بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
إن شاء الله، لأنه تمام، هذا هو مجلسنا الثالث والأخير من شرح كتاب مقولة الشعراء للأصمعي رحمه الله تعالى. وتوقفنا قبل الفكرة المئة، وفي أول الصفحة الثانية بعد الستين قال: وفضالة بن شريك الأسدي.
فضالة بن شريك الأسدي هذا كوفي كما قال هنا عن المرزوباني، وشعره حجة. قال: وفضالة بن شريك الأسدي، وعبد الله بن الزبير؛ ليس الزبير، عبد الله بن الزبير الأسدي يرحمك الله، وابن الرقيات، هذا ابن قيس الرقيات من شعراء الدولة الأموية. وكما قال هنا، عبادرة هذا نعم، هذا ناظره، هذا ذكر فيه عبد الله بن الزبير الأسدي من شعراء الدولة الأموية ومن شيعتهم المتوسطة لهم.
وأما ابن الرقيات فذكر أنه عُمِّر عمراً طويلاً فكان أقعد بني أسد، والنسبة وما أخلقه بأن يكون ولد في الجاهلية ونشأ في أول الإسلام؛ يعني كان قديماً، فمولده كان في الجاهلية وطال عمره في الإسلام، نعم، أقل مخضرم؛ لو كان له شعر في الجاهلية هذا ليس مخضرماً.
قالوا ولد في الجاهلية، وكثير من التابعين ذكروا أنهم ولدوا، أو مثلاً الطبقة الأولى ذكر أنهم ولدوا في الجاهلية، ولد فقط في الجاهلية قبل الإسلام لكن لم يكن له وجود في الجاهلية.
قال: وعبد الله بن الزبير الأسدي وابن الرقيات هؤلاء مولدون؛ يعني ليسوا جاهليين على اصطلاح أبي عمرو بن العلاء، لأن أبا عمرو بن العلاء يقول ماذا يسمي الإسلامي المولدين؟ العربي أو القديم عنده هو الجاهلي، هذا اصطلاح خاص بهم ليس الاصطلاح المستقر في علم النحو.
قال: هؤلاء مولدون وشعرهم حجة، أهو شعرهم حجة في الاصطلاح المستقر؟ المولد وليس بحجة المولد، اللي هو من أول بشار بن برد رأس المولدين، وآخر من كما سيأتي معنا أيضاً آخر من يحتج بشعره إبراهيم بن هرمة.
فيقول هؤلاء مولدون وشعرهم حجة، يعني إسلاميون ليسوا جاهليين، هذا اصطلاح خاص بالأصمعي وبشيخه أبي عمرو بن العلاء وليس مستقراً، ليس اصطلاحاً مستقراً، هذا مهم.
قال: ورأيته طعن في القَيْشَل، من الذي طعن في القَيْشَل؟ الأصمعي. ورأيته طعن في الأقيش ولم يلتفت إلى شعره، وقال: ولا يقال رجل شرطي، لا يقال رجل شرطي، أو لا يقال إلا رجل شرطي، فقلت قال القيصر إنما يشرب من أموالنا، فاسأل الشرطي. ما هذا الغضب؟ يعني أن تقول هذا كذا فقط، هذا شرطي خطأ، يقال رجل شرطي، لا يوجد شرطي هكذا مجردة عن المنعوت.
فقال: ذاك مولد، يعني قوله «شرطي» في وصف الرجل مباشرة، هذا «شرطي» هذا مولد ليس عربياً، فقال طعن في القَيْشَل ولم يلتفت إلى شعره.
قال: وابن هرمة ثبت فصيح، ابن هرمة آخر من يستمد منه النحو والصرف واللغة، ابن هرمة آخر من يستمد منه الصرف والنحو واللغة، ختم به، أي من جهتي طبقة الإسلاميين.
كيف؟ لمن لا يعرف هؤلاء الشعراء، طبقات من أول من نعرف من الشعراء إلى الإسلاميين، إلى آخر الإسلاميين، وحددوها في الجمهور؛ حددها بـ 150 سنة في الإسلام و150 سنة قبل الإسلام، هذه هي عصور الحجة، من جاء بعد ذلك لا يحتج بشعره، فقالوا آخر من احتج بشعره هو إبراهيم بن هرمة، وأول من رد شعره هو بشار بن برد وهو رأس المولدين.
قال: وابن أذينة ثبت في طبقة ابن هرمة وهو دونه في الشعر. قال مالك يروي، وقد كان مالك يروي عنه الفقه، شوف في ترجمته ماذا قال: قال هو عروة بن أذينة، وأذينة لقبه واسمه يحيى بن مالك بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن زحل بن يعمر، وهو الشداخ، ابن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن مات بن كنانة، ويسمى الشداخ لأنه تحمى آيات قتل كانت بين قريش وخزاعة، وقال: «قد شدخت هذه الدماء تحت قدمي»، فسمي الشداخ، ويُكنى عروة بن أذينة أبا عامر، وهو شاعر غزل مقدم من شعراء أهل المدينة، وهو معدود في الفقهاء والمحدثين، يعني في الفقهاء والمحدثين جميعاً.
وهو شاعر غزل مقدم من شعراء المدينة، وهو موجود في الفقهاء والمحدثين، روى عنه مالك بن أنس وعبيد الله بن عمرو بن عمر العدوي. وقال ابن قتيبة في الشعر والشراح: حدثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: «كان عروة بن أذينة ثقة ثبتاً يروي عنه مالك بن أنس الفقيه».
خلاص، هذا الشاعر شاعر فقيه وهو شاعر كبير، حتى في الشعر له مكانة، شاعر ليس مثلاً كابن مسعود، هذا شاعر وفقيه ومحدث، وروى عنه الفقه والعلم من الإمام مالك أحد الأئمة الأربعة، وهو له الأبيات المشهورة، من يعرفها في ديوان الحماسة: «إنَّ الَّتي زَعَمَت فُؤادَكَ مِن لَها ... خَلَقَت هَواكَ كَما خُلِقْتَ هَواها»
كأنه مر على هذه الطبقة، لكن ابن هرمة، لا أدري على معيار الأصمعي يعد من الفحول أو لا، لا أدري، لكن طبعاً الأصمعي جعلنا نحتاط جداً في معياره، لا نحكم، لا ننظر لشهره الشاعر، أكيد طبعاً.
قال: ويزيد بن ضبة مولى لثقيف، قال حدثنا الأصمعي قال: يزيد بن ضبة مولى ثقيف، ولكنه كان فصيحاً، قد أدركته بالطائف. انظر هنا يقول وقد كان يطلب، من الذي قال هذا؟ ذكره أبو فرج الأصفهاني في الأغاني عن الأصمعي نفسه، يأخذ يؤاخذه بهذا، يقول: «وقد كان يطلب القوافي المعتاصة والحوشية من الشعر».
إذاً قضية أن تأتي بالقوافي الصعبة ليست بحجة شعرية، وأن تأتي بالحوشية من الألفاظ الغريبة ليست، ما هي؟ ليست من الشعر. البعض يظنون أننا نطالبه بهذا، يعني أن يأتي بالألفاظ التي تملأ الفم الثخينة الممتلئة وكذا، وأن يأتي بقافية شديدة كالجيم.
أخونا محمد الكويتي لما نقدت قصيدته والتي قالها في ميسي، عاتبني بقصيدته التي انتشرت وهي: «عديد الضاد»، لما قال: «عديد الضاد ما هذه اللجاجة»، صح؟ «العجاجة»، «أبو قيس بربك من أهاجه؟ كنانٌ عروبيٌ أديبٌ ولكن في انتقادك الخواجة». نعم أنا نقضته، لكن لا أذكر ونرد عليه، لكن لا أذكره.
قرأتُ الصناجح، أنا لا أذكرها، التي كتبتها بسرعة، ماذا قلت في أولها؟ «قباظرت... اجتوى ما بالعجاجة... رقيق بعض نقد قد أهاجه... رهيف النفس لم يثقل بنقد ولم تالف قريحته علاجه».
ماذا قلت في القصيدة؟ «أزيدك أزيدك قد هويتُ... تحاكي الراحة في الكأس ارتجاج». وكذا، وهناك بيت تجاوزته، ثم قلت: «وبطناً هاضماً»، لا أذكرها أصلاً، ولما رأيته قابلته في الكويت ندمت على أنني قلت، ولديك نسيتها.
الرجل طيب جداً وكان يلاعبني، لكن أنا حسبته يهاجم نوعاً ما، فقلت أداعب بالمهاجمة أيضاً. فلما لقيته وجدته كالماء، بل كالهواء، ورقيق جداً وطيب، فنادمْتُ وقلت: أنا والله جلَدت نفسي. فلذلك لا أحفظ القصيدة، رددتها ولا رددتها مرة واحدة من بعدها من طيبته التي رأيتها عليه.
المهم، ما قالوا لي هو أنه أراد أن يثير إعجابك بقافية الجيم، هذا هو. أراد أن يثير إعجابك بقافية الجيم لو مات الهاتف. هات، ممكن نسمعها وهي هدية مرة أخرى، نلاعب بها.
ولم تألف قريحته علاجه، وهل ضر إذا ما عُد شاعر كعض ثقافي من ينفع وجاجه؟ وهل ميسي تروم له بيانا، فليت فقد مدحت به دجاجة؟ ولا التقطت قطعت على دلالك دلاله بارود الكويتية الرواجة. تلج في اللجاج بجيم ضعف، وجدت الشعر قد عفت انتساجه فحمق الشعر صير في كويت قبازرت قراره واختلاجه.
وها قد سقتني لخفيف نظمي، جواب الطبل في قرع الصناجه. إن العربي صلباً وهو عز، يعز على ابن المصري بطنا وهو لين. فوز أمي مصرية، شعر الخواجه أبا زرد الليل ترمي، وفي ابن العبد أنكرع الزجاجه.
أزيدك، أزيدك قد هويتك في بخود تحاكي الراح في الكاس ارتجاجه. ونهداً كاعباً كالغيث يهوي على صدر يبدده انتفاجه، وبطناً تحت ظل مهدي يجري يزال بسره فوق انبعاجه، وفرعاً قد تدلى حول خصر يقاسمه إذا تمشي غناجه.
أتعرف ما أقول؟ أتعرف ما أقول؟ أم النواسي يبثك في قصائد اعتلاجه، فلا تغضب رجوتك، فلا تغضب رجوتك أن تمادى هي القلم الذي سيما انزعاجه. فلولا أن تكون شريف قوم، تعاني كل ذي شرف سياجه، ولولا أن تكون كفء قول، وإن شابت مقاولنا مزاجه، لما كان الجواب، وهل تراني أجاري كل خيزلة هداجه؟
قبازرت تفاخر بالمعاني، وتنصبها من الشعر احتجاجه، وداؤك أنت غيرك كنت غراً في علم الشعر لم تستح ريتاجه. فهل ساغ القريب بغير فن لنابغة أحال به أجاجه؟ إذا قد قال كل الناس شعراً وكل يستطيب به سؤاله.
وهل سارت معانيك الغوالي على بحر بديع لابن خواجه؟ وما شأن المعاني غير شرك لهذا الناس كل الوحياجه؟ يقاسمها العلي فصيحة قومه وحبر العلم أولاها التهاجه. وأما شعر أمتنا ففن أضاء بكل مدلجه سراجا، يهيم بكل أودية المعاني وهاج بكل موقعه عجاجه. فكم هيب الخبيث بحسن شعره، الكريم بيان حاجه.
تبازرت، وما أنصفت رمياً، وما جازت مقاولك السماجه. فقيس العشق سله من تولى لمؤنسة لدى الغفل بلا جه. هل هذا دائم من خفاجه ومن ظرف الدموع وذاب صدراً لنون قد أجرته وداجاجه؟ هذا عدلك، هذا عدلك ليرجع وترجو عتاب المالكيه ابن ماجه. وأما هزلك المسي فصبراً، ستشهد من أناملنا العراجة، وتعلم الفن الشعر قوم هم الأحراس صبحه والتلاجه.
هو أخونا كتب قصيدة في ميسي، وأنا تضايقت جداً لأن موضوعها رأيته تافهاً، والبيان والتراكيب عالية، فشعرت أنه هدر التراكيب، فقلت إنه قال شعراً هزلياً. فتفاجأت بأصحابنا في الكويت، جماعة بدر الدراعي يقولون ما ستراه خلال أيام قليلة لا شأن لنا بها. فحاولنا أن نمنع، في الأول أول ما سمعت أرسلوا الرابط، وحسبته محمد الحريش، فاندلقت أمعائي؛ محمد الحريش شديد، يعني لا يهزل ولا يلعب، فستكون المهمة طبعاً إذا دخلنا حرباً، وحرب الحريش ليست سهلة. فلما سمعت قبله ظهرت، قلت أخونا حبيبنا، فوجدته يداعب يقول: عدي الضاد ما هذه العجاجه؟ أبو قيس بربك من أهاجه؟ ولكن في انتقاد كالخواجه. وذكر قال: وكيف تقول وأنت تهتم فقط بمعاني المجون وكذا؟ وأما أنا فمعانيه شريفة وكذا. كان هذا الجواب، يعني فإني شرحت المؤنسة، وشرحت ابن زيدون، وشرحت خفاجة وقرأتها للناس.
لا، ليس لميسي، فليقل في أفصح المعاني وأكثر المعاني. القضية أنه كان موضوعاً هزلياً، الموضوع خفيف على التراكيب، خايف على التراكيب، لكن لا أذكر شيئاً من هذا النص. أيضاً هذا ليس شعري بالمناسبة، هذا قتلته سريعاً مزحاً وكذا، وليس شعراً حتى، أنا لا أحفظ منها شيئاً، لأنها بعد أن لقيته في الكويت تمنيت لو أمحوها، لكن أبقيتها حتى لا يقال بعد أن لقياه حذفها. تعرفين في ناس قاعدة منتظرة، بعد أن لقياه ماذا أعطاه؟ ماذا فعل؟ رضاه على الطريق، إذاً كما قال البعض: أنت ترتشي من البدرك الذراع لتنشرها. واضح أنا لم أدخل بيته أصلاً.
طبعاً الفعل هذا للأسف بعض المصريين عندنا، من جهة الحرب بعضهم أراد أن يشهر كذلك. الذي قال هذه المقولة ظل دهره يتصل بي ويحاول وكذا، ويسمع أشعاري، سمع شعره قلت له ضعيف، فلم يرضَ بالحكم، فبعد ذلك قال فلان.
وقالوا لي نظم على هذه القافية الجيم، يرضيك لذوقك الجاهلي؟ غلط، غلط، غلط. شوف، وقد كان يطلب القوافي المعتصمة والحوشية من الشعر. امرؤ القيس شعره كله تقريباً سهل، أشهر ثلاث قصائد له والتي صنعت تاريخ الشعر: "قفا نبكِ..."، "لم عرى..."، "لم عرى اللام على أم صباحاً...".
طبعاً هو ذكر هنا يزيد بن ضبة، قال يزيد بن ضبة ألف قصيدة فاقتسمتها العرب، فذهبت بها. قال الأصمعي: لم يكن بعد رؤبة هناك عندنا ركبتان: رؤبة من العجاج، وعبد الله بن رؤبة. هذا الأول هو رؤبة بن عبد الله بن رمان، واسمه ركبة بن عبد الله بن رؤبة.
قال هنا عن ابن سلام، رؤبة أكثر شعراً من أبيه، وقال بعضهم إنه أفصح من أبيه ولا أحسب ذلك حقه. وحكي عن يونس قال: حكى لي رؤبة أو إلى آخره. قال حدثنا الريشي، أحسبه عن الأصمعي، قال: قال رؤبة لأبيه: ويلك، فإنك أرجز الناس. وكان مما يروى عنه أنه قال لأبيه: أنا أشعر أم أنت؟ فتذاكر، فقال: أنا أقول البيت وابن عمه، وأنت تقول: أنا أقول البيت وابن عمه. هذا من النقول الشواهد على ما يعرف بشدة إرسال القصيدة وارتباط القصيدة وانشدادها إلى بعضها.
هناك من يعوم الأبيات، يأتي بموضوع عام ويضع الأبيات ملقاة في داخل هذا الحوض، سنسميها التعويم، فسمات التعويم، وهنا يقع ما يسمى "التثبيج"، عيب شعري أدرسه إن شاء الله في محاضرة مهمة.
خمس ساعات، لا، ليس في هذه، ليس في هذه. يقصد واحدة أخرى في التثبيت. صحيح، صحيح. الحرزي حتى بلغني أنه من بعض القريبين منه أنه حتى ربما ينسى الأبيات ويتلو القصيدة، ينسى، يقفز أبياتًا لأبيات أخرى دون أن يشعر، وهذا معناه أنه ما فيش انجذاب للأبيات ببعضها.
قال الأصمعي: «لم يكن بعد رؤبة وأبي نخيلة أشعر من جندل الطائي». هذا راجز. أبي نخيلة قال عنه ابن المعتز في الطبقات: «وكان من أفصح الناس وأشعارهم»، وبالفرج يقول كان عاقًا بأبيه فنفاه أبوه عن نفسه فخرج إلى الشام وأقام هناك إلى أن مات أبوه، ثم عاد وبقي مشكوكًا في نسبه، مطعونًا عليه أن الأب عقده.
قال: «لم يكن بعد رؤبة وأبي نخيلة أشعر من جندل الطائي وأبي طوق». هذا لا يعرف عنه شاعر ولا ترجمة. وخطام المجاشعي، هذا راجز أيضًا ويلقب خطام الريح. طبعًا الكلام هنا مقيد بمن؟ رؤبة، هذا راجز، والمجاشعي خطام المجاشعي راجز، وواضح أن أبا طوق كذلك.
قال: «وكان ابن مفرغ هذا من السابعة الإسلامية، وكان ابن مفرغ من مولد البصرة». قال: حدثني الأصمعي. طبعًا يعني حدثني؛ قال أبو حاتم والحاكم هو الناسخ أو المستملي: حدثني الأصمعي قال: أخبرني وهب بن جرير بن حازمة قال: قال أبي: كنت أروي لأمية، هذا من شعراء الطائف، لعمية ابن أبي السلط، قال: كنت أروي لأمية ثلاثمائة قصيدة.
هذا هو أمية بن أبي السلط، هذا له قصة، يعني معروف له قضية، شيء يبرز به. يقول وقد كان قرأ الكتب المتقدمة من كتب الله جل وعز، ورغب عن عبادة الأوثان، وكان يخبر بأن نبيًا يبعث قد أضل زمانه ويؤمن أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج رسول الله ﷺ وقصته كفر حسدًا له. هو كان يحكي في شعره قصص الأنبياء ويأتي بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب، يأخذها من الكتب المتقدمة ومن أحاديث أهل الكتاب، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة في اللغة.
وأبو السلط الثقفي شاعر، رغم جاهليته لم يحتجوا بشعره في اللغة؛ لأنه كان ينقل ألفاظًا من الكتب السابقة لم تكن عربية، فكان ينقل منها ألفاظًا فلم يحتجوا بشرح ما كتب في الكتب السابقة. كلام الله ليس عربيًا؟ لا، لم يكن عربيًا، الكتب السابقة لم تكن عربية، خلاص، فطبعًا ليست حجة في العربية.
قال: «كنت أروي لأمية ثلاثمائة قصيدة»، قال: فقلت: أين كتابك؟ قال: استعاره فلان فذهب بها. أنا لا أعير كتبي إطلاقًا، يعني بالكاد أعيرها لأم قيس من مكتبي إلى مكتبها، إنها أيضًا تعمل دراسات عليا في النقد والبلاغة، من مكتبي إلى مكتبها فقط، ثم أدخل هذا الكتاب انتهينا منه ولا أرجع إليه. لماذا لم يرجع؟ بس لما حد من الولاد يرجع مكانه عشان تلاقيه. واضح أنني لا أخرج كتابًا من المكتبة إطلاقًا، اشتري له من أراد المسك، اشتري له الكتاب نسخة جديدة، لكن كتابي لا أخرجه؛ هذه قاعدة.
انظر، ثلاثمائة قصيدة! أين كتابه؟ استعاره فلان فذهب، أعاره، ضيعت عليه ثلاثمائة قصيدة، ثلاثمائة قصيدة راحت علينا وعلى التاريخ كله. حدثنا الأصمعي قال: «كان يقال أشعر الناس مغلب مضر: حميد والراعي وابن مقبل». قال: فهؤلاء المغلبون كانوا يجيبونه. ما معنى مغلب؟ قال: كانوا يجيبون فيغلبهم من ليس مثلهم في عظم الشارع، عندك عظم في عظم الشارع، يعني في قضية الشعر، يريد أفضل الشعر.
وهنا لابد أن نفهم الحكمة وراء ذلك. الشاعرية هذه نقطة مهمة ودقيقة، أعقد من قضية الفصل بين الشعر والشاعر. الشاعرية العالية أو التفوق في الشاعرية؛ طبعًا كل الشاعرية، يعني الشاعرية عند الشخص، الشاعرية صفة للنص أنه شعر، والشاعرية صفة للشخص أنه شاعر. الشاعرية في الشاعر، الشاعرية في النص. الشاعرية، التفوق في الشاعرية لا يعني التفوق في كل أبواب الشعر. هناك من هم شعراء مقدمون، فإذا دخلوا مع غيرهم غلبوا، لماذا؟ المجاورة والتقيد بباب لا تروقهم، ليست طريقتهم، ليست بابتهم. فإذا دخلوا بينهم وبين الشعر إبداع وغلب الجميع، لكن إذا دخلوا في مناجزة من هو أقل منهم غلبهم في هذا الباب، فسمي بالمغلب.
البيت المنسوب لامرئ القيس ماذا يقول؟ «وإنك لم تفقه هذا الخطير لهذا البيت: كفاف كفاخر ضعيف ولم يغلبك مثل مغلبه». يتكلم عن المرأة يقول هي مغلبه من زوجها، من أبيها، من أخيها، من خالها، من عمها. المرأة ضعيفة، فإذا غلبتك كانت الغلبة أقوى، وإنك لم يفخر عليك كفاخر ضعيف ولم يغلبك مثل مغلبه.
