دخولتسجيل الدخول

التعليق على المغني - كتاب الحج - باب ذكر الإحرام 1 - تطييب البدن قبل الإحرام

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

وقال رحمه الله تعالى مسألة: قال أبو القاسم: ويتطيب.

قال الشارح رحمه الله: وجملة ذلك أنه يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية، وأثره كالعود والبخور وماء الورد. هذا قول ابن عباس وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعائشة وأم حبيبة ومعاويه، وروي عن محمد بن الحنفية وأبي سعيد الخدري وعروة والقاسم والشعبي وابن جريج، وكان عطاء يكره ذلك وهو قول مالك، وروي ذلك عن عمر وعثمان بن عفان رضي الله عنهم.

واحتج مالك بما روى يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ وسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال: «اغسل الطيب الذي بك» قال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك. متفق عليه. ولانه يمنع من ابتدائه فمنع من استدامته كاللبس.

ولنا قول عائشة: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. قالت: وكاني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: طيبته بأطيب الطيب، وقالت بطيب فيه مسك. وفي لفظ للنسائي: كأني أنظر إلى وبيص طيب المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أحسنت. هنا قال ويتطيب، يعني يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة. قوله خاصة لإخراج التطيب في ثوب الإحرام، وهذا طبعا قبل أن يبدأ بالإحرام، أما بعد أن يشرع في الإحرام -بعد أن يعني يدخل في النسك- فإن استعمال الطيب من المححظورات، لكن يقول قبل الإحرام فهنا يستحب أن يتطيب في بدنه خاصة دون الثوب، والثوب يكره تطيبه قبل الإحرام على الصحيح من المذهب، وقال بعض الأصحاب منهم الآجري رحمه الله إنه يحرم تطيب الثوب.

الإمام أحمد رحمه الله قال في رواية المروذي: إن شاء تطيب قبل أن يحرم. وقال عبد الله: سألت أبي عن المحرم التطيب أحب إليك له أم ترك الطيب؟ قال: لا باس أن يتطيب قبل أن يحرم، ونذهب فيه إلى حديث عائشة الذي ذكر الموفق رحمه الله هنا، وكذلك نقل حنبل.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة: وإنما لم يؤكده -يعني الإمام أحمد رحمه الله ما ذكر استحبابه استحبابا مؤكدا هنا، يعني في رواية المروذي قال: إن شاء تطيب، وفي رواية عبد الله قال: لا باس يتطيب- قال: وإنما لم يؤكده لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به، وإنما فعله، ما أمر به أمرا عاما لكنه فعله. قال: فيجوز أن يكون فعله لأنه عبادة، ويجوز أن يكون فعله على الوجه المعتاد؛ يعني فعله لأنه عبادة فيشرع الاقتداء، ويجوز أن يكون فعله على الوجه المعتاد؛ يعني لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتادا على التطيب، لذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب» وكان عليه الصلاة والسلام يكره أن توجد منه الرائحة الكريهة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الطيب. فهل استعماله للتطيب قبل الإحرام على سبيل العبادة أو على سبيل العادة؟ يقول: لما تردد هذا شيخ الإسلام رحمه الله الآن يستنبط من كلام الإمام أحمد، يقول: لما تردد هذا قال الإمام أحمد: لا باس؛ ما جعله في رتبه المستحبات المؤكدة. قال الشيخ رحمه الله: وظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله أنه مستحب غير مؤكد بحيث لا يكره تركه، بخلاف الاغتسال والتنظف، يعني أن استحباب الاغتسال والتنظف هذا استحباب مؤكد، والتطيب استحباب أقل منه تأكيدا.

هنا يقول: ولا فرق بين ما يبقى عينه أو أثره، يعني ما يبقى عينه كالمسك أو له اثر فقط بدون عين كالبخور، فكله مستحب أن يفعله المسلم المحرم قبل أن يدخل في الإحرام. قال: هذا قول ابن عباس، ابن الزبير رحمه الله يقول مسلم بن الصبيح: رايت ابن الزبير وهو محرم في رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل اتخذ منه راس مال، يعني يقول من كثرته لو أن شخصا جمعه جعله رأس مال يتاجر به من كثرته. هذا القول، أو القول الثاني كراهة ذلك، قول عطاء مالك وروي عن عمر وعثمان بن عفان، والكراهة يبدو أنها تحمل على التحريم وليست كراهة تنزيه.

واحتجوا بما في حديث يعلى بن أمية، وفي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل الذي أحرم وعليه أثر الطيب فقال: «اغسل عنك اغسل الطيب الذي بك، وانزع عنك الجبة». وأيضا هذا الدليل الأول، والدليل الثاني قالوا: يقاس على اللباس، اللباس والطيب كلاهما ممنوعان بعد الإحرام. واللباس إذا لبس شيئا قبل الإحرام -يعني لبس خيطا قبل الإحرام ثم أحرم- فانه يمنع استدامته، قالوا: فكذلك الطيب إذا تطيب قبل الإحرام ثم أحرم فانه يمنع استدامته، إذا استدل بحديث يعلى بن أمية وبالقياس على اللباس في أنه يحرم استدامته، لماذا؟ بجامع أن كلا منهما يحرم ابتداؤه بعد الإحرام.

الجمهور استدلوا بحديث عائشة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. تقول: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. وهذا دليل واضح على أن النبي صلى الله عليه وسلم يتطيب قبل إحرامه ويرى أثر الطيب عليه بعد الإحرام. الآن سيتكلم على الجواب عن حديث يعلى بن أمية.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وفي بعض ألفاظه عليه جبة بها أثر خلوق رواه مسلم. وفي بعضها وهو متمضخ بالخلق. وفي بعضها عليه ردع من زعفران. وهذه الألفاظ تدل على أن طيب الرجل كان من الزعفران، وهو منهي عنه للرجال في غير الإحرام ففيه أولا، وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل، ولأن حديثهم في سنة ثمان وحديثنا في سنة عشر. قال ابن جريج: كان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر. فعند ذلك إن قدر التعارض فحديثنا ناسخ لحديثهم.

نعم، ذكر الجواب عن حديث يعلى بن أمية من وجهين: الوجه الأول أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الطيب لا لانه طيب لأجل الإحرام، ولكن لأنه من الزعفران، وقد نهي الرجل عن التطيب بالزعفران، جاءت أحاديث فيها النهي عن تطيب الرجل بالزعفران، فهذا الشخص تطيب بالزعفران فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل هذا الطيب، إذا لا لكونه محرما، ولكن لكون هذا الطيب من الزعفران.

الجواب الثاني: النسخ، يقول: حديث يعلى متقدم في سنة ثمان من الهجرة، وحديث عائشة متأخر في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، والمتاخر ينسخ المتقدم. وأجاب بعضهم بأن حديث يعلى فيه غسل أثر الطيب على الجبة، وحديث عائشة في تطيب البدن. وهناك من الأصحاب أو هناك من العلماء من قالوا: إن حديث عائشة محمول على الخصوصية بالنبي صلى الله عليه وسلم، هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأما بقية الناس فيمنعون من التطيب قبل الإحرام بدليل حديث يعلى. وهذا الحمل لحديث عائشة على الخصوصية ضعيف، لماذا؟ لان الأصل عدم الخصوصية، لا سيما وأن هذا أمر ظاهر، أقصى رؤية أثر الطيب على النبي صلى الله عليه وسلم بعد إحرامه، والنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حج معه قرابة مائة ألف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

وأما حديث يعلى فهذا في عمرة الجعرانة التي كانت بعد حنين في سنة ثمان، التي كانت بعد فتح مكة، النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة ثم ذهب إلى حنين ثم في الطريق وهو راجع باتوا في مكان يقال له الجعرانة، والنبي صلى الله عليه وسلم نزل إلى مكة وأحرم ثم رجعوا، لذلك كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة عشرة آلاف، وفي حنين كانوا اثنا عشر ألفا، لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وبات مكان الجعرانة ثم نزل، بعض الصحابة لم يعلموا بعمرته، فليس كل الصحابة الذين كانوا عالمين بعمره النبي صلى الله عليه وسلم اعتمروا ثم رجعوا، فعدد يسير جدا أقل من عشرة في المائة من عدد الصحابة الذين حجوا معه، فكوننا نقول إن الذي في حجة الوداع خاص به مع أنه فيه الجمع الكبير من الناس، والذي في الجعرانة هو الذي لعموم الأمة مع أنه عدد قليل، هذا فيه بعد، لا سيما وأن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم الاقتداء.

نعم، أحسن الله إليكم، وقال رحمه الله تعالى: فإن قيل: فقد روى محمد بن المنتشر قال: سالت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: لأن أطلى بالقطيران أحب إلي من ذلك. قلنا: تمام الحديث قال: فذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، قد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضخ طيبا. فإذا صار الخبر حجة على من احتج به، فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة على ابن عمر وغيره، وقياسهم يبطل بالنكاح؛ فانه يمنع ابتداؤه دون استدامته.

نعم، هنا ذكر إشكالا، يقول: قول ابن عمر لأنه أطلى بالقطيران أحب إلي من ذلك، يعني من الطيب قبل الإحرام. فقال: اكمل الحديث، هذا الراوي ذهب إلى عائشة وذكر لها قول ابن عمر فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، وذكرت الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطيب ثم يحرم وهو يتضخ طيبا، فهذا دليل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو الحجة وهو مقدم على فعل ابن عمر ورأيه، فربما ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لم يعلم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أو حمله على شيء معين، فالله تعالى أعلم.

وقياسهم -يعني هم استدلوا بدليلين: حديث يعلى بن أمية والقياس على اللبس- قال: القياس على اللبس فيه ضعف، لماذا؟ قال: يبطل بالنكاح، النكاح يمنع الإحرام من ابتداء النكاح لكن لا يمنع من استدامته، فلو أن شخصا طلق زوجته قبل الإحرام ثم أحرم ثم راجعها فيصح له ذلك لأن المراجعة نكاح، وأيضا النكاح نفسه لو أنه لم يطلق، الشخص كان متزوجا لم يطلق وأحرم، هل يبقى على زواجه؟ نعم، يبقى على زواجه، فيبقى استدامة نكاح يبقى، فيقول: مثله الطيب، الطيب تطيب ثم أحرم فيبقى على طيبه.