دخولتسجيل الدخول

التعليق على المعني - تتمة كتاب الصيام والحج - حكم التلبية في الإحرام وفضلها ومتى يبدأ المحرم التلبية

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس الرابع من مجالس التعليق على كتاب الحج من المغني في موسمه الثاني، وقد وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: فإذا استوى على راحلته لبى.

نعم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال رحمه الله تعالى: مسألة، قال أبو القاسم رحمه الله: فإذا استوى على راحلته لبى. قال الشارح رحمه الله: التلبية بالإحرام مسنونة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر برفع الصوت بها، وأقل أحوال ذلك الاستحباب. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج. وهذا حديث غريب. ومعنى العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إهالة الدماء بالذبح والنحر. وروى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا». رواه ابن ماجه.

وليست واجبه، وبهذا قال الحسن بن حي والشافعي. ومن أصحاب مالك أنها واجبه، يجب بتركها دم. وعن الثوري وأبي حنيفة أنها من شرط الإحرام لا يصح إلا بها كالتكبير للصلاة؛ لأن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ قال ابن عباس: الإهلال. وعن عطاء وطاووس وعكرمه: هو التلبية؛ ولان النسك عبادة ذات إحرام وإحلال، فكان فيها ذكر واجب كالصلاة.

ولنا أنها ذكر فلم تجب في الحج كسائر الأذكار، وفارق الصلاة، فإن النطق يجب في آخرها فوجب في أولها، والحج بخلافه.

قبل أن نبدأ فيه، مسألة في الدرس الماضي، التي هي الاشتراك في الإحرام، يعني ذكرت في الدرس الماضي أن الأصحاب رحمه الله تعالى يفرقون بين ما إذا قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وبين أن قال: إن حبسني حابس فلي أن أحل. وقلت إن المشهور عندهم التفريق، وأنه إن قال: فمحلي حيث حبستني، أنه يتحلل مباشرة، وإذا قال: فلي أن أحل، فإن الخيار له في التحلل من عدمه.

والحقيقة أن الأصحاب رحمه الله تعالى في المشهور عنهم لا يفرقون، وانه في كلا اللفظين الخيار له في التحلل من عدمه. إنما ذكرت التفريق هذا عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع، فهو يفرق بين اللفظين، فيتننبّه لذلك.

هنا قال رحمه الله: إذا استوى على راحلته لبى. تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن التلبية وأنها مسنونة، يقول: والدليل على سنّيتها فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، وأمره برفع الصوت بها. يقول: أقل أحوال ذلك الاستحباب، وأيضا تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم لها، افضل الحج العج والثج، أيضا الفضل الوارد فيها. ثم ذكر أنها ليست واجبه، وذكر أن بعض اهل العلم قال بوجوبها، منهم من يرى الوجوب فقط، ومنهم من يرى أنها شرط لصحة الإحرام، أي أنها مثل الدخول في النسك لابد أن يدخل في النسك بنية وتلبيه.

وذكر الدليل لمن قال بالوجوب أو الشرطية الاستدلال بالآية، فمن فرض فيهن الحج، وفرض الحج بالإهلال. وعبر يعني تقرير استدلالهم أنه عبر بالفرض، والفرض يدل على الوجوب، فهو وجب عليه ذلك بالإهلال. وأيضا قاسوه على الصلاة من حيث أن النسك عبادة ذات إحلال وإحرام، فكان فيها ذكر واجب كالصلاة. الصلاة فيها ذكر واجب اللي هو يعني يقصد في بدايتها ونهايتها، في بدايتها تكبيرة الإحرام، وفي نهايتها السلام. وكذلك فيقيسون عليها الحج بجامع أن كليهما فيه إحرام وإحلال، فكان في النسك، اللي هو الحج، ذكر واجب في بدايته، وهو التلبية.

والجمهور استدلوا بقياسها على سائر أذكار الحج، يعني مثل التكبير بداية الطواف، الدعاء في الطواف، الدعاء في السعي، تكبير أثناء رمي جمرة العقبة، كلها مستحبه، يقولون: فكانت التلبية مثله، بجامع أن كلا منها ذكر في الحج، فلما لم تجب تلك لم تجب التلبية. وقياسهم على ما ورد في الحج أقرب من قياس القول الثاني على ما ورد في عبادة أخرى.

طيب، قال: وفارق الصلاة. الآن يرد على دليل القول الثاني. قال: الصلاة اصلا هي يخرج منها بنطق، يعني يخرج منها بكلام، فلذلك ابتدئ بكلام. خلاف الحج، الحج لا يخرج منه بكلام، يتحلل ثم كلام، يعني لو أنه رمى وحلق وطاف وسعى ولم يتكلم تحلل. فيقول: فلما لم يخرج منه بكلام لم يجب الكلام في أولها، أما الصلاة فانه يجب الكلام في أولها واخرها.

ويجاب عن الاستدلال بالآية: فمن فرض فيهن الحج، أنه يقصد به أنه إذا دخل، إذا لبى صار الحج واجبا عليه، يعني أن اقصد أنه دخل في النسك. دخل في النسك بعد ذلك، فالفرضية لما بعد التلبيه فيما بعد التلبيه، والتلبيه شعار لها، حتى لو لم يلبي فإنه يدخل في النسك بالاحرام، يعني بنية الدخول في النسك.

نعم، احسن الله اليكم. قال رحمه الله تعالى: ويستحب البداية بها إذا استوى على راحلته، لما روى أنس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركب راحلته واستوت به أهل، رواهما البخاري. وقال ابن عباس: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل، يعني لبى. ومعنى الإهلال رفع الصوت بالتلبيه من قولهم: استهل الصبي إذا صَاح، والاصل فيه أنهم كانوا إذا رئي الهلال صاحوا، فيقال: استهل الهلال، ثم قيل لكل صائح مستهل. وانما يرفع الصوت بالتلبيه.

هنا ذكر أول وقت يستحب له البدء بالتلبيه، وقبل في الدرس الماضي ذكر أول وقت يستحب له الإحرام، يستحب له يعني الدخول في النسك. فهناك ماذا قال؟ يستحب الدخول في النسك متى؟ أظن أكثر من قول بس اللي اختاره: إذا صلى. وهنا قال: إذا استوى على راحلته. ففرق بينهما. والمشهور من المذهب التسويه بينهما، فيستحب بعد الصلاة الإحرام الدخول في النسك والتلبية، فبوقتها واحد على المشهور من المذهب. المشهور من المذهب أن الأولى أنه يلبي حين يحرم.

يقول شيخ الاسلام رحمه الله في شرح العمدة: وأكثر نصوص احمد تدل على أن زمن الإحرام هو زمن التلبية. وذكر وقال الشيخ رحمه الله أيضا: فمن زعم أنه أحرم ولم يلبي ثم لبى حين استوت به ناقته، فهو مخالف لجميع الاحاديث ولعامه نصوص احمد رحمه الله تعالى.

فهنا كلام الموفق رحمه الله التفريق بينهما، والشيخ رحمه الله يرى أن التفريق بينهما لم تدل عليه الأدلة، وأيضا لا تدل عليه أيضا نصوص الامام احمد رحمه الله. وما استدل به الموفق هنا رحمه الله من التفريق يقال فيه ما قيل في اختلافهم هناك في متى أحرم. قلنا في الجمع هناك أن بعض الصحابه سمعه أحرم حين انتهى من الصلاة، وبعضهم سمعه أحرم حين ركب راحلته، وبعضهم سمعه أحرم حين استوت به على البيداء، وهكذا.

هاه، قال الامام احمد رحمه الله في رواية الأثرم: قد يكون الرجل محرما بغير تلبيه إذا عزم على الإحرام، وقد يلبي الرجل ولا يحرم ولا يكون عليه شيء وهو يعزم على الإحرام، فإذا بعثت به راحلته لبى. وهذا يعني أنه لا يقصد أنه إنما يبدأ بالتلبية ههنا.

شيخنا، مسألة الاستواء، تطبيق اليوم، ليكون في مجرد أو استوى على راحلته، هنا نقول: لعل الظاهر، يعني إذا أراد أن نطبقها، إذا ركب وعزم على المشي، يعني ليس مجرد الركوب، ركب مثلا ركب الركاب الذين معه ثم بدأوا في المشي، فهنا استوى على راحلته، وهذا هو الذي استقر عليه، اقصد أنه يلبي حين يحرم، هذا هو الذي استقر عليه قول القاضي وغيره من الأصحاب، وهو الذي عليه المتاخرون من الحنابله رحمه الله تعالى.

وقد نص الامام احمد رحمه الله في رواية المروذي على أنه يصل الإحرام بالتلبية، وقال في رواية حرب وقد سأله عن الرجل إذا أحرم في دبر الصلاة أيلبي ساعة يسلم أم متى؟ قال: يلبي متى شاء ساعة يسلم، وإن شاء بعد ذلك وسهل فيه. وقال الشيخ رحمه الله: وأكثر نصوص الامام احمد تدل على أن زمن الإحرام هو زمن التلبية.

إذاً ما استدل به الشيخ رحمه الله هنا من تفريق بين الإحرام في النسك والتلبيه يقال فيه: إنه مثل هنا لما ركب راحلته واستوت به أهل. نقول: هذا ما سمعه أنس بن عمر، وسمع غيرهم أنه لما صلى أهل، وكذلك حديث ابن عباس: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل. المراد أنه لم يهل، المراد أنه أهل قبل وأهل هنا. ولذلك ابن عباس هو الذي جاء عنه أنه أهل ثلاث مرات: لما ركب، ولما فرغ من صلاته، ولما ركب راحلته، ولما استوت به على البيداء.