«يوم أن تغلب أم جندب أنات الفؤاد المعذب، فإنكما إن تنظرا يا ساعة من الدهر ينفعني إلى أم جندب، ألم تريني كلما جئت طارقًا وجدت بها طيبًا وإن لم تطب عجبك».
كان قال: حدثنا الأصمعي قال: «كان يقال أشعر الناس مغلب مضر: حميد والراعي». طبعًا المتأخرون، فأما الراعي فغلبه جرير، وغلبه خنزر وهو رجل من بني بكر. والجعدي غلبته ليلى الأخيلية، تخيل! الجعدي تناول الأخيلية وغلبته. قال ابن أحمر: «لم يهاجئ أحدًا»، قال ابن أحمر: «لن يهاجئ أحدًا»، قال: «وفسهم شاعر جاهلي مفلق ولم ينسبه». هنا في الحاشية لا تكاد تروي المصادر له شعرًا، ويبدو أن شعره مما درس وضاع من بعد الأصمعي.
كلامك كله في الأنفس، الشعر إذا قلت لك يغلب، يعني يدخل في نقائض معه فيغلبه، ليس معناه أنه أشعر. ولا نصف النبغة الجعدي بالأخيلية، ليست بنصف حتى. طبعًا هي شاعرة هي والخنساء، لكن الشواعر بواقع التاريخ لم يبلغنا كعبًا، فيظن الموضوع كبير ويظل هو يفكر في أشياء فعلها بعيدة ثم اكتشف أنها لم تفعل، تدري شيئًا والموضوع كان على حاجة أخرى، هو لم يفعلها كما كان يظن، وكأنها فوق، هنا الموضوع هو دي بس ترتاح، أنت ما عرفتش، وفي نفس الوقت لم تذهب للبعيد الذي راح إليه عقلك، وفي نفس الوقت تستغرب كيف وقفت هنا، هي تركيبة أخرى، شكل آخر تمامًا، هي نظرة.
معايير أخرى، موازين أخرى تمامًا، كائن آخر في التفكير. حتى نبه البعض إلى أن ترى المجامع الشعرية الكبيرة، مثل "جمهرة أشعار العرب"، ليس فيها مرثية واحدة من مثليات الخنساء لصخر، ولا واحدة مع أنه جمع سبعة.
قال لما نظروا في مراثي العرب حقًا، طبعًا هي مرثية الخنساء، وتأتي ربما في مجاميع أخرى، لكن لما أرادوا انتقاء سبع من المراثي العالية لم تزاهم القصيدة للخنساء السبعة الأولى عند العرب. خلاص، لما أراد أن يجمع أشهر سبعة لم تظهر في أول سبعة، لكن لما دخلت معه غلبته. سيأتي الكلام على الخنساء، سيأتي لسه غلبت أشعر شيء آخر، وهو أشعر منها قطعة، أعلى منها شعرا قطعا لكن غلبته لما دخلت معه.
وهذا النبغة الجعد، يعني قال: وكان النجاشي ابن الحارثية شرب الخمر، فضربه علي بن أبي طالب رضي الله عنه مئة صوت؛ ثمانين للسكر وعشرين لحرمة رمضان. وكان وجده في رمضان سكرانًا، فلما ضربه ذهب إلى معاوية فمدحه ونال من علي رضي الله عنه.
الدين تبع للمواقف. حكم ابن قتيبة خبره في الشارع والشعراء، فقال: هو قيس بن عمرو بن مالك بن الحارث بن كعب، أو من بني الحارث بن كعب، كان فاسقًا رقيق الإسلام، وخرج في شهر رمضان على فرس له بالكوفة. وخرج في الشهر رمضان على فرس له بالكوفة يريد الكناسة، فمر بأبي سمال الأسدي، فوقف عليه فقال: هل لك في رؤوس حملان في تنور في أول الليل قد أينعت وتهرت؟ فقال له: ويحك! في شهر رمضان تقول هذا؟ قال: ما شهر رمضان وشوال إلا واحدة، من زمان موجودين. قال: فما تسقيني عليها؟ تفهم سريعًا، يعني التجاوب كان على حرفها، قال: فما تسقيني عليها؟ قال: شرابًا كالورث يطيب النفس ويجري في العرق.
بعض الناس يربط بين سورة القدم وسورة الإيمان، أظن أن أي حد من القدماء أشد إيمانًا من أي حد دلوقتي، لا، بعضكم أتقى من كثير من أهل الطبقات الأولى. صدقت، واضح البشر لا تسعه الهوى، حتى أشكالكم ونفسياتكم وتفكيركم الآن وبين القدماء. طالما «شهر رمضان وشوال إلا واحدة»، قال: «فما تسقيني عليها؟»، قال: «شرابًا كالورث»، لكن هم كلهم أفضل منا في الفصاحة، شوف الحوار عامل إزاي، مفيش لكلكة كثير. قال: «شرابًا كالورث يطيب النفس ويجري في العرق ويكثر الطرق، ويشد العظام ويسهل القدم». فثنى رجله فنزل فأكل وشرب، فلما أخذ فيهما الشراب تفاخرا، ففعلت أصواتهما فسمع ذلك جار لهما، فأتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخبره، فبعث في طلبهما. فأما أبو سمال فشق الخص ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشي فأتي به علي بن أبي طالب، فقال له: ويحك! ولداننا صيام وأنت مفطر! فضربه ثمانين صوتًا وزاده عشرين صوتًا، فقال له: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ فقال: هذه لحرمتك على الله في شهر رمضان. ثم وقفه للناس ليروفه في تبان، فهجا أهل الكوفة فانتقل لمعاوية وصار يسب عليًا.
قال الأصمعي: جامع زهير، يعني أقام معهم، جاور زهيرًا قومًا من يهود، فأصابهم بذكر المعادي، فقال قصيدته. يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب، أو يعجل فينقمت؛ هذا الكلام أو هذا التعليل أراه ضعيفًا. التعليل لماذا وقع الذي وقع؟ وقعت بعض الأبيات في معاني الإيمان والدار الآخرة وكذا في شعر زهير بن أبي سلمى. والتعليل الأصح عندي أنه كان فيه نوع من الإيمان بالآخرة، لأن المجتمع القرشي لن يكن مجتمعًا يحارب الأديان، حتى إن بعضهم يترك باتل الأوثان عهد قراءته للكتب السماوية فلم تعجبها، بعد الأوثان كانت شيئًا ارتجاليًا، يعني نفعله، ليقربون الله، ذل الأنبياء والصالحين أصلاً، من أعبدهم إلا ليقربوا إلى الله.
زهير بن أبي سلمى ظني أنه كان فيه شيء من التوحيد، واستجابة أسرته للتوحيد بسرعة يدل على ذلك، لا سيما وقد روي أنه رأى منامًا وكان سببًا، يعني حبلاً ممتدًا إلى السماء، فأراد التعلق به والصعود عليه فانقطع، فقال لأولاده: سيكون بعدي أمر. فأنا ظني هنا أن هذا التعليل الذي قاله الأصمعي رحمه الله ضعيف، لماذا؟ لأنه ليس معناه أنه جامع قومًا من اليهود إذا يسقطوا في شعره، ليه؟ هو ما لوش عقيدة، ليست له عقيدة، ليست له آراء يقولها.
قال الأصمعي: سئل شيخ عالم عن الشعراء، فقال: كان الشعر في الجاهلية في ربيعة، وصار في قيس، ثم جاء الإسلام فصار في تميم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قلت للأصمعي: لم لم يذكر اليمن؟ نشوف هنا، الأصمعي لما لم يذكر اليمن قال: إنما أراد بني نزار، فأما هؤلاء كلهم فإنما تعلموا من رأس الشعراء امرئ القيس، وإنما كان الشعر في اليمن. يبقى هذا الأصمعي لقب امرئ القيس بماذا؟ برأس الشعراء، إذا هو يقر بأن رأس الشعراء من الذين كذلك يرونه أشعر الناس أو أشعر الشعراء بإطلاق.
حتى ابن رشيق صاحب العمدة، قال في مقدمة كتابه، وهو صرح بهذا طبعًا أو بقريب من هذا في العمدة، وفي كتاب قرادة الذهب له كتاب اسمه قرادة الذهب مجلد واحد لطيف، ذكر أنه المقدم بإطلاق وأنه رأي الجماهير. قال: «وإن وقع في ذلك بعض الخلاف، فعند التأمل يظهر كذا وكذا مما ينفي هذا الخلاف أصلاً». فهو يقول -لا ينبغي للدكتور محمد أبو موسى له كلمة، وإن كنا لا نسلمها لكن لها دلالة- يقول: إذا رأيتم من يفضل أحدًا من القصف الشعري فهم ما بيفهمش حاجة، لا يفهم في الشعر، أي شخص يقدم في الشعر هو لا يفهم في الشعر. هذا يقول إلى كلام ابن رشيق، أن يقول: «وإن وقع في امرئ القيس خلاف أن البعض قال لا فلان أشعر، فعند ترديد النظر والبحث وكذا يتبين لك أنه هو المتفوق وأن هذا الخلاف غير معتبر أصلاً».
وهو نسميه رأس الشعراء، وابن جني في «الخصائص» سماه أب الشعراء. قال: «فأما هؤلاء فإنما تعلموا من رأس الشعراء امرأ القيس».
وإنما كان الشعر في اليمن بالضبط، حتى لابد، وابن ربيعة تخيل أن ابن ربيعة معنا الآن كما كان في العهد الأموي، تخيل أنه كان معنا الآن فأسألته: من أشعر الشعراء؟ قال: امرؤ القيس، ثم طرفة، ثم زهير. وهذا مذهب الجماهير. وقال: «أفدنا مثل فرسان قيس وشعرائهم». والبعض يرى النابغة، والبعض يرى الأعشى.
لكن أنا لما أنظر في قضية بعض المقولات أو الروايات في تفضيل غير امرئ القيس، أرى أنها مقيدة أحيانا أو مشوبة بعلل أخرى؛ كمثل قول أهل الكوفة، كما مر معنا، لا يقدمون على الأعشى أحداً، وهناك أسباب وعلاقة بين أهل الكوفة وشاعر الأعشى.
لو إذا نزلت امرأ القيس، فهو النابغة، زهير. أجمعوا على أن أشعر الجاهلية ثلاثة: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير. وهذه نقطة مهمة ونبهكم إليها، وهي قضية منهج، وهذا مما ساعدني بسرعة في تحصيل العلوم، وهي أنك إذا دخلت في علم من العلوم أو في شيء من المعارف، ثمر التمخضات؛ المشكلة أن الشخص يريد أن يكمل كل شيء، فخلصت سنوات، وكذلك أنا أريد أن أدرس أشعر من الجاهلية، أريد أن أقرأ كل الجريحة، أكتشف حبيبها وما انتهى. قال لك: أجمعوا علينا أشعر الجاهلية ثلاثاً: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير؛ فتبدأ من غيرهم كأنك تلعب.
هكذا في كل علم، هناك أشخاص تدور حولهم مسائل العلم، وهناك كتب ومصنفات يدور حولها العلم. أول ما تدخل في العلم بحكمة وبهدوء، ابحث عن العناصر أو الأشخاص الذين يدور حولهم هذا العلم، وابحث عن الكتب. لما تدخل مثلاً علم الحديث، ستلاقي ابن الصلاح؛ ومع أن لهم مشاركات في العلوم لكنها غير ظاهرة، لن تعرفه من العلوم الأخرى، لكن ستدخل على ابن الصلاح والمقدمة، وبعدها تبحث فتجد مختصر المقدمة لابن كثير، وتجد حاشية، وتجد النكت على ابن الصلاح؛ في الآخر هو القطب في علوم الحديث، مقدمة ابن الصلاح، وأنت تأخذ بالك.
وفي الأدب، في الجاهلية: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير. أما الكتب، فهذه مجاميع، وكتب النقد مختلفة ومتشعبة، لكن طبعاً النظرية الأصلية في علم الأدب، أو حتى لتفهم الأدب، تبدأ من عبد القاهر، طبعاً الدلائل والإعجاز، وأسرار البلاغة.
بالنسبة للشعراء الجاهليين: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير. وبالنسبة للإسلاميين والعباسيين، هناك سبعة أو ثمانية ينبغي أن تقف عليها: بشار، وأبو نواس، وصريع الغزل، وأبو تمام، والبحتري، وابن الرومي، وابن المعتز، والمتنبي. أول ثمانية شعراء ينبغي أن تقف عليها من العباسيين؛ لكي لا تخرج بعيداً وتكون مزاجياً لست فنياً. هل المزاجي حرام؟ هل هو ممنوع؟ لا، خذ راحتك اقرأ لأي أحد، لكن ليست دراسة أدبية.
الدراسة الأدبية في العباسيين تبدأ ببشار، واختلفوا في رأس المولدين: بشار أم أبو نواس؟ من قال أبو نواس لم يقدم عليه أحد، أو لم يختلف فيه إلا ببشار. ثم تنزل إلى البعض الذين يقولون مسلم بن الوليد مرتبط بأبي نواس، فتنزل إلى الأربعة: أبو تمام، والبحتري، وابن الرومي، وابن المعتز؛ طبقة متداركة كما قال ابن رشيق. ثم جاء المتنبي، وبعد المتنبي هبط الشعر.
في طبقة المتنبي، من حيث الشاعرية، أنا أرى أن أبا فراس في أصل الشاعرية يفوق المتنبي في أصل الخلقة الشاعرة، لكن أبا فراس لم يشتغل بالشعر كالمتنبي، ولم يكن حتى ينشره، الذي نشره هو أستاذه ابن خلوة. وكان ابن خلوة هو الذي جمعه، وكان يستأمنه على هذا الشعر ألا ينشرها لما قتل أبا فراس في بعض الحروب، فأخرج الشعر وقدم ديواناً وذكر أنه كان أستاذاً له ويحفظ عنده شعره، ونعته بالآمر الشاعر والفارس.
أبو فراس لم يكن يحارب بالشعر كالمتنبي، وما كانت صفته أن يكون شاعراً فقط كالمتنبي؛ كان المقابل. وكان شعر المتنبي له موضوعات، المتنبي كان يقول الشعر للشاعر، كان ثرياً بالشعر. والبعض يهاجم المتنبي بأنه كان أحمق لأنه كان يعيش في حلب حياة الأثرياء، قيل إنه كان يأخذ على القصيدة ألف دينار ذهب، وكان يطلب منه ثلاث قصائد في كل عام، وكانت له ضيعة ودار.
ولما هو جالس، لم يكن يمدح نفسه في القصيدة فحسب، بل كان يمدح نفسه والدولة. انظر إلى الميمية وماذا قال فيها، وعندما يقول: ﴿إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا أَلَّا تَفَارِقَهُمْ فَالرَّحْلُ﴾. هو كان يريد حكماً على هذه القصيدة، أنه وصف سيف الدولة، حتى إن ابن رشيق عدها في «العمدة» مطلعاً غزلية، وهي ليست غزلية في الحقيقة؛ وهذا مما حرارته في أثناء شرحه «العمدة» مع طلابه أنها ليست مطلعاً غزلية، لا، هو يخاطب سيف الدولة.
يقول: «أحرك الباه ممن قلبه شُدِمهُ، ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ.. مالي أكتم حباً قد برى جسدي، وتدعي حب سيف الدولة الأممُ؟». المطلع والبيتان ملتحمان، والموضوع واحد، والكلام واحد؛ فلا هي مطلع غزلي كما قال ابن رشيق. لذلك أنا لا أحب كلام الرجل بهذا، الرجل يحب الرجل فيفتديه، لكن يحبه فينحف له.
عنك مثلا ماذا تريد منه؟ فمن منع منك وأخذ بالك، هو حرق قلبه ممن قلبه شبهم، وأنا قلبه مولع وأنت قلبك بارد، ومن بجسمي وحالي عنده سقم.
قد يؤخذ عليه -والله أعلم- لكن أنا لم أتوجه الأمر بدراسة مستقلة، لكن المعتز تقول أخذ عليها. أخذ عليها كذا من معتز، ابن معتز قبل المتنبي، ولهذا لم يترجم له في طبقات. ممكن ابن رشيق، مش ابن معتز، طبعًا المعتز لا يصلح، لأنه حتى تجد طبقات الشعراء لم يترجم فيها للمتنبي قبله بمدة.
المتنبي ولد في أول القرن الرابع، وقتل. تولى الخلافة يومًا واحدًا، وقتل العصفور بالقفص له. قال في الدنيا مثل فرسان قيس وشعرائهم الفرسان: «مثل فرسان قيس وشعرائهم الفرسان»، فذكر عدة منهم: عنترة، وخفاف بن ندبة، وعباس بن مرداس، ودريد بن الصمة. وقال لي مرة: دريد وخفاف أشعر الفرسان.
حدثنا الأصمعي قال: ذهب أمية بن أبي الصلت في الشعر بعامة ذكر الآخرة، وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر النساء. طبعًا يذكرون الغازلين؛ ثلاثة أغزل الناس يذكرون الغزل.
ولكن الفرق بين الغزل والنسيب؛ الغزل والعذري، النسيب قديم يطلق على الكل، لكن الحقيقة مادة الغزل تختلف عن مادة الشعر العذري. الشعر العذري لا يذكر فيه المحاسن، الشعر العذري هو يتأمل فيه، هو تعلق قلبه، لذلك حتى لا يذكر الجمال كثيرًا، أو لا يتعرض إليه؛ سواء من جهة الشاعر، أو بالعكس، يحكى العكس في السيرة أنها لم تكن جميلة، خلاص ليبان لك كيف أنه مرض، حتى البعض صلب في الحب بعذر مرضا؛ يعني خلاص أنه يتعلق بشيء من يتعلق بالروح.
ولهذا العرب تسامحوا في الحب العذري قديمًا، كان يمكن يكون متزوجها وشاع، وآخر رجل غيره يحبها حبًا عذريًا ويقول فيها شعرًا، كانت تجوز عند العرب إلى حده. بل لقيته ببعض أهل الخليج يحكي لي عن جده وجدته، كيف أن جده كان ينشد زوجته -ولديها جدته- الشعر الغزالي الذي قيل فيه، هم من أهل البدو، فكان يغني لها بهذا الشعر.
الطباع تختلف، لكن دعنا نركز على الأصل، هو لم ير في ذلك بأسًا، حتى الفقهاء، حتى الحنفية قالوا: الغزل لا يمنع بذاته، يمنع لإمكانية إلحاق الضرر بها بإثارة ظنون المرضى وسيء الظن وكذا. قالوا لو ماتت -أبي حنيفة- لو ماتت المرأة يتغزل بها عادي؛ لأن الغزل نفسه ليس فيه شيء عمومًا. هذا حتى في الغزل العذري من باب أولى، العذري لا يذكر محاسن أصلًا، ولا يذكر شيئًا من هذا، فقط يمر عليها مرورًا.
أما الفحش فهو شيء ثالث، لا علاقة له لا بالغزل ولا بالعذري. أشهر الناس في الغزل ثلاثة: عمر بن أبي ربيعة، والأحوص، والعرجي؛ هؤلاء الثلاثة أشهر الناس في الغزل وجميعهم إسلاميون، لكن لا يوازى بعمر بن أبي ربيعة أحد، لا يوازي عمر أحد.
العرجي... دخلنا في مشاكل ليه دلوقتي؟ عادي أنا بحب المشاكل بس مش وقتها. هذا لا عذري ولا شيء خالص، يعني هذا لا شيء إطلاقًا، أخذ العذري على طريقة الصوفية الذين أخذوا العذرية وجعلوه في العشق الإلهي، هذا كلام باب آخر تمامًا.
أنا توجهت بشرح، شوف هذا كشف لك الورق، هي قضية خطة. أنا بدأت من عشر سنوات خطة في نشر، من ثمارها وجودي معكم الآن، والحمد لله من أكبر نعم الله أن يحقق له مخططه، فالأصل ما بيحصلش إحساس عجيب أن تقع لك الخطة كما تشاء، لا سيما لما تتحقق لك الخطوة المخطط لها وتدبس بها أول مرة.
أول سفرة لي كانت في العام الماضي وفي هذه السبيل، سبيل القصيدة، كنت أجلس هكذا وأتخيل أن الله ينظر إليّ؛ أنا لي رسالة. فحتى كلمت البعض حينها قلت له: لقد ارتفعت عندي قيمة القصيدة أكثر؛ لأنه تكلفتها وضريبتها صارت أشد، صرت أغترب، صرت أسافر، لازم يسرق القصيدة، الموضوع كبر، الحرب القادمة دروس خلاص، لن اسمح، الموضوع صار تكلفته أعلى وصار ما يبذل فيه أشد.
فكان من بداية تكوين قاعدة، عمومًا أنا رأسي في الأخير يدور حول مراكز البحث العالمية الكبيرة النصر إليها، وأن نغير المادة لأنه شئنا أم أبينا رغما عنا، وهذا من سوء ما حصل أن أصول علمنا ليست عندنا، أن أنت لو عرفت تغير في بعض مراكز البحوث العالمية هتغيرها بسهولة، هنا أنت تغييرك جزئي ينظر إليك.
ولهذا لما دعيته مرة في جماعة أمريكية وفارسية ورفضت لوجود نوع من الندّية في الحديث والبحث، فقال لي البعض: لو كنت ذهبت كنت سترجع بعد أيام، غير أبي قيس الذي ذهب، هتكون معترف بك وكذا، فهذا آلمني شديدًا. لكن كان هذا يحتاج إلى قاعدة شعبية أولًا للتحرك، فكان من هذه القاعدة الشعبية حتى أحبب الناس في الشعر، ألا أختار لهم الشعر الذي أنا أريده، أو هو السقف في النظري في الشعر، لا أختار ما يسري فيهم.
فوجدت أكثر ما يسري في الناس إما ثلاثة أنواع: العذري -لا سيما مع طائفة المتدينين- أو الغزلي مع أشباه متدينين، أو مع من تحرر من المتدينين، عادي كلنا مستهبل، أو الذين يقول لك هذا حلو يجوز والكلام هذا كله. وهناك ناس ثانية لا تطيق نفوسها هذا، فمعها العذري. والشعر الفروسية؛ أي أخ قبل ما يتوب كان بلطجي يحب عنترة وعمرو بن كلثوم والصعاليك، طب يلا خدها أهو، معروف هتلاقي عندنا في مصر الواد كان قطاع طرق وبتاع وحب يبقى أخ ويطبع عليه، ربنا يقول لك أنا أحب عنترة، أحب تهبط، طب حلو تعال في قصائد جامدة جدًا ضرب نار.
فهذا كان تخطيطًا، فلذلك بدأت بالفروسية ثم بعمر وبعد ذلك تم المقصود، حصل انتشار وتركت الشروح والكتب، ألفت في "تذكرة ليلى" وألفت في ذلك مدرسة الغزل، وتركت الأمر يسري كما هو، وبدأت أركز في طبقة أعلى، فأخرجت "ألف عمر صباح" وألفت في تاريخ التأليف العام صباح المتأخر، أن هذه...
الكتب السابقة، تذكرته الخاصة خلاص. بعد ذلك كانت خطة الظهور ببعض الفوائد النقدية أو الثقافة النقدية، وكذلك سلاسل تصحيح وكذا وكذا إلى آخره. والحمد لله من الله تعالى على عبده بأنه كل شيء يحصل بأفضل مما خطط له بفضل الله سبحانه وتعالى. فمش فكرة أني تركته وانتقلت، شهر عمر بالنسبة لي فستق، يعني ليس هو الشاعر، الشاعر ليس الشعر، لكن هو طبقة من الشعر صالحة للاهتداء بها لمن لا يريد فوق ذلك. ما هو كل ما لها كيال في واحد، أنا أريد هذا، ما المشكلة؟ خلاص معك، ما كان عمره هو، حد ضره لم يضر.
رزق الله أعلم، قد يكون، قد يكون، لا، احتمال قد يكون، لكن هل في شيء في الأفق؟ ليس هناك شيء معين الآن، لكن قد يكون ممكن يسوق للبحث لذلك. قال الأصمعي: لقي رجل كثير عزه، شوف هذا الأثر يدلك على أن الحكم كثيراً ما يكون فعلياً لحظياً حتى من النقاد أحياناً بشواهد، لكن شرط شواهد مش الأصل.
قال الأصمعي: لقي رجل كثير عزه، وهو كثير بن عبد الرحمن الخزاعي بن أبي جمعة، فقال له: «يا أبا صخر، أي الناس أشعر؟» قال الذي قال: «أثرتُ أدلاجي على ليل حرةٍ.. عظيم الحشا حسانة المتجرد»، وهذا للحطيئة، أنا لا أعلم أحداً، قال: «أشعر الناس». ثم تركه حيناً حتى إذا ظنه قد نسي ذلك السؤال، لقيه فقال: «يا أبا صخر، أي الناس أشعر؟» قال الذي يقول: «قفى نبكي من ذكرى حبيب ومنزل». وأنا أرى في الحقيقة أن هذا ليس تغييراً للمواقف، وإنما هو حديث عن الانفعال اللحظي الذي يتكلم فيه، حتى البعض قال: من أشعر الناس؟ قال: من أنت فيه حتى ينتهي شعره؛ لأنك تنفعل بالشعر. خلاص، فهذا ربما تغيير مواقف، إبداء في كل مرة حكم بما حضره.
أصل صعب، لا أحد يقول الحطيئة أشعر الناس ويقول الذي يقول هذا، كثير، هذا في لو قرأته في العمدة استطعت أن تستقرأ أنه ليس مقصوداً، أنه لا يريد أن أشعر الناس حقاً، لأنك لو قلت هذا أشعر الناس حقاً وقصدتها هكذا بالضبط، وهذا على خلاف طريقة الكثير من العرب في الكلام في التوسع، وقعت في تناقضات كثيرة جداً؛ أنت والله أشعر العرب، أيوه، أنت لا تقصد أنه عند الإحصاء عشر عرب، لا تقصد أنه أشعر من امرؤ القيس، العرب حتى تجاوزت الزمان.
قال الأصمعي: «أنعت الناس لمركوب من الإبل»، يشوف هذا يدل على أثر البيئة في إتقان باب معين. قال الأصمعي: امرؤ القيس، وهو أول من بكى الديار وسير الظعن، هذا غلط. امرؤ القيس يصعب أن يكون أول من فعل هذا، هذا كان منتشراً في طبقته، كشريح مثلاً، علقمة، كشارع، عبيد بن الأبرص، وقيل هو أسن من القيس، فهذا كان موجوداً في شعره. لكن امرأ القيس ربما هو الذي جمع بين الوقوف والاستيقاف والبكاء والاستبكاء على الظعن وله تشبيهات، نعم قد يكون هو السابق إليها، لكن قضية أول من بكى الديار، أول من سير الظعن، هذا بعيد.
قال الأصمعي: «أنعت الناس لمركوب من الإبل عتيبة بن مرداس»، وهو الذي يقال له ابن فسوة. «وأنعت الناس لمحلوب في القصيد الراعي»، «وأنعتهم لمحلوب في الرجز ابن لجا التيمي» واسمه عمر. قال الأصمعي: «أي الناس أشعر قبيلة؟» فقيل: «أن جعل العيون في ظلال الفسيل»، يعني الأنصار. قال: «ويقال الزرق العيون في أصول العظاة»، يعني بني قاسم بن ثعلبة، قالوا كانت عيونهم زرق، وهذا مما يثبت به أن المنتشر في العرب هو سواد العين، لكن من العرب من كانوا زرق، وتميزوا بزرقة العيون بنو قاسم بن ثعلبة، وذكر منهم المرقش والأعشى والمسيّب بن علس.
قال هنا عن أبي عبيدة في الديباج: واتفقوا على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب، ثم عبد القيس، وأشعرهم الممزق. طبعاً الكرى مكة والمدينة والبحرين. ما البحرين قديماً؟ ليست البحرين الآن، البحرين الآن جزيرة أو قطعة صغيرة من البحرين، البحرين قديماً تأتي من أول البصرة من الكويت، على هذا الساحل الهندي إلى عمان، دخل معك قطر والإمارات ودخل كلها، هذه الدول تسمى البحرين. لماذا هي قرى؟ لأنها سواحل، أهلها مستقرون، تسمى القرى مستقرة، في الوسط في نجد توجد قرى ولكن أكثرها هجرة، فهذه ليست قرى، هذه ديار ليست قرى، القرى مستقرة.
الجزيرة الموجودة الآن التي هي البحرين اسمها جزيرة أوال، قديماً كانت مشهورة بالنخيل وأشجار الموالح، البرتقال والليمون. وحتى لو ذهبتم، أنا كنت هناك شهر قبل المجيء إلى هنا، هناك عندهم ثقافة الصيد، صيد اللؤلؤ وصيد الأسماك والمراكب وكذا. وفي الشعر الجاهلي القديم مذكورة السفن كثيراً، وتدخل فيها هجر، طبعاً هجر، هي قصابتها هجر. المدينة المعروفة بالنخل وكذا، هذه كلها مدن ساحلية.
وكذلك يقال ماذا في وصف القناة، ماذا يقال فيها؟ أيضاً ماذا كانت تسمى مثلاً ثقيف في القديم؟ ماء، ابحثوا عنها، كثير مذكور طبعاً، ومذكورة في شعر زهير بن أبي سلمى: ﴿وَهَلْ يُنْبِتُ الْخَطَّ﴾، هي أظن على ما الطائف الآن تقريباً، داخلها في السعودية الآن. أما الجزيرة الموجودة الآن التي هي البحرين هي جزيرة أوال بالضم أو أوال، بقيت هي فقط مملكة البحرين، لكن الكرى البحرين القديمة تأتي من أول البصرة في العراق، تدخل الكويت فيها إلى عمان في الأسفل، كل هذا الشريط، كل هذه البلاد داخلة في البحرين. من بعد البصرة، يعني الكويت داخلها، كل هذه الدول الخليجية كلها داخلة في البحرين القديمة.
وأشهر من سكنها وأكثر من سكنها بنو عبد القيس، بنو عبد القيس. فهذه كانت لما كنت أنزل الطائرة، تنزل تقول أنا آتي الآن إلى جزيرة بني عبد القيس، أنا لا آتي إلى المملكة أو حكومات مختلفة، أنا هنا شعراء أرى أمثال الشعراء القدماء وكذا. وبالمناسبة عندهم فصاحة جميلة لكن أنفسهم هادئة، ليسوا مشتعلين، ليسوا ممن ينشر. طبعاً البيئة عربية، كل البلاد الخليج دخل فيها، لا سيما العنصر الهندي، كل شيء، كل اللي هناك، أي عامل، أي طعام، كله هندي، أي موظف هندي، كل شيء هندي، قريبة منهم وعمالته أرخص، لكن ما زالوا في بيوتهم وكذا وطبعهم عرب. كل هذا احتاج إلى تقليب، تقليب الراكد.
أشعر المدن هي من المدينة، المدينة النبوية. أشعر المدن على الإطلاق، أشعر الكره خلاص، ثم عبد القيس الذين هم قرى البحرين، قال: «وأشعرهم الممزق الممزق العبدي». بالنسبة لبني عبد القيس، الشعراء في هذه القرية مع جودتها في الجملة.
حدثنا الأصمعي قال: حدثنا ابن أبي الزناد قال: أنشد حسان، أنشد حسان وشعر عمرو بن العاص، فقال: ما هو الشاعر ولكنه عاقل. الذي بتزعل، عمرو بن العاص، حسان، ثابت، سامي، عاش يعرفه. قال ما هو شاعر ولكنه عاقل. طبعًا عمرو بن العاص، لو بعث فيك الآن وقال الشاعر، حتى لا هو شاعر أصلاً ليس بشاعر. الإخوة اللي بتزعل، سيبك من الشاعر خليك في النثر. لا، أقول لك ما هو شاعر أصلاً، تخيل الواحد رأى النبي ﷺ وصحابي، وعاش في العهد النبوي عهد الحجة وكذا، وصحابي آخر قال ما هو شاعر! شوف، هذه وقفة عاقلة وتمييز من فاهم، رجوت لو نفهم فهمه في زماننا.
قال الأصمعي: سئل الأخطل عن شعر كثير، هذه القضية خطيرة، سئل الأخطل عن شعر كثير فقال: «حجازي يكد البرد». يعني يكد إذا تلبس بالبرد، كيف هذا؟ شوف، هذه فسرها صدر الأفاضل في شرحه على المفصل في النحو، طبعًا في غير مظنها، يعني في غير مظلات، يعني لديك اكتبوها ولا تسجل الآن، هذا في باب المنصوب، بلادنا للجنس، في باب المنصوب. فقال: وكان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: شعر تهامي إذا أنشد وجد البرد. وهذه كناية عن ذهابه عن المتانة.
نقطة مهمة، تهامة هي المنطقة الساحلية المحاذية للبحر الأحمر من شبه الجزيرة العربية، وعندك بعد ذلك الحجاز وعندك نجد. يريد من قول هذا، شعر حجازي كما قال هنا: «حجازي يكد البرد»، النقل هنا عن جرير. قال: إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: شعر تهامي، وهنا الشاعر الأخطل عن كثير قال: «حجازي يكد البرد»، كذلك أنا نقلت بعض النصوص ربما في مناطق أخرى.
هناك كلمة، هذا الباحث لابد أن يجمع المتشابهات ليستخرج الفكرة. هناك كلمة أن ابن المنذر لما سمع شعر النابغة لما كان يتوعده بالقتل، لما ظنه قيل له إنه هجاك عند الغساسنة أعدائك، فذهب إليه وأنشده المعلقة أو بعض شعر الآخر العيني ممكن، فلما قدم قصيدته تتلى بين يديه وكذا، قال النعمان بن المنذر لما سمع النابغة: «هذا شعر علوي»، يعني من العالية. هذا شعر علوي، كأنه قصد أنه نجديا، لم يأتني من هنا، أو قال هذا شيء من أرض نابغة، هذا شعر عالي خلاص. وكتبت هنا أيضًا ومثله قاله أبو عمرو ابن العلاء في وصفه بعض الشعر بالعلوي، يعني شعر نجدي خلاص، فيقول إنه شعر تهامي لا يتحمل برد عالية نجد. وهذا قاله الأخطل في شعر الشام، هنا خلاص، يعني مرة الشام ومرة نجد، أراد أن شعر الشام قوي، ومثله شعر العراق والشعر نجد قوي، أين رق الشعر؟ جداً على يد الغزيلين في الحجاز.
كما قال: «تهامة على يدي الغزيلين والعذريين». ما هم الذين كانوا في هذه المناطق؟ الحجاز، الغزيلون والعذريون. فرق الدكتور شوقي ضيف، قلت لكم بعض الدراسات التاريخية تفيد دون تفسير الشعر، لكن تفيد في رصد الظواهر. قال: لماذا ظهر الغزيلون والعذريون في مكة والمدينة والحجاز، بينما الشعر كان قوياً عنيفاً هجائياً سياسياً في العراق وفي الشام؟ لماذا؟ قال: لأن هؤلاء الذين عاشوا في هذه الفترة الأموية، لأن العذري الأموي الذين عاشوا الفترة الأموية، وأكد يكون إجماع الباحثين التاريخيين المعاصرين عبد القادر القط وشوقي ضيف، يقول هؤلاء الذين عاشوا في الفترة الأموية عُزلوا سياسياً، فكانوا مع طبيعة البادية بعيداً عن أي لجاج وعن أي حروب وكذا، تأتي الخلافات وعليهم وهم ليسوا مؤثرين فيها من بعد ما استولت بنو أمية على الخلافة وجعلت مقرها الشام، فقال: عُزلوا تماماً.
فأهل المدن غلب عليهم المجون والغزل كعمر بن أبي ربيعة، وأهل البادية الذين هم لقط بطبيعتهم غلب عليهم الشعر العذري، قلبه يتعلق بواحدة ويظل يهيم، والآخر يتغزل بكثيرات. ليه؟ ما هو في موضع حج، يعني المدينة مزار ومكة مزار، فها مرة من العراق ومرة من الشام ومرة من اليمن ومرة وهكذا، شعر عمر بن أبي ربيعة والشعر الأحوص والعرج، خلاص. لكن أهل البادية، أهل القبيلة النائية البعيدة المترامية، لا كثافة لا زيارات كذا، لا تتعلق قلبه بواحدة من قبيلته وخلاص ويظل يتكلم على هذا الأساس. فهذا كله تعليل تاريخي للتوزيع، ليس لتفسير القصائد. شيء آخر، نقبل من المؤرخين كعبد القادر القط ومن يفسرون الاجتماعي هذا القدر في تأويل الظاهرة، وقد نختلف معهم في بعضها بطرح أسئلة عليها، لا إشكال، لكن قد نقبل منها كثيراً، لكن بعد ذلك تفسر القصيدة بها لا شيء آخر.
فكذلك في هذا الوقت كان هذا الشعر الحجازي الغزالي وكذا، هذا كان شعراً رقيقاً إذا كان بين الحجازيين أو التهاميين كان مقبولاً رقيقاً وكذا، أما إذا قورن بشعراء الحجاز لأن الخريطة تغيرت. انتبهوا، قد تقول طيب الحجاز هي مهبط الوحي وكان فيها الشعراء وكان سكنوا قريب من كذا، أقول لك لا، ما الخريطة تغيرت. ما هو بنو أمية أين ذهبوا؟ إلى الشام. من العرب أين ذهبوا؟ العراق. واضح طبيعة الحجاز في هذا الوقت العزلة، حتى عللوا من علة انتشار الغناء فيها، كان هذا الأمر والاستعمال المعازف والآلات، ومن علة رقة طبيعة أهل الحجاز أنهم عُزلوا تماماً عن أي لجاج سياسي وكذا. ولهذا قالوا الأمويون كانوا يصدقون عليهم ويحققون لهم مساحة من الحرية حتى ينشغلوا عن المطالب السياسية والنظر في السياسة والحكم، هذا ليس بعيداً لأن قد يكون قريباً.
قال الأصمعي، شوف حتى هنا في الحاشية 242، قال ابن سلام في الطبقات: قدم كثير وعزه على عبد الملك بن مروان الشام، فأنشده الأخطل عنده، فقال عبد الملك: كيف ترى يا أبا مالك؟ عبد الملك يقول الأخطل طبعاً، إيش وظيفته الأخطل عند عبد الملك بن مروان؟ يمدحه، يهجو الأعداء، يهز الأعداء. قال فأنشده هو الأخطل عنده، فقال عبد الملك: كيف ترى يا أبا مالك؟ قال: أرى شعراً حجازياً مقروراً، لو ضغطه برد الشام اضمحل، يعني بمجرد أن يخرج إلى الشام سيضعف، كذلك لو خرج إلى العراق نفس الكلام. أنت ترى، شوف أنا أسمع أشعار إخوة لنا من السعودية وكذا ما زالت أشعار رقيقة هكذا، انظر إلى نفسية عبد الحق عقيل العميدي العراقي الحلي، وينزل قبل أن يخرج الشاعر ترى يأتي من داخله خلاص مع.
إنه عربي هو شريف، واخذ بالك حسيني. على ما أذكر، فإذا أنشد الشعر خرج من داخله، مع أنه أصله مكي، لكن الخارطة تغيرت.
قال الأصمعي يوماً لتلميذ أبي حاتم: «أشعرت أن ليلى الأخيلية أشعر من الخنساء؟». الخنساء أشعر، لكن ليلى فيما شعر به الأصمعي أشعر. أنا شعرت بهذا في الحقيقة قبل حتى أن أقرأ هذا الكتاب أو أحصل عليه.
وقال لي مرة الزبرقان: «فارس شاعر غير مطيل». انظر، قال مطيل ولم يقل مقل، إذاً هو كلامه ينصرف إلى القصيدة غالباً، والله أعلم. قال غير مطيل، أي لا يطيل القصائد. وقال مالك بن نويرة: «شاعر فارس مطيل»، يعني يطول القصيدة، يعني واحد فارس يقول المقطعات، والمقطعات أنسب مع قضية الفروسية والحروب وكذا، وإنشاد الأشعار في المواقف السريعة. لكن هذا مالك بن نويرة شعره سريع، هذا هو، وله مرثية، ومالك بن الريب مرثيته الأشهر بيننا الآن.
وقال الأصمعي: «ليس في الدنيا قبيلة، على كثرتها، أقل شعراً من بني شيبان وكلب». وقال: «وليس لكلب شاعر في الجاهلية قديم»، قال: «وكلب مثل شيبان أربع مرات». وهذا لا يجعلك الآن تستغرب انقراض الشعر منه، عادي، ممكن تبقى شعلة تقول لك مثلاً بلد الفلاني أو الفلاني لا ترى فيه اثنين شعراء أو ثلاثة. ولا تستغرب أنك لا تقول الشعر، أقول لك ليس في الدنيا قبيلة على كثرتها أقل شعراً من بني شيبان وكلب، وليس لكلب شاعر في الجاهلية قديم، تخيل! قال: «وكلب مثل شيبان أربع مرات».
حدثنا أبو حاتم، من الذي قال؟ تلميذ أبي حاتم، حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي، قال: قيل لحسان: «من أشعر الناس؟»، قال: «أشعرهم رجلاً أم قبيلة؟»، قيل: «بالقبيلة»، قال: «هزيل». قال الأصمعي: «فيهم أربعون شاعراً مفلقاً، وكلهم يعدوا على رجله، ليس فيهم فارس». يعني أربعون شاعراً مفلقاً فقط من المترجلين، فما بالك والشعر كريم بالفروسية أكثر؟
وذكر أبو فرج الأصفهاني عن الأصمعي قال: «إذا فاتك أن تكون شاعراً، أو ساعياً، أو رامياً، فلا خير فيه». يعني إما أن يكون شاعراً أو ساعياً أو رامياً، من فاته ذلك فلا خير فيه. قال أبو حاتم: سألت الأصمعي: «فمن أشعرهم؟»، هذه المرة ليس قبيلة، الأشعر الناس فرداً، قال: «فمن أشعرهم؟» يعني رجلاً واحداً. قال: «أما حسان...»، فلم يقل في الواحد شيئاً، وأنا أقول أشعرهم واحداً هو النابغة الذبياني، وإنما قال الشعر قليلاً وهو ابن خمسين سنة، هذا عجب.
النابغة مقل، قال الشعر قليلاً، قال قصائد قليلة وهو ابن الخمسين سنة، وصار عند العرب أشعر الناس، رأيته لا ينظرون بالأقدمية ولا ينظرون بالشهرة والتقادم. وقد يتخيل ظل إلى عمر الخمسين، وقيل أربعين، ظل لا يعرف بأنه شاعر، بمجرد خرج قليلاً بالشعر، قال قصائد قليلة، أعطوه مكانة في الشارع وحكموه. انظر إلى الموضوعية، هذا الأمر أقف عنده كثيراً جداً. حتى لو عندك في الجامعة قديم وحمار، لكن يخرج من تحته أو يأتي بعده بدفعات طالب ويجتهد، تقول له: يا دكتور، من متى؟ يقول لك: أنا عارف أن دكتور من زمان، من زمان.
لكن شوف، النابغة الذبياني أشعرهم واحداً، وإنما قال -طبعاً يتكلمون عن طبقة لأن مراقس كان طبقة يتحدثون عنه كأنه خلاص أمر مفروغ منه ليس داخل معنا في الحسابات- قال: «وأمرؤ القيس وإنما قال الشاعر قليلاً وهو ابن الخمسين سنة». تخيلوا! أشعر الشعراء، فحول الجاهلية مقلون، هذه نقطة ينبغي الوقوف عندها. أفحل اثنين في الجاهلية مقلون: امرؤ القيس، وزهير أيضاً يعتبر مقلاً بالنظر إلى تحفظه. هذه الظاهرة بين امرئ القيس والنابغة وبين زهير بعيدة، أبو عمرو يقول إن زهير لا يبلغ أن يكون أجيراً عند النابغة، المسافة بعيدة جداً.
لكن تنظر لامرئ القيس والنابغة، كلاهما شاعر مقل، وواحد منهم قال الشعر كبيراً بعد الخمسين، فإذاً قضية النبوغ ليست قضية شهرة وسمعة وسبق من الصغر، وهذا يجعلك تتأنى ولا تتعجل، تظن أنك إذا لم تدرك الآن أن تقول بسرعة وأن تقول شعراً غزيراً لن تأخذ مكانك، لا، ستأخذه على الأقل عند النقاد الفاهمين بعد عشرين سنة، تخرج بقصيدة عالية جداً تحتل بها الواقع، تضرب في الناس الفاهمين. لكن إذا كانوا العاديين، والله يقول أي شيء سيعجب، مثل غني عمرو دياب، كل ما تنزل تعمل شهرة أكبر. فلو هذا المعيار ما تريد خلاص، أنت ممكن تترك الشعر كله أصلاً.
لماذا كان يخفي قطعا؟ كان ينقح، لكن هو بعد أن قال الشعر صار يكرر هذه المعادن. وإشارة ابن المنذر، نعم، لقب بهذا. وقال النابغة الجعدي: «أفحم ثلاثين سنة»، بعدما قال الشعر، ثم نبغ هذا ينفي عنك اليأس. ظل ثلاثين سنة مفحماً، بعدما قال الشعر ثلاثين سنة ظل مفحماً إلى أن قال: «ثم نبغ». قال النابغة: ثلاثين سنة بعدما قال الشاعر، ثم قال والشعر الأول من قوله جيد بالغ والآخر كله مسروق وليس بجيد.
قال أبو حاتم: قال الشعر وهو ابن ثلاثين سنة، فقال ثلاثين سنة، ثم أفحم ثلاثين سنة ثم نبغ، فقال ثلاثين سنة. قلت للأصمعي: شوف الحركة القادمة هذه، هقرأ هنا كلاماً مهماً جداً لصاحب المرزباني. قلت للأصمعي: كيف شعر الفرزدق؟ قال: «تسعة أعشار شعره سرقة»، وكان يكابر. هنا يعقب المرزباني على قول الأصمعي بقوله: «وهذا التحامل شديد من الأصمعي، وتقوّر على الفرزدق لهجائه بأهله»، لأن الأصمعي بهجأ بأهله. سبحان الله! وابن المعتز لم يترجم لابن الرومي في طبقات الشعراء، هو حقه، لماذا؟ لأنه هجا بها، هجاء أباه أمر صعب في الأخير، قضية التجرد الكامل على كل مستوى هي قليلة. وهذا تحامل شديد من الأصمعي، وتقوّر على الفرزدق لهجائه بأهله، ولسنا نشك أن الفرزدق قد أغار على بعض. هذا كلام المرزباني: «ولسنا نشك أن الفرزدق قد أغار».
على بعض الشعراء في أبيات معروفة؛ فإما أن نطلق أن تسعة أعشار شعره سرقة، فهذا محال؛ لأنه لو أخذ مكانه في تسعة أعشار صدقه ما كان ليكون الفرزدق. لو ثبت عن الأصمعي أنه عركه، لكان غير محسوبة. وعلى أن جريرًا قد سرق كثيرًا من معاني الفرزدق، وقد ذكرنا ذلك في أخبار الفرزدق في هذا الموشح صفحة كذا وكذا.
قال: «وأما جرير فله ثلاثمائة قصيدة ما علمته سرق شيئًا قط إلا نصف بيت»، قال: «لا أدري لعله وافق شيئًا»، قلت: «ما هو؟»، قال: «هجاء»، قلت: «ما هو هجاء؟»، فلم يخبر. قال أبو حاتم: «وقد رأيته أنا بعد في شعره».
جاءت هذه الفقرة في الموشح هكذا: سمعت الأصمعي يقول: تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة، وكان يكابر، أما علمته سرق إلا نصف بيت، قال: لا أدري ولعله وافق شيئًا، قلت: وما هو؟ فقال: هجاء، ولم يخبرنا به. قال أبو حاتم: وقد رأيته أنا بعد في شعره، والبيت يقصر باع العاملي عن العلا، ولكن كذا. نعم، قال ابن دريد: وهذا البيت لغيره، وهو قديم. أنا لم أقرأه من قبل، فانتبهت للآخر.
قال أبو حاتم: حدثنا الأصمعي قال: أظن جميل بن معمر ولد في الجاهلية. جميل بن معمر العذري ولد في الجاهلية، جميل بثينة ولد في الجاهلية. قال: والأحوص هذا من السادسة الإسلامية، وكان قليل المروءة والدين، هجاء للناس، مابونا فيما يروى عنه. الأحوص هذا الذي قالوا إنه يناظر عمر في الغزل، والأعرج الثالثهم، لكن الأحوص هذا كان خطيرًا وسيرته سيئة جدًا.
قال: «والأحوص مولد نبت بقباء حتى هرم»، أيضًا مغبون في علمه أو في علم الشارع، عنه عمر بن أبي ربيعة، عمر غطى عليه. حدثنا الأصمعي قال: قال فلان إنما كثير كربج، يعني أنه كان يبيع في محل علافة. وصاحب الكلمة هنا يريد الحق من قدره، كثير وهيهات وهيهات.
حدثنا الأصمعي قال: قال فلان، إنما كثير كربج، فلان نكرة، قال: فلان إنما كثير كربج، يعني صاحب كربج، كان يبيع الخبط الذي هو العلف والقطران. قال الأصمعي: كان أبو ذئيب راويه، ساعده بن جُعَيْه. هنا الكلمة لابد أن أصححها يا إخوة، وشذَّ عليه في أشياء كثيرة، فذكر في قافية والح في شعرهم. هذه العبارة تالفة في هذه النسخة، يقول: وشذَّ عليه، يعني من الذي شذَّ؟ أبو ذئب شذَّ على ساعده وشذَّ عليه في أشياء كثيرة، فذكر في قافيته والح في شعرهم. هذه العبارة مضطربة جدًا في هذا الكتاب، وفي نسخة دار الجيل لهذا الكتاب نفسه بالتحقيق عبد المنعم الخفاجي: «وشدَّ عليه في أشياء كثيرة، فذكر في قافيته والح في شعره».
هنا ضبطها بماذا؟ فذكر في قافيته، يعني والح في شعرهم، واضح العبارة هنا تالفة، وضعوها بين قوسين «وشذَّ إلى شعرهم» لأنها ستصحح. في النسخة الأخرى، نسخة دار الجيل لهذا الكتاب بالتحقيق عبد المنعم الخفاجي، النسخة الصغيرة بحجم الكف، وربما كانت موجودة أو أشهر من هذه النسخة في مصر، وإن كانت هذه في الجملة أصح، لكن في هذه العبارة سنصحح، يقول: «وسدَّ عليه» هكذا ضبطها، «وسدَّ عليه في أشياء كثيرة، فذكر في قافيته والح في شعره».
إذن أول شيء كلمة شذَّ غلط، كتبها سدَّ، وكلمة ذكر جعلها مهملة، وهذا يفتح الأفق للتفكير فيها، «والح في شعره» لا «في شعرهم». ومن يعرف شعر أبي ذئب وساعد بن جُعَيْه يعلم أن الصواب «وسدَّ عليه». والسد عليه يعني اتكأ عليه واعتمد عليه، هذا معنى التوسد هنا، يعني قال: على قافيته وسدَّ عليه في أشياء كثيرة، فذكر في قافيته، وأيضًا كلمة قافية ليست قافية، قافيته في النسخة التي هناك: «ذكر في قافيته»، يعني قلده في كثير من القوافي، «والح في شعره»، يعني اعتمد عليه كثيرًا في الاقتباس منه.
تكون العبارة هكذا: «وسدَّ عليه في أشياء كثيرة، فذكر في قافيته»، عن تفسير التوسد عليه، «فذكر في قافيته والح في شعره». العبارة التي هي في العينيه والدهر لا يبقى على حدثانه، والتي قررت ثلاث مرات في القصيدة، هذه عبارة ساعد بن جُعَيْه بنصها في شعره هكذا: «وسدَّ عليه في شعره، وذكر في قافيته والح في شعره». فلا بد أن تصحح العبارة هكذا إن شاء الله.
قال: واستجاد هذه الجيمية لأبي ذئب، ليست العينيه، لا، هذه الجيمية التي نعرفها. قال: واستجاد هذه الجيمية لأبي ذئب، من الذي يقول واستجاده؟ أبو حاتم استجاد الأصمعي هذه الجيمية، قال: «ليس في الدنيا أحد يقوم للشماخ في الزائى والجيمية إلا أن أبا ذئب أجاد في جيميته حدا لا يقوم له أحد»، قال: هي التي قال فيها الشطر الثاني: «برك من جذام لبيج».
قال الأصمعي: النمر بن تولب جاهلي إسلامي، هذا في الطبقة الثامنة عند ابن سلام. النمر بن تولب كما قال هنا: «جواد لا يليق شيئًا»، يعني يعطي ولا يبقي عنده شيئًا، يعطي حتى ينفذ كل ما عنده، وكان شاعرًا فصيحًا جريئًا على المنطق، وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيس لحسن شعره. هذا النمر بن تولب، أظنه هو الذي له البيت الذي يقول فيه: دعاني العذارى عمهن فجاه ... إنه كبر
دعاني العذارى عمهن وخلتن ليسمن، فلا أدعى به، وهو أوله. مثله البيت لزهير بن أبي سلمى يقول فيه: وقال العذارى إنما أنت عمنا ... وكان الشباب كالخليط نزايله
طيب، قال الأصمعي: النمر بن تولب جاهلي إسلامي وطال عمره جدًا وتكلم في الشيب، وله أبيات رائعة في الشيب، ربما هي أفضل ما قيل في الشيب كما قال البعض. قال: وقال الفرزدق للنوارم امرأته: كيف شعري من شعر جرير؟ تفاضي يا طرزخة! إيه رأيك أنا ولا هو واللي مراته؟ يعني كيف شعر من شعر جرير؟ فقالت: شاركك في حلوه وغلبك على مُرّه. يعني ما قلت فيه جيدًا، شاركك فيه وغلبك على مُرّه، يريد أنه يتحدث أفضل من الفرزدق. حتى لما مات الفرزدق، ناحت عليه زوجته بشعر جرير، فقالت: «شاركك في حلوه وغلبك على مرّه».
قال الأصمعي: سمعت أبا سفيان بن العلاء -وهو أخو أبي عمرو بن العلاء وكان من النحويين وأصحاب القراءات قائماً بعلم النسب، واسمه وكنيته أبو سفيان- روى عنه شعبة ووثقه يحيى. قال الأصمعي: سمعت أبا سفيان بن العلاء يقول: قلت لرؤبة: كيف رجزوا أبا النجم عندك؟ قال: كلمته التي عليها لعنة الله، لأنه استشهدها.
الحمد لله الوهوب، هذه اللامية الرجازية طويلة جداً، وقد سجلتها بالمناسبة على قناة موجودة. حدثنا الأصمعي: الكميت بن زيد ليس بحجة لأنه مولد، وكذلك الطرماح. انظروا إلى الطرماح والكميت، كلاهما عجب! الطرماح طائي، والكميت بن زيد أسدي.
ذكر ابن سلام وجده شاعراً، وقال قتيبة: الكميت بن زيد بن بني أسد، ويكنى المستهل، وكان معلماً. وحدثنا سهل عن الأصمعي عن خلف الأحمر قال: رأيت الكميت بالكوفة في مسجد يعلم الصبيان، وكان أصمّ لا يسمع شيئاً. وكان بينه وبين الطرماح من المودة والمخالطة ما لم يكن بين اثنين على تباعد ما بينهما في الدين والرأي؛ لأن الكميت كان رافضياً، وكان الطرماح خارجياً صفرِيّاً، وكان الكميت عدنانياً عصبياً، وكان الطرماح قحطانياً عصبياً لأنه طائي، وكان الكميت متعصباً لأهل الكوفة، والطرماح يتعصب لأهل الشام.
وكانت هذه آراءً سياسية. وكان الكميت شديد التكلف في الشعر كثير السرقة، ووقف الكميت على الفرزدق وهو ينشد، والكميت يومئذ صبي إلى آخره. وقال في الأسفل: والطرماح من فحول الشعراء الإسلاميين وفصحائهم، ومنشأه بالشام، وانتقل إلى الكوفة بعد ذلك مع من ورد من جيوش أهل الشام، واعتقد مذهب الشراة الأزرقة.
أخبرني ابن دريد قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: قال رؤبة: كانت الطرماح والكميت يذهبان إلى رؤبة صاحب الغريب صاحب اللغة، فيسألانه عن الغريب فيخبرهما به، فيأخذ الغريب وينثره في أشعارهما.
وكان جد الطرماح قيس بن جحدر، وهو الطرماح بن حكيم الطائي، ويكنى أبا نفر، وكان جده قاسم بن جحدر أثراً لملك من ملوك جفنة، فدخل عليه حاتم فاستوهبه فأطلقه، رحم الله حاتم. وقال: وذو الرمة حجة لأنه بدوي، وهذا من الثانية للإسلامية عند ابن سلام؛ قال: وذو الرمة حجة لأنه بدوي، ولكن ليس يشبه شعره شعر العرب. هو حجة من جهة النحو واللغة، أما قضية الشبه فتتعلق بفن الشعر وأساليبه، فهناك فرق بين الأمرين.
قال: إلا واحدة التي تشبه شعر العرب، وهي التي يقول فيها: إنَّ العِراقَ لَأَهْلِي لَمْ يَكُنْ وَطَنَا .. وَالْبَابُ دُونَ أَبِي غَسَّانَ مَسْدُودَا
تم والحمد لله وحده. ذو الرمة قصيدته مطولة، ظل يزيد فيها حتى مات. أنا شاعر شغوف به جداً؛ لأني أحب جداً المطالع الطللية والمشاهد وما يحصل من الحديث في نفس الشاعر والتعاطي مع الأطلال، فلذلك أحب ديوانه من هذه الجهة، وأحب أن أمر عليه مع مقدماته فقط، وقد ذكره في البائية أبو تمام.
انتهينا من الكتاب والحمد لله، لكن لابد أن نلخص الآن الأفكار التي أخذناها من هذا الكتاب. قبل ذلك، لا بد من معرفة كيف يتحدث الرجال في الحكم على الشعر بسهولة. واضح أن المقاييس من كمية القصائد والنظر فيها، وستلاحظون أول شيء أنه وضع معياراً هو القصيدة وليس الأبيات. حتى إنه جاء عند بعض الشعراء وقال: "انظر" -وهذا في جرادة بن عميلة لما قال له: أشعار تشبه أشعار الفحول وهي قصار- يعني يبدأ فيها ثم تكون قصيرة، فأصبحت تشبه أشعار الفحول وليست أشعار الفحول؛ إشارة إلى أن شعر الفحل عميق والقصيدة طويلة.
بمناسبة كلمة "كلمته" التي قال فيها كذا، فالقصيدة طويلة وتكون جيدة. يقول لك: له أشعار تشبه أشعار الفحول، يعني في أبياتها أول ما تبدأ فيها وهي قصار تنتهي، بخلاف ما أوهمتك في الأول، هي تشبه الفحول وليست هي؛ هذه مقادير قصيرة تشبه أشعار الفحول، أما الفحل فيطيل، فقصيدة الفحل طويلة. وهذه لعلها من المفارقات الغريبة على خلاف الأصل؛ ترى القصيدة الطويلة هي التي أبياتها ثقيلة، والقطعة القصيرة خفيفة، مع أن الأصل في المنطق وميكانيكية الأمور أن الأبيات القصيرة خفيفة والأبيات الطويلة ثقيلة، لكن العكس في القصيدة.
طبعاً كانوا يطيلون، وسنضرب في بطون المعاني وبطون أودية المعاني. ثم نلاحظ أن الأصمعي راعى قضية التكرار. هذا المبدأ الثاني؛ أولاً اعتبر القصائد، ثانياً اعتبر الإطالة، ثالثاً اعتبر التكرار. لو زاد شيئاً، لو قال ثلاثاً أو خمساً أو عشرين، إذا اعتبر الجودة مع القصائد مع الإطالة مع التكرار. بالضبط أن يكون له عدد ليس وفرة، أي ليس عدداً كبيراً مملاً. والنابغة مقل، ونُص على أنه مقل، وهذا مبدأ آخر؛ أن الكثرة ليست مطلقة، وإنما ينظر في النابغة الذبياني جعله الأول وهو مقل، وقال: "قليلاً بعد الخمسين قصيدة واحدة ولم يأتِ بمثلها".
إذاً القاعدة أيضاً أن الأمر تقديري في القصائد، ليس له عدد ثابت وليس له نظرة ثابتة، وكذا الأمر تقديري. تلاحظ أنه انتهى من فحولته في أول صفحة أو صفحتين، وهو تقريباً صاحب ثلاث مقادير بهذه المعايير، وصار أفعلهم على الإطلاق النابغة الذبياني، قال: "قليلاً بعد أن بلغ الخمسين".
فهذه كلها معايير، والفحول عند الأصمعي تعتبر بنوع من القيادة والإلهام والاجتماع، أن يكون مشرباً للشعراء، فمرتبة الشاعرية والإجادة تحت هذه الطبقة كثيرة، وقد تقيد بالفروسية أو بالعداء.
بالفتك وقطع الطرق وكذا، تقيد بالكرم؛ لأن هذه أشياء تروى عبر التاريخ، لكن في الأخير الشاعر المطلق في الشعر هذا شيء آخر. قد يشتهر الشخص وليس بشعره، اشتهر كما قلنا بالكرم وبكذا، خلاص. رأينا كيف حكموا على لبيد بن ربيع ليس بشعره، كيف حكم حسان بن ثابت على عمرو بن العاص ليس بشاعر أصلاً.
لبيد شاعر حتى في رأي الأصمعي، وعمرو شاعر لكن عمرو بن العاص ليس بشاعر، والذي حكم بهذا فحل كبير كحسان بن ثابت قال ليس بشاعر ولكنه عاقل. فالقضية، الشعر أيضاً هذا مفهوم ينبغي أن نستوعبه، أن قضية الشعر مفصولة تماماً عن قضية الفضل أو المكانة.
خلاص، فأنت تقول فلان ليس ماهراً، هذه قضية خلقية في الأصل، فطرة في الأصل، بالضبط. أصل الشعر موهبة ورزق، لن تستطيع أن تنمي ذلك إلا إذا كان الشاعر في داخلك، خلقك الله بطبيعة شاعرة، إذا لم توجد خلاص.
خلق شاعراً طبيعته، لما تقرأ شعره؛ خلق شاعراً، نابغة الذبياني شاعر، زهير شاعر، تشعر بأنهم في طبيعتهم شعراء، في طبيعتهم أن يكونوا شعراء. هناك في زماننا من في طبيعته أن يكون شاعراً ولكن لم يُطرح له أن يكون شاعراً بسبب الأحوال والظروف، ومن هنا قالوا: «لو بلغ فلان...»، هذه قاعدة مرت معنا: «لو أدرك من الجاهلية يوماً واحداً ما قدمت عليه أحداً».
لا، قالها؛ أبو عمرو عن الأخطل والأصمعي قال في الثلاثة: هؤلاء لو كانوا في الجاهلية لكان لهم شأن. يعني يعتبر ظروفاً، العراق في هذا الوقت في القرن الأول والثاني، هذه الظروف منعتهم أن يكونوا في الجاهلية، وهذا فيه إطراء شديد بالجاهلية، يعني يقول هؤلاء لو كانوا في الجاهلية لكن ظلموا، كان ممكن يكونوا كهؤلاء القدماء.
رأيت إلى أي حد شعورهم بالفصل أو بالفارق الذي هو بين الجاهلي والإسلامي؟ عجيب! إذا كان بدنا الجاهلي بالضبط، هناك القدماء يقول لك: طفيل شعره أشبه بالقدماء، طفيلي هذا، أستاذ زهير بن أبي سلمى. كل هذه التدقيقات والفروق الكبيرة في داخل تفاصيل الشعر تهول لك الأمر، وينبغي أن تهولك الأمر، لكن لا ينبغي أن يرهبك عن الإقدام.
خلاص، لكن يهولك لابد حتى تفهم أن الأمر ليس لعبة، وهذا هو خطأ المرحلة؛ لأن الناس ينظرون إلى الشاعر، الجواهري لما انقطع عن الشارع عاماً فسألوه؛ لأنه قبل ذلك كان يخرج قصيدة كل عدة أيام. شعر الجواهري في الأول كان لا شيء. الموضوع يحزن، من هذا يغضب، يقول: كيف تقول هذا؟ الجواهري الذي نعرفه هو المجلد الثالث، قصائد عشر قصائد، هو نفسه قال شعره كله لو في شهر عشر قصائد هي عوالي الشارع احتفي بها وكذا.
فبعد هذا الديوان في ستة مجلدات، تقول شعر عشر قصائد، لأنه كان يحب الشعر فيكتب هكذا. وما كان كما قلت في مجالسه، في بداية مجالسه التي عقدتها في مصر، ما كان يتحرى الإجادة، وهذا اختلاف في الطبائع. أنا مثلاً كتبت القصيدة أداعب بها أخي محمد، رد عليه، هذا استثناء لم أقصد فيه الإيجاد، قصدت فيه مجرد المداعبة واللعب وكذا، وإذا لم أحسن سأضعها في شعر الإصراف، لكن ليس عادة عندي أن أخرج وأقول الشعر هكذا وأن ألعب به كثيراً.
الجواهري كان يقول كان يكتب مقالاً أسبوعياً، يعني ترى عشرات القصائد في سنة واحدة، فكأنه كان يلعب. لما غاب عنهم سنة تضايقوا: وأين هو وكذا؟ فخرج بهذه القصيدة البائية.
ممكن نغلق.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد