بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.
نستفتح هذا اللقاء الثاني من لقاءات شرح كتاب الصيام من منتهى الإيرادات، أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا اللقاء لقاء مباركًا، وأن ينفع به القائل والمستمع. أيها الأحبة، سبق أن شرحنا أول ما ورد في كلام المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الصيام.
هناك سؤالان وردا في نهاية اللقاء الماضي سأنبه عليهما الآن، وأيضًا سأجيب على أسئلة التمارين التي أرسلت لكم بعد الحلقة الماضية. أبدأ بأسئلة التمارين أولًا. السؤال الأول الوارد في التمارين: إسحاق رجل مسلم مبتعث للدراسة في أمريكا، دخل عليه شهر رمضان وهو بأمريكا، وقد شهد برؤية هلال رمضان في السعودية شاهدان عدلان ليلة الخميس، ولم تعلن رؤية الهلال في أمريكا، متى يلزمه الصيام؟
هذه الفقرة الأولى من السؤال، ثم يلزمه الصيام مع صيام السعودية الذي هو يوم الخميس. اذكر النص الذي استنتجت منه الجواب من كلام صاحب المنتهى؛ في قوله رحمه الله: «وإذا ثبتت رؤيته ببلد لزم الصوم جميع الناس». الأصحاب رحمهم الله تعالى على هذه المسألة، وقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وهذا الخطاب عام لجميع الأمة.
السؤال الثاني: استدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على وجوب صوم يوم الغيم بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن غم عليكم فاقدروا له». ما وجه الدلالة من الحديث على الوجوب؟ الجواب من قوله «فاقدروا له»، قالوا: «اقدروا له» بمعنى ضيقوا عليه، جاء القدر بمعنى التضييق لغة، وقد جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَن قَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾.
قالوا وقد فسرنا القدر بالتضييق بفعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما راوي الحديث، حيث إنه كان إذا كان يوم التاسع والعشرين من شعبان بعث من ينظر له الهلال، فإن رأى الهلال فذاك، وإن لم ير الهلال ولم يحل دون منظره غيم أو قطر أصبح صائمًا. قالوا وهذا راوي الحديث وهو أعلم بمراده منه.
السؤال الثالث: اشترى سالم أرضًا من صالح بخمسمئة ألف ريال في أول يوم من رجب، دفع نصف ثمنها مقدمًا ووعد بسداد الباقي في أول يوم من رمضان، فلما كان يوم التاسع والعشرين من شعبان أصابت السماء قطرة شديدة منعت الرؤية فأعلنوا أن هذا اليوم من رمضان احتياطًا، فمتى يلزم المشتري سداد باقي ثمن السيارة؟ هل هو في اليوم الأول أو في اليوم الثاني؟ والجواب: أنه في اليوم الثاني؛ لماذا؟ لأننا أدخلنا رمضان اليوم الأول احتياطًا للغيم، وهو يوم الغيم فلا تترتب عليه الأحكام التي لا علاقة لها بالصوم.
هذه أجوبة التمارين الواردة في الدرس الماضي، وأشكر كل من شارك وحاول حل هذه التمارين، وهي أسئلة الملكة الفقهية تساعد في استرجاع ما تم شرحه. التنبيه الآن على السؤالين الواردين في نهاية الدرس الماضي. جاء سؤال: لماذا كره الحنابلة رحمهم الله تعالى صوم يوم الشك مع أن ظاهر حديث عمار بن ياسر أنه على التحريم؟ الحقيقة أن جوابي الذي جاوبته في السؤال في الدرس الماضي لم يكن على هذا السؤال، إذ ذهبت وجعلته في صوم يوم الغيم، وكان السؤال عن صوم يوم الشك، لذلك فما ذكر في جواب السؤال في الدرس الماضي هو وهم.
الحقيقة أن يوم الشك عند الحنابلة في المشهور عنهم هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يحل دون رؤية الهلال مانع. وقد قيل بكونه يوم الشك؛ لماذا سمي يوم الشك؟ قالوا: لاكتمال رؤيته وقد انشغل الناس عنها، فلم يتقاعدوا عن رؤيتها، رؤي ولم يبعث من ينظرون هذا الهلال فصام يوم الشك.
النهي عن صوم يوم الشك، اللي هو اليوم الثلاثين من شعبان إذا لم يحل دون رؤية الهلال غيم أو قطر، هذا جاء النهي يشمله ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه». الأصحاب رحمهم الله تعالى قالوا: إذا صام هذا اليوم تطوعًا يوم الثلاثين من شعبان قالوا إن هذا مكروه، وحملوه على الكراهة.
لماذا صرفوه من التحريم إلى الكراهة؟ الحقيقة أنني بحثت في جملة من الكتب ما وجدت جوابًا صريحًا، إلا أنني وجدت عند ابن رجب رحمه الله تعالى في اللطائف إشارة إليه، أن الذي صرف النهي من التحريم إلى الكراهة أن النهي ليس لذات الصوم، وإنما لأجل الفصل بين شعبان ورمضان، فلذلك قالوا بالكراهة.
وأخذوا الكراهة من نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية الأثرم عنه، فالإمام أحمد يقول: «ليس ينبغي أن يصوم إذا لم يحل دون الهلال شيء من سحاب ولا غيره». يقول المجد ابن تيمية رحمه الله: قوله «لا ينبغي» يقول: لا يعطي أكثر من مجرد الكراهة، يعني نقول نحمله على الكراهة.
ابن مفلح في الفروع رحمه الله نقل كلام المجد وقال: قدمنا في الدرس الماضي إذا قال كذا قال، يعني أنه لا يوافق صاحب هذا القول، لذلك ابن مفلح رحمه الله يميل إلى التحريم، لأن التحريم تحريم. صوم يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، وهو الذي يميل إليه أيضًا الزركشي، وذكروا أن هذا هو المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله وهو التحريم لظواهر النصوص. لذلك قال صاحب الفروع ابن مفلح بعد نقل رواية الأثرم: «فهذا من أحمد للتحريم على ما سبق في خطبة الكتاب وفاقًا للشافعي»، يعني أنه إذا قال «لا ينبغي» فإنه يدل على التحريم لا على الكراهة. هذه لفظة «لا ينبغي» يختلف الأصحاب رحمهم الله تعالى في تفسير مدلول كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيها، هل تُحمل على النهي أو على الكراهة؟ لذلك يقول في تتمة كلام ابن مفلح: «ولم أجد عن أحمد خلافه»، وطبعًا الذي في المطبوع في الفروع «ولم أجد عن أحد خلافه»، والظاهر أن أحدًا مصحف عن أحمد.
ولم أجد أن أحمد خلاف إلا ما حكاه الترمذي في يوم الشك عن أكثر أهل العلم منهم أحمد الكراهة، ثم ذكر رحمه الله تعالى.
إذاً هذا جواب السؤال الأول؛ يعتمد هذا ويلغى ما ورد في الدرس الماضي. أيضًا هناك سؤال ورد: لماذا لم يقبل خبر الصبي في رؤية الهلال إذا اعتبرناه من باب الرواية؟ وقلنا سأتأملها. حقيقة الرواية يشترط لقبولها البلوغ، أي لقبول أدائها.
البلوغ عند جمهور العلماء كما ذكره المرداوي رحمه الله تعالى في «التحرير في شرح التحرير»، والتحرير هذا كتاب في أصول الفقه للمرداوي رحمه الله تعالى؛ وذلك لاحتمال كذب من لم يبلغ، يقولون إن خبره محتمل الكذب؛ لأنه لا يعاقب لكونه غير مكلف فلا يخاف العقاب، فالاحتمال في الكذب فيه كبير، فلذلك احتياطًا للشهر ولكونه خبرًا دينيًا فإنهم لا يقبلون روايته.
هناك أسئلة كثيرة وردت، لعلنا نجيب عليها في وقت لاحق إن تيسر في بعض الدروس، أو نجيب عليها في القناة بإذن الله تعالى. هناك بعض التنبيهات أرسلت على الدرس الماضي وتكررت الملاحظة من بعض الأحبة على أننا استطردنا في صوم يوم الشك، قالوا لماذا؟ أتم الاستطراد والحقيقة أن الشرح هو على المذهب أو المشهور من المذهب، وهذا صحيح، فالأصل في الشرح أنه على المذهب ولا يتطرق للخلاف العالي، لكن لما كانت مسألة صوم يوم الشك العمل على خلافها، أردت أن أذكر القول الثاني، لا سيما أن القول الثاني أيضًا هو قول في المذهب، وأيضًا من باب تدريب طالب العلم، خاصة أن هذا الدرس موجه حقيقة للمتوسطين من طلبة العلم، وهم يحتاجون إلى معرفة الدليل ومناقشة دليل القول الآخر، فذلك ذكرنا، وإلا فالأصل أنه لا يتم الاستطراد في مثل هذا، وجزى الله من نبه خير الجزاء.
نبدأ اليوم، وقفنا على قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن رآه وحده لشوال لم يفطر...» إلى آخره. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة المنفرد برؤية الهلال. وقد تقدم لنا في الدرس الماضي أن هلال رمضان يقبل فيه شهادة الشاهد الواحد العدل، وأما بقية الشهور فلا بد فيها من شاهدين عدلين.
لو تخلف هذا الوصف فرأى هلال رمضان واحد لكن ردت شهادته، إما لكون الحاكم لا يعرف عدالته أو لكون الحاكم يعلم فسقه، أو رأى هلال شوال وحده، فما الحكم؟ يقرر المصنف رحمه الله تعالى أنه يلزمه الصوم في الأمرين؛ يعني إذا رأى هلال شوال وحده فيلزمه الصوم حتى لو رواه وحده، وكذا لو رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته فيلزمه الصوم.
لماذا؟ قالوا إنه في هلال شوال لا نأخذ برؤيته لقوله صلى الله عليه وسلم: «الفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون» [أبو داود وابن ماجه]، وللترمذي معناه عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وهو وإن اعتقده من شوال -يعني هو رأى الآن هلال شوال وتأكد منه- لكنه لا يثبت به اليقين في نفس الأمر؛ لجواز أنه خُيِّل إليه، وقد يكون مثل قطعة شعر بيضاء على بصره فرآها هلالًا، كما جاء في بعض الوقائع في زمن متقدم أن شخصًا رأى الهلال وجاء إلى الحاكم ليشهد أنه رأى هلال شوال أو رمضان، والناس الذين أُحدوا منه نظرًا قالوا لم نره، فجاء الحاكم وكان حكيمًا فمسح على عينه ثم قال له: انظر الآن هل ترى الهلال؟ قال: لا أرى شيئًا، فإذا هو قد تعلقت بعينه شعرة بيضاء فظنها هلالًا، لذلك قالوا إنه خُيِّل إليه، فينبغي أن يتهم في رؤيته احتياطًا للصوم وموافقة للجماعة، وأيضًا رؤية الواحد لا يثبت بها دخول الشهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا».
أما في رؤية هلال رمضان، إذا رأى هلال رمضان رُدّ قوله، قالوا يلزمه حكم شهادته ويلزمه الصوم. لماذا؟ قالوا لأنه يوم يعتقده من رمضان فلزمه حكم هذا الاعتقاد. والناس كلهم ما يلزمهم وهو يلزمه، كيف؟ نقول هو رمضان في حقه وهو شعبان في حق الناس. يقول الفقهاء رحمهم الله تعالى: لا ينكر تباعد الأحكام في حق المكلفين، وضربوا لذلك مثالًا؛ قالوا لو أن عندك ماء فجاء فاسق وأخبرك بأنه وقع في هذا الماء نجاسة، الآن الذي أخبرك فاسق، والفاسق لا يلزمك قبول خبره، فأنت في حقك يبقى الماء على الطهارة ولك أن تتطهر به وأنت مكلف بغلبة ظنك، أما هو الفاسق فلا يجوز له أن يفطر لأن هذا الماء في يقين نفسه نجس، فلا ينكر. وقالوا هذا مثل رؤية هلال رمضان؛ إذا رآه شخص ورُدّت شهادته فإنه يعتبر رمضان في حقه ويعتبر شعبان في حق الجميع.
هل يلزمه كل الأحكام التي تتعلق بشهر رمضان، أو نقول الأحكام التي تتعلق بالصوم؟ قلنا في هلال الغيم لا، قالوا يلزمه كل الأحكام التي تتعلق برمضان سواء ما كان منها متعلقًا بالصوم أو لا. المؤلف قال: لازمها صوم وجميع أحكام الشهر من طلاق وعتق وغيرهما معلق به. فلو أن شخصًا علق طلاق زوجته على دخول رمضان، قال: إذا دخل رمضان فزوجتي طالق، ثم في اليوم التاسع والعشرين من شعبان رأى هو الهلال وجاء عند الحاكم فرُدّت شهادته؛ قالوا هنا تطلق زوجته الآن، لماذا وهو لم يعلن أنه من رمضان؟ قالوا يلزم حكم رمضان في خاصة نفسه، فتطلق زوجته كذلك لو علق عتق عبده بدخول رمضان ثم شهد هلال رمضان ورُدّت شهادته، فيعتق عبده من حين رؤيته وإن كان رمضان لم يدخل في حق الناس جميعًا؛ لأنه يلزمه حكم نفسه.
وقال وغيرهما مثل البيع؛ المثال السابق الذي ذكرناه في التمرين: لو أنه قال سأدفع لك باقي الثمن في أول رمضان، ثم شهد هو برؤية هلال رمضان ورُدّت شهادته، قالوا: فيلزمه، أي يحل عليه الدين من رؤيته ولا ننتظر اليوم الثاني الذي هو عند الناس أول من رمضان.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسائل الاشتباه والشك في الشهر، يقول رحمه الله: «إن اشتبهت الأشهر على من أسر...»
أو طمر أو بمفاجأة ونحوها، يتحرى ويصوم. ويجزئه إن شك هل وقع قبله أو بعده، كما لو وافقهما أو ما بعده، لا إن وافق القابل فلا يجزئ عن واحد منهما، ويقضي ما وافق عيدًا أو أيام تشريق.
هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن من كان معذورًا بعدم علمه دخول شهر رمضان، كان مأسورًا أو مطمورًا، يعني مغيبًا في الحبس لدى دولة كافرة مثلاً ولم يخبروه بدخول شهر رمضان، ولم يتيسر له سبيل لمعرفة الشهر، متى دخل؟ قالوا: يتحرى ويصوم الشهر الذي يعتقد أنه من رمضان؛ لأن هذا غاية جهده، والله عز وجل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
الآن تحرى وصام، هل يجزئه؟ يعني قال يمكن هذا من رمضان خلاص أبصوم، هل يجزئ هذا أو لا؟ يقولون: إن شك هل صام قبله وصام بعده؟ تكون هذه المسألة لا تخلو من أربع حالات.
الحال الأولى: إذا لم يتبين له الحال، لم يتبين له الحال، يعني صام السنة الأولى مثلاً صام ثلاث مئة، من السنة الثانية صام ثلاث مئة، السنة الثالثة صام ثلاثين يوم، ثم بعد نهاية السنة الثالثة طلعوه، بعدها بستة أشهر ما يدري هل هو صنف وافق رمضان أكيد، تقدم قبل بشوي أو صار بعده بشوي، يقول ما أدري. نقول: يجزئه هذا ما دام أنه لم يتبين له شيء؛ لأن الأصل أن من أدى الواجب عليه بحسب وسعه وطاقته فإنه لا يطلب منه الإعادة مرة أخرى، لا سيما إذا لم يتبين له الحال.
إذا تبين له الحال، قالوا: فهذا إما أحيانًا يجزئه وأحيانًا لا يجزئه. متى يجزئه؟ قالوا: يجزئه إذا وافقه أو وافق ما بعده. يعني يوم طلع من السجن وسأل وتحرى وإذا هو قد صام اللي يصومه ثلاثين يوم من رمضان، إذا هي توافق رمضان بالحقيقة، نقول وافقه، نقول يجزئه. أو وافق ما بعده، يعني يوم طلع من السجون تبين له أنه صام شهر ذو القعدة كامل، نقول يجزئه؛ أنه أدى ما استطاع، ولأنه فعل ما استطاع وأدى الواجب عليه، فصح إما أداءً وإما قضاءً.
باستثناء ما لو وافقت بعض الأيام؛ يوم العيد، عيد الفطر والأضحى أو أيام التشريق، فإنهم قالوا: هذه يلزمه قضاؤها. يعني لو صام مثلاً لو تبين أنه بدأ الصيام من خمسة عشر رمضان إلى أربعة عشر شوال، فنقول صيامه صحيح ما عدا يوم العيد، يوم عيد شوال هنا نقول يقضي؛ لأن يوم العيد لا يجوز صومه أبدًا. أو وافق أيام التشريق، يعني لو صادف أنه صام ذي الحجة على أنه من رمضان، صام ذي الحجة، فنقول صومه صحيح لأنه وافق بعد رمضان، لكن يقضي عن الأربعة الأيام التي هي يوم العيد وأيام التشريق؛ يقضيها. إذاً يجزئ إذا وافقه رمضان أو وافق ما بعده.
لو وافق ما قبله، نقول لا يجزئه أيضًا في حالتين، طبعًا الحالة الثالثة والحالة الرابعة لا يجزئه. الحالة الثالثة: إذا تبين له أن صيامه وافق شعبان، سابق لرمضان، فإنه لا يجزئ عنه في قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى. يعني يوم طلع من السجن، ومن يوم خلص الثلاثين يوم طلعوه، تبين أن هذا اليوم هو يوم الثلاثين من شعبان وبكرة يبدأ رمضان، وهو يحسب رمضان جاء فصام شعبان كله، نقول لا يجوز، يصير شعبان الذي صامه كله يصير نفلًا، ويلزمه صيام رمضان.
قالوا: لأنه تبين أنه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم تجزئ عنه. قالوا: هذا مثل لو أنه حصل غيم، قبل مثلاً ما في ساعات حصل غيم فظن أن الشمس قد غربت فصلى المغرب، ثم انجلى الغيم وإذا الشمس ما زالت في الأفق لم تغرب، قالوا: يلزمه أداء صلاة المغرب، ونترك صلاته التي صلاها عن المغرب تكون نفلًا. وقد نص الأصحاب رحمهم الله تعالى على أنه ينقلب نفلًا ما بان عدم كفايته فلم تكن فرضًا لم يدخل وقته.
ولو حبس، هذه ستأتينا بعدها قليل، هي نفسها لو صام شعبان ثلاث سنين متوالية ثم علم، يقضي ما فات، هذه تدخل في الحالة الثالثة؛ لأنه صام اليوم الذي قبله مرتبًا شهرًا على أثر شهر. يعني يقولون لو مثلاً سجن ثلاث سنوات، استمر في السجن ثلاث سنوات وكل سنة يصوم شعبان يظن أنه من رمضان، يصوم شعبان، طيب يوم طلع من السجن، واترك له السنوات هذه، أنا صايم من شعبان، وش يزين؟ قالوا: يقضي رمضانات الثلاث كلها؛ لأن صيامه لرمضان في كل سنة صار متقدمًا عليه فلا يجزئ عنه.
قد يقول قائل: طيب ما دام أنه شعبان الأول باطل، يعني ما صح عن رمضان، لماذا ما نقول شعبان الثاني يصير قضاء لرمضان السنة الأولى، وشعبان الثالث يصير قضاء لرمضان السنة الثانية؟ يعني مثلاً شخص سجن ثلاث سنوات، جلس عام ألف وأربعمائة وثمانية وثلاثين، وألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين، وألف وأربعمائة وأربعين في السجن، ثم خرج بعد ذلك، طبعًا كان في سجن دولة كافرة لا يخبرونه متى الأشهر أبدًا، كل السنوات الثلاث يصوم في شعبان، عام سبعة وثلاثين، عام ثمان وثلاثين، وعام تسعة وثلاثين، وعام أربعين، صام في شعبان.
المؤلف يقول لا يجزئه ويلزمه أن يقضي. لماذا ما نقول ما دام أنه ما أجزأ عام ثمان وثلاثين، طيب عام تسعة وثلاثين خليه قضاء للسنة الثانية، وعام أربعين يصير قضاء لتسعة وثلاثين؟ قالوا: لأننا نشترط في الصوم الواجب التعيين، نية التعيين، يعني لا بد أن يعين أنه أداء أو قضاء، وهذا سيأتينا إن شاء الله. قالوا: وهو يصوم السنة الثانية لعام تسعة وثلاثين والسنة الثالثة التي هي عام أربعين كان ينويه أداء لتلك السنة، ولم ينوِ قضاء بما مضى ولم ينوِ قضاء لما مضى، لذلك قالوا لا يجزئه.
صاحب الفروع رحمه الله تعالى ابن مفلح لما جاءك عاد المسألة، قال: ذكر الأصحاب في مسائل النية في الصلاة أنه تصح نية القضاء بنية الأداء وعكسه إذا بان خلاف ظنه للعجز عنها. يعني إن شخصًا عليه فوائت، نسي هذه الفائتة وتلخبطت عليه الأداء بالقضاء، قالوا يجزئه يجزئ ولو بان خلاف ظنه؛ لأنه عاجز عن تمييز الأداء من القضاء. قالوا: هذا مثله.
صاحب الفروع يقول: يخرج لأصحاب وجه بقبول السنتين الأخيرتين قضاءً، ويكون يلزمه قضاء رمضان الثالث فقط، هذا وجه عند الحنابلة، وجه مخرج من قولهم في الصلاة.
الحالة الرابعة التي لا يجزئه، قالوا:
لو أنه مثلاً سجن سنتين وافق رمضان القادم، يعني السجن سنة ثمان وثلاثين وتسعة وثلاثين، ما صام رمضان؛ ما يدري دخلت السنة، خرجت السنة، دخل شهر، خرج شهر، ما يدري. فصام عام ثمان وثلاثين، صام يعني رمضان ثمان وثلاثين في عام تسعة وثلاثين، لكن اختلفت السنة؛ فهل يجزئه أو لا يجزئه؟
يقول المصنف رحمه الله تعالى هنا إنه لا يجزئه؛ لا قضاء عن رمضان السابق، صام عام تسعة وثلاثين على أنه عام ثمان وثلاثين. يقول: لا يجزئه ما قضى عن ثمان وثلاثين، ولا أداء لعام تسعة وثلاثين. قانون اشتراط النية في الأداء والقضاء لاشتراط التعيين، يعني اللي قلنا لكم قبل شوي، هو يصوم ناوي أن هذه أداء عام ثمان وثلاثين، ما صارت صح. صارت لو نواه أداء تسعة وثلاثين صارت صح، ولو نواه قضاء ثمان وثلاثين صارت صح، لكن لو نواه أداء ثمان وثلاثين ما تصير صح، ما تجزئه.
قالوا: «فلم تصادف موقعاً صحيحاً لبلغت نيته، فينقلب نفلاً ويلزمه قضاؤهما»، هذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى. وهناك وجه آخر، المسألة ذكره المجد ونقله عن ابن مفلح في الفروع والمرداوي في الإنصاف والتنقيح، يقول: قياس المذهب لا يجزئ عن واحد منهما إن اعتبرنا نية التعيين، وإن لم نعتبرها -يعني إن لم نشترط التعيين- قالوا وقعا رمضان الثاني وقضى الأول.
هذه إذا كانت مسائل الاشتباه والشك في الشهر، نلخصها نقول: إذا اشتبه الشك دخوله على المأسور ونحوه، يتحروا ويصوموا. ثم هل يجزئ ولا يجزئ؟ نقول لا يخلو من أربع حالات، في حالتين يجزئ وفي حالتين لا يجزئ: يجزئ إن لم يتبين له شيء، هذه الحالة الأولى، أو إذا تبين له أنه صام رمضان، يعني وافق صيام رمضان أو ما بعده فيجزئه، باستثناء يقضي لو وافق عيداً أو ينتشر. ولا يجزئ إن وافق ما قبله، الحالة الثالثة كشعبان أو جمادى الآخرة وجمادى الأولى، أو وافق رمضان من السنة القابلة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط وجوب الصوم، قال: «يجب على كل مسلم قادر مكلف، لكن على ولي صغير مطيق أمره به ليعتاده وضربه عليه ليعتاده». ذكر المصنف رحمه الله تعالى هنا من يجب عليه الصوم، ذكر أنه يجب الصوم على كل مسلم، وعكس المسلم الكافر؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]. وهذا الخطاب موجه للمسلمين، وعلى هذا فلا يجب على كافر؛ كي لا يتوجه له الخطاب بالصوم، لكنه يتوجه له الخطاب بالإسلام أولاً، فإذا أسلم خوطب بأداء فروع الشريعة. وليس معنى عدم وجوبه عليه أنه لا يعاقب عليه في الآخرة على ترك الأداء، بل يعاقب على ذلك، وهذه مسألة مبسوطة في كتب الأصول، هل الكفار مكلفون بفروع الشريعة أو لا؟
ولو أسلم الكافر في أثناء رمضان فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى في اليوم الذي أسلم فيه، يمسك ويقضي كما مر علينا في الدرس الماضي، ويصوم الأيام المستقبلية. لكن الأيام الماضية لو أتم في اليوم العاشر لا يلزمه قضاء التسعة الأيام الماضية؛ أن وفد ثقيف قدموا على النبي ﷺ في رمضان وضرب عليهم قبة في المسجد، فلما أسلموا صاموا ما بقي من الشهر، ولم يأمرهم النبي ﷺ بقضاء ما فات.
الشرط الثاني القدرة على الصوم، قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وكل العبادات منوطة بالقدرة. العاجز عن الصوم إما أن يكون عجزه عارضاً كالمريض، وهذا سيأتي التفصيل والكلام عليه، وإما أن يكون عجزه مستمراً كالكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه. قرر المؤلف رحمه الله تعالى هنا بقوله: «ومن عجز عنه في كبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر»، وعليه لا عذر معتاد كسفر، عن كل يوم يمسك ما يجزئ في كفارة. يعني أن الكبير الهرم الذي لا يطيق الصوم مع ثبوت عقله، يجوز له الفطر مع الإطعام، لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، وسنأتي للإطعام بعد قليل بإذن الله تعالى.
والمكلف لا يجب على صغير ولا على مجنون؛ لقول النبي ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة»، ذكر منهم الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق. وهناك هذه شروط الوجوب، وهناك شرطان لوجوب الأداء وهما الإقامة وعكسها، فالمسافر لا يلزمه أداء الصوم، وإنما يلزمه القضاء إذا أفطر، للآية وسيأتي التفصيل فيه بإذن الله تعالى. والخامس وهو شرط الأداء، اللي هو الخلو من الموانع، وهي الحيض والنفاس، فالمرأة إذا حاضت أو نفست فإنه لا يجوز لها الصيام إذًا ويلزمها القضاء، وقد أشار لها المصنف سابقاً.
قوله: «لكن على ولي صغير مطيق أمره به وضربه عليه ليعتاده»، يعني أن الصغير وإن كان لا يلزمه أداء الصوم، لكن لم تظهر عليه علامة من علامات البلوغ، قالوا هذا لا يجب عليه الصوم، لكن يجب على الولي أن يعوده عليه إذا كان مطيقاً له بأن يأمره به ويضربه عليه ليعتاده. وحدث بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى المطيق بمن له عشر سنين، وهذا نص عن الخرقي رحمه الله تعالى، ومال إليه الموفق في المغني قياساً على الصلاة. قال في المغني: «واعتبار الصوم بالصلاة أحسن لقرب إحداهما من الأخرى، اجتماعهما في أنهما عبادتان بدنيتان من أركان الإسلام، إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة؛ لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم».
ثم تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الكبير المريض الذي لا يرجى برؤه، فيقول إنه له الفطر، وعليه الإطعام؛ إطعام عن كل يوم مسكيناً، لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، قال: ليست منسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم، والحق به من لا يرجى برؤه بجامع استمرار العجز في كل منهما. وكان المؤلف: «عن كل يوم مسكيناً ما يجزئ فيه كفارة»، مقدار الإطعام على المذهب في الكفارات كلها من البر أو نصف صاع من غيره.
أما إن كان العاجز عن الصيام بسبب مرض لا يرجى برؤه أو كان مسافراً، فلا يلزم لا قضاء ولا فدية؛ لماذا؟ قالوا لأنه أفطر بعذر معتاد، ولا قضاء عليه لعجزه، فلا فدية لكونه أفطر بعذر معتاد، ولا قضاء لعجزه عنه، وهذا ذكره القاضي أبو يعلى في التعليقة، وتبعه من بعده ابن مفلح في الفروع، فيعاي بها، يعني يلغز بها، وهذه تتكرر في الفروع وفي الإنصاف.
مسائل جيدة، الألغاز الفقهية وتكررت كثيرا في الفروع كما قلنا، والإنصاف. لو جعل أحدكم له مشروعا، هذه ألغاز أو معاييد يتباحث فيها مع أصحابه في أوقات الاجتماعات. ونستطيع أن نقول مستقطعا، لأن من الاقتراحات التي ذكرها الأحبّة يقولون: الدرس مرة سرد مرة وحدة، يعني ما في وقت مستقطع. وسأقول: جيد، نقطع الدرس في شيء من اللطائف.
مما يقضى به أوقات الاجتماعات مع بعض الأحبّة من طلاب العلم، لو اجتمعوا للتباحث في المسائل الفقهية، ومن التباحث الألغاز؛ لأنها تشحذ الذهن وتنميه. فيقول بعضهم لأخيه مثلا: شخص مكلف أفطر في رمضان، فلم يلزمه قضاء ولا كفارة، من هو؟ فيقول: كبير الذي لا يرجى برؤه في نهار رمضان إذا سافر في نهار رمضان.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة وهي: لو أن هذا المريض الذي لا يرجى برؤه أخرج إطعامًا عن نفسه في نهار رمضان، ثم قدر على القضاء لاحقًا، فهل نقول تبين لنا أن مرضك مرجو برؤه فيلزمك القضاء؟ لا يلزمك، لا يكفيك الإطعام فيلزمك الإطعام، أو نقول لا ما دام أنك أطعمت وهذا هو الواجب عليك في وقته فهو اللازم لك؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن أيس ثم قدر على قضاء فكمعضوب أحج عنه»، والمعضوب هو العاجز عن الحج في بدنه. وسيأتينا الشرح للصيام ليس في المناسك.
من ضمن الاقتراحات، اقترح بعضهم أن يكمل هذا الكتاب على هذه المنهجية، أقول لعله يتيسر، سنرى هذه التجربة، يسر الله. فإن شاء الله يعقد دورة أخرى، ما شاء الله التيسير والتوفيق.
يذكر الأصحاب رحمهم الله تعالى في كتاب المناسك أن المعضوب، اللي هو العاجز عن حج بدنه، يلزمه إذا كان قادرًا بماله أنه ينيب من يحج عنه. طيب، إذا بعد ذلك أناب الحج عنه ثم برئ بعد ذلك، فهل يقع حج النائب عنه صحيحًا؟ أو نقول مدى برئه يجب عليه الحج بنفسه؟ يقسمونه إلى ثلاثة أقسام: فإذا كان برء المنيب، اللي هو المعذوب، قبل الإحرام فلا يجزئه. وإذا كان بعد انتهاء النسك، قولًا واحدًا في المذهب. وإذا كان أثناء النسك، باب الإحرام وأثناء النسك قبل انتهاء الحج، وقولان في المذهب، والمعتمد عند الأصحاب رحمهم الله تعالى أنه يجزئه كذلك.
ومثل هذه، لو أنه أيس من قرار الأطباء بعدم برئه ثم أطعم عن نفسه، ثم بعد ذلك قدر على القضاء، شفاه الله عز وجل، فهل يلزمه القضاء؟ قالوا: لا، لا يلزمه القضاء، خلاص تكفيه الكفارة؛ لأن المعتبر في الكفارات هو وقت الوجوب، هذه القاعدة عند الحنابلة، المعتبر في الكفارات وقت الوجوب. فلما كان هذا الشخص في وقت الوجوب عاجزًا لزمته الفدية.
وهذه المسألة ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في القاعدة السادسة، ونصها: «من فعل عبادة في وقت وجوبها يظن أنها هي الواجب عليه، ثم تبين لاحقًا أن الواجب كان غيرها فإنه يجزئه». وذكر من أمثلتها: إذا كفر العاجز عن الصيام بالإطعام بالإياس من برئه ثم عُفي فإنه لا يلزمه قضاء الصوم، وقاسوه على المعضوب إذا حج عنه ثم عُفي بعد الحج فإنه لا يلزمه أداء الحج بنفسه، ويجزئه حجة نائبه عنه. وهذا أجازه ابن المجد رحمه الله تعالى في شرح الهداية، وقدمه صاحب الفروع واقتصر عليه المنقح، رحمهم الله تعالى.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى حكم الصوم للمسافر: «سنة فطر، وكره صوم بسفر قصر ولو بلا مشقة، فلو سافر ليفطر حَرُم». هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن حكم صوم المسافر، وذكرنا أن المسافر تخلف فيه شرط من شروط وجوب الأداء وهو شرط الإقامة، فما حكم صوم المسافر؟
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الفطر مسنون للمسافر، وسفر القصر هو الذي بلغت فيه المسافة، وسيمكث فيه أقل من مدة الإقامة وأقل من أربعة أيام، ولا يكون السفر فيه محرمًا. فيقول: يكره له الصوم ولو لم يكن عليه مشقة، يعني لو مثلاً سافر في الطائرة ولم تشق عليه، فيقولون يسن له الفطر، ويكره له الصوم. نحن قلنا توه يكره الفطر لا، الفطر مسنون ويكره له الصوم ولو لم يجد مشقة.
وكراهة الصوم له وتفضيل الفطر له هذه من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى؛ كون السفر عذرًا في الفطر هذا لا خلاف فيه، لكن ما الأفضل؟ الحنابلة رحمهم الله تعالى يرون أن الأفضل هو الفطر مطلقًا، وأن الصوم مكروه، ويستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر»، فدل على تفضيل الفطر، وفُهم منه كراهة الصوم لكونه يوحي بالرغبة عن الرخصة، لكنه صام فإنه يجزئه لقوله صلى الله عليه وسلم: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» [رواه مسلم].
طيب، ما العلة في فطر المسافر؟ العلة هي السفر، لا وجود للمشقة، وإنما المشقة هي حكمة التيسير، لا علة الحكم تدور مع حكمتي، بل تدور مع علتي. هنا مسألة، وهي أن الحنابلة رحمهم الله تعالى هنا قالوا يكره الصوم بالسفر، لكن في الصلاة ما قالوا يكره الإتمام للمسافر، فلماذا فرقوا بين المسألتين؟
يقول الخلوال رحمه الله تعالى: قد يفرق بورود النهي عن الصوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر»، بخلاف إتمام الصلاة أنه لم يرد عنه ناهٍ، وأدنى مراتب النهي الكراهة. انتهى كلامه. وابن قاسم في الحاشية يقول: لعل الفرق بين الصوم وبين الصلاة هي زيادة المشقة غالبًا، فلما زادت المشقة في الصوم كره، بخلاف الإتمام في الصلاة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا سافر ليفطر، يعني إذا سافر الشخص ليتحيل على الفطر في رمضان، فإنه يحرم عليه الصوم، نعم يحرم عليه السفر ويحرم عليه الفطر؛ أما الفطر فلعدم العذر المبيح وهو السفر المباح، وأما السفر فلأنه توسل به، تحريم السفر لأنه توسل به إلى إسقاط الصوم الواجب عليه، والوسيلة للحرام حرام مثله.
أو هل استحباب الفطر للمسافر هذا عام في كل سفر؟ أو خاص بصوم رمضان؟
قال ابن قدامة رحمه الله في الحاشية على الفروع: «إن هذا في صيام رمضان». يقول: أما صيام عاشوراء فنص الإمام أحمد رحمه الله على استحباب صيامه، ذكره في اللطائف، يقصد المعارف لابن رجب، والقياس يوم عرفة. يعني لو أن مسافرًا صادف -طبعًا غير الحج- صادف يوم عرفة وهو في السفر، فإنه يستحب له صيامه وهو مسافر.
وقال: والذي نص عليه الإمام أن عاشوراء يصام في السفر هو قول طائفة من السلف، منهم ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي والزهري. وقال: رمضان له عدة من أيام أخرى وعاشوراء يفوت؛ يعني رمضان يقضى، لكن عاشوراء وعرفة هذه لا تقضى، فلما كانت تفوت فإنه يستحب صيامها حتى لو كان مسافرًا.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى صيام المريض، المرجو برؤه، وكذلك من يخاف الضرر من المرض. المريض تخلف فيه شرط من شروط الوجوب وهو شرط القدرة، فما حكم صوم المريض؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يسن فطر المريض أو من يخاف المرض لعطش ونحوه، ويكره له الصوم.
أما المريض فلقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ [البقرة: 184]، أو على سفر فعدة من أيام أخرى. وأما الخائف من المرض فلقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]؛ ولأنه في معنى المريض من تضرره بالصوم، والصوم كما قلنا مكروه في حقه لما تضمنه من الإضرار بنفسه بترك رخصة الله عز وجل.
لكن لو كان المريض قادرًا على الصوم بلا مشقة، لكنه يتضرر بتأجيل التداوي ولا يمكنه التداوي حال الصوم، كمن به رمد يخاف بترك الاكتِحال؛ تذكروا أن الفطر في حقه مباح وليس مسنونًا، وهذا مبني على أن الاكتحال مفطر وسيأتينا في باب المفطرات.
وقال: إن المريض يأخذ... يعني متى نقول إنه يخاف الضرر؟ إن هذا يتضرر، طبعًا المرض الذي يفطر به هو ما يشق معه الصوم، لكن الذي لا يشق معه الصوم، كما لو كان يؤلمه إصبعه ولو أفطر لا يتأثر، يعني لا يبرأ، ولو صام فإنه لا يجوع زيادة ولا يتعب زيادة على تعبه، فهنا يقولون هذا لا يؤثر على الصوم فيلزمه الصوم. إنما الذي يباح ويستحب له فيه الفطر هو ما إذا كان المرض يؤثر، يعني يشق معه الصوم، ويأخذ بقول الطبيب الثقة المسلم.
ثم ذاك المؤلف رحمه الله تعالى ذكر مسألة الوطء بعذر في رمضان، يقول: «وجاز وطء لمن به مرض ينتفع به، أو سبق ولم تندفع شهوته بدونه» إلى آخره. ذكر رحمه الله مسألتين يجوز فيهما إبطال الصيام بالوطء بدون كفارة، ولا يلزمون فيهما الكفارة، وهما: المريض الذي يقرر الطبيب أنه ينتفع فيه الجماع، وكذلك من به سبق -أي شهوة شديدة للجماع- ويخشى أنه إن صام تتشقق أنثياه ولم يمكنه دفع شهوته بدون الجماع. هؤلاء عليهما الجماع والقضاء بدون كفارة.
والإمام أحمد رحمه الله تعالى نص على مسألة الشبق، يعني أنه له الوطء بدون كفارة في الرواية التي نقلها الشافعي عنه كما ذكره ابن مفلح المرداوي، وقاس الأصحاب عليها المريض الذي ينتفع بالوطء. طبعًا لماذا يجوز لهما الجماع؟ قالوا: بأن الجماع لهما بمثابة الدواء للمريض، وقد جاز الفطر للمريض بالنص والإجماع فيقاس مسألة من احتاج إلى الوطء عليهما على الملك. وأما القضاء فلقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. ولا تجب الكفارة لأنه وطئ لضرورة، والكفارة إنما تكون في الوقت غير المأذون فيه.
إذا قلنا من به سبق إنه يقضي، لكن استمر به الشبق وتعذر عليه القضاء، قالوا: فهنا يكفر، يدفع كفارة عن كل يوم مسكين كالكبير فيما سبق من أحكامه. طبعًا اشترطنا في من به سبق أنه إذا لم تندفع شهوته بدونه؛ فلو اندفعت شهوته بدون الجماع، كما لو اندفعت شهوته بالاستمتاع بزوجته بما دون الفرج، فإنه لا يجوز له الجماع هنا، لماذا؟ لأن الجماع في حقه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يباح له الزيادة على ما تندفع به الضرورة.
ثم ذاك المؤلف رحمه الله تعالى ذكر مسألة المفاضلة بين الزوجات التي يباح للزوج وطؤهن في مرضه، وقالوا: متى لم يمكنه إلا بإفساد صوم، موطوءة جاز له ضرورة، وصائمة أولى من حائض، وتتعين من لم تبلغ. يقول: إذا كانت له زوجتان إحداهما حائض والأخرى صائمة طاهرة، فمن يقدم؟ يقدم وطء الطاهرة الصائمة على وطء الحائض؛ لماذا؟ كلاهما في الأصل منهي عنه، لكن إحداهما أخف من الأخرى. وطء الحائض منهي عنه بالقرآن، بخلاف الصائمة، كما أن وطء الحائض يتعدى ضرره وهو إنما منع للأذى ولا يزول هذا الأذى بالحاجة إليه، بخلاف وطء الصائمة.
وهذا رجحه ابن رجب رحمه الله تعالى في قواعده، حيث أورد المسألة القاعدة الثانية عشرة بعد المئة، ونصها: «إذا اجتمع للمضطر محرمان، كل منهما لا يباح بدون الضرورة، وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضررًا». وذكر من أمثلة هذه المسألة الخلاف فيها على وجهين عند الحنابلة، ورجح القول بتقديم وطء الصائمة لما ذكرنا.
يقول رحمه الله في التعليم بأن أكثر ما فيها أنها تفطر لضرر غيرها، كالصائمة؛ وذلك جائز كفطرها لأجل ولد، كما أنها تفطر إذا كانت مرضعًا لأجل الولد، وأما وطء الحائض فلم يعهد في الشرع جوازه، فإنه حُرّم للأذى ولا يزول الأذى بالحاجة إليه. انتهى كلامه. وقد صححه المرداوي رحمه الله في تصحيح الفروع، واقتصر عليه في التنقيح، وأما في الإنصاف فإنه أطلق الخلاف ولم يرجح.
وهذا كما قلنا على سبيل الأولوية؛ يعني لو أنه واطأ الحائض لا بأس، لكن الأولى أن يطأ الصائمة الطاهرة. وذكر أنه إذا كانت له زوجتان طاهرتان، لكن إحداهما بالغة والأخرى لم تبلغ، قالوا: يقدم وطء الصغيرة، لكن هنا يقدمها على سبيل الوجوب لا على سبيل الأولوية؛ لتحريم إفساد صوم البالغة بلا ضرورة، وهذا ما يكره الموفق رحمه الله في المغني.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة المقيم إذا ابتدأ صومه في الحضر ثم سافر في أثناء اليوم؛ إذا ابتدأ المقيم الصوم في الحضر ثم سافر في أثناء اليوم فله الفطر. هنا عبر بـ «فله»، يعني يباح له الفطر في ظاهر الآية، ويقول تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، ظاهرها أنها شاملة لمن سافر ولو في أثناء اليوم.
واستدلوا أيضًا بما رواه أبو داود عن أبي بصرة الغفاري رضي الله تعالى عنه، أنه ركب في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان، ثم قرب غداؤه، فقال: «ألا ترى البيوت؟»، قال: ترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأكل. قالوا: سافر في أثناء اليوم فأفطر. قالوا: وقياسًا على المرض الطارئ أثناء اليوم فإنه يسوغ له الفطر، وكذا السفر، وهذا قول مفردات الحنابلة كما ذكره المرداوي في الإنصاف.
وهنا مسألة: متى يفطر؟ قالوا: يفطر إذا خرج؛ لأنه قبل خروجه لا يسمى مسافرًا. قالوا: والأفضل عدمه، لماذا؟ قالوا: خروجًا من الخلاف؛ لأن أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أنه إذا ابتدأ الصيام مقيمًا ثم سافر في أثناء اليوم فإنه لا يفطر؛ لأنه اجتمع في حقه مبيح وحاضر، فقدم للحاضر. وهذه هي القاعدة.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى صوم الحامل والمرضع، فذكر أنه يكره صوم الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو الولد، ويقضيان ما أفطرتا. ذكر أن صومهما يكره إذا كان يشق عليهما كالمريض، قالت الإنصاف: قولًا واحدًا أي في المذهب.
ثم هما لا يخلوان من ثلاثة أحوال: إما أن تخافا على أنفسهما وولدهما، أو تخافا على أنفسهما فقط، أو تخافا على ولدهما فقط. فإذا خافتا على أنفسهما وولدهما، يعني الأمرين، أو خافتا على أنفسهما فقط، فإنه يلزمهما القضاء فقط؛ لأنهما كالمريض، وأولى من المريض لا سيما إذا انضم إلى ذلك خوفهما على ولدهما.
الحالة الثالثة: أن يكون الخوف على الولد فقط، فهنا يلزمهما الأمران: القضاء والإطعام؛ إطعام مكان كل يوم مسكينًا. وحكم الإطعام في نوعه ومقداره كحكم الطعام الواجب في الكفارة؛ صاع أو نصف صاع من غيره. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعمًا مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا»، رواه أبو داود. وهذا أيضًا مروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. واختلف المحدثون في جملة: الحبلى والمرضع إذا خافت على أولادها أفطرت وأطعمت، هل هو من قول ابن عباس أو من قول من هو دونه؟
ورد وجوه الإطعام عليهما عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ورد عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: قلنا يلزمهم القضاء والإطعام؟ قال الإمام أحمد رحمه الله: أذهب إلى حديث أبي هريرة. ولا أقول بقول ابن عمر وابن عباس في نفي القضاء؛ لأن ابن عمر وابن عباس يرون أنه يلزمهما الإطعام فقط دون القضاء، وأبو هريرة يرى أنه يلزمهما الإطعام والقضاء.
حديث أبي هريرة -المقصود أو ما أثره أبي هريرة، هذه الكلمة ذكرها الموفق وغيرهما- وجدت جملة ممن يعتني بتخريج الآثار يقولون: لم نقف على أثر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا. أتى الألباني رحمه الله في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" أنه لم يخرج أثر أبي هريرة في "الإرواء"، ففي "التخريج" -وفقه الله- تخريج ما لم يخرجه الألباني في الإرواء؛ في الطبعة الأولى قال: لم أقف عليه، أو قال: ينظر، لكنه في الطبعة الثانية، التي هي الأخيرة، وقف عليه وذكره، وسأذكره وهو غريب، هو قول أبي هريرة.
ثم سنجيب عليه: كيف استنبط الإمام أحمد؟ حديث أبي هريرة هو قول أبي هريرة رضي الله عنه في الرجل، كلامنا في الحامل والمرضع. قول أبي هريرة رضي الله عنه في الرجل يمرض في رمضان فلا يصوم حتى يبرأ، أو لا يصوم حتى يدركه رمضان آخر، قال: «يصوم الذي حضره ويصوم الآخر ويطعم كل ليلة مسكينًا»، وهذا عند عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي في سننه الكبير.
ما علاقة أبي هريرة بمسألة الحامل والمرضع؟ العلاقة دقيقة جدًا، وهذا يبين لك دقة استنباط الإمام أحمد رحمه الله تعالى ودقة فقهه رحمه الله تعالى. ولذلك ذكر ابن رجب رحمه الله في رسالة "الرد على من اتبع هذه المذاهب الأربعة" أن جملة من الأئمة تميزوا في حفظ الحديث المرفوع، لكن فقه الأحاديث الموقوفة؛ يقول: لم يدانِ الإمام أحمد أحد، تميز الإمام أحمد رحمه الله بفقه الآثار الموقوفة من الأحاديث المرفوعة، فهو وافقه غيره في الحفظ، لكن فقه الأحاديث الموقوفة هذا مما تميز به الإمام أحمد رحمه الله عن غيره.
علاقته بمسألة الحامل والمرضع: أن الحامل إذا وضعت الحمل فستكون مرضعًا؛ يعني مر عليها السنة الأولى وهي حامل أفطرت، ثم ولدت ثم أرضعت، يمر عليها رمضان الثاني وهي مرضع، فتتوانى عليها رمضانان، وصارت بمثابة المريض الذي توالى عليه رمضانان، هذه تقضي وتطعم بدلالة قول أبي هريرة رضي الله عنه.
لذلك ارجعوا إلى مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح، تجدون أنها قرنت هاتين المسألتين ببعضهما. سأل صالح: الحامل والمرضع إذا تخاف على نفسها أتفطر؟ قال: إذا أفطرت تقضي وتطعم، اذهب فيه إلى حديث أبي هريرة. ثم التي بعدها: كيف يصنع من توالى عليه رمضان؟ قلت في رجل توالى عليه رمضانان، قال: قال أبو هريرة يقضي ويطعم كل يوم مسكينًا، وابن عباس وابن عمر يقولان يطعم ولا يصوم، إلى آخره. فهنا قرنت هاتان المسألتان ببعضهما في مسار صالح، مما يدل على أن الإمام أحمد رحمه الله استنبط الحكم في الحامل والمرضع من كلام أبي هريرة رضي الله عنه في المريض الذي توالى عليه المرض.
ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الإطعام يلزم من يمون الولد، يعني من تجب عليه نفقته؛ لأنها كفارة وجبت بسبب الولد لا بسبب الأم. وذكر المصنف رحمه الله تعالى أن هذه الكفارة يجزئ دفعها إلى مسكين واحد جملة واحدة، قاله في الفروع. قالت الكشاف لظاهر الآية، يقصد قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، حيث لم يشترط فيها تفريق الطعام بين مساكين.
وهل يجب الإطعام على الفور أو لها تأخير إلى القضاء؟ يعني هل إذا أفطرت عشرة أيام، نقول في اليوم الأول تطعم في اليوم الأول، واليوم الثاني تطعم في اليوم الثاني، أم لها تأخير إلى القضاء؟ نقول متى ما قضتها، لو قضتها بعد شهرين تقضي وتطعم. يقول صاحب الفروع: ظاهر كلامهم -أي الأصحاب- إخراج الإطعام على الفور لوجوبه، والأصل في الواجبات أنها على الفور، قال: وهذا أقيس. قال المرداوي رحمه الله في الإنصاف.
المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله لزوم إخراج النذر المطلق والكفارة على الفور، وهذا كفارة. وقد صرح به الحجاوي في الإقناع حيث قال: «وهو على من يمون الولد على الفور».
هناك قول آخر، وهو قول آخر في المذهب، وهو أنه يمكن أن تأتي به مع القضاء. ذكر المجد رحمه الله، وابن تيمية الجد، أنه إن أتى به مع القضاء جاز؛ لأنه كالتكملة له. يقول إن هذا الإطعام كالتكملة للقضاء يأتي به معهم.
قال البهوتي رحمه الله في الكشاف لما نقل كلام المجد: «وهذا مقتضى كلام المصنف أولا»، يقصد به الحجاوي في الإقناع؛ بل إن خافت على ولديهما أطعمتا مع القضاء. ثم بعدها بجمل قال: «وهو على من يمون الولد على الفور»، فهو صرح هنا بالفور، وفي الأول قال: «أطعمتا مع القضاء»، فيكون كلام البهوتي أن كلام المجد هو مقتضى كلام الحجاوي أولا في الجمل الأولى في قوله: «بل إن خافت على والديهما أطعمتا مع القضاء».
قلت: الظاهر أن مقصود الحجاوي بقوله «مع القضاء» ليس تحديد الزمن بل تبيين الواجب، وأنه يجب عليهما أمران، وإنما حدد زمن الإخراج بقوله «بعدها عن الفضل»، لم يختلف كلامه أول ما اختلف كلامه رحمه الله في الموضعين.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الرضيع إذا قبل ثدي غير أمه وقدرت أن تستأجر له، فإنه لا يباح لها الفطر لعدم الحاجة إليه. وذكر أنه لو استأجر شخص امرأة ترضع طفلها، فإن حكمها في الفطر -في قوله- كأم، فإن حكمها في الفطر والقضاء والإطعام كحكم المرضع، بجامع أن كلا منهما أفطر بسبب رضاع مطلوب منه.
فلو تغير لبنها -أي لبن الظئر أو المرضع- بصوم الظئر المستأجرة بصومها أو نقص، فالمستأجر له يفسخ العقد ويجبر على الفطر إن تأذى الرضيع. يعني هذه المستأجرة لو صامت فتغير لبنها بسبب صومها أو نقص، فإنه يسوء للمستأجر أن يفسخ عقد الاستئجار دفعا للضرر، وإذا تأذى الرضيع بصومها وصار يجوع، أجبرت على الفطر؛ لأن هذا أمر واجب عليها بالعقد وفي مصلحة حفظ الولد.
وهذا ظاهر إطلاق صاحب المنتهى متابعا في ذلك أبا الخطاب، يعني أنها تجبر على الفطر بمجرد تأذي الرضيع، فتجبر على الفطر. صاحب المنتهى متابع في ذلك أبا الخطاب وابن مفلح في الفروع، أما صاحب الإقناع الحجاوي فذكر أنها لا تجبر على الفطر إلا بشرطين: إذا قصدت الإضرار، وطلب والده منها أن تفطر، فإنها تجبر عليه دفعا للضرر عن الصغير، وهذا وجه في المذهب، وهو قول ابن الزاغوني رحمهم الله تعالى.
بقي لنا مسألتان، وهي المسألة الأولى: يجب الفطر على من احتاجه لإنقاذ معصوم من مهلكة كغرق ونحوه، وهذا مما يلحق بالحامل والمرضع من أفطر لإنقاذ معصوم. لو أن شخصا رأى شخصا يسبح وأشرف على الغرق، وهذا الذي يريد أن ينقذه تعبان لأجل الصيام، جاع جدا ويقول: أخشى أنني لا أستطيع حمله وإنقاذه بسبب الضعف.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: يجب عليه الفطر؛ لأن هذا يجب عليهم لمصلحة حفظ النفس، لأن الصوم الواجب علينا يمكن تداركه بالقضاء، بخلاف حفظ النفس، لو أنه قال سأصبر إلى أن أفطر ثم أنقذه، نقول قد تفوته النفس فلا يمكن استدراكها، وإنقاذ الغريق واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المسألة الأخيرة في الباب: أنه ليس لمن أبيح له فطر برمضان صوم غيره فيه. يعني المسافر مثلا، شخص سافر أو مريض، قالوا: شخص سافر في رمضان مثلا من يوم اثني عشر رمضان، سافر يوم ثلاثة عشر وافقه في السفر، قال: ما دام أني مسافر يجوز لي الفطر، خلاص ودي أصوم على أنه أيام البيض، ما يصوم تطوع، نقول: لا، لا يجوز لك أن تصوم في رمضان غير رمضان.
قالوا: لأن رمضان ظرف لا يسع غير ما فُرض فيه، ولأن الفطر في رمضان أبيح تخفيفا ورخصة، فإذا لم يؤده لزمه الإتيان بالأصل، والأصل هو صوم رمضان. فإذا صام عن غير رمضان في رمضان، فإن صومه يلتقي -كما ذكره الموفق في المغني وصرح به الحجاوي في الإقناع- فلا يقع عما نواه لبطلانه، ولا يقع عن رمضان لعدم تعيين النية له، وهي مسألة مبنية على مسألة وجوب تعيين النية في رمضان، والمذهب اشتراطها.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في قواعده في القاعدة الحادية عشرة، حيث قال: «من عليه فرض هل له أن يتنفل قبل أدائه بجنسه أم لا؟»، وذكر أن المسألة تنقسم إلى قسمين، أحدهما -وهما يهمنا هنا العبادات المحضة- وذكر أنها أيضا على قسمين: عبادات موسعة وعبادات مضيقة.
قال: «إذا كانت العبادة مضيقة فإنه لا يصح التنفل قبل أدائها على الصحيح»، ولذلك ذكر منها صوم رمضان، قال: «لا يصح أن يصوم فيه عن غيره، فإن فعل فإنه لا يصح نفله»، لكن هل ينقلب عن فرضه أو لا؟ يقول: ينبني على وجوب نية التعيين، وذكرنا أن المشهور في المذهب اشتراط نية التعيين.
نقف عند هذا الحد ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في أسئلة، والشكر لكم. وردت عدة أسئلة من الإخوة؛ هذا سائل يقول: ما ضابط المرض الذي لا يعلم برؤه؟ بعض الأمراض تتطلب للمريض أدوية لأكثر من سنة، ثم ينظر الطبيب بعدها هل يوقف الدواء أو يستمر، هل لو قرر الطبيب بعد خمس سنين من العلاج قطع الدواء فهل يقضي ما سبق؟
أحسنت، يسأل عن ضابط المرض الذي لا يرجى برؤه، فأقول: المرض الذي لا يرجى برؤه يقصدون لا يرجى برؤه مطلقا بحسب تقرير الطبيب. ومثل هذا الذي يقول مثلا: سأعطيك الدواء سنة ثم نفحص ونشوف هل يستمر أو نوقف الدواء، فنقول: هذا في الحقيقة مرجو البر، لكن إذا كان في غالب ظن الطبيب، أو بحسب ما وصل إليه الطب أن هذا المرض لا يوجد له علاج، فنقول: هذا مرض لا يرجى برؤه.
سائل يقول: بالنسبة لمن يأس من الصيام ثم عُفي، ذكر أنه كالمعذوب في الحج، علما أن الأصحاب ذكروا في المعذوب في الحج أنه يبدأ بالإحرام وينتهي بالنسك، أما الصوم فما هو وقت وجوبه؟ هل بدخول الشهر أم كل يوم بيومه؟ أحسنت، سؤال دقيق ويدل على جودة من صاحبه، وفقه الله وفتح عليه علينا جميعا. صوم رمضان، نقول كل يوم عبادة مفردة له.
كل يوم عبادة مفردة. وهذا ستأتينا إن شاء الله، حين وقفنا على مسألة النية؛ أن كل يوم عبادة مفردة. فإذا مثلاً أطعم عن اليوم الأول، يعني أفطر في اليوم الأول وأطعم عنه، ثم أطعم اليوم الثاني، ثم في اليوم العاشر مثلاً يبرأ؛ اليوم العاشر يبرأ.
فنقول الأيام التي أطعم عنها أو كان لا يبرأ فيها، فنقول هنا لا يلزمه فيها القضاء، وإنما يلزمه الإطعام، والأيام التي بعدها هي التي يلزمه صيامها، فإن أفطر فيها فيلزمه قضاؤها.
يقول السائل: رجل نوى السفر فأفطر حيث وطأ زوجته قبل خروجه من داره؛ لأنه نوى السفر، ثم طرأ له بعد ذلك ظرف فتعطلت سيارته فلم يسافر، فهل عليه شيء؟ هذه مسألة تقدمت عنها في الدرس الماضي، قدمت عنها في الدرس الماضي ضمن المسائل الثمان التي قلنا إنه يلزم فيها الإمساك والقضاء.
أحدها، كما رجعنا للدرس الماضي، إذا تعمد المقيم الفطر ثم سافر فإنه يلزمه الإمساك، ألزِموا الإمساك والقضاء. وهنا يزيد أيضاً أمراً ثالثاً وهو الكفارة؛ لأنه هو وطئ، ولا يجوز له أن يترخص برخص السفر إلا إذا خرج، أما إذا كان في البلد فإنه لا يترخص. وهنا أصلاً حتى السفر لم يحصل له، يعني تعطلت سيارته فلم يحصل له السفر، فنقول سواء حصل له السفر أو لم يحصل له السفر، يلزمه الإمساك والقضاء والكفارة أيضاً؛ لأن هذا الجماع غير مأذون فيه.
يقول الحاضر: إذا سافر في أثناء اليوم أبيح له الفطر، والأفضل تركه، وهذا الحكم متكرر في المذهب: مباح والأفضل تركه. السؤال: ما الفرق بينه وبين المكروه؟ المكروه يكون فيه نهي، لكن هذا النهي لا يصل إلى التحريم، يوجد صارف من صوارف النهي عن التحريم. لكن إذا قالوا مباح والأفضل تركه، فإنه لا يوجد في الأصل أنه لا يوجد فيه نهي، وإنما يوجد فيه إرشاد للأفضل، ولذلك يعبرون بالأفضل تركه.
يقول: «المتصنف على ولي صغير مطيق أمره به» إلى آخره، هل صيغة الأمر في قوله «على ولي الصغير» بالوجوب أم الاستحباب؟ أحسنت، وحين ذكرناها في الدرس، يمكن السائل ما انتبه لها، قلنا يجب، صرحوا بها: يجب على الولي أن يأمر من تحت يده من الصغار في الصوم، فحكمه عليه الوجوب. الوجوب ليس على الصبي، وهذا في الصلاة أيضاً، الوجوب ليس على الصبي وإنما على الولي أن يأمر به.
هنا يذكر قولاً لشيخ الإسلام في شرحه العمدة، يقول: قال شيخ الإسلام في المرضع والحامل: «أما قول من قال إذا خافت على نفسها فلا فدية عليها فهو مخالف لنص أحمد وأقوال السلف». سائل يقول: ما هو قول المذهب؟ قال شيخ الإسلام في المرضع والحامل: أما قول من قال إذا خافت على نفسها فلا فدية عليها فهو مخالف لنص أحمد وأقوال السلف، ويقول هذا ما هو المعتمد في المذهب.
نعم، المعتمد في المذهب أنه لا فدية عليها، ونعم شيخ الإسلام رحمه الله قال ذلك، أنه ألزم بالقضاء فقط بدون فدية، ولعلي أتأكد من ذلك في الدرس القادم بإذن الله تعالى. والمعتمد كما قلنا التفريق؛ إذا خافت على نفسها أو نفسها مع الولد فإنه عليهما القضاء فقط بدون فدية.
آخر سؤال، هذا السؤال من مقطع الدرس الماضي، لكن السائل يلح لأن الإشكال ما زال قائماً عنده، يقول: ذكر الشيخ في تبيين المقصود باتفاق المطالع بالضبط، فقد ذكر بأنه بحدود ألفين ومئتين وستة وعشرين كيلو، فما كان بهذا الحدود فمطلعهم واحد، ثم بأي جهة يعتبر؟ هل من الجهات الأربع أو المشرق؟ هذه مسألة مهمة أرجو عرضها على الشيخ.
أنا قلت إن بعض المعاصرين، وأقصد به الشيخ البسام رحمه الله تعالى، ذكر المسافة هذه، دقيقة أو لا؟ أنا ما عندي علم والله فيها، لكن العبرة باختلاف المطالع واتفاقها. طبعاً هذا هو الذي يقرر في الدروس، لكن الآن الحقيقة أن كل دولة تأخذ بقول، عندنا في السعودية يأخذون بالرؤية، دول أخرى بعضها تأخذ برؤية المملكة، وبعضها تأخذ بالحساب.
العبرة يتبع الصائم أو المسلم هناك الدولة التي يسكن فيها، يتبع ما كان عليه أهل بلده، اتفقوا أو اختلفوا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وباقي الأسئلة إن شاء الله لن نغفلها، سنجيب عليها بإذن الله تعالى، وبارك الله في الجميع.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان