ويذكر الأخلاق وكذا، لكن فنياً ما كان يرفعه. شوف المفارقة، مش انفصام، مفارقة، انفصام لما يحصل في موقف واحد في الشيء الواحد، هذه مفارقة، كل له جهته.

أما أبو فراس الحمداني، الذي يظهر لي أنه مختلف، أبو فراس الحمداني الذي يظهر لأن قريحته الشعرية أقوى من قريحة الكثير من الفحول المتفوقين عليها في عصره، لا يمكن أن تقارن بين شعرية شعر المتنبي وشعرية أبي فراس. المتنبي تفنن وأطال وأكثر، وأبو فراس شعره فيه جياد كثيرة وتدل على قوة قريحته، وهي عندي فوق صراحة المتنبي في أصل القريحة.

هذه العبارة فقط: عظم الشعر. نعم، حتى قال إنما لبيد صاحب الصفات، فيرد أن يقول: عظم الشعر هنا ليس القريحة، عظم الشعر نفس الشعر، يعني بقطع النظر عن المعاني. خداش بن زهير العامري تنبئك بالمعاني، وهذا لبيد بن ربيعة الصحابي، فمعروف أن العامة ستقدمه، لكن في عظم الشعر، يعني في أساس الشعر بقطع النظر عن الموضوع أو المعاني التي تعجبك أو لا تعجبك، لبيد بن ربيعة دون خداش بن زهير.

وسألته عن خداش بن زهير العامري، قال: هو فحل. قلت: فكعب بن زهير بن أبي سلمى؟ هذا من الثانية في الجاهلية عند ابن سلام، قال: ليس بفحل. كعب بن زهير هذا على رأي الأصمعي الشديد، وإلا غير الأصمعي متفق على تقديمه في الحقيقة، بل بعضهم -وإن كان هذا لا يصح ربما- بعضهم يقدمه على زهير. البعض ناقش هل هو أشعر أم أبوه؟ يعني البعض قارن بينه وبين أبيه، والبعض ذهب إلى أنه أشعر من أبيه، أفحل من أبيه، بعضهم ذهب إلى هذا. لكن انظر إلى ماذا؟ إلى رأي الأصمعي، الجدول حجر جودة في الشعر.

نعم، انظر. قلت: فزيد الخيل الطائي؟ قال: من الفرسان. هذا الرد من الفرسان. قلت: فعمرو بن معديكرب؟ قال: من الفرسان. هذا له القصيدة الحماسية التمامية: «ليس الجمال بمئزر، فاعلم وإن رديت بردة». عارفينها الدالية، هذا آخر القصيدة، أحفظ الحماسة بالكامل: «ليس الجمال بمئزر، فاعلم وإن رديت بردة...».

ثم أتحدث عن الصعاليك، قال: قلت: فسليط بن السلكة؟ قال: ليس من الفحول ولا من الفرسان، خلاص، ولكنه من الذين يغزون فيعدون على أرجلهم فيختلسون، يعني هو من جماعة الصعاليك، أين الفرسان؟ شيء آخر، هؤلاء عداؤون خلاص. قال: ومثله ابن براقة الهمداني، ومثله حاجز الثمالي من السرويين، وثابت شرا كما قال هنا. الصراط جبل أوله قريب من عرفات ويمتد إلى حد نجران إلى اليمن، يعني أشول في هذه الجبال. قال: ومثله ابن براقة الهمداني، ومثله حاجز الثمالي من السرويين، وثابت شرا واسمه ثابت بن جابر، والشنفرى الأسدي السروي وليس المنتشر منهم، ولكن الأعلم الهذلي منهم.

هؤلاء جميعًا ليسوا فرسانًا ولا شعراء، هؤلاء عدّاءون. ما قالوا من الأشياء لا، ما هم فرسان أو عدّاءون، قالوا الشعر، يوصفون شعراء بالمعنى العام، ليسوا فحولا. قال: «وبالحجاز منهم»، وبالصلاة أكثر من ثلاثين من هؤلاء المختلسين أو الصواليك، وبالحجاز منهم.

عروة بن الورد أبو الصالك، لكن هو في وصف أصله فارس عبسي. «وبالحجاز منهم»، وبالصلاة أكثر من ثلاثين، يعني الذين يعدون على أرجلهم ويختلسون. قال: «وسلامة بن جندل قال لو كان زيد زاد شيئًا كان فحلا».

هذا يرجع بنا إلى بشر بن أبي خازم، ماذا قال في بشر بن أبي خازم؟ سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: قصيدته التي على الراء الحقته، فلو كان زاد شيئًا كان لحق بالفحول. يعني كان شعره دون شعر الفحول، لكن كاد يبلغهم، بخلاف من يشبهه لما قال: «وهي قصار»، يعني عنده كثير لكن قصار. يدل على أن قصر الكلام تسلم، يدل على أن قصر القصائد حجبك عن الفحولة.

الفحولة في القصيدة، يعني انظر، آتِ بخمسمئة بيت، كل بيت وحده، أقول لك مثقف تحب الشعر تستطيع أن تفعل نفس الشعر، لكن أنت بمئتي بيت على أربع قصائد ربما تنتقل بمستواها إلى الفحولة. أنت بثلاثة أبيات على ست قصائد، كل قصيدة خمسون بيتًا؛ لأن الخمسين بيتًا في القصيدة ليست خمسين بيتًا. البيت مقيد بما قبله وما بعده، أنت لا تصنع البيت حراً في الهواء، أنت سهل تعمل خمسمئة بيت، كل بيت وحده، في اليوم الواحد أنت ممكن تصنع عشرين ثلاثين بيتًا، كل بيت وحده كشاعر، خلاص مشروع في اليوم الواحد يصنع عشرين ثلاثين بيتًا، كل بيت وحده.

لكن قصيدة ثلاثين بيتًا، هذه مشروع، أنت تستحضر الفكرة وكيف ستثير الفكرة في الأبيات، خلاص أنت صرت البيت الأول، أصلًا هو مقيد لأنه ينبغي أن ينقل إلى الثاني، بخلاف مثلاً بيت أقول فيه: «لا تهجري عاشقًا صحت صبابته، فهو الحبيب وإن زلت به قدمه». هذا سهل وحده وكذا، لكن وضعه ليتلائم داخل قصيدة لن يكون بهذه السهولة، صناعته وهو جزء من قصيدة لن تكون بهذه السهولة، هذه الصورة الحكمية التجريدية في المعنى المغلقة.

أنت في البيت الواحد حر في الوزن، حر في البحر، في الكلمة الأخيرة، مفيش قيود، لاقيت هذا غير مقيد، هي كلمة وتأتي على أي حرف، وهو بيت واحد أو بيتان، هذا سهل، إنما قصيدة تطل عشرات الأشياء، هذا شيء آخر. رأيت ذلك لما قال: «أشعاره تشبه الفحول»، شوف الدقة تشبه الفحول وهي قصار، يعني هي قصيرة، تشبه الفحول ليست فحلة لأنها لم تطل، لأن الفحولة بالإطالة.

هذا هو، الإطالة والتكرار هذه معايير، وهي تقديرية بحسب كل قصيدة، مرة ثلاثة، مرة خمسة، مرة «لو زاد شيئًا»، مرة عشرون، شوف، «لو زاد شيئًا» وحصل بشر بن أبي خازم زاد القصيدة لحق بالفحول، يدلك على أن هذه المرتبة في أذهانهم قوية ومحددة وواضحة.

قال: «وسلامة بن جندل لو كان زاد شيئًا كان فحلا»، قال: «والمتلمس رأس فحول ربيعة». المتلمس الضبعي، خالق رأس فحول ربيعة. هنا أنا دونت كلمة على هذا الكلام؛ تأمل كيف جعله من الفحول مع كونه عند ابن سلام من طبقة سلامة بن جندل. شوف، سلامة بن جندل والمتلمس الضبعي في السابعة، عند سلامة بن جندل «لو كان زاد شيئًا كان فحلا»، وعند المتلمس «رأس فحول ربيعة».

فكان لابد أن أتأمل الفرق بين اثنين هما طبقة واحدة عند ابن سلام وعند الأصمعي، هذا فحل رأس الفحول، فحول ربيعة، وما أدراك ما ربيعة! كان يحتاج إلى أن يزيد شيئًا، فنقلت هنا، تأمل كيف جعله من الفحول مع كونه عند ابن سلام من طبقة سلامة بن جندل التي فيها شعراء محكمون مقلون، فقد بدا له في قدر أو جودة المتلمس ما جعله من الفحول دون سلامة بن جندل، يعني هو إذا نظر كلاهما مقل، لكن نظره هنا إلى جودة القصيدة فوجد هذا. يعني مثلاً لو قلنا هذا قال خمسة، وهذا قال خمسة، هذه خمسة احتاجت إلى أن يقول شيئًا، هذه الخمسة جعلته رأس فحول ربيعة، هذا معناه أنه رجح هذا المقل على هذا المقل.

وأمرؤ القيس مقل جداً، تخيلوا امرأ القيس والنابغة مقلان جداً، شاعرا مقلان، يعني لما يصنع القصيدة يصنع قصيدة، هو يعد قصيدة وعلى فترات، إنما تصوير، التصوير السينمائي الآن والثقافة يمشي، يقول النظم، ليس كل واحد إذا مشى يقول الشعر، لا، الإكثار معناه التخفيف، ولهذا كلما تضخم ديوان الشاعر قلت جودته، انتبهوا إلى هذا، قلت جودته وزادت حاجة الناس إليه؛ لأنه يقول في المناسبات، وكلما قلَّت للطبقات القديمة الأولى، قلَّ ديوان الشاعر وزادت الحاجة الفنية إليه، وزاد استغناء الناس عنه في العموم، لكن زادت حاجة الفنيين والنقاد وأهل العلم بالشعر إليه، وصار مصدرًا فنيًا لا مصدرًا اجتماعيًا.

الذي نبهني إلى قضية هذا السبب دكتور أخي عبد القدوس، قال: لا فضل في تنبيه إليه، قال: ألا ترى أن القدماء مثل امرئ القيس، من كان على رأسه يقول: «كيف نبكي»؟ من كان على رأسه لما سافر إلى بلاد الشام ومر ببعلبك ومن حمص ومن شيزر وكذا ليدخل إلى تركيا الآن، من كان على رأسه ليقول: «سمى لك شوقًا»؟ من كان على رأسه لما قال: «على علم صباحًا من ينتظره»؟ لا أحد ينتظره الآن، الملك جاء، الملك راح، هناك مناسبات عيد، هناك ذكر الحسين، هناك كذا، هناك مناسبات مطلوبة، خلاص، فأصبح الشعر دوريًا موسميًا، فصار هناك طلب، هذا الطلب يجعلك تجامع الرغبة في الإصدار مع الرغبة في الإجابة، فلا بد أن تخفف.

ما صرت في بحبوحة واتساعًا من أمرك لتترك الحكم في ذلك للجودة وللقريحة الصرفة. الشعر في الحقيقة أمر مزاجي، تمامًا، هناك يأتي عليك وقت ينص على ذلك الكثير من الشعراء القدماء وغيرهم، وجرير وغيره، كل هذه نقلها ابن رشيق في العمدة، قال: يأتي عليك وقت تدبر نفسك فيه عن الشعر تمامًا، تدبر، لا تستطيع أن تقول تنضب القريحة، وتكره أن تقول لا تستطيع، ثقيل على قلبك جدًا، يقول: يمر علي وقت كأنه حمل جبل.

أشد عليّ من قلع الضرس، متخيلين ما كان في بنج، أشد عليّ من صناعة بيت الشعر، أو أسهل عليّ؟ نعم، يكون إنشاد أو صناعة، الشارع أشد من قلع الضرس أو الجبل.

فالشاعر أمر مزاجي، فكلما تضخمت ديوانه وارتبط بالمناسبات قلت القيمة الفنية. تلاحظ أن أضعف شعر تميم البرغوثي، مر عليه وقت منذ سنتين تقريبًا، كان يقول كل أسبوع على الجزيرة، مع تميم كان كل أسبوع قصيدة، هذه القصائد التي قالها في هذا الوقت قلت القيمة الفنية فيها جدًا، لكن البردة لم تطلب، هو صنعها على المزاج الشعري، لأنه خلاص هي كذلك، لو لم أخرج هذا العام لأمامي عام آخر خلاص.

فالشاعر أمر مزاجي إلى حد كبير، فهكذا كان الجاهليون، وكانوا إذا انتصروا في حروب وفخروا وكذا، أيضًا الأمر بأيديهم من جهة الوقت، ثم هم مندفعون بقريحتهم وبرغبتهم إلى أن يقولوا في هذا الوقت، فاستطاعوا استثارة أنفسهم، ليس أنها مناسبة لابد أن يكتبوا فيها.

انظروا إلى قصائد أحمد شوقي في المناسبات، أنزلوا قصائد أحمد شوقي، أو أقول مظنة النزول الذي يحصل عند أحمد شوقي؛ طبعًا عنده شعر نازل وشعر صاعد، والشعر النازل عند شوقي مظنته في المناسبات، القصيدة الرديئة التي يقول فيها: «قِفوا كُلَّ مُعَلِّمٍ وَفِيهِ التَّبْجِيلَا.. كَأَدَّ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ لِعِلْمَا». لعل هذا البيت هو أجود بيت في القصيدة الرديئة جدًا والمتكلفة جدًا، ولا أعرف كيف احتفظوا بها، تكلف استعارات وتكلف تشبيهات، أعرف أن الناس يقولون جيدة وكذا، لكن الناس لا يعرفون البيت الأول، والبيت الأول مستقيم.

ولما التقيت بوالدي وسيده الدكتور سعد مصلوح في الكويت، تحدثت معه عن ذلك فقال: من أسباب النزول في الشعر مناسبات الشعر فيما نزل من الشعر. هو طبعًا حفي بشوقي، قال شعره النازل كان في المناسبات التي تُطلب، كأنك تكون مقيدًا بوقت ومقيدًا بموضوع، والموضوع ليس غالبًا يكون نابعًا منك، ثم أنت مقيد بوقت، هذان القيدان يهبطان بالشعر.

إذا كان القيد الشرعي عند حسان بن ثابت وعند البعض نزل بالشعر لما أراد أن يطلق لسانه في قريش لكن لا يستطيع، لابد أن يكبح وأن يفصل، نزل بالشعر بنص الأصمعي. حتى قال الأصمعي: «الشعر شر بابه النكد». ألا ترى أن الشاعر حسان، والشيخ السقاف قال: من أسباب ضعف شعر الصحابة أنهم رقباؤ على ألسنتهم. الشاعر ينبغي أن يطابق، قال: «إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما جعل الفؤاد على اللسان دليلاً».

طيب، ماذا لو كان العقل هو المسيطر؟ خلاص إذا ارتبط اللسان بالفؤاد وخرج كما هو، هذا هو الشعر الكامل التام، إذا مر على فلتر العقل. هو فلتر واحد مش أربعة، إذا مر على فلتر العقل كبح شرف المعنى، فنزل شرف المعنى.

قال والمتلمس رأس فحول ربيعة، وقال دريد بن الصمة من فحول الفرسان، تأمل القيد، هو شاعر فحل فعلاً لكن قيده أيضًا بالفرسان، هنا شيء غريب، قيده، يعني هو رفعه ولكن أيضًا قيد الفحولة بالفرسان، لأنه يراه لا يناهز الفحولة المطلقة في الشاعرية، كان حتى سيقول: «انظر»، ماذا يقول؟ قال دريد في بعض شعره أشعر من الذبياني، وكاد يغلب الذبياني في بعض شعره.

نعم، قلت فاعشى بأهله أمن الفحول، هو قال نعم، وله مرثية ليس في الدنيا مثلها، وهي: «إني أتتني لسان لا هي من المعطيات»، تلي مرثية كعب بن سعد الغنوي في جمهرة العرب، تكلمنا عن كعب، هذه تليها في الترتيب في الجمهرة، وأنا سجلته نسبها المرافي من السبع أقسام، أنا سجلت أشعار العرب كاملة 49 قصيدة لأن الكتاب مقسم إلى سبعة أقسام وفي كل قسم سبع قصائد.

قال ليس في الدنيا مثلها، وهي: «إني أتتني لسان لا أصر بها من علولة.. كذب فيها ولا سخر». قال وولد العجاج في الجاهلية، هذا عند ابن سلام في التاسعة الإسلامية، تكلم عن الرجز، وولد العجاج في الجاهلية وكان حميد، شوف المعلومات مرسلة، يتذكر ويكتب ليسجل فقط، قال وكان حميد الأرقط يشذب الرجز وينقحه وينقيه.

شوف لأن ليس الأصل أن تنقح وتشذب، الأصل في الرجل أن يرتجز وأن يرتجل وأن يقال على البديهة أقصى حد، وكان حميد الأرقط يشذب الرجز وينقحه وينقيه، ومنه تفهم أن الذي يقول لك عنترة، ربما كنا نقوله في وقت عنترة، أنشد في الحرب: «ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني.. وبيض الهند تقطر من دمي»، فوجدت تقبيل السيوف لأنها لمعت كثرثك المتبسم. لا شاطر واحد يطلع منه يكون اتقطع واضح، هذا يحتاج تركيز.

الغريب أن يشذب الرجز وينقحه، الرجل أن يرتجز فقط. قال ورأيته يستجيب بعض رجزي أبي النجم العجلي، قال الأصمعي يستجيب بعض رجزي أبي النجم ويضعف بعضًا لأن له رديئًا كثيرًا. قال مرة لا يعجبني شاعر اسمه الفضل بن قدامة، يعني أبا النجم، قال أبو حاتم: من الذي قال؟ قال أبو حاتم الناسخ أو تلميذه الذي يروي عنه.

قال أبو حاتم وسألته الأصمعي عن القحيف العامري هذا في الطبقة العاشرة الإسلامية عند ابن سلام، الذي قال في النشاش؛ انظر، قال النشاش وادي لبني نمير كانت به وقعة بين بني عامر وبين أهل اليمامة، ومن قول قحيف في ذلك: «تركنا على النشاش بكر بن وائل.. وقد نهلت منا السيوف وعلتي».

سألته الأصمعي عن القحيف العامري الذي قال في النشاش، قال: «ليس بفصيح ولا حجة». انظر لماذا قال هنا؟ لأن الأراجيز النحاة يحتفون بالأراجيز لأجل اللغة، لا لأجل الشعر، لا لأجل الفن، ولهذا لما قصدت القصائد لم يتقبل هذا كثيرا، وربما كان ذلك سبباً لأن أعياه الشعر، كما مر معنا الأصمعي، الرجز يطلب من الأعراب في العهد الإسلامي لأجل اللغة، ولهذا ترونه محشوًا بالغريب، ولهذا ترى ديوان ربيعة بن العجاج في ثلاثة مجلدات يحتفي به النحاة.

لم أدرس النحو، أجد شواهد كثيرة من رجز، وأنا أحفظ لها في الشعر الجاهلي شواهد، لكنهم يرجون الإعراب؛ لأنهم كانوا في وقت حصل فيه تدوين النحو، فلانهم أعراب نظموا لهم من اللغة والغريب وكذا في هذه، فصار النحاة يتلقفونهم. هي مرحلة برزخية فيها نوع من التفهم بين الطبقتين: استشهاد وتثبيت، فخذنا عندي من اللغة في هذه الأراجيز، فلماذا رجزوها ولم نقل شعرًا؟ لأنك تريد للغة، فخذ أراجيز، فلذلك ترون العلاقة بين النحاة والأراجيز وثيقة وظاهرة.

وعرج على هذا الأمر في الكتاب الذي نصحتكم به، دكتور محمد عوني عبد الرؤوف، وهو «بدايات الشارع العربي من الكم والكيف»، هذا الكتاب مهم ويفتح لكم أبوابًا كثيرة إن شاء الله. قال: «ليس بفصيح ولا حجة».

وسألته عن زياد الأعجم، فقال: هنا ابن قتيبة -وطبعًا هذا من الطبقة السابعة الإسلامية عند ابن سلام- قال ابن قتيبة: «كان ينزل استخر، وكان فيه لكنه، فلذلك قيل له الأعجم»، وهو كثير اللحن في شعره، ولهذا قيل له الأعجم، ولفساد لسانه بالفارس؛ إذ ذهب فارس وفسد لسانه هناك.

لماذا أورده هنا؟ هو سيرد عليه رجل أعمال مصري، إذا سألتم: لماذا ذكر زياد الأعجم قطعًا له شعر؟ وسألته عن زياد الأعجم فقال: «حجة»، هذا كلامه هو، قال حجة، لم يتعرض له بلحن، وكنيته أبو أمامة، ربما لأن الأصمعي توسع في الأعذار في اللغة. تروى عنه الكلمة: «من عرف اتساع كلام العرب كاد ألا يخطئ أحدًا». فربما يتساهل في اللغة، وهذا ربما يظهر له من التوسع فيها أنه ألف في المعجمات والأضداد وكذا، ولكن يأتي في الشعر والفحول ويتشدد جدًا، أما اللغة فيتوسع، لاسيما وأنه قال كما قلته: «من عرفتُ اتساع كلام العرب كاد ألا يخطئ أحدًا». هذا فقط وصل، وهو تفسير لاختلاف الموقف بين ما ذكر أنه قيل عنه وما قاله الأصمعي نفسه.

قلت: فأخبرني عن عبد بني الحسحاس. طبعًا انتبه، عبد بني الحسحاس ليس كعنترة، ليس من غلبان العرب؛ غلبان العرب أمه أبوه عربي وأمه حبشية، أما عبد بني الحسحاس فهو نفسه أفريقيا، يعني هو نفسه حبشي أبًا وأمًا، فهمتم؟ هو عجمي من الأساس، حتى قال هنا: «وهو حلو الشعر رقيق حواشي الكلام».

ذكروا عن عثمان بن عفان أنه أتى بعبد من عبيد العرب نافذ، فأراد شراءه، فقيل له إنه شاعر، قال: «لا حاجة لي به، إن الشاعر لا حريم له»، يعني ليس له حرمة في الكلام. وهو تنبأ له عمر بن الخطاب بأنه مقتول لما سمع شعره، سكر وكذا ببعض النساء العرب فقتلوه، وقيل قتل ضربًا بالعصية أو بالخشب. له قصيدة من ثمانين بيتًا، حاك فيها امرأ القيس كثيرًا، يسميها البعض الديباج الخسرواني. هو الذي له البيت يقول فيه: الذي فيه الشيب والإسلام...

لما قال عمر بن الخطاب: «لو قدمت الإسلام على الشيب...»، كفى الشيب والإسلام والمرأة ناهية. فقال له عمر: «لو قدمت الإسلام على الشيب لجزيتك» أو «لأعطيتك» أو كذا.

قلت: فأخبرني عن عبد بني الحسحاس، قال: «هو فصيح وهو أسود»، لماذا قال هذا؟ ما موقع زنجي أسود هنا؟ أراد أنه فصيح ولكن لا تغتر، ليس بحجة لأنه ليس بعربي. حتى قالوا كانت فيه لبنى، وقال أبو دلامة: «عبد رايته مولد حبشي»، يعني ليس بحجة أيضًا، ليس من العرب، قال: «عبد رايتهم مولد الحبشي». قلت: أفصيحًا كان؟ قال: «هو صالح الفصاحة».

قال أبو عطاء السندي: «عبد أقرب مشقوق الأذن»، قال هنا في الحديث عنه: «وكان جيد الشعر، وكانت فيه عجمة، كان أسود دميمًا قصيرًا»، وهو كوفي محسن أدرك الدولة العباسية وله في المهدي قصيدة. هذا أبو عطاء السندي، قلت: وكان لحظه؟ قال: «أقرب الأذن»، يعني وخربتها ساعة خلق الأذن.

الآخرون صار الأصمعي يلاحظ موضوع الحجة، لأني بدأ يتأخر الكلام. قلت: وكان في الإعراب؟ قال: «لا، ولكنه فصيح»، أي ليس حجة وإن كان فصيحًا، كما قال في أبي دلامة؛ صالح الفصاحة لكن عبد حبشي ليس بحجة.

قال عبد العزيز بن مروان عن أيمن بن خريم الأسدي: «كيف ترى مولاي؟»، يعني نصيبًا، مولاي يعني من الموالي، كان في أصوله في الرقة ثم صار من الموالي. نصيب كما ذكروا عنه هنا، الشعر والشعراء، كان نصيب بن رباح من شعراء الشعر الغزل العذري، وقالوا ما كانت له حبيبة في الحقيقة، لكن كان يحب هذا النوع من الشعر، ولهذا بحسب ما ورد، فشارة من الأسماء توزع شعره في الشعراء. كل ما قاله في ليلة ذهب إلى المسجد، مقالته في اليمنى ذهب إلى قاسم بن ذريع في النسبة.

كان نصيب عبدًا أسود لرجل من أهل وادي القرى، فكتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان فقال فيه مدحه، فوصله واشترى ولاءه، يعني صار من أولياء هذا الولاء، ليس أصل الرق، لم يكن عند عبد العزيز بن مروان، وكانت أمه سوداء فوقع بها سيدها فأولدها نصيبًا، فوهب عليه عمه بعد موت أبيه فاستعبده، ثم باعه عبد العزيز بن مروان، وكان ركنًا. قلت: وجمع شعره داود سلوم مطبعه إرشاد بغداد. قال: «هو أشعر أهل جلدته»، وكان أسود جلدته، يعني أشعر الموالي أو العبيد وكان أسود.

وقال عمر بن أبي ربيعة مولد، وهو حجة، مولد إسلامي، ليس أنه من أمة يمنية، أبوه قرشي وأمه يمانية، خلاص. جيد، خلاص ننتهي هنا. قال: «وعمر بن أبي ربيعة مولد وهو حجة»، سمعت أبا عمرو بن العلاء يحتج به في النحو، أو يحتج في النحو بشعره ويقول هو حجة. روى المرزباني من أكثر من طريق عن الأصمعي عن أبي عمرو قال: «عمر بن أبي ربيعة وحجة في العربية وما تغلق عليه بشيء»، يعني لم يؤخذ عليه شيء غير حرف واحد وله وجه قوله في الاستفهام، ثم قالوا «تحبها»، قلت «بهرا»، يعني لم يقل «أتُحبها»، الاستفهام لكن بمناسبة هذه صحيحة.

هذه الصحة تتوقف هنا، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.