بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.
في هذا اللقاء المبارك، الذي نتدارس فيه معكم كتاب الصيام من كتاب منتهى الإرادات، في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات النجار الفتوحي رحمه الله تعالى. نحمد الله عز وجل على ما من به ويسر من وسائل التواصل التي يستطيع الإنسان بها نشر العلم وبثه في أنحاء المعمورة وهو في مكان بعيد، فلله الحمد والمنة على ما من به، وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
أيها الأحبة، غني عن التذكير أن أذكركم بأن مجالس الذكر فيها فضل عظيم، وأنتم في مجلس ذكر تسمعون أحكام الله عز وجل، تسمعون الأحكام الشرعية لأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، وهذا فضل عظيم؛ فأنتم تجلسون تتدارسون هذا العلم الذي نسأل الله عز وجل أن يكون مقربًا لنا إلى ما يرضيه.
بمناسبة قرب شهر الصيام، بلغنا الله إياه جميعًا، تم اختيار شرح كتاب الصيام من هذا الكتاب المبارك، وهو أحد الكتب التي عليها المعتمد عند علماء الحنابلة المتأخرين رحمهم الله تعالى. وهذا الكتاب جمع فيه مؤلفه بين كتابين، وهما المقنع للموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى، والتنقيح المشبع للمرداوي رحمه الله.
الموفق رحمه الله ألف كتابه المقنع وجعله في الأصل على رواية واحدة، وقد يشير للرواية الثانية أحيانًا. فجاء المنقح المرداوي رحمه الله تعالى وألف شرحه الكبير على المقنع والمسمى بالإنصاف، واستوفى فيه ما بلغه من الروايات والأوجه في المذهب، ثم اختصر هذا الإنصاف في كتابه التنقيح المشبع، جعله على رواية واحدة وقد يشير للرواية الثانية أحيانًا، واختصره من الإنصاف؛ بل إنه ذكر في مقدمته أن هذا الكتاب الذي هو التنقيح وضع عن تحرير، ولذلك قال: «إذا وجدت فيه شيئًا مخالفًا لأصله فاعتمده»، والإنصاف قال: «فاعتمده فإنه وضع عن تحرير».
والإخلاص في طلب العلم أيها الأحبة مما هو من أعظم ما يوصى به طالب العلم، فإذا أخلص النية لله عز وجل فإن هذا سبب لقبول عمله عند الله تعالى، فالله عز وجل لا يقبل إلا ممن أخلص العمل له سبحانه، وأيضًا كان هذا سببًا لتيسير العلم عليه. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. ومن أعظم الرزق رزق العلم.
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «حسن القصد من أعون الأشياء على نيل العلم ودركه». فإذا أحسنت قصدك وأخلصت لله عز وجل فإن الله سيفتح عليك من حيث لم يخطر لك على البال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: الصيام: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص. هنا المؤلف رحمه الله تعالى عرّف الصيام. والصيام يعرفه العلماء رحمهم الله تعالى في اللغة بأنه الإمساك، ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26]، أي إمساكًا عن الكلام.
وأما تعريفه في الاصطلاح، فقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بأنه: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص. وقوله «إمساك بنية» يعني بقصد للصوم، وذلك لأن الصوم عبادة فيها التعبد بالنية، وذلك لإخراج ما لو أمسك الإنسان عن المفطرات حمية لا لقصد التعبد؛ فإن هذا لا يعد صومًا شرعًا، يعني لو أن شخصًا قال له الطبيب: سنجري لك عملية مثلا، لا تأكل شيئًا من الفجر إلى المغرب وسنجري لك عملية بعد المغرب، فلم يمسك حمية، فهنا يقولون هذا لا يعد صومًا شرعًا لأنه لم يقصد به التقرب إلى الله تعالى.
وقول المؤلف «عن أشياء مخصوصة» وهي المفطرات التي سيأتي بيانها بإذن الله تعالى بالتفصيل في باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة. وقوله «في زمن معين» وهو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. وقوله «من شخص مخصوص» وهو من توفرت فيه شروط الصحة، وشروط صحة الصوم هي الإسلام، والعقل، والتمييز، وأيضًا انتفت في حقه موانع الأداء وهي الحيض والنفاس.
المؤلف رحمه الله تعالى: «وصوم رمضان فرض». هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم صوم رمضان وذكر أنه فرض، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. من الكتاب قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. ومن السنة أحاديث كثيرة دلت على وجوب صوم رمضان، من أشهرها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس» وذكر منها صوم رمضان، متفق عليه. وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على أن صوم رمضان فرض.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يثبت به دخول الشهر، وقال: «ويجب برؤية هلاله، فإن لم يُرَ مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان لم يصوموا». دخول رمضان يثبت بأحد ثلاثة أمور، منها أمران متفق عليهما والثالث هو الذي فيه الخلاف. الأمران المتفق عليهما هما رؤية هلال رمضان، فإذا رؤي هلال رمضان فإنه هنا ثبت دخول الشهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» متفق عليه. والأمر الثاني الذي يثبت به دخول شهر رمضان إتمام شعبان ثلاثين يومًا؛ فإذا لم يُرَ الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وكانت السماء صحوًا ولم يوجد مانع من رؤية الهلال، فإنهم يفطرون يوم الثلاثين، ويكون دخول شهر رمضان في اليوم الذي يليه. كما قلنا إن هذين الأمرين يثبت بهما دخول شهر رمضان بإجماع العلماء كما ذكره ابن أبي عمر في الشرح الكبير.
إذا كانت ليلة الثلاثين صحوًا من شعبان، قال المؤلف رحمه الله: «إنهم لا يصومون يوم الثلاثين». ما حكم صومهم يوم الثلاثين إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان صحوًا؟ فقهاء الحنابلة رحمهم الله تعالى ذكروا أنه يكره صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يحُل دون رؤية الهلال مانع. لماذا قالوا ذلك؟ لأن هذا هو يوم الشك الذي ورد النهي عن صومه، والذي عناه عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما بقوله: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى»، إذ أذنه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا عند أصحاب السنن وعلقه البخاري رحمه الله في صحيحه. يوم الشك على المذهب، ويوم الثلاثين من شعبان إذا كانت ليلته السابقة له صحوًا.
لماذا قالوا إن هذا يوم الشك؟ قالوا إن هذا هو يوم الشك؛ للجمع بين هذا الحديث وبين الآثار الواردة عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم في صوم يوم الثلاثين إذا كانت ليلته غيماً. فقد ورد عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم كابن عمر وغيره أنهم يصومون هذا اليوم، فقالوا جمعاً بين الأحاديث الواردة عن النهي عن صوم يوم الشك، وبين الآثار الواردة عن الصحابة، نحمل يوم الشك على ما إذا كانت ليلة الثلاثين صحواً، وهذا ذكره النجار الفتوحي في شرحه.
الأمر الثالث الذي يثبت به دخول شهر رمضان إذا تعذرت رؤية الهلال، إذا تعذرت رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فهل يصومون أو لا يصومون؟ هذا هو الأمر الثالث الذي فيه الخلاف؛ إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قطر أو غيرهما، فهل يصام أو لا يصام؟
يقول المؤلف رحمه الله: «وإن حال دون مطلعه -يعني دون ما اطلع الهلال ليلة الثلاثين من شعبان- غيم أو قطر أو غيرهما- وجب صيامه حكماً ظنياً احتياطياً، احتياطاً بنية رمضان». إذاً هذا هو الأمر الثالث الذي يثبت به دخول شهر رمضان على المذهب، وهو أن يحول دون رؤية الهلال الليلة التالية لليوم التاسع والعشرين من شعبان مانع من غيم ونحوه.
فالحنابلة رحمهم الله تعالى يحكمون بدخول الشهر هنا ويوجبون صومه بنية رمضان احتياطاً، ويسمونه يوم الغيم. والقول بوجوب صوم يوم الغيم هذان مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى كما ذكره المرداوي في الإنصاف، وانتصر له الأصحاب، وردوا حجج المخالف. وهذه المسألة لما اشتهر فيها الخلاف ألف فيها بعض الحنابلة رسائل مستقلة في حكمها، بل إن هذه المسألة وقع فيها الخلاف داخل المذهب، خلاف كبير داخل المذهب؛ بل إن المرداوي رحمه الله في الإنصاف ذكر سبعة أقوال في المذهب، منها خمس روايات الإمام أحمد رحمه الله وقولان وجهان للأصحاب.
الأقوال السبعة هي الأحكام التكليفية الخمسة: الوجوب عند الحنابلة، وهو قول بوجوب صوم يوم الغيم وهو مشهور عندهم، وقول آخر باستحبابه، وقول ثالث بإباحته، وقول رابع بكراهته، وقول خامس بتحريمه. وهناك قول سادس بأن الناس تبع للإمام؛ فإذا رأى الإمام صومه فإنهم يصومون، وإذا لم يرَ إلا يصام فإنهم لا يصومون. والقول السابع عند الحنابلة العمل بعادة غالبة؛ فإن كان الشهران قبله تامين أنه يعتبر ناقصاً وبالعكس.
ولكون هذه المسألة قال فيها الخلاف بين الحنابلة وبين الأئمة الثلاثة، وبين الحنابلة أنفسهم، فسأذكر بعض استدلالات الحنابلة رحمهم الله تعالى والجواب عليها. فمن أدلتهم على وجوب صوم يوم الغيم حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «إنما الشهر تسعة وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأقدروا له». وهذا أصل الحديث في الصحيحين.
نافع مولى ابن عمر يقول: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شهر شعبان تسعة وعشرون يوماً يبعث من ينظر له الهلال، فإن رؤي فذاك، إذا ثبت دخول رمضان، وإن لم ير ورُئي ولم يحل دون منظره سحاب ولا قطر أصبح مفطراً، وإن كمل شعبان ثلاثين، وإن حال دون منظره سحاب أو قطر أصبح صائماً. قول نافع هذا هو الزيادة التي هي من فعل ابن عمر، وهذا أخرجه أبو داود وأحمد رحمهم الله تعالى.
قال الحنابلة رحمهم الله تعالى في تقرير استدلالهم على الوجوب: كيف يدل هذا الحديث على الوجوب؟ قالوا إن معنى قوله «فأقدروا له» يعني ضيقوا عليه. كيف فسرتموه بالتضييق؟ قالوا إنه ورد معناه في اللغة، ورد معنى القدر في اللغة بمعنى التضييق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن قَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الزخرف: 32]، يعني ضيق عليه رزقه. والتضييق هنا جعل شعبان تسعة وعشرين يوماً. ولماذا فسروه بـ«أقدروا له» بـ«ضيقوا عليه»؟ قالوا استدللنا على هذا التفسير بفعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو راوي الحديث، واعلم بمعناه فوجب الرجوع إليه؛ إذاً استدلوا بالحديث وبفعل ابن عمر.
الدليل الثاني دليلهم: وهو صوم يوم الغيم عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم كعمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ومن أصول الإمام أحمد رحمه الله تعالى الاستدلال بفعل الصحابة. هذان هما أقوى أدلة الحنابلة رحمهم الله تعالى على الوجوه.
يمكن أن يُجاب عن الدليل الأول، والقول الثاني؛ أجابوا عن دليل الحنابلة، طبعاً المنهج في هذا الشرح من الأصل أننا لا نذكر الخلاف المطلق إلا إذا كانت المسألة شهيرة، فأنا أذكرها، وأذكر بعض الأدلة، إلا أن الأصل أن يكون التقرير والشرح على مذهب الحنابلة، يعني على المشهور بالمذهب.
أجابوا عن الدليل الأول الذي قالوا فيه إن «القدر» بمعنى التضييق، قالوا إن هذا يحتمل هذا الأمر، لكن يحتمل غيره، ومن أولى ما فسر به مقصود المتكلم هو المتكلم نفسه بأنه علم بمراده، والمتكلم هو النبي ﷺ الذي قال «فأقدروا له». ويقول جاء في بعض الروايات، كما في إحدى روايات البخاري: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، وجاء في رواية مسلم: «فأقدروا له ثلاثين»، فهذا مفسر لـ«أقدر له»، أي من التقدير أنه يقدر له ثلاثين، وليس المعنى يضيق عليه، ففسرنا قول النبي ﷺ بما جاء في بعض الروايات.
وأجابوا عن الدليل الثاني الذين استدلوا بفعل بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قالوا: نعم، صحيح نُقل عن بعض الصحابة، لكنهم لم يكونوا يجيبونه على مجموع الأمة، بل كانوا يصومونه احتياطاً خاصة أنفسهم، على ذلك أنهم لم يلزموا الناس كلهم ولا أهل بيتهم بصيام يوم الغيم، وما كان سبيله الاحتياط فلا يحمل على الإيجاب؛ هذه قاعدة أن ما كان سبيله الاحتياط فلا يحمل على الإيجاب، لا سيما ما كان الأصل عدمه.
ما كان أصله عدمه، كما هنا في صوم يوم الغيم؛ فإن الأصل عدم دخول شهر رمضان، والأصل بقاء شعبان، فإذا قلنا نحتاط فلا إشكال، نحتاط لكن لا نوجب.
وقد أطال شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة، وابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه زاد المعاد في تقرير هذه المسألة والاستدلال لها من القولين، وأجابوا عن آثار الورود في الصحابة رضي الله تعالى عنهم بما ذكر آنفاً، بأن هذا يحمل على الاحتياط لا على الإيجاب.
قالت بعض الأصحاب: نصوص الإمام أحمد تدل عليه، يعني تدل على الوجوب. وصاحب الفروع ابن مفلح رحمه الله لما نقل ذلك قال: «كذا قالوا»، وهي عبارة تتكرر عند ابن مفلح في الفروع، وغالباً إذا جاء بها يقصد أنه لا يوجد دليل واضح على هذه المسألة، مثل قول في نشرة الأخبار أحياناً يقول المذيع: «على حد زعمه». فمثل قول ابن مفلح: «كذا قالوا»، ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه. ولهذا قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله تعالى: «لا أصل الوجوب في كلام أحمد ولا في كلام أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم».
وقلنا إن بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى أفردوا هذه المسألة بالتأليف، وممن أفرد هذه المسألة بالتأليف القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى في كتابه «إيجاب الصوم ليلة الغمام»، وهذا الكتاب لم يوجد، لكن النووي رحمه الله في المجموع انتقى منه ونشره في كتابه المجموع؛ نشر هذا الانتقاء في مجموع رسائل أبي يعلى التي نزلت قريباً بتحقيق أبي جنة الحنبلي -وفقه الله تعالى-. نشر من ضمن رسائل أبي يعلى هذا المنتقى، وإلا فإصدار هذه الرسالة لم يوجد.
والنووي رحمه الله تأوّى، وأبو يعلى رحمه الله تعالى لما صنف هذه الرسالة رد عليه الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، والنووي رحمه الله نقل أيضاً ملتقطات من رسالة الخطيب البغدادي في كتابه المجموع لما رد الخطيب البغدادي على أبي يعلى. وجاء ابن الجوزي رحمه الله تعالى وألف رسالته «درء النوم والضيم في صوم يوم الغيم»، وهذا كتاب مطبوع ورد فيه على الخطيب البغدادي. وممن ألف فيها أحمد بن عبد الهادي في كتابه «السحر في وجوب صوم يوم الغيم والقطر»، والمرداوي الكرمي في كتابه «تحقيق الرجحان بصوم يوم الشك من رمضان».
وننبه إلى أن الشيخ ابن قاسم رحمه الله ذكر في حاشية الروم أن ممن ألف فيها يوسف بن عبد الهادي في كتابه «درء اللوم»، ذكره الشيخ ابن قاسم رحمه الله. والحقيقة أنني لم أجد في عداد مصنفاتي عند من تكلم على مصنفات الحنابلة هذا الكتاب، بل إن كتاب «درء اللوم» لابن الجوزي كما تقدم آنفاً، والذي ألف في هذه المسألة أحمد بن عبد الهادي أخو يوسف، فلم أجد أنه ألف في هذه المسألة.
وهناك آخرون من الحنابلة ألفوا في هذه المسألة لكن رجحوا القول الثاني، ومنهم محمد بن عبد الهادي في كتابه «قامة البرهان على عدم وجوب صوم الثلاثين من شعبان». وهذه المسألة، وجوب صوم يوم الغيم، مما اختلف فيه الإقناع مع المنتهى؛ صاحب المنتهى كما قلنا إنه ذكر أنهم يصومون وجوباً، أما الحجاوي فلا يقول ذلك، وإن حال. قال الحجاوي في الإقناع: «وإن حال دون منظره غيم أو قطر أو غيرهما ليلة الثلاثين من شعبان لم يجب صومه قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين نصاً، ولا تثبت بقية توابعه». واختاره شيخ الإسلام رحمه الله وأصحابه وجمع.
وقال: «والمذهب يجب صومه بنية رمضان حكماً ظنياً بوجوبه احتياطاً لا يقيناً». الحجاوي هنا تابع في اختيار شيخ الإسلام وأصحابه بعدم الوجوب، والفتوح هنا تابع المرداوي في الإنصاف والتنبيه ومتقدم لأصحاب الذين ذكروا الوجوب. وإذا اختلف الإقناع والمنتهى عند المتأخرين فالعبرة بما في المنتهى.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: «حكماً ظنياً احتياطاً بنية رمضان قبل الخروج من عهدة الوجوب»، ويترتب على كونه احتياطاً أنهم لو صاموا ثلاثين يوماً من رمضان أولها يوم الغيم ثم لم يروا هلال شوال، فإنهم يصومون اليوم الواحد والثلاثين لكون اليوم الأول صاموه احتياطاً. وعلى هذا فلو صامه لم ينو الاحتياط، وإنما صامه مثلاً عن قضاء رمضان سابق، أو لكونه وافق يوم اثنين أو خميس للتنفل، ثم بان لاحقاً أنه من رمضان، لا يجزئ عن كونه لم ينو أنه من رمضان.
وقول المؤلف رحمه الله: «ويجزئ إن ظهر منه»، يعني لو صام يوم الغيم احتياطاً لرمضان ثم تبين لاحقاً أنه من رمضان بأن ثبتت رؤيته مثلاً في موضع آخر، فيجزئه صوم يوم الغيم بأن صومه وقع بنية رمضان لمستند شرعي أشبه الصوم للرؤية؛ لأنه قالوا إن هذا مستند شرعي، صومه لأجل يوم الغيم كما قدموا في استدلالهم.
وتمثيل الأصحاب رحمهم الله تعالى لتبين كونه من رمضان بثبوت رؤية الهلال يقيناً في موضع آخر، مبني على مسألة ستأتي وهي: هل تكفي رؤية البلد الواحد ويجوز هذا الصوم على جميع الناس أو لا؟ وهي مسألة خلافية ستأتي بعد قليل إن شاء الله، والمذهب الاكتفاء بها كما سيأتي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وتثبت أحكام الصوم»، أحكام صوم من صلاة التراويح، ووجوب كفارة بوطئ فيه ونحوه ما لم يتحقق أنه من شعبان، لا بقية لحكم. يعني إذا صام يوم الغيم هل تثبت جميع أحكام أنه صام احتياطاً؟ فلتثبت جميع أحكام الشهر لهذا اليوم أولى. يقولون إنه إذا صام يوم الغيم ما دام أنه احتياط فنقول يثبت له الأحكام المتعلقة بالصوم، فإنها تثبت له دون ما لم يتعلق بالصوم.
فمن الأحكام التي تثبت له صلاة التراويح ليلته، بانه صلى الله عليه وسلم وعد من صامه وقامه بالغفران، ولا يتحقق فيه قيامه كله إلا بذلك. ومنها أيضاً كما ذكر المؤلف وجوب الكفارة بالوطء فيه ما لم يتحقق أنه من شعبان؛ يعني إذا وطأ زوجته في يوم الغيم هذا فإنه تجب فيه الكفارة، يجب صومه عن المذهب.
قال: «ما لم يتحقق أنه من شعبان»، كيف؟ قالوا لو تم رمضان ثلاثين يوماً ثم لم ير الهلال هلال شوال فإنهم يصومون واحد وثلاثين. فلو كان من الصائمين جامع زوجته في أول يوم من رمضان الذي هو يوم الغيم، قالوا له: خلاص لا تثبت عليه الكفارة، لماذا؟ تبين لنا أن يوم الغيم هنا من شعبان، فيكون واطئاً في صوم.
تطوع فلا تجب فيه الكفارة، ولا تثبت بقية الأحكام التي لا تتعلق بالصوم، مثل حلول أجل الدين. لو أن شخصا مثلا اشترى سيارة بخمسين ألفا في أول يوم من رجب، وعد البائع أن يسدد هذه القيمة أو هذا الثمن في أول يوم من رمضان، ثم لما جاء يوم تسعة وعشرين من شعبان صار في يوم غيم لم يرَ الهلال؛ على المذهب أنه يجب صوم يوم الغيم.
صاموا من الغيم، ويقولون لا يحل الدين، لا يكون الدين حالا في هذا اليوم. لماذا؟ لأن القانون هنا صام احتياطا، والأصل براءة الذمة من ثبوت شيء فيها، فلا نلزمه بالسداد إلا في اليوم الذي نتحقق أنه من رمضان، وهو اليوم التالي ليوم الغيم؛ فنعمل بالأصل فيما عدا الصوم، ونعمل بالاحتياط في الصوم وتوابعه لعمل الصحابة المتقدم في أصل المسألة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يلحق بيوم الغيم. يقول: «وكذا حكم شهر نذر صومه أو اعتكافه في وجوب الشروع إذا غُم هلاله»، يعني أنه يلحق بمسألة صوم يوم الغيم. لو نذر شخص أن يصوم شهر رجب مثلا، أو أن يعتكف في شهر رجب أو في شهر شعبان، وحالت دون رؤية الهلال في رجب أو في شعبان مانع من غيم أو غيره؛ قالوا فإنه يلزمه الشروع فيما نذر اعتكافه أو صومه فيه من يوم الغيم.
لماذا؟ قالوا: قياسا على ما ورد عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم في يوم الغيم، والواجب بالنذر يجرى مجرى الواجب بالشرع. إذا كان شهرا معينا، يعني قال شهر رجب أو شهر محرم، فإنه يشرع فيه من يوم الغيم. لكن لو قال نذرت أن أصوم شهرا وأطلق، قالوا: يلزمه ثلاثون يوما من أي يوم، لا يلزم نووي الشهر، لكن لو قال نذرت شهرا معينا مثل شهر رمضان، فإنه يلزم من حين يوم الغيم.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والهلال المرئي نهارا ولو قبل الزوال للمقبلة»، يعني أنه إذا رؤي الهلال في النهار، يكون اليوم الذي رؤي فيه الهلال هو اليوم الأول من الشهر، ولا يعتبر هذا الهلال لليلة الماضية، سواء كانت الرؤية له قبل الزوال أو بعده.
لماذا يقولون ذلك؟ لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر رضي الله تعالى عنه: «أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تمسوا»، وفي رواية للدارقطني: «فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس عشية».
وقوله «ولو قبل الزوال» هذه إشارة لخلاف المذهب؛ لأنه روي عن الإمام أحمد رحمه الله رواية بالتفريق بين ما قبل الزوال وبعده، وأنه إذا رؤي قبل الزوال فهو للماضية، وإن رؤي بعده فهي للمقبلة. وقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا «لليلة المقبلة» لا يعني أن هذه الرؤية يعتد بها في ثبوت دخول الشهر، لا نقول رؤية الظهر خلاص إذا غدا رمضان، بل يقولون لا بد أن يرى الهلال بعد تحقق الغروب، ولا يكفي أن يرى في الظهر مثلا، لابد أن يرى بعد تحقق الغروب.
فقوله «للمقبلة» المقصود به نفي أنها للماضية، وليس المقصود الاكتفاء به في إثباتها للمقبلة؛ فنقول لو رؤي الهلال ظهر يوم التاسع والعشرين من شعبان مثلا، فلا نقول إن الليلة المقبلة هي ليلة رمضان بهذه الرؤية، بل لا بد أن يرى الهلال بعد تحقق غروب الشمس.
قال البهوتي رحمه الله في الكشاف: تنبيه، قال شيخ الإسلام زكريا في شرح البهجة -ويقصد زكريا الأنصاري الشافعي-: «والمراد بما ذكر، أي من أنه للمستقبلة، دفع ما قيل إن رؤيته تكون لليلة الماضية»، انتهى، أي فلا أثر لرؤية الهلال نهارا، وإنما يعتد بالرؤية بعد الغروب؛ هذا كلام الشافعية. قال البهوتي: «كالكشاف، قلت ولعله مراد أصحابنا في ظاهر الخبر السابق الذي ذكرناه قبل قليل».
قال: «ولما يأتي فيمن علق طلاق امرأته لرؤية الهلال، يعني إذا قال زوجته طالق إن رؤية الهلال، قال الأصحاب: إذا رؤي الهلال وقد غربت الشمس، فعلم منه أن الرؤية قبل الغروب لا تأثير لها». انتهى كلامه رحمه الله. وهذه المسألة من المسائل التي فسرت في غير بابها، فينتبه له؛ هي مسألة الصوم فسرت عند الحنابلة في باب الطلاق، وهذه من النوادر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإذا ثبتت رؤيته ببلد لزم الصوم جميع الناس». هذا الذي قلنا قبل قليل: هل تكتفى برؤية الرأي الواحد، أو برؤية البلد الواحد لجميع الناس، أو أن لكل بلد رؤيتهم؟ هذه مسألة الخلاف المطروحة. من المعلوم أن مطلع القمر يختلف من بلد لبلد، وكان هذا الاختلاف معتبرا في الرؤية، فنجعل لكل أهل مطلع رؤيتهم؛ وهذه مسألة خلافية.
وقبل أن نذكر حكم المطلع، نحرر محل النزاع؛ فنقول لا تخلو هذه المسألة من ثلاثة أحوال كما ذكره المرداوي في الإنصاف: البلد الذي رؤي فيه الهلال، فهذا تلزم أهله حكم الرؤية بلا خلاف. المسألة الثانية: أهل البلد الذين يتفق مطلع القمر لديهم مع بلد الرؤية، فهذا تلزم أهله الرؤية بلا خلاف في المذهب.
أما المسألة الثالثة وهي محل الخلاف: أهل البلد الذين يختلف مطلع القمر لديهم مع بلد الرؤية، فهل يلزمهم حكم هذه الرؤية أو لا؟ المذهب عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فلو رؤي الهلال في أقصى الغرب صارت هذه الرؤية معتبرة لأهل الأرض جميعا، وهذا من مفردات الحنابلة كما ذكر المرداوي في الإنصاف.
ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» [متفق عليه]. قالوا في وجه الاستدلال: الخطاب موجه للأمة كافة لرؤيته، وليس لأهل البلد المعين؛ فإذا رؤي ببلد فقد تحقق الشرط في الحديث، فيلزم الصوم على جميع المسلمين بهذه الرؤية، وهذا هو المشهور عند الحنابلة، وهناك قول آخر في المذهب أن لكل أهل مطلع رؤيتهم.
وهذا هو قول في المذهب واختيار شيخ الإسلام رحمه الله وبعد الحنابلة. يقول رحمه الله: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإن اتفقت لزم الصوم وإلا فلا، والعمل لدينا في المملكة على خلاف المذهب، وإن العبرة برؤية أهل البلد.
يقول المؤلف رحمه الله: «وإن ثبتت نهارًا أمسكوا وقضوا». يعني إذا لم يعلم بالرؤية إلا من النهار، يعني يوم أفطروا في بعد اليوم التاسع والعشرين من شعبان لم يروا الهلال فأفطروا، جاء واحد مثلا في الضحى وقال: إني رأيت الهلال يوم أمس، البارحة رأيت الهلال؛ فهنا يلزمهم الإمساك والقضاء. يلزمهم الإمساك لحرمة الوقت، ويلزمهم القضاء لأنهم لم يصوموا اليوم كاملاً، لأن الصيام الشرعي من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، ولم يتم من طلوع الفجر حتى غروب الشمس ولن يتحقق هذا الأمر. وهذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى كما ذكره الموفق بن قدامة رحمه الله.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل يلزم فيها الإمساك والقضاء، وهي ثمان مسائل. الكافر إذا أسلم في أثناء هذه المسائل الثمان يلزم فيها الإمساك والقضاء، كمن أسلم في أثناء نهار رمضان، أسلم مثلا في اليوم الخامس العصر، نقول الآن: تمسك من الآن، وإذا هو تصوم الأيام اللاحقة له، ثم يكون عليك قضاء يوم، اللي هو اليوم الخامس؛ لأنك ما صمته كاملاً.
المسألة الثانية: المجنون إذا أفاق من جنونه أثناء نهار رمضان، أفاق مثلا في اليوم العاشر الظهر، نقول: تمسك، ثم تقضي هذا اليوم العاشر. المسألة الثالثة: الحائض أو النفساء إذا طهرتا أثناء نهار رمضان، فإن عليهما الإمساك والقضاء. الرابعة: المقيم إذا تعمد الفطر بدون عذر ثم سافر أثناء النهار، قالوا يلزمه الإمساك والقضاء. الخامسة: المرأة إذا تعمدت الفطر في نهار رمضان بدون عذر ثم حاضت أثناء النهار، قالوا يلزمها الإمساك والقضاء.
المسألة السادسة: المسافر إذا قدم مفطراً، يعني رجع إلى بلده في أثناء النهار وكان مفطراً، كمن هو مسافر من مكة إلى الرياض مثلاً، فرجع ووصل إلى بلده الرياض الظهر في اليوم العاشر من رمضان وكان مفطراً، قالوا إذا وصل إلى بلده فإنه يلزمه الإمساك وقضاء هذا اليوم. السابعة: المريض إذا برأ من مرضه في أثناء النهار فيلزمه الإمساك والقضاء. الثامنة: الصغير إذا بلغ في أثناء النهار وكان مفطراً فإنه يلزم الإمساك والقضاء. إذاً يلزمهم القضاء لوجود الفطر في أثناء النهار، ويلزمهم الإمساك لحرمة الزمن.
إذا قال قائل: الكافر إذا أسلم في أثناء نهار رمضان، والصبي إذا بلغ مفطراً، والمجنون إذا أفاق أثناء النهار، لم يلزمهم الصوم في النهار، فلماذا ألزمناهم بالقضاء؟ يعني من الأصل الكافر لو كان ناوياً الصيام من الفجر ثم أسلم الظهر، فنقول كما هو الإمساك من الظهر، لماذا نلزمه بالقضاء وهو من الأصل ما يجب عليه الصوم؟
هذه مبنية على قاعدة كررها الحنابلة رحمهم الله تعالى، وهي أن إمكان الأداء ليس بشرط استقرار الواجبات بالشرع في الذمة، على ظاهر المذهب. كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في القاعدة التاسعة عشرة من قواعده وذكر هذا المثال. ويُزاد في حق المقيم الذي تعمد الفطر ثم سافر، والمرأة المتعمدة الفطر ثم حاضت، قالوا يزاد في التعذيب لهم أنهم يلزمهم الإمساك عقوبة على فطرهم بدون عذر مشروع، حيث إنهم تعجلوا الرخصة قبل أوانها فيعاقبون بحرمانها.
هنا المؤلف رحمه الله تعالى قال في الصبي، إذا بلغ بسن أو احتلام ولم ينو الصوم، فهنا نقول يلزمه الإمساك والقضاء. لكن إذا نوى الصوم من الليل، قالوا هنا يصح صومه ولا يلزمه القضاء. وهذا قول في المذهب اختاره القاضي أبو يعلى، قدمه الموفق في المقنع، والمرداوي في الإنصاف ذاك الخلاف لكنه لم يرجح شيئاً. وأما في تصحيح الفروع فقد رجح هذا القول الذي اختاره القاضي أبو يعلى، وكذلك في التنقيح اقتصر على هذا القول، وصاحب الإقناع والمنتهى اتفقوا على هذا القول، فهو المعتمد عند المتأخرين ويكون هو المذهب، ولو لم يرجح صاحب الإنصاف بشيء؛ لأن كتاب تصحيح الفروع لاحق للإنصاف، وأيضاً التنقيح لاحق لهما، والمرداوي نص في مقدمة التنقيح على أن ما وجد في هذا الكتاب مخالف لأصله فالمعتمد ما في التنقيح؛ لأنه وضع للتحرير.
بماذا صححوا صيام الصبي إذا نوى من الليل وبلغ في أثناء النهار ولم يوجب عليه القضاء؟ قالوا لوجود النية منه للصوم من الليل وهو ممن يصح صومه وتصح نيته. والصوم في أول النهار نفل وفي آخر النهار فرض، قالوا هذا لا يمنع صحته، يعني لا يمنع أن يكون أوله صوم نفل وباقيه فرض؟ قالوا: قياساً على ما لو شرع البالغ في صوم تطوع ثم نذر إتمامه، يعني شخص صام يوم الاثنين تطوعاً ثم نذر لله عز وجل في أثناء النهار أن يكمل صوم هذا اليوم، فإنه قبل النذر يعد صومه تطوعاً، وبعد النذر يعد صومه فرضاً. قالوا ومثله الصبي، فإنه يصح صومه من أول النهار ويكون أول صومه نفلاً وآخره فرضاً، وهذا لا يؤثر على صحة اعتباره واجباً عليه وأنه لا يلزمه فيه القضاء.
المؤلف قال: «ما لم يبلغ صائماً بالسن أو احتلام»، تقييد بسن أو احتلام لإخراج ما لو بلغ أثناء النهار بالإنبات، فيلزمه الإمساك والقضاء؛ لاحتمال سبق وجود التكليف، وهذا ذكره الخلووي رحمه الله تعالى في حاشيته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن علم مسافراً أنه يقدم غداً لزمه الصوم، لا صغير علم أنه يبلغ غداً». هنا المؤلف رحمه الله فرق بين مسألتين بينهما شبه من وجه واختلاف من وجه، وهما السفر والصغر؛ هذان مانعان من وجوب صوم رمضان أداء. أما السفر فلتخلف شرط الإقامة، وأما الصبي فلتخلف شرط التكليف. ويختلفان في التكليف؛ فالمسافر مكلف والصبي غير مكلف. فإذا كان هناك شخص مسافر ونوى أنه سيقدم بلده غداً نهاراً، يعني مثلاً شخص مسافر إلى مكة وهو من أهل الرياض، سيارته مثلاً في الضحى وسيصل للرياض في الظهر، فهو علم أنه سيرجع إلى الرياض في عاشر رمضان.
علم أنه في يوم عشرة رمضان الظهر سيكون في بلده في الرياض، هنا يلزمه نية الصوم من الليل، يلزمه نية الصوم من الليل وإن كان لا زال فيه السبب المبيح للفطر.
بخلاف الصبي؛ أنا لو ولد مثلاً صبي في ظهر اليوم العاشر من رمضان عام ألف وأربعمائة وستة وعشرين، ولم تتحقق فيه علامة من علامات البلوغ، فإنه سيتحقق بلوغه بالسن ظهر اليوم العاشر من رمضان عام ألف وأربعمائة وواحد وأربعين، فلا يلزمه أن ينوي الصوم من الليل ولو علم أنه سيبلغ غداً؛ لأنه لم يتحقق فيه التكليف بعد، لكن إذا جاء ظهر ذلك اليوم فيلزمه الإمساك لوجود التكليف، ويلزمه القضاء لعدم وجود الصوم الكامل منه كما تقدم في الفقرة السابقة.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في الفصل اللاحق: "ويقبل فيه وحده حضروا مكلف عدل ولو عبداً أو أنثى أو بدون لفظ الشهادة ولا يختص بحاكم وتثبت بقية الأحكام". هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن رؤية هلال رمضان، وذكر في هذه الجملة شروط الرؤية التي يثبت بها دخول الشهر.
يشترط في الرائي شرطان: التكليف والعدالة، والعدالة يدخل فيها الديانة، والتكليف يشمل البلوغ والعقل. فإذا أردنا أن نفصل في الشروط نقول هي أربع شروط: الإسلام، والعدالة، والبلوغ، والعقل.
فالإسلام؛ فلا تقبل فيه شهادات الكافر، ودليله حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ وقال: إني رأيت الهلال. فقال النبي ﷺ: «أتُشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؟» قال: نعم. قال: «فأذن يا بلال في الناس أن يصوموا غداً». وهذا عند أبي داود والترمذي والنسائي؛ حيث إن النبي ﷺ تحقق من إسلامه، فأوجب الصوم برؤيته لما تحقق من إسلامه، فلو لم يكن الإسلام شرطاً لما سأله النبي ﷺ عن الاجتهادين.
والوصفة الثانية العدالة، والأصحاب رحمهم الله تعالى يعرفون العدالة في باب الشهادات بأنها: استقامة الدين والمروءة، والصلاح في الدين، وأداء الفرائض، واجتناب المحارم، فلا يرتكب كبيرة ولا يدمن على صغيرة، والكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة. وزاد الشيخ تقي الدين رحمه الله: «أو غضب أو لعنة أو نفي إيمان». واستعمال المروءة هو فعل ما يجمله ويزين، وتركه ما يدنسه ويشين، ويرجع في تفصيل الكلام عليها إلى باب الشهادات. ويشترط أن يكون الرائي عدلاً ظاهراً وباطناً، يعني لابد أن يكون الحاكم يعلم عدالة الرائي في الظاهر والباطن.
تقبل شهادة المستور، طبعاً القاضي الذي هو الحاكم غالباً ما يعرف الشهود، لكن العمل الآن أن الشاهد يأتي معه من يزكيه ويشهد أنه ثقة عدل، وهذا المزكي لا بد أن يعرف هذا الشاهد معرفة تامة يتمكن من تعديله. والدليل على اشتراط العدالة قوله تعالى: ﴿وَاشْهَدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]. فأمر الله تعالى باستشهاد العدول لأنهم هم الذين تقبل شهادتهم إذا أدوها، وهذا عام في الأموال وغيرها.
والشرط الثالث والرابع البلوغ والعقل، فلا بد أن يكون الرائي للهلال مكلفاً يعني بالغاً عاقلاً، فلا يكتفى برؤية المجنون أو الصغير لأنه لا حكم لقولهما لارتفاع التكليف عنهما.
ورؤية الهلال خبر ديني لا تشترط فيه شروط الشهادة المعروفة، وإنما تشترط فيه شروط الرواية، وهذا خاص بهلال رمضان، ولذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ويقبل فيه وحده"، يعني في هلال رمضان وحده دون غيره من الشهور. وقوله "خبر" يعني الإفادة برؤية هلال رمضان هذا حكم ديني يكتفى فيه بالإخبار ولا تشترط فيه شروط الشهادة من اشتراط لفظ "أشهد"، لذلك قال المؤلف: "أو بدون لفظ الشهادة".
ومن التعدد، ومن كونه لا تقبل فيه شهادة المرأة في ملك المال، أنه الرجال غالباً فتقبل شهادة الشخص الواحد في دخول الشهر؛ لحديث ابن عباس المتقدم في شهادة الأعرابي، وحديث ابن عمر أيضاً أنه شهد عند النبي ﷺ برؤية هلال رمضان فأمر النبي ﷺ الناس. أما بقية الشهور فلا بد فيها من شهادة رجلين؛ لقوله ﷺ في حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا». رواه النسائي وأحمد. وقال ابن عمر وابن عباس: إن رسول الله ﷺ كان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين كما عند البيهقي وغيره، وقد نقل الترمذي الإجماع على ذلك.
ولأن ذلك ليس بمال -الذي هو هلال شوال وغيره من الشهور- قالوا ليس بمال ولا يقصد به المال ولا احتياط فيه، فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين كالحدود والقصاص. وكان القياس أيضاً يقتضي أنه حتى رمضان لا يقال فيه إلا شهادة رجلين، لكن ذلك ترك الاحتياط في دخولي هذا الشهر.
لذلك مما يترتب على كونه خبراً دينياً وليس شهادة، أنه تقبل فيه شهادة العبد وشهادة الأنثى، وتقبل فيه بدون لفظ الشهادة. أما لو اعتبرنا أنه شهادة فلا بد أن يؤدي بلفظ الشهادة: "أشهد أني رأيت الهلال" كما هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى.
وأيضاً مما لا يشترط فيه أن يثبت عند الحاكم؛ فلا يشترط لثبوت دخول الشهر أن يشهد به عند الحاكم أو أن يحكم الحاكم لهذا الشاهد، فلو أن شخصاً سمع عدلاً يخبر برؤية هلال رمضان ولم يعلن في الأخبار ونحوها، لكنه سمع عدلاً يخبر برؤية هلال رمضان فإنه يلزمه الصوم. ولو رد الحاكم مشاهدة هذا الشاهد بجواز أن يكون الحاكم ردها لعدم علمه بحال المخبر لا لفسقه؛ لأننا قدمنا أن الحنابلة رحمهم الله تعالى يشترطون العدالة الظاهرة والباطنة في الشاهد فلا يقبلون شهادة المستور الذي يجهل الحاكم عدالته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وتثبت بقية الأحكام"، يعني التي تتعلق برمضان بشهادة الشاهد الواحد سواء كانت متعلقة بالصوم أو لا. وهذا غير ما لو كان يوم الغيم؛ ففي يوم الغيم لا تثبت من الأحكام إلا الأحكام المتعلقة بالصوم مثل صلاة التراويح ومثل وجوب الكفارة بالوطء فيه ونحو ذلك، أما الأحكام التي لا تتعلق بالصوم مثل حلول الدين فهذا لا يثبت في يوم الغيم، إنما يثبت في اليوم اللاحق له لأنه يقيناً من رمضان.
لكن إذا رأى هلال رمضان شخص واحد فإن رمضان يدخل يقيناً لا احتياطاً، لذلك تثبت بقية الأحكام التي تتعلق برمضان، سواء كانت تتعلق بالصوم أو لا تتعلق بالصوم كحلول الديون ونحوها، فتثبت إذا دخل رمضان ولو دخل بشاهد واحد.
مع أن حلول الدين يتعلق بالمال، والمال لا يقبل فيه -أو ما يقصد به المال عند الحنابلة لا يقال فيه إلا شهادة شاهدين- لكن قالوا إننا حكمنا بثبوت أو بحلول الدين هنا تبعًا لحكمنا بثبوت دخول رمضان؛ يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. القاعدة أنه قد يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، وهذا الفرع ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في قواعده، في القاعدة الثالثة والثلاثين بعد المئة.
هنا ما بكم تتأملون؟ هذه المسألة المتعلقة برؤية الهلال، سنأخذها على مسألة لتجنب الإشكال. المسألة الأولى: إذا صاموا ثمانية وعشرين يومًا ثم رأوه، قضوا يومًا فقط. يعني لو أن المسلمين مرة صاموا رمضان لم يثبت دخول رمضان بالرؤية، فصاموا فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا، صاموا رمضان، يوم جاء اليوم الثامن والعشرين من رمضان، يعني ليلة التاسع والعشرين رؤي هلال العيد، رؤية هلال شوال. هنا تحققنا يقينًا أن اليوم الثلاثين من شعبان الذي أتموا به شعبان صار من رمضان، لكنه لم يُرَ الهلال فيه.
هنا من يصوم إلا يوم اثنين وعشرين يومًا فقط؟ قالوا: فيفطرون يوم العيد ويصومون يومًا بعده، يقضون يومًا. لماذا؟ لأن الشهر لا يمكن أن يقل عن تسعة وعشرين يومًا، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية عنه. قال الإمام أحمد رحمه الله عن الوليد بن عتبة قال: «صمنا على عهد علي رضي الله عنه ثمانية وعشرين يومًا، فأمرنا علي أن نقضي يومًا». قال الإمام أحمد: العمل على هذا؛ أن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين يومًا.
لماذا يقضون يومًا فقط؟ لماذا لا يقضون يومين صار قد يكون ثلاثين؟ قالوا: لا يلزمهم اعتبار الشهر ثلاثين، بل يعتبرونه تسعة وعشرين يومًا لأنه هو المتيقن، وكونه ثلاثين يومًا هذا مشكوك فيه والأصل عدمه، فالمتيقن أنه سيصير تسعة وعشرين يومًا. قالوا: كونهم يخطئون بيومين هذا بعيد، وكونهم يخطئون بيوم واحد هذا قريب محتمل.
المسألة الثانية: يقول إذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين ولم يروه أفطروا. شهد بدخول شهر رمضان اثنان أو أكثر، فصمنا رمضان ثلاثين يومًا. في اليوم الثلاثين، ما رأينا الهلال إلى شوال، هل نصوم واحد وثلاثين؟ لا، نصوم ثلاثين يومًا ثم نفطر، حتى لو لم نرى الهلال، سواء كانت السماء بعد اليوم الثلاثين صحوًا أو غيمًا. وإذا كانت ليلة الواحد من شوال غائمة، فكما ذكر الفتوح في شرح المنتهى أنه بالإجماع لا يصام اليوم الواحد والثلاثين إذا دخل رمضان بشهادة الشاهدين وأتم ثلاثين يومًا وحجبهم عن رؤية هلال شوال الغيم. أما إذا كان صحوًا فإنه فيه خلاف، لكن الأصح أنه لا يصام وهو المذهب.
قالوا في تعليل ذلك: لأن الشهادة العدلين يثبت بهما الفطر ابتداء، إثبات الفطر بهما تبعًا لثبوت الصوم أو لا. قالوا: الآن دخلنا رمضان بشهادة الشاهدين، فإذا كملنا ثلاثين يومًا ودخلنا شوال، هذه شهادة الشاهدين تدفعنا، فقالوا إن شهادة الفطر في رمضان يثبت بها بشهادة الشاهدين ابتداء، فكوننا نثبت أيضًا دخول شوال تبعًا فمن باب أولى، بخلاف ما لو شهد به شاهد واحد كما سيأتي.
قالوا: ولأن الشاهدين أخبروا بالرؤية السابقة برؤيتهم هلال رمضان السابق عن يقين ومشاهدة، فلا يقابلها الإخبار بنفي وعدم لا يقين معه، مع احتمال حصول الرؤية في مكان آخر؛ أنه إذا ما رأينا الهلال نحن يمكن رأوه في بلد آخر كبلد المغرب أو بلد الأندلس إلى آخره، فاحتمال أنهم رأوا موجود، والشهر الشرعي لا يزيد عن ثلاثين يومًا.
المسألة الثالثة: لو شهد واحد بدخول شهر رمضان، يثبت برؤية شخص واحد. طيب، شهدوا بعد دخول رمضان وصلنا ثلاثين يومًا، صمنا ثلاثين يومًا وجاءت ليلة العيد ليلة شوال ما رأينا هلال شوال، فهل نفطر أو نصوم اليوم الواحد والثلاثين؟ هنا الموفق ابن قدامة أطلق الخلاف في المقنع على وجهين، وذكر المرداوي في الإنصاف أن الصحيح من المذهب أنهم لا يفطرون بل يصومون واحد وثلاثين يومًا. وذكر ابن رجب هذا المثال في القاعدة الثالثة والثلاثين بعد المئة وذكر أن هذا هو أسرع الوجهين، واقتصر عن المرداوي في التنقيح، وتابع الفتوح هنا والحجاوي في الإقناع.
ودليلهم قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». قالوا: يلزم الأخذ بشهادة الواحد في دخول شهر رمضان، نعم، يلزم الأخذ بشهادة واحد في دخول شهر رمضان وإثبات خروج الشهر بها، أن نكون قد أثبتنا خروج الشهر بشاهد واحد، وإثبات خروج الشهر لا بد فيه من شاهدين. هذا هو تقرير المذهب في هذه المسألة؛ أنه إذا شهد بدخول رمضان شاهد واحد فقط، ثم صمنا رمضان ثلاثين يومًا، ولم نَرَ الهلال ليلة الثلاثين، قالوا فإننا نصوم واحد وثلاثين يومًا. لماذا؟ لأننا لو أخرجنا رمضان ثلاثين سنكون كأننا أفطرنا بشاهد واحد، لأن الشاهد الواحد هو الذي أدخل لنا رمضان، فإذا خرجنا منه بعد أن صمنا ثلاثين قلنا خلاص ما رأينا الهلال، كأننا أفطرنا بشاهد واحد، وإثبات خروج الشهر لا بد فيه من شاهدين. هذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى.
وعندهم قول آخر كما ذكر الموفق في المقنع على وجهين؛ القول الآخر أنه يفطرون، بأننا هنا نخرج رمضان بشهادة الشاهد الواحد تبعًا لا استقلالًا، وقد يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
أما لو صاموا يوم الغيم، ثم أكملوا ثلاثين يومًا من رمضان، وأولها كان يوم الغيم، ثم لم يروا هلال شوال، فهنا يصومون اليوم الواحد والثلاثين؛ لأنهم صاموا يوم الغيم احتياطًا، فإذا ما رأوا هلال ليلة الواحد والثلاثين بعد الثلاثين يومًا من رمضان، فإنهم يصومون لليوم الواحد والثلاثين.
لماذا؟ قالوا: «لما لم نر الهلال بعد اليوم الثلاثين؟»، فإننا نتبين هنا أن يوم الغيم هو من شعبان وليس من رمضان، وأن شعبان كان تامًا. مروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما ذكره أبو داود في السنن، أن ابن عمر كان يصوم يوم الغيم ويفطر مع الناس، ولا يحتسب ليوم الغيم الذي صامه.
المسألة التي بعدها تنتبهون لها ونختم بها، لأنه فاجأنا الوقت. يقول: «فلو غم في شعبان ورمضان وجب تقدير رجب أنه شعبان ناقصين، فلا يفطر قبل اثنين وثلاثين بلا رؤية، وكذا الزيادة لو غم لرمضان وشوال وأكملنا شعبان ورمضان ناقصين». أريدكم أن تتأملوا معي في المسألة، صورها على نقطة نقطة.
هذه مسألة تترتب على صوم يوم الغيم. قالوا: قد يقع إغمام الهلال في شهرين متتاليين، فيلزم منه أن يصوم المسلمون رمضان بزيادة يومين عن الصوم الواجب. الصوم الواجب إما أن يوغم لشعبان ورمضان ولا يرون الهلال في اثنين وثلاثين يومًا، وإما أن يوغم لرمضان وشوال ولا يرون الهلال فيصومون واحد وثلاثين يومًا.
المسألة الأولى: إذا غم هلال شعبان وهلال رمضان، يعني يوم تسعة وعشرين من رجب، لو عُجب رؤية هلال غيم، فعلى المذهب أنه يدخلنا شعبان. يوم جاء تسعة وعشرين من شعبان عُجب رؤية هلال رمضان غيب، خلاص على المذهب يكون الثلاثين من شعبان هو الأول من رمضان. يوم الغيم هو الأول من رمضان.
إذا اعتبرنا رجب وشعبان ناقصين، فالأول من شعبان احتمال يكون ثلاثين من رجب، واحتمال يكون الثلاثين من شعبان، حقناه الأول من شعبان لأنه يوم الغيم. الأول من رمضان احتمال يكون من شعبان واحتمال يكون من رمضان، فحطيناه من رمضان حطينا يومين احتياط. صمنا رمضان بثلاثين يومًا، يوم جاء اليوم الثلاثين ما رأينا الهلال، نقول نصوم يوم زيادة؛ لأنه احتمال أن اليوم الأول من شعبان الذي قلنا يمكنه اليوم الثلاثين من رجب، خلاص يصوم اليوم الواحد والثلاثين من رمضان.
صمنا اليوم الواحد والثلاثين وما رأينا هلالًا، يصوم اليوم اثنين وثلاثين؛ لماذا؟ لأنه احتمال أن اليوم الأخير من شعبان لحالته دونه الغيم احتمال أنه من شعبان ليس من رمضان، لأننا احتطنا بيومين لنزيد يومين، فنصوم اثنين وثلاثين يومًا. هذا إذا غم لشعبان ورمضان وجب تقدير رجب أنه شعبان ناقصين، فإذا قدرناهما ناقصين سبقنا شعبان وسبقنا رمضان.
تممنا رمضان ثلاثين يومًا ما رأيناه؟ قمنا لليوم الواحد والثلاثين لأنه احتياط، ما رأيناه صمنا اليوم الاثنين وثلاثين لأنه احتياط، خلاص نصوم اثنين وثلاثين. هذه قال: «وكل الزيادة لو غم لرمضان وشوال وأكملنا شعبان ورمضان وكانوا ناقصين». كيف لرمضان؟ اليوم التاسع والعشرين من شعبان، يوم غيم قبل المغرب ما رأينا الهلال، خلاص ندخل رمضان احتياطًا. صمنا رمضان ثلاثين يومًا، اليوم ثلاثين ما شفنا الهلال، نقول نصوم يومًا ثانيًا، دخلنا رمضان احتياطًا، قمنا ما صمناه اليوم، ليلة الواحد والثلاثين هذه أيضًا ليلة غيم، فنصومها أيضًا ما دمنا صمناها.
إذاً نحن زدنا يومين، وصلنا الآن واحد وثلاثين. قال: «فبين ناقصين اليوم بشعبان بشوال». يوم سبعة وعشرين من شوال، ثمان وعشرين رأينا هلال ذي القعدة، إذا تبين لنا أننا زايدون يومين من رمضان، أصلًا نصوم رمضان تسعة وعشرين يومًا، صار ناقصًا رمضان وصار شعبان ناقصًا، وأننا تممنا.
تبين أن شعبان ناقص ورمضان ناقص، لأننا فرضنا تمام شعبان ورمضان يوم صمنا الواحد وثلاثين، بأننا قلنا يمكن شعبان تام وقلنا يمكن رمضان تام، صمنا الثلاثين على أنه رمضان تم، وصمنا واحد وثلاثين على أنه شعبان تم. فكنا صرنا واحد وثلاثين يومًا من شوال، جلستنا سبعة وعشرين يومًا، ليلة الثمان وعشرين من شوال وش صار؟ ناقصين يومين من شوال.
اليومين من شوال الناقصين، من اليوم الثلاثين من رمضان صمنا رمضان واحد وثلاثين يومًا، شوال باقي من الثلاثين، ثلاثين رمضان ترى بالي شوال، ثلاثين لواحد وثلاثين هذه تبع شوال. شعبان تبين أنه ناقص تسعة وعشرين يومًا، ورمضان تبين أنه ناقص. يعني لو غم هلال رمضان وشوال فاعتبرنا شعبان تسعة وعشرين يومًا، ثم صمنا رمضان ولم نر هلال شوال بعد اليوم الثلاثين، فإننا نصوم اليوم الحادي والثلاثين بكوننا صمنا يوم القيامة احتياطًا للشهر كما قدمنا. فإذا رأينا في نهاية شوال هلال ذي القعدة في الليلة الثانية لليوم السابع والعشرين، تبين أننا صمنا من رمضان يومين زيادة، ويتبين أن شهر شعبان وشهر رمضان كانا ناقصين.
للفائدة: الإمام النووي رحمه الله في صحيح مسلم يقول: «وقد يقع النقص متواليًا في شهرين وثلاثة وأربعة، ولا يقع في أكثر من أربعة». نقف عند هذا الحد ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى.
السلام عليكم شيخ عبد الله، شكرًا لكم. شيخنا فيه مجموعة من الأسئلة، أبرزها وأظهرها، السائل الأول يقول: لماذا قال الحنابلة بكراهة صيام يوم الشك، مع أن ظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما يفيد التحريم؟
أحسنت. يقول: لماذا قال الحنابلة رحمه الله تعالى بكراهة الشك؟ مع أن الحنابلة، لعله يقصد ظاهر حديث عمار بن ياسر: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى النبي ﷺ». الحنابلة رحمهم الله تعالى كما قلنا هنا نهي أن نصوم يوم الشك، وهنا فعل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قالوا إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهمنا من فعلهم أن يوم الغيم ليس هو يوم الشك.
المقدمة الأولى أن يوم الغيم ليس هو يوم الشك، والمقدمة الثانية قالوا جمعًا بين فعل الصحابة وبين النهي عن صوم يوم الشك، ففرقنا بينهما. فجعلنا يوم الغيم الذي هو يوم من الثلاثين، إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، فهذا يكون يوم الغيم، لا يحرم صومه لفعل الصحابة.
الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل يباح صومه لفعلهم رضي الله تعالى عنهم، ويكره صوم يوم الشك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. والجمع بين فعل الصحابة وبين النهي، قالوا: فجمعا بينهما؛ قالوا نحمل النهي على الكراهة، ونحمل يوم الشك على يوم الصحولة، على يوم الغيم.
سائل يقول: ما معنى اتفاق المطالع واختلافها؟ أحسنت، اتفاق المطالع يعني أن القمر أو الشمس تطلع من مكان معين في البلد، مطلع القمر ومطلع الشمس يختلف من بلد لبلد؛ ولذلك قال الله عز وجل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: 40]. هذا يدل على اختلاف مشارق الشمس ومغاربها ومشارق القمر ومغاربه. وحد بعضهم البلد التي تتفق فيها المطالع قرابة الألفين كيلو.
أحسن الله إليكم يا شيخ، سائل يقول: في مسألة ختام المطالع ذكرتم الاتفاق على أنه إذا رآه أهل بلد فيلزم الآخرين من ذات البلد، ومثلتم لذلك بالسعودية، فهل المقصود بالبلد المدينة المعينة أو الدولة بكافة حدودها؟ ما هو ظاهر تمثيلكم؟ أحسن الله إليكم.
هو الأصل في البلد لا أن يكون المدينة، يكون المدينة، تنبيه جيد؛ البلد المقصود به المدينة وليس الدولة.
أحسن الله إليكم، سؤال يقول: إذا ثبت الشهر نهارًا فامسكوا، بعد ذلك وكان قد جامع أهله قبل علمه بدخول الشهر فهل عليه كفارة؟ سيأتينا إن شاء الله في أحكام الجماع، وأنه يلزمه الكفارة؛ ذلك قالوا وكذا من لزمه الإمساك إذا جامع.
السلام عليكم، يقول: لماذا لا يقال بصحة خبر الصبي في دخول الهلال استنادًا بأنها ليست شهادة؟ ما عندي جواب عنه الآن، ولعلنا أبحثه إن شاء الله.
أحسن الله إليكم، شيخنا سؤال يقول: فإن لم يرَ الهلال ليلة الثلاثين لم يصوموا، يقول ما الحكم الوضعي؟ السؤال غير واضح، ذكر المصنف ذكر حكم تكليفه يقول: لم يصوموا، ما الحكم الوضعي لو صاموا؟ لو صاموا قلنا إنه يكره، لكن هذا طبعًا حكم تكليفي ليس حكمًا وضعيًا، يقرع صام، وهذا هو يوم الشك على المذهب.
أحسن الله إليكم، السؤال يقول: ما السبب أن تعود العبرة إلى ترجيح قول صاحب المنتهى وتقديمه على صاحب الإقناع؟ أحسنت، صاحب المنتهى رحمه الله تعالى اعتمد التنقيح، وترجيحات المرداوي في التنقيح وفي الإنصاف. أما صاحب الإقناع فيخالف التنقيح كثيرًا، والتنقيح معتمد عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، صاحب الإقناع يخالف التنقيح ويخالف المرداوي ويرد عليه أحيانًا؛ ولذلك والسبب تقديم المنتهى على الإقناع. وصاحب الإقناع كثيرًا ما رجح في كتابه في عدة مسائل رأي شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو أحد الحنابلة الكبار رحمهم الله تعالى.
شيخ أحسن الله إليكم، السائل يقول: ما وجه التفريق بين من كان مسافرًا ثم علم أنه سيقدم غدًا، وبين من كان صغيرًا وعلم أنه يبلغ غدًا؟ ذكره المؤلف قال: لعدم التكليف، يعني الفرق في التكليف؛ هذا مكلف وعلم أنه سيقدم غدًا فيلزمه الصوم، وهذا صغير وعلم أنه سيبلغ غدًا فلا يلزمه نية الصوم؛ لأنه لم يكلف حتى الآن. وهذا مكلف، المسافر طبعًا وجوب الصوم عليه وتحريم الفطر على المسافر في هذه المسألة من مفردات الحنابلة كما ذكره المرداوي رحمه الله.
نعم، السؤال الأخير أحسن الله إليكم، يقول: لماذا عبر المؤلف بقوله ظنيًا واحتياطيًا؟ ألا يكفي التعبير بأحدهما؟ الظن يرجع إلى الحكم، حكمًا ظنيًا؛ يعني حكمًا ليس يقينيًا، واحتياطًا يرجع إلى الفعل، فهو بفعله يحتاط. فثبوت كونه من رمضان هذا حكم ظني، والاحتياط فعل المسلم للصوم وفعله احتياطًا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وباقي الأسئلة إن شاء الله سنجيب عليها في القناة بإذن الله تعالى. السلام عليكم.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان