بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي. إلى الكتاب الثاني أو المنظومة التي قررنا أن نشرحها في هذه الدورة الاستثنائية التي يقيمها برنامج غراس العلم، وهي دورة الاستثمار العلمي. كنا قد أنهينا في مجلسين سابقين مدارسة كتاب مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق للإمام ابن حزم الظاهري. اليوم بإذن الله نشرع في شرح منظومة أدبية رائقة، وهي منظومة «لامية العجم» لأبي إسماعيل الطغرائي، رحمه الله تعالى، الأديب الرفيع.
وبشكل عام إخواني، المنظومات الأدبية مثل «لامية العرب» و«لامية العجم» و«لامية ابن الوردي» وعنوان من الحكم البوستي وغيرها من المنظومات الأدبية الرائقة مهمة جداً للمسلم عموماً ولطالب العلم خصوصاً. أولاً؛ لأنها تزيد من الثروة اللغوية عند طالب العلم. ثانياً؛ تزيد من تذوقه الأدبي لكلام العرب، هذه اللغة التي تجمعنا جميعاً، لا بد أن نرفع ذائقتنا جميعاً كمسلمين وكطلبة علم خصوصاً في تذوقها.
هذه المنظومات الأدبية توقفك على كثير من التشبيهات والاستعارات والكنايات، وهذا يزيد من الرصيد الأدبي للتذوق عند طالب العلم. كذلك هذه المنظومات الأدبية التي اختارها العلماء وحطت عليها الرحال، فيها كثير من الأخلاق والمروءات والشيم والفضائل ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بها. ولما تكون هذه الفضائل والمكارم والمروءات منظومة في أبيات لطيفة جميلة، تبقى الأمثال راسخة في ذهن طالب العلم وفي ذهن المسلم عموماً حيثما حل وارتحل.
كثير من الأمثال العربية، كثير من الفضائل والمكارم، إنما يتذكرها الإنسان أنها محفوظة لديه في عقله ومستحضرة في فؤاده من خلال أبيات معينة، أو أمثال عربية، أو قصة مشهورة جعلت هذه الفكرة أو هذا الخلق أو هذه المروءة ترسخ في ذهن وعقل هذا المسلم. فحقيقة الانشغال بشرح المنظومات الأدبية والتعرف على ما فيها من القيم والأخلاق هذا من شيم أصحاب المروءات والنفوس الشريفة الذين يبحثون دائماً عن الفضائل؛ الفضائل اللغوية الأدبية والفضائل الحياتية والاجتماعية والخلوقية.
وهناك العديد من المنظومات المبثوثة في تراثنا العربي التي تتكلم حول هذه الفضائل وهذه الأخلاقيات، فينبغي على طالب العلم أن يكون له حظ وافر منها؛ لأن طالب العلم ليس مجرد إنسان يتكلم في الحلال والحرام وفي مسائل الاعتقاد، بل إنسان عنده تنوع معرفي وتذوق. بل بالعكس، هذا التذوق المعرفي والتذوق الأدبي يرفع قدرة طالب العلم على تحليل النصوص، ومن حتى نصوص التراث في كتب الاعتقاد وكتب الفقه وكتب الأحكام وشروح الأحاديث.
تنمية القدرة أو ملكة طالب العلم على التحليل لا تكون إلا من خلال ممارسة الشرح للعديد من المصنفات والمنظومات؛ هذا يقوي عضلة الذهن، يقوي ملكة الإنسان، يقوي ذهن الإنسان أنه دائماً يسعى للتحليل ومحاولة استنطاق النص والوصول إلى ما وراءه، ومحاولة فهم ماذا يريد هذا النص أن يخبرني. فلا بد لطالب العلم أن يعود دائماً ذهنه على القراءة والتحليل المتنوع، ولا يبقي اهتمامه فقط نحو وجهة واحدة من الجهات العلمية؛ هذا لا يصلح. ينبغي أن تتنوع في قراءاتك وفي تحليلك حتى الأمور الطبية تقرأها، والأمور الحياتية والاجتماعية والتربوية؛ لأن هذا بإذن الله رصيد معرفي ويقوي الذهن ويزيد من جودته.
منظومتنا اليوم إذاً ندخل فيها «لامية العجم» لأبي إسماعيل الطغرائي رحمه الله تعالى عليه. الوقفة الأولى ستكون: من هو أبو إسماعيل الطغرائي؟ دعونا نتعرف على صاحب المنظومة، ثم بعد ذلك نعيش معه في منظومته الرائقة الرفيعة. سأقرأ لكم شيئاً من سيرة هذا العالم الأديب لتتعرفوا عليه أكثر وأكثر.
هو الأستاذ الأديب الشاعر الكاتب، العالم الكيميائي، والوزير المنشئ الذي يكتب الإنشاء، وفخر الكتاب؛ أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد الطغرائي الأصبهاني. والطغرائي في الحقيقة إخواني لقب له؛ هذا لقب لأن «الطغراء» ما هي؟ هي كلمة فارسية تعني التوقيع الأميري أو الختم الأميري الذي يوضع على الرسائل وعلى القرارات الملكية، الختم أو التوقيع الأميري الذي كانوا يكتبونه على المنشورات الأميرية أو المنشورات الملكية التي تُرفع إلى القضاة وعلى العوام وعلى الوزارات المختلفة.
فأبو إسماعيل صاحبنا كانت وظيفته أن يكتب هذا الختم الأميري الذي يسمى باللغة الفارسية «طغراء». كان في ابتداء أمره كاتباً في الدواوين يكتب هذه التوقيعات. طبعاً اليوم أصبحت سهلة بالختم الإلكتروني وتيسرت الأمور، لكن قديماً لا، هذه التوقيعات الأميرية كانت تحتاج إلى فنان في التخطيط وتختم بصورة معينة تبقى ثابتة على جميع الكتب حتى لا يحصل تزوير فيها. فأبو إسماعيل يقولون كان رجلاً مشهوراً بإتقان الخط وأنه كاتب مشهور عدل، فكانوا يضعونه في الدواوين لكتابة هذه الطغراء، فمن هنا لقب بالطغرائي، أي صاحب الاختام الأميرية.
وهو من مواليد أصبهان، وأصبهان الآن في إيران، فهو أعجمي الإيذان في الأصل وليس عربياً في أصوله، إذاً هو أصبهاني ولقب بالطغرائي (بضم الطاء) لأنه كان يكتب الاختام الأميرية على المنشورات التي يوزعها السلاطين. ولد رحمه الله عام أربعمائة وثلاثة وخمسين للهجرة في مقاطعة بأصبهان من بلاد فارس، وعاش بها أول حياته حيث تلقى العلوم الأولى في مدارسها، ثم انتقل إلى أربيل، وأربيل معروفة الآن في شمال العراق.
انتقل إلى أربيل في مقتبل شبابه حتى عمل أميناً للسر وكان طموحاً للغاية، فدخل بلاط السلاجقة. السلاجقة هم الذين كانوا يهيمنون على الدولة الإسلامية في المشرق في ذاك الزمان، وكانت الدولة العباسية مجرد شكلية، والدولة السلجوقية هي التي كانت تسيطر على الأمور. فدخل بلاط السلاجقة وخدم السلطان أبا الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي، وتولى مدة حكمه ديوان الطغراء، أي وظيفة أبي إسماعيل أن يكتب الاختام الأميرية. وكان آية في الكتابة وفي الشعر حتى أصبح يُنعت بالأستاذ؛ ولأن كلمة أستاذ في العربية ليست كلمة عربية، بل هي كلمة معربة وأصلها كلمة أعجمية فارسية، معناها الماهر المتفنن، الماهر الحاذق المتفنن.
قال: ثم تشوقت نفسه إلى الدخول إلى الدولة الأيوبية، فإن الدولة الأيوبية نقول شبه انشقت عن الدولة السلجوقية، فتنقل في المناصب وتولى الاستيفاء وترشح للوزارة ووصل لمرتبة الوزارة.
تولى الوزارة في عهد الملك مسعود بن محمد في ولاية الموصل، لكن الحياة لم تطب معه ولم تسر كما يريد، بل انقلبت الأمور. متى انقلبت الأمور؟ لما حدث خلاف أسري عائلي بين الملك مسعود بن محمد ملك شاهم، وبين شقيقه الملك محمود.
حدث خلاف بين الملك مسعود، الذي كان يعمل الطغرائي وزيراً له، وبين الملك محمود شقيقه الذي كان له وزير آخر اسمه السميري؛ فالسميري كان وزيراً لمحمود، والطغرائي كان وزيراً لمسعود. ومعلوم يا إخواني، من يقرأ التاريخ الدولة السلجوقية، كان هناك اقتتال شديد بين رؤسائها، يعني بين الإخوة السلاجقة أنفسهم، للأسف كان هناك اقتتال شديد ومعارك طاحنة بينهم ذهبت فيها كثير من الأرواح، نسأل الله العفو والعافية والسلامة من هذا الجهل.
فكانت هناك مشاكل وخلافات وحروب بين الإخوة، فالملك مسعود وقع بين شقيقه الملك محمود إلى أن جهز الملك مسعود جيشاً يريد أن يغزو به شقيقه، فخرج الملك مسعود وخرج معه وزيره أبو إسماعيل الطغرائي إلى هذه المعركة، لكن للأسف ماذا كانت النتيجة؟ كانت نتيجة المعركة أن الملك مسعود هزم، وغُنم به وأُسر الطغرائي.
الآن محمود الملك محمود عفا عن شقيقه مسعود، لكن هل عفا محمود عن الطغرائي وزير؟ هنا وقع اختلاف بين الروايات التاريخية. بعض الروايات تقول إن الملك محمود، بإيعاز من الوزير السميري، قام باغتيال أبي إسماعيل الطغرائي شر قتلة، وهناك روايات أخرى تقول لا، إنه عفا عنه أيضاً، عفا عن أبي إسماعيل الطغرائي وأطلق سراحه، لكنه جرده عن كل المناصب. لعل هذه الرواية إن صحت تكون هي أوفق لما سيمر معنا في قصيدة الطغرائي «لامية العجم» التي بين أيدينا، التي يشكو فيها من تقلب الزمان عليه.
إذن، هل قُتل الطغرائي على يد الملