دخولتسجيل الدخول

[ المجلس الأول ] شرح كتاب الحج من منتهى الإرادات | الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان #دروس_الميمان

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نحمد الله عز وجل على ما منّ به من هذا اللقاء الثاني من لقاءات شرح منتهى الإرادات، وقد كان اللقاء الأول في شهر شعبان في شرح كتاب الصيام، وهذا هو اللقاء الثاني في شرح كتاب الحج من منتهى الإرادات. أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأن يمن علينا بالعلم النافع والعمل الصالح.

أيها الأحبة، ونحن في مقتبل شهور الحج الذي افترضه الله على عباده، مناسب أن نتكلم ونتدارس معكم أحكام الحج؛ لأن الإنسان إذا تدارس مع إخوانه فقه المناسبات -يعني عند كل مناسبة يتدارس فقهها- فهذا مما يعينه على تثبيت العلم. المصنف رحمه الله تعالى الفتوح، تكلمنا عن الكتاب في أول شرح الصيام، وأنه جمع بين المقنع والتنقيح بما يغني عن الإعادة هنا. المصنف رحمه الله تعالى سمى كتابه بكتاب الحج، وهذه تسمية أخذت من التسمية الشرعية بهذا النسك العظيم، وبعضهم يسميه بكتاب المناسك؛ لما فيه من ذبح المناسك وشهود المناسك.

والحج بفتح الحاء، الحج على الأشهر، يعني يجوز أن تقول حج وحج، لكن الأفصح الحج، بعكس شهر ذي الحجة فإن الأفصح فيه بكسر الحاء. قال المصنف رحمه الله تعالى: الحج فرض كفاية كل عام. ابتدأ المصنف رحمه الله تعالى في بيان حكم الحج على عموم الأمة، فذكر أنه فرض كفاية على من لم يجب عليه عينا.

وهذا الحكم لم أجده منقولاً صريحاً عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لكن يمكن أن يؤخذ من كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين استدل في تفسيره بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97]، استدل بأثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو ترك الناس الحج سنة واحدة ماتوا طراً. ماتوا طراً يعني ماتوا جميعاً. وهذا قول الصحابي في تفسير آية، ويستدل به أو يمكن أن يستنبط منه حكم فرض الكفاية.

وهذا الأثر نقله ابن القيم -أقصد نقل استدلال الإمام أحمد رحمه الله تعالى باسم ابن عباس- نقله ابن القيم في بدائع الفوائد من جملة فوائد نقلها من خط القاضي أبي يعلي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن الكريم عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى مما رواه تلميذه المروذي عنه. وهذا الأثر أورده أبو عبد الرزاق في مصنفه، لكن بلفظ ما مطروا، يعني بدل ما طروا بلفظ ما مطروا.

والتصريح بكون الحج فرض الكفاية نقله ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب عن ابن حمدان في الرعاية. ولما نقله قال بعده: وهو خلاف ظاهر قول الأصحاب. لماذا؟ لأن الأصحاب رحمهم الله تعالى ذكروا أن للاب والأم منع الولد من حج النفل.

يعني الآن ابن مفلح رحمه الله تعالى فهم كلام ابن حمدان رحمه الله على أن كل من حج بيت الله عز وجل إن لم يكن الحج عليه فرض عين، كان الحج عليه فرض كفاية. فيقول: ما يستقيم هذا على كلام الأصحاب؛ بماذا؟ لأن الأصحاب رحمهم الله تعالى ذكروا أن للاب والأم منع الولد من حج النفل. فإذا قلنا إنه ليس فرض -نعم، أن الحج لابد أن يكون إما فرض عين أو فرض كفاية- أبطلنا حج النفل.

ابن حمدان رحمه الله تعالى تبعه على تقرير أن الحج فرض كفاية، سنتكلم عن الجواب عن هذا الاشكال بعد قليل. المنقح المرداوي في التنقيح، وأيضاً الشيخان اللَّذان هما الفتوحي في المنتهى والحجاوي في الإقناع؛ يقول الشيخ منصور البهوتي رحمه الله في الكشاف: وعلى كلام الرعاية -يعني على كلام ابن حمدان في الرعاية- لا يتصور أن يقع الحج نفلا إلا من صغير أو رقيق، بل إما فرض عين أو فرض كفاية. وهو مشكل، وهو مشكل لما ذكره ابن مفلح قبل قليل الذي في النقل الذي نقلناه قبل قليل، أنه إن كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى كثير في مسألة منع الوالدين ابنهما من حج النفل.

تبعه أيضاً صاحب المنتهى -يعني تبع الحجاوي من وافقه، وإلا فلا يلزم أن يكون صاحب المنتهى نقله من الإقناع-. يجاب على هذا الإشكال على هذا الإشكال بعدة أجوبة: أولاً: أن فرض الكفاية ما هو؟ فرض الكفاية إنما هو إحياء الحج كل عام، أو إحياء الكعبة بالحج كل عام، وذلك يحصل بالنفل. يعني أن الحج من أصله على هذا الحاج الذي سيذهب إلى مكة وقد سبق له الحج، نقول: الحج عليك نفل، وإذا قمت بالحج فإنك أسقطت فرض الكفاية عن الأمة، فالجهة منفكة.

وبهذا أجاب الشيخ خالد الأزهري رحمه الله الشافعي في شرح جمع الجوامع للسبكي، قال: لما ذكر نظير الإشكال الذي ذكره البهوتي، قالوا فيه نظر، من نقله عن العراقي. قالوا فيه نظر: فإن فرض الكفاية إنما هو إحياء الكعبة بالحج، وذلك يحصل بالنفل، ويلزم من قوله -يعني قول العراقي- بطلان تقسيم الأئمة الحج إلى فرض ونفل، والأئمة كلامهم كثير في أن الحج منه فرض ومنه نفل، قال: واللازم باطل فالملزوم كذلك.

وهذا الكلام نقله البهوتي رحمه الله في شرح المنتهى، لكن يعني في الطبعة التي طبعة الشيخ التركي، كأن قوله فيه نظر كأنه من كلام البهوتي ينتقد الأزهري وابن حمدان. وإلا من عنده شرح المنتهى للبهوتي ينظر ترى لما قال قاله الشيخ خالد في شرح أو في شرح جمع الجوامع: وفيه نظر، فيه نظر، هذا من كلام الشيخ خالد، وهو الأزهري.

أيضاً الخلوتي رحمه الله نقلت لحاشيته إشكالين على هذا الحكم: الإشكال الأول الذي ذكرناه قبل قليل أنه ليس من أفراد الحج وهو ندب، وأجاب عنه بما تقدم قبل قليل من كلام الأزهري. الإشكال الثاني: أنه ليس منه ما هو فرض عين، يعني إذا قلنا إنه فرض كفاية كل عام، إذاً ما في فرض عين! ثم أجاب عليه بأنه يقال: فرض كفاية على من لم يجب عليه الحج عيناً، أما من وجب عليه الحج عنه فهو فرض عين عليه.

وهناك جواب أجمل من هذا لابن قائد رحمه الله تعالى في هداية الراغب -لم يذكر هذا الجواب في حاشيتنا الممتع، وإنما ذكره في هداية الراغب الذي شرح به عمدة الطالب البهوتي رحمه الله- لما ذكر كلام الأزهري وكلام البهوتي قال في نهايته: والظاهر أيضاً سقوط فرض الكفاية بفرض العين لحصول المقصود مع كونه أعلى. هذا ما ظهر لي والله أعلم. ومعنى كلامه رحمه الله أن فرض الكفاية هذا متى يتحقق؟ متى يتحقق أنه فرض كفاية فقط؟ إذا لم يحج في تلك السنة إلا من قد حج قبل، فإنه يعتبر فرض كفاية.

أما إذا حج في تلك السنة من قد حج قبل -نعم، أما إذا حج في تلك السنة من لم يحج قبل، يعني من كان الفرض من كان الحج فرض عين عليه- فإنهم هؤلاء الذين صار الحج فرض عين عليه ما أسقطوا فرض الكفاية عن هذه الأمة، فصار في حق الباقين نفلاً، فصارت في حق الباقين نفلاً.

فإذاً الإشكال الذي أورده ابن مفلح والبهوتي على هذا التقرير يجاب عنه بما تقدم قبل قليل؛ إما أن يقال إن الجهة منفكة، فهو نفل في حق الفرد هذا وفرض كفاية في حق الأمة أنه أسقط هذا الفرض على الأمة، وإما أن يقال إن فرض العين فرض الكفاية إنما يتحقق بفرض العين أيضاً، فيقال إنه إن هؤلاء الذين حجوا بيت الله عز وجل هم كان فرض عين عليهم، وقد أسقطوا فرض الكفاية على الأمة، فيكون في حق الباقين نفلاً والله أعلم.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى تعريف الحج، قال: هو قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص. وهذا تعريفه في الاصطلاح، وهو معروف يعني لا يحتاج أن نقف عنده، والعمرة زيارة البيت على وجه مخصوص. التعريفات الأصل أن المقصود منها هي أن المعرِّف والحج والعمرة، فلا حاجة إلى الإصابة في المقصود بهذا التعريف.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: ويجبان في العمر مرة. ذكر المصنف رحمه الله تعالى هنا حكم العمرة والحج على الأعيان. إذاً، الحكم الأول: فرض كفاية، هذا حكمه على مجموع الأمة. وهنا الحكم الثاني: هنا حكمهما على الأعيان، فذكر أنهما واجبان.

أما وجوب الحج على المستطيع فهذا دل عليه القرآن والسنة والإجماع؛ ففي القرآن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، ومن السنة حديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس وغيره.

أما العمرة؛ الصحيح من مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى وجوبها، وجوبها في العمر مرة كالحج، واستدلوا على ذلك بعدد من الأدلة؛ احتج الإمام أحمد رحمه الله تعالى بحديث أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. فقال: حج عن أبيك واعتمر. وهذا عند أهل السنن وحسنه الترمذي، قال: حسن صحيح.

واحتج الإمام أحمد رحمه الله تعالى كذلك بأنه ثبت القول بوجوبها عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كابن عباس وابن عمر، وقد علق البخاري الأثر عنهما في صحيحه بصيغة، ووصلهما ابن أبي شيبة وغيره. وبعض الأصحاب رحمهم الله تعالى يستدلون على وجوب العمرة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، قالوا: مقتضى الأمر الوجوب، ثم إنه عطف على الحج، والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه. لكن الاستدلال بهذا الدليل على وجوب العمرة فيه نظر؛ لأن المأمور به الإتمام إذا شرع فيها لا الابتداء، وهذا لا إشكال فيه، وإنما الخلاف في الابتداء، هل يجب الابتداء بالعمرة أو لا؟ والمَسألة خلافية، لكن ما ذكره المؤلف هو الصحيح مذهب الحنابلة.

لكن هل هي واجبة على المكي أيضاً كغيره أو لا؟ المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أنها واجبة على المكي كغيره لعموم الأدلة في عموم الأدلة السابقة. والإمام أحمد رحمه الله تعالى عنه روايتان في حكم العمرة من الأصل؛ هل هي واجبة أو مستحبة؟ ونقل عنه جملة من أصحابه عدم وجوب العمرة على أهل مكة. وممن نقل ذلك عنه الأثرم وهو ابن الحكم والميموني، واستثناء أهل مكة لورود ذلك عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم كابن عباس، وبعض التابعين كعطاء رحمه الله تعالى.

واختلف الأصحاب رحمهم الله تعالى في الجمع بين الروايات الواردة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في حكم العمرة على المكي، واختلفوا فيها على ثلاث طرائق للأصحاب؛ ثلاث طرائق لأصحابه. منهم من قال: إن الإمام أحمد عنه روايتان في العمرة للمكي وغيره. قالوا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روايتان -طبعاً إذا قلنا على ثلاث طرائق، المقصود بالطريقة يعني طريقة نقل الفقيه المذهب في هذه المسألة سيتبين عندنا في هذه الثلاث طرائق-.

الطريقة الأولى: وجدوا للإمام أحمد رواية في وجوب العمرة، ورواية في عدم وجوبها، ورواية في عدم وجوبها على أهل مكة. منهم من قال: الإمام أحمد روايتان لا مزية لأهل مكة على غيره. وهذه طريقة القاضي أبي يعلى قديما.

ومنهم من قال -هذه الطريقة الثانية-: إن عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ثلاث روايات في المسألة؛ بالوجوب، ورواية بالاستحباب، ورواية بالتفريق بين المكي وغيره، فتجب على غير المكي دون المكي. وهذه طريقة القاضي في كتبه المتأخرة، وابن عقيل، وابن المجد، وابن تيمية جد شيخ الإسلام رحمه الله.

الطريقة الثالثة: منهم من قال لا؛ الروايتان عن الإمام أحمد الوجوب وعدم هدي التراخي غير المكي، أما المكي فالإمام أحمد رحمه الله تعالى لا يوجب عليهم العمرة رواية واحدة، لا يوجب عليهم العمرة رواية واحدة. وهذه الطريقة هي التي اختارها الموفق بن قدامة وشيخ الإسلام رحمهم الله تعالى. لكن المشهور من المذهب كما قلنا أن العمرة واجبة على المكي كغيره.

وعلى القول بوجوب العمرة فإنها تجب مرة واحدة كالحج، وهذا بلا خلاف، بلا خلاف؛ يعني عند القائمين بوجوب العمرة أنها لا تجب أكثر من مرة، وهذا يعني هذا هو الواجب في أصل الشرع. أما إذا أفسد نسكه فيجب علينا القضاء، وإذا نذر فيجب علينا النذر، هذا أمر خارج، لكن عندنا الوجوب بأصل الشرع. الدليل على وجوبها مرة واحدة حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس، قد كتب الله عليكم الحج فحجوا». فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم».

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى شروط وجوبها، قال: بشروط، وهي إسلام وعقل وبلوغ وكمال حرية. هنا ذكر أربعة شروط بوجوب الحج والعمرة، وهناك شرط خامس سيذكره لاحقاً وهو الاستطاعة، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى. وهذه الشروط على ثلاثة أقسام.

هذه الشروط على ثلاثة أقسام؛ القسم الأول منها ما هو شرط وجوب وصحة وإجزاء، يعني أن من لم يتحقق فيه هذا الشرط فإنه لا يجب عليه الحج ولا يصح منه لو أتى به ولا يجزئه عن حجة الإسلام لو أتى به، وهذان الشرطان الأولان الإسلام والعقل، فلا يصح الحج من كافر ولا مجنون ولا يجب عليهما وجوباً أصليًّا ولا يجزئ عنهما لو أتى به يعني حجة الإسلام.

وكون الحج لا يجب على الكافر يعني وجوب أداء حال الكفر وإنما يؤمر بالإسلام ثم يؤمر بشرائع الإسلام وهذا لا يعني أنه لا يعاقب على تركه كما نص رحمهم الله تعالى في مسألة مخاطبة الكافر بفروع الشريعة. وعدم وجوب الحج على المجنون لكونه رفع عنه القلم ولا يصح منه لعدم وجود النية منه.

طيب، وإنما صح من الطفل غير المميز كما سيأتينا بعد قليل لوجود النص، فيقتصر عليه به؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم لما رفعت إليه امرأة صبيا وقالت: أهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» فيقتصر عليه.

النوع الثاني من أنواع هذه الشروط؛ شروط وجوب وإجزاء، ولكنها ليست شروط صحة، وهما الشرط الثالث والرابع البلوغ والحرية، فمن لم يبلغ ولم تكن حريته فإنه لا يجب عليه الحج ولا يجزئه عن حجة الإسلام، لكنه إذا أتى به فإنه يصح منه.

وعدم وجوب الحج على الصبي لحديث رفع القلم. وأما صحته منه في الحديث السابق الذي ذكرناه آنفاً حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رفعت إليه امرأة صبيا فقالت: أهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» رواه مسلم.

هذا الصبي العبد نقول: لا يجب عليه الحج لأنه مشغول بخدمة سيده، ويصح منه لوجود الأهلية منه. بقينا في عدم إجزاء الصبي والعبد عن حجة الإسلام فنقول: لوجود النص في ذلك، وهو حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى. وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة والبيهقي واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الحافظ ابن حجر في البلوغ أنه موقوف، لكن جاءت رواية عند ابن أبي شيبة أن ابن عباس قال: احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس. قال ابن حجر في التلخيص: وهذا ظاهر أنه أراد أنه مرفوع، يعني لأنه قال لا تقولوا قول ابن عباس يعني أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، قال فلذا نهاهم عن نسبته إليه. انتهى كلامه.

الصبي في الصلاة والصيام هل يصح؟ هل يجزئه لو صلى في الوقت ثم بلغ في اثنائه أو صام في أول النهار ثم بلغ في اثنائه؟ فهل يجزئه هذا عن الواجب أو نلزمه بالقضاء؟ وجهان في المذهب.

نأتي إلى الحج؛ الحج لو بلغ بعد الحج فهل يجزئه عن القضاء؟ نعم، فهل يجزئه عن حجة الإسلام أو لا؟ لا يجزئه قولا واحدا. لماذا فرقوا بينهما؟ أشار ابن رجب رحمه الله في القواعد إلى الفرق بين بلوغ الصبي بعد أداء الصلاة في الوقت هل تلزمه إعادته أو لا، وبين بلوغه بعد أداء النسك. وقال في القاعدة الخامسة: من عجل عبادة قبل وقت الوجوب ثم جاء وقت الوجوب وقد تغير الحال بحيث لو فعل المعجل في وقت الوجوب لم يجزئه فهل تجزئه أم لا؟ قال: هي على قسمين؛ أحدهما أن يتبين الخلل في نفس العبادة في أن يظهر وقت الوجوب أن الواجب غير المعجل. وذكر له صورا، وذكر منها إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ ففي وجوب الإعادة وجهان، لأنه صلى في أول الوقت وكانت الصلاة في حقه نفلا، ثم جاء وقت الوجوب -جاء يعني في أثناء الوقت- صار واجبا عليه الصلاة، فهل يجزئ هذا المعجل أو لا؟ وذكر أن المنصوص الوجوب، وذكر أن القاضي أبا يعلى اختار عدم الوجوب.

ثم ذكر الفرق بين الصلاة والحج؛ نصت حكايات هي فيها وجه بالإجزاء بخلاف الحج. قال: وهذا بخلاف ما إذا حج ثم بلغ، فإن حجه ليس بمأمور به ولا معاقب على تركه، بخلاف الصلاة؛ الصلاة الصبي مأمور بها معاقب على تركها يعني معاقب أو ضرب من وليها لتركها، بخلاف الحج فليس مأمورا به ولا ترك فلذلك فرق الأصحاب رحمهم الله تعالى بينهما إضافة إلى وجود النص.

النوع الثالث من أنواع الشروط؛ شروط وجوب فقط، وهو شرط الاستطاعة. فغير المستطيع لا يلزمه الحج في الجملة، لكن لو تكلف وحج صح منه وأجزأه عن حجة الإسلام. يعني الاستطاعة هذه شرط وجوب فقط، بمعنى أنه يصح منه لو حج ويجزئه عن حجة الإسلام، لكن الأصل لا يجب عليه كما سيأتينا إن شاء الله إذا تكلمنا عن شرط الاستطاعة.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: ويجزيان من اسلم أو أفاق ثم أحرم، أو بلغ أو عتق محرما بحج قبل الدفع من عرفة أو بعده إن عاد فوقف في وقته، أو قبل طواف، أو قبل طواف عمرة.

هنا يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن مسألة ما إذا ذهب الشخص إلى مكة ولم يتحقق فيه شرط من شروط الوجوب من شروط الواجب، يعني فيه مانع من موانع صحة النسك أو إجزائه، يعني الشروط الأربعة، لا يتكلم عن الشرط الخامس الشروط الأربعة.

فزال هذا المانع وهم في مكة، فنقول: هذا المانع إما أن يكون مانعا للصحة كالكفر والجنون، أو يكون مانعا للإجزاء وهو الصغر والرق.

نقول: هذا المانع إذا كان مانعا للصحة -نتكلم إذا عن الكافر والمجنون أولا- فنقول: الكافر والمجنون لو ذهب إلى مكة -طبعا لا يصح منهما الإحرام، الكافر لا يجوز له دخول الحرم لكنه دخل الحرم- ذهب إلى مكة أسلم في الحج قبل وجود أحد الأركان الفعلية، الأركان الفعلية عندنا الحج أربعة أركان: الإحرام وهذا ركن ليس فعلي قلبي، والوقوف بعرفة وطواف الإفاضة والسعي. إذا أسلم قبل وجود أحد الأركان الفعلية وهو هنا الوقوف بعرفة، فإذا أسلم قبل الوقوف بعرفة أو بعده ثم عاد فوقف -يعني أمكنه الوقوف في أثناء وقت الوقوف الذي هو قبل طلوع فجر يوم النحر- فإنه يصح منه الحج فرضا ويجزئه عن حجة الإسلام. وكذا المجنون لو أفاق قبل وقت الوقوف أو أثنائه، المهم أنه وقف قبل طلوع فجر يوم النحر، فإنه يصح منه الحج فرضا.

انتهينا من الكافر والمجنون في الحج. في العمرة نقول: إذا أحرم -أي نعم- إذا زال منهم المانع قبل الطواف، فاحرموا ثم طافوا وهذا مسلم، طبعا لا يصح منه أصلا الطواف ولا الإاحرام لو كان كافرا، وهذا أحرم ثم طاف وهو مفيق من جنونه فيصح منه هذه عمرة فرض.

ننتقل إلى الصبي والعبد، نقول: إذا بلغ الصبي أو عتق العبد في أثناء الحج؛ ذهبوا أحرموا بالحج، لكن إحرامهم كما قلنا نفل، لو كان مثلا يوم التروية بلغ هذا الصبي، بلغ هذا الصبي نقول: خلاص إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة فنقول: إذا يصح منه الحج فرضا بشرط ألا يكون قد سعى لو كان قارنا أو مفردا وسعى مع طواف القدوم -قبل أن يذهب ليوم التروية- هنا نقول: لا يصح لأنه أتى بركن من الأركان الفعلية وهو متنفل، وهذا الركن الذي هو السعي لا يشرع مجاوزة عدده ولا تكراره، فلذلك قالوا بشرط ألا يكون زال مانع الإجزاء للعبد والصبي قبل أن يأتي بأحد الأركان الفعلية وهو إما الوقوف بعرفة أو السعي لمن كان مفردا أو قارنا وسعى مع طواف القدوم.

وكذلك العبد، والعبد مسجون لو أنه وقف في عرفة ثم ذهب إلى مزدلفة فبلغ الصبي في مزدلفة أو عتق العبد في مزدلفة، سنقول هنا: إن أمكنهم أن يعودوا إلى عرفة فيقفوا بها قبل طلوع فجر النحر فهنا يصح منه الحج فورا، أما إذا لم يمكنهم فهنا نقول: يستمرون عليه نفلا ويبقى الحج الفرض في ذمتهم، هذا في الحج. وفي العمرة يقولون: إذا زال المانع قبل الشروع في الطواف، كان مشروعا لأن الطواف هو أول الأركان الفعلية في الحج، أول الأركان الفعلية في الحج.

قوله: كمن أحرم إذا، يقصد أن الصغير إذا بلغ والعبد إذا عتق قبل الوقوف بعرفة أو بعده ثم عاد وقته لم يكن سعي للقدوم يكونان كمن لم يحرم إلا بعد تحقق شرط الوجوب، يعني أنه لو جاء الصبي مثلا مع والده إلى الحج لكنه لم يحرم، لما كان يوم عرفة بلغ، فقال: خلاص أبي أحرم في الحج، فنقول هنا: هذا حكم حكم الصبي في المسألة الأولى أحرم من الأول ثم لم يبلغ إلا يوم عرفة نقول: حكمه حكم ما لو لم يحرم إلا يوم عرفة، حكمه في زوال في كون هذا النسك مجزئا لهما عن حج أو عمرة الفرض.

قال: وإنما يعتد بإحرام وموقوف ووقوف موجودين إذا، وإنما قبله تطوع لم ينقلب فرضا، وقال جماعة: ينعقد إحرامه موقوفا فإذا تغير حاله تبينت أو تبين فرضيته.

هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى حكم إحرام الصبي السابق وإحرام العبد السابق إذا بلغ الصبي أو عتق العبد في أثناء النسك؛ هل ينقلب إحرامه السابق وأفعال النسك السابقة على وقت الوقوف؟ هل على وقت البلوغ؟ يعني تحقق شرط الوجوب؛ هل تطوع هل ينقلب التطوع فرضا؟ أو نقول: لا، يستمر يكون تطوعا وإنما يبتدأ الفرض من حين تحقق جهاز الوجوب. ذكر المصنف رحمه الله تعالى هنا قولين للأصحاب؛ القول الأول أن ما قبله تطوع أنه قال: وإن ما قبله تطوع لم ينقلب فرضا، هذا هو القول الأول في هذه المسألة أنه تطوع لم ينقلب فرضا، وهذا قاله الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى وتابعه المنقح المرداوي في التنقيح.

الوجه الثاني: أنه ينعقد موقوفا، أنه ينعقد موقوفا فإذا تغير حاله تبين فرضيته، يعني أنهم يقولون إنه موقوف، يعني أننا لا نقول إنه نفل إلا إذا تجاوزنا وقت الوقوف ولم يبلغ وهذا لم يعتق فنقول: خلاص يكون نفلا، لكن إذا عتق العبد أو بلغ الصبي في أثناء النسك في وقت يستطيع فيه أن يأتي بالحج فرضا فيقولون: ينقلب فرضا إذا تغير حاله. وهذا قول القاضي أبي يعلى في الخلاف، وأبي الخطاب في الانتصار، والمجد وغيرهم، وقاسوه على الزكاة المعجلة، قالوا: الزكاة المعجلة حين تدفع هي غير واجبة لكنها إذا حان وقتها تبين وجوبها.

ما فائدة الخلاف تطوع لم ينقلب فرضا أو أنه ينعقد موقوفا؟ يقول ابن جاسر رحمه الله تعالى في مفيد الأنام -وهذا منسك من مناسك الحنابلة المتأخرين رحمه الله تعالى وقد أبدع فيه ابن جاسر رحمه الله تعالى على تأخره، وهو ليس خاصا مما ذبحنا به يشير إلى المذاهب الأخرى لكنه تعمق في نصوص الأصحاب رحمهم الله تعالى، تعمق في تحرير نصوص الأصحاب رحمهم الله تعالى ونقل نقلات من كتب بعضها بعضها لم تطبع حتى الآن من كتب الأصحاب رحمهم الله تعالى- ازدان هذا الكتاب بكون مصنفه رحمه الله ممن عمل في قضاء الحرمين، فعمل في قضاء مكة وعمل في قضاء المدينة بل وشارك في تحديد بعض المواقع في مكة وفي المدينة على وقت الشيخ إبراهيم رحمه الله تعالى، فازدان هذا الكتاب بهذه الخبرة التي نثرها المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه النفيس.

يقول ابن جاسر رحمه الله تعالى: لعل من فائدة الخلاف زيادة أجر الفرض على النفل، يعني أن هذا الخلاف فائدته أخروية، ليس له فائدة دنيوية.

ولخص أبو رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة في قواعده في القاعدة المئة ستة عشر من قواعده يقول: من استند تملكه إلى سبب مستقر لا يمكن إبطاله وتأخر حصول الملك عنه، فهل تنعطف أحكام ملكه إلى أول وقت انعقاد السبب تثبت أحكام حينئذ أم لا يثبت إلا من حين ثبوت الملك؟ فيه خلاف، وذكر بعض المسائل المترتبة عليه ثم قال: ويلتحق بهذه القاعدة وهذه التي معنا؛ العبادات التي يكتفى بحصول بعض شرائطها في أثناء وقته إذا وجد الشرط في أثنائها، يعني مثل هنا الصبا زال في أثناء العبادة تحققت تحققت الوجوب في أثنائه، يقول: فهل يحكم لها بحكم ما اجتمعت شرائطها من ابتدائها أم لا؟ يعني هل يحكم لها بوجود الفرض من حين البدء أم لا؟ قال: فيه خلاف وينبني عليه المسائل، وذكر هذا فقال: ومنها إذا بلغ الصبي أو عتق العبد وهما محرمان قبل فوات وقت الوقوف، فهل يجزئهما عن حجة الإسلام؟ قال: على روايتين أشهرهما الإجزاء.

ثم بدأ يحلل هاتين الروايتين، بدأ يحلل رواية الإجزاء، قال: فقيل بأن إحرامهما انعقد مراعى، قال جماعة: ينعقد موقوفا لأنه قابل للنقل والانقلاب، وقيل: بل يقدر ما مضى منه كالمعدوم ويكتفى بالموجود منه، الذي قاله الموفق والمنقح إنه تطوع لم ينقلب فرضا، وقيل: هذا احتمال ثالث.

فصل: ويصحان من صغير؛ يعني يصح الحج والعمرة من صغير، ويثاب عليه لحديث ابن عباس في المرأة التي رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر».

كيف يحرم الصبي؟ قال: ويحرم ولي في مال عمن لم يميز، أو لم يحكم ولو محكماً، أو لم يحج، ومميز باذنه عن نفسه. هنا تكلم المصنف رحمه الله تعالى عن إحرام الصبي، فذكر أن الصبي لا يخلو من حالين: إما أن يكون الصبي غير مميز، أو يكون مميزاً. فان كان الصبي غير مميز، فيعقد الإحرام له وليه، ولا يصح الإحرام بنفسه. لماذا؟ لأن الإحرام نية، ولا يصح القصد من غير المميز. ولا يصح أن يحرم عنه غير الولي بدون إذن الولي على الصحيح من المذهب.

والدليل على إحرام الولي عن الصبي قول جابر رضي الله عنه: لبينا عن الصبيان ورمينا عنهم. رواه أحمد وابن ماجه وفيه ضعف، وإنما صححنا إحرام الولي عن الصبي لتعذر النية عنه. والولي الذي يحرم عن المميز هو الولي في المال، لذلك قال المصنف: ويحرم ولي في مال. طيب، من هو ولي المال؟ وذكر الأصحاب في كتاب الحجر: الولي في المال هو الأب، أو الوصي، وصي الأب، فإن لم يكن أب ولا وصي فهو الحاكم.

فعلى هذا لا يصح من غير هؤلاء الثلاثة بلا إذنهم هذا المشهور من المذهب. فلو ذهب الصبي مع أمه ولم يأذن أبوه أن تحرم الأم عنه، فلا تحرم عنه على المشهور من المذهب، مع أن في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن السائل عن نسك الصبي أمه، فالظاهر أنها هي من أحرمت عنه، وإن كان ليس منصوصاً في الحديث لكن الظاهر من ذلك. لذلك الرواية الثانية للإمام أحمد رحمه الله جواز إحرام الأم عن الطفل وإن كانت ليست ولية في المال لظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا اختاره بعض الأصحاب كالموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى.

قال البهوتي رحمه الله: قلت: إن لم يكن ولي، إن لم يوجد ولي، فمن يد الصغير يعقده له؛ يعني من كان يتولى الصغير ورباه، وجاء معه في الحج فإنه يعقد له الإحرام، قال: كما ذكره في الإقناع وغيره في قبول زكاة وهبة. وقال في الكشاف بعد نقل مضمون ما سبق: فينبغي هنا كذلك بظاهر الخبر السابق. يعني لو لم يكن معه الولي في المال، لكن معه شخص تولاه ورباه من صغره، ليس أبوه، طلق أمه أو أبوه توفي ولم يوصِ وصياً عليه، جاء هذا ورباه في صغره، الآن الولي الأصل هو الحاكم، لكن هذا بدون إذن الحاكم، فهنا على الرواية الثانية، على ما اختاره أو على ما ذكره الحجاوي في الإقناع في الزكاة من أن الذي يقبض له الزكاة والهبة من يتولاه فإنه يتخرج فيه أنه هنا يحرم له من يتولاه. ونص كلام الحجاوي في الإقناع في الزكاة قال: ويقبل ويقبض له منها ولو ميتاً، ومن هبة وكفارة من يلي ماله، إلى أن قال: وعند عدم الولي يقبض له من يليه، من أم وقريب وغيرهما نصاً.

قال المصنف رحمه الله تعالى: ولو محرماً. يعني أن الولي الذي يحرم عن الصبي ليس شرطاً أن يكون حلالاً، فيحرم له ولو كان محرماً، قالوا: كعقد النكاح، الآن الولي يعقد النكاح لابنه الصغير ولو كان هذا الأب متزوجاً أربعاً، كونه يعقد له النكاح لا نقول إنه مادام تزوج أربعة لا تعقد له، لأنك خلاص تزوجت أربعة ما يجوز أن تعقد مية خامسة، لا، بل نقول: هذا النكاح للصبي. ومثل هنا الإحرام، فيقولون: يحرم الولي عن الصبي وإن كان ولي محرماً، ما نقول: أنت محرم لا تحرم لغيرك، بل يقولون: يحرم عنه وإن كان محرماً.

قال: أو لم يحج، يعني حتى لو كان لم يحج فيجوز أن يعقد له الإحرام.

الحالة الثانية: الصبي المميز، قال: يحرم عن نفسه بإذن وليه. لماذا يحرم عن نفسه؟ قالوا: لأنه لما صح وضوءه صح إحرامه، لأن كلاً منهما يفتقر إلى النية. طيب، هل يحرم عنه وليه؟ قالوا: لا، لا يحرم عنه وليه لعدم الدليل، الدليل جاء في الإحرام عمن لم يميز. ولا يحرم أيضاً الصبي المميز إلا بإذنه، أي بإذن الولي، لا يحرم بغير إذنه، لماذا؟ قالوا: لأنه يؤدي إلى لزوم ما لم يلزم، أنه يؤدي إلى لزوم أشياء مالية فلم ينعقد، مثل البيع، البيع لابد أن يستأذن الصبي وليه في عقد البيع، هذا في غير المحقرات، كما يذكر الأصحاب رحمهم الله تعالى في كتاب البيع.

قال المصنف رحمه الله تعالى: ويفعل ولي ما يعجزهما. إذن، الولي عن المميز وغيره يفعل عنهما ما يعجزان عنه من أفعال النسك، لحديث جابر السابق: لبينا عن الصبيان ورمينا عنهم. وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تجرد الصبيان للإحرام كما جاء عند ابن أبي شيبة.

أنبه هنا إلى أن جمعاً من الحنابلة رحمهم الله تعالى يستدلون على أن الولي يفعل ما يعجز عنه الصبي ومنه الطواف يطوف به راكباً وممحمولاً، يستدلون بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه طاف بابن الزبير في خرقة، وهذا الأثر رواه عبد الرزاق وغيره، لكن إذا تأملت فيه هذا دليل فيه نظر. لماذا؟ أبو بكر رضي الله عنه هو جد ابن الزبير، ابن الزبير متى ولد؟ ولد عام الهجرة، يعني السنة الأولى من الهجرة، أبو بكر متى ذهب أول مرة يذهب للنسك؟ قضية العمرة، عمرة القضيّة التي هي سنة سبعة، ابن الزبير له ست سنوات، هل يطوف به في خرقة؟ يعني يطوف به في خرقة يعني رضيع؟ يطوف به في خرقة! لذلك هذا أول نسك، هذا عندما قلنا إنه في حجة الوداع وابن الزبير عمره تسع سنوات، فلذلك ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية يقول: ومن قال إن الصديق طاف به، يعني ابن الزبير، حول الكعبة وهو في خرقة فهو واهم والله أعلم، وإنما طاف الصديق به في المدينة ليشتهر أمر ميلاده على خلاف ما زعمت اليهود، لأن اليهود لما هاجر المهاجرون إلى المدينة زعموا أنهم سحروهم فلن يولد لهم ولد يعيش، فلما ولد ابن الزبير وعاش فرح المسلمون بذلك لأن هذا فيه إبطالاً لقول اليهود. وأيضاً ابن حجر رحمه الله في الإصابة فقال: يعني انتقد هذه الرواية.

إذاً، الولي يفعل ما يعجز عنه الصبي، أما ما لا يعجز عنه مثل الوقوف بعرفة والمبيت بمنى فهذا لابد أن يأتي به الصبي، طبعا لا فرق بين أن يحضره الولي إلى عرفة ومزدلفة ومنى أو يحضره غيره، المهم أنه لا يقوم الولي ولا ينوب عنه.

قال: لكن لا يبدأ في رمي إلا بنفسه، ولا يعتد برمي حلال. يعني الولي إذا أراد أن يرمي عن نفسه وعن الصبي فانه يبدأ بالرمي عن نفسه أولاً ثم عن الصبي، قياساً على ماذا؟ قياساً على النيابة في الحج، فالنيابة في الحج يحج الإنسان عن نفسه ثم عن غيره، فإن رمى عن الصبي أولاً فإنه يقع كالحج إذا حج عن غيره أولاً ثم أحج عن نفسي لاحقاً، نقول: الحجة الأولى هي التي تكون عن نفسك. ولكن لا يبدأ في رمي إلا بنفسه.

في شرح المصنف البهوتي الفتوحي، وفي شرح البهوتي أيضاً قيدوا ذلك بما إذا كان محرماً بفرضه، فقالوا: لا يبدأ في رمي إلا بنفسه، قالوا: هذا إذا كان محرماً بفرضه. فيفهم، هل يفهم أنه إذا كان الولي محرماً بالنفل فله أن يرمي عن الصبي قبل أن يرمي عن نفسه أو لا؟ يقول كذا فهمها ابن جاسر رحمه الله في مفيد الأنام، إذا فهمه ابن جاسر أن هذا مفهوم هذه الجملة، وهذا وجه في المذهب، وهذا حقيقة وجه في المذهب. ونشأ هذا الوجه من اختصار ابن مفلح رحمه الله تعالى لتعليل الموفق ابن قدامة رحمه الله في المغني.

نرجع إلى عبارة الموفق في المغني: يقول الموفق ولا يجوز أن يرمي الولي عن الصبي إلا من قد رمى عن نفسه، لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض، كذا عبارة الموفق. ومقصوده أنه يوجد عليه واجبان: الرمي عن نفسه والرمي عن مولوده، وكلاهما واجبان حتى لو كان الحج نفلاً، فاذا اجتمع عليه واجبان قدم ما يخصه على ما يخص غيره، نيابة في أصل الحج، وهو لم يتعرض لحج النفل أصلاً، ولم يتعرض لحج الفرض أصلاً، إنما تعرض لكون الرمي واجباً عليه.

جاء ابن مفلح في الفروع فاختصر عبارة الموفق، اختصر التعليل: «ولا يجوز أن يرمي عنه إلا من رمى عن نفسه كالنيابة في الحج، فإن قلنا بالإجزاء هناك فكذا هنا». يعني بأن هنا أن هناك قولاً أنه إذا حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه يقع الحج عن غيره ويقع الحج عن النفس؟ هذا قول في المذهب. يقول: «فإن قلنا بالإجزاء هناك أجزأ هنا»، فإذا رمى عن غيره أولاً يصح أن يرمي عنه قبل أن يرمي عن نفسه، «والإ والا» يعني وإن لم نقل بذلك وقع الرمي عن نفسه إن كان محرماً بفرض، وإن كان حلالاً لم يعتد به. أوهم اختصار ابن مفلح في تعليل الموفق أن هذا الوصف قيد في الحكم، والموفق إنما أراد التعليل به لم يرد التقييد به.

ويمكن أن يكون قصده محرماً بفرض، يعني قصد ابن مفلح في قول المحرم من فرض أي بنسك يلزمه إتمامه، لماذا؟ والحج يلزم التتمام بالشروع وإن كان نفلاً. ومما يدل على ذلك لماذا نقول يمكن هذا قصده؟ أنه ذكر مقابله لو كان حلالاً، أنه قال: إن كان فرض وإن كان حلال لم يعتد به، ولم يقل: وإن كان محرماً بنفل، فيبدو أنه يقصد المحرم من فرض أي يلزمه إتمامه.

كل من نقل هذه العبارة بعد لم يصرح بمفهومها فيمن وقفت عليه، ولا تخرج النافل سوى ابن جاسر، إلا ما نقله ابن حميد رحمه الله في حاشية المنتهى عن السفاريني من استشكال ذلك، السفاريني قال: مفهومه أنه إذا كان محرماً بنفل له الرمي عن الصغير قبل أن يرمي عن نفسه، مع علمنا بأنه باحرامه وجب عليه إتمامه في الجملة وقضاؤه إن أفسده. تأمل. وعقب عليه بعض المحشين قائلاً: وأقول مفهومه أنه لا يقع عن نفسه إن كان نفلاً، وإذا فلا يجزئ لواحد منهما فيتعين أن يبدأ برمي جمرات نفسه مطلقاً، فتأمل.

فإذا الذي يبدو والله أعلم أنه لا يبدأ، أن تحرير المذهب في هذا أنه لا يبدأ في الرمي عن غيره، سواء كان محرماً بفرض أو كان محرماً بنفل، وإنما نشأ الوجه الثاني في المذهب من اختصار ابن مفلح لتعليل عبارة الموفق، وقد كتبت فيها مختصراً ونشرته في القناة.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أنه لا يعتد برمي الحلال، أي من لم يحرم، لا عن نفسه ولا عن غيره. طيب، كيف قالوا: يجوز أن يحرم عنه وإن كان حلالاً؟ والرمي قالوا: لا يعتد برمي الحلال. الإحرام والطواف أيضاً كما سيأتي لا يشترط فيه أن يكون محرماً، لماذا؟ لأن الإحرام يجوز من الحلال، وهذا هو الأصل أن الإحرام يكون من الشخص الحلال يحرم. طيب، والطواف أيضاً يجوز من الشخص الحالي، الرمي لا، لا يشرع إلا... أن يرمي شخص الجمرات غير متعلق بالحج، فنقول هنا: لأنه لا يشرع إلا في النسك فنقول: إذا لا يشرع أن يرمي عنه شخص لم يحج، أما في الطواف وفي الإحرام فيجوز ذلك.

قال المصنف رحمه الله تعالى: ويطاف به لعجز راكباً أو محمولاً. يعني أن الصبي إن كان يشق عليه المشي في الطواف فيحمله وليه أو يركبه كالكبير العاجز. ويشترط لصحة طواف الصبي المحمول الشرط الأول: وجود النية من الطائف به، لذلك قال: ويعتبر نية طائف به لتعذر النية منه، وقيده البهوتي في شرحه أما إذا لم يكن مميزاً، لأن المميز أصلاً تصح النية منه.

الثانية: أن يكون الطائف ممن يصح أن يعقد له الإحرام، وهو وليه أو نائبه؛ إذ تصح النية منه. وطيب، وذكر أنه لا يشترط الولي أن يطوف عن نفسه أولاً، ليس لطفل ذلك، لا يستطيع أن يطوف عن نفسه فيجوز أن يطوف أن يبدأ بالطواف للصبي، ويجوز أن يبدأ بالطواف لنفسه. ولو حمله لإيقاع الطواف عنهما معاً، هذه ستأتينا إن شاء الله في باب دخول مكة في أحكام الطواف، عمَّ أن يقع الطواف هل على الحامل أو على المحمول؟ سيأتينا التفصيل في ذلك.

أيضاً لا يشترط أن يكون محرماً، وهذا الصحيح في المذهب كله كما قاله المرداوي؛ لوجود الطواف من الصغير. الطواف موجود من الصغير، هذا غير الرمي، الرمي قالوا: لابد أن يكون محرماً بنسك. كذلك المشهد في الطواف أن يكون الولي محرماً؛ لأن الطواف يصح التطوع به للحلال بخلاف الرمي فلا يشرع إلا للحاج.

نقف سيدنا على الكفارة، كفارة الحج يعني في أحكام قصة صبي، وإن كان الأصل أن نكمل إلى نهاية الشرط الرابع الخامس، لكن لعلنا إن شاء الله هذا نزيد إن شاء الله أو أو نختصر يعني بعض الاختصار فيه التعليق لأجل أن يكفينا إن شاء الله إتمام شرح هذا الكتاب في المدة المحددة.

أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى. الأسئلة؛ من كان لديه سؤال يرسل على الرابط هو الذي أول رقم الواتس الذي نزله الأخ المسؤول عن القناة في، ونجيب عنه حسب الاستطاعة، إما في أول الدرس القادم أو نجيب عنه مكتوباً وينزل إن شاء الله في القناة.

وكذلك يكون هناك أسئلة ننزل بعد كل درس إن شاء الله أسئلة لتنمية الملكة كما كان لنا ذلك في الصيام بإذن الله تعالى. أسأل الله للجميع التوفيق والتسديد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.