قال رحمه الله تعالى: مسألة. قال أبو القاسم رحمه الله: ولا يتفلى المحرم، ولا يقتل القمل، ويحك رأسه وجسده حكا رفيقا.
اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في إباحة قتل القمل، فعنه إباحته؛ لأنه من أكثر الهوام، فأبيح قتله كالبراغيث وسائر ما يؤذي. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم»، يدل بمعناه على إباحة قتل كل ما يؤذي بني آدم في أنفسهم وأموالهم.
وعنه أن قتله محرم، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه يترَفَّه بإزالته عنه، فحرم كقطع الشعر. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى كعب بن عجرة والقمل يتناثر على وجهه، فقال له: «احلق راسك». فلو كان قتل القمل أو إزالته مباحا، لم يكن كعب ليتركه حتى يصير كذلك، أو لكان النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإزالته خاصة.
والصئبان كالقمل في ذلك. ولا فرق بين قتل القمل أو إزالته بإلقائه على الأرض أو قتله بالزئبق؛ فإن قتله لم يحرم لحرمته، لكن لما فيه من الترفُّه، فعم المنع إزالته كيفما كانت. ولا يتفلى؛ فإن التفلي عبارة عن إزالة القمل، وهو ممنوع منه.
ويجوز له حك رأسه ويرفق في الحك، لا يقطع شعرا أو يقتل قملة. فإن حك فرأى في يده شعرا، أحببنا أن يفديه احتياطا، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قلعه. قال بعض أصحابنا: إنما اختلفت الرواية في القمل الذي في شعره، فاما ما ألفاه ظاهر بدنه فلا فدية فيه.
ذكر هنا أن المحرم منهي عن التفلي، ذكر كمعنى المقصود بالتفلي أي إزالة القمل من رأسه وأكل القمل. وإذا حك رأسه فانه يحكه حكا رفيقا، وذلك لأجل يسقط شيء من شعره. فاذا هذا ادب يتعلق بمحظورين من محظورات الإحرام، وهو قص الشعر وقتل الصيد.
فهل هذا صيد؟ أقصد القمل صيد أو لا؟ وهل فيه فدية في قطعه أو نعم في قتله أو إلقائه أو لا؟ وكذلك إذا حك رأسه فنتج منه قطع شعر فهل يفدي أو لا؟ ما سيتكلم عنه في ذلك.
ذكر اختلاف الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله في إباحة قتل القمل، وذكر روايتين: الإباحة، والرواية الثانية التحريم. واستدل على الإباحة بوجود الأذى منه، فأبيح قتله كالبراغيث وسائر ما يؤذي، المحرم يجوز له قتل ما يؤذي يقولون: وهذا مثله.
طيب، ذكر جوابا عن اعتراض مقدر، قال: قول النبي صلى الله عليه وسلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرام. يعني هنا النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس فواسق في الحل والحرم ولم يذكر القمل، فهل هذا يدل على أنه لا يقتل المحرم؟ قال: لا، هذا ناخذ منه المعنى، وذلك قال يدل بمعناه على إباحة قتل كل ما يؤذي بني آدم في أنفسهم؛ فالخمس الفواسق هذه ذكرت من باب المثال، واجتمعت في أنها كلها تؤذي، فيقاس عليها كل مؤذ، والقمل مؤذ.
والثاني الرواية الثانية: تحريم قتل القمل على المحرم، وذكر الزركاشي رحمه الله أن هذا أنص الروايتين للإمام أحمد رحمه الله، وذكر الموفق أن هذا ظاهر كلام الخرقي، الخرقي قال: لا يقتل القامل. هل المراد أنه يحرم أو لا يحرم؟ ظاهره أنه يحرم. لماذا؟ استدلوا بأدلة.
الدليل الأول: أنه ترفُّه فمنع منه المحرم كقطع الشعر؛ قالوا قطع الشعر ممنوع منه المحرم لأنه ترفَّه، وهكذا قتل القمل. والأمر الثاني في حديث كعب بن عجرة: النبي صلى الله عليه وسلم رأى القمل يتناثر على وجهه وأذن له بحلق الرأس، ولم يقل له اقتل القمل أو ألق عن رأسك، ولو كان قتل القمل أو إلقاؤه عن رأسه جائزا لفعله كعب قبل أن يكثر في رأسه.
هذان الروايتان وأدلتهما. قال: والصئبان كالقمل في ذلك. الصئبان اللي هي بيض القمل. قال: ولا فرق بين قتل القمل أو إزالته بإلقائه الأرض يعني اللي هو التفلي، التفلي يلقاه الأرض أو قتله يقول: كلها حكمها واحد، سواء قلنا إنها كلها محرمة أو كلها مباحة.
قال: قتله لم يحرم لحرمته. يعني لا نقول إن قتل القمل محرم لحرمة القمل، لكن لما فيه من الترفه فعم المنع إزالته كيفما كانت؛ يعني سواء كان بقتله أو بإلقائه إلى الأرض. قال: وتفلي بين التفلي عبارة عن إزالة وهو ممنوع منه.
ويجوز له حك رأسه ويرفق في الحك، ويرفق في الحك كي لا يقطع شعرا أو يقتل قملة. فاذا حك الراس جائز، قد يتسبب ذلك في إلقاء الشعر أو قطع الشعر أو إلقاء القمل، يقول يحك حكا رفيقا لا يتسبب إلى ذلك.
طيب، إذا حكه فوجد في رأسه شعرا فهل يفدي أو لا؟ هنا المؤلف رحمه الله قال: أحببنا أن يفديه احتياطا ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قلعه. لماذا؟ لأنه قد يحك رأسه فيعلق في يده شعر، كان هذا الشعر ميتا من قبل، فلم يعلق بيده من أثر الحك، وإنما هو من الأصل ميت لكنه ملتصق بالجسم أو بالجلد، فاذا حك شعره فيلصق بيده ويسقط، فهو لم يتسبب بقطعه.
فلذلك لما اختار هذا الاحتمال، فلما ثار هذا الاحتمال والأصل براءة الذمة، قال المؤلف: لا يجب عليه لأنه لم يتيقن، لا يجب عليه لأنه لم يتيقن؛ لان الأصل براءة الذمة، لكن قال: أحببنا أن يفدي احتياطا.
قال بعض أصحابنا، وهذا نقلت لشيخنا القاضي: إنما اختلفت الرواية في القمل الذي في شعره، فأما ما ألقاه من ظاهر بدنه فلا فدية فيه. يعني عندنا قمل في الشعر وقمل في سائر البدن، القمل الذي في الشعر هو الذي فيه الروايتان، أما القمل الذي في سائر البدن فهذا لا فدية فيه رواية واحدة، هذا على قول القاضي ومن تبعه.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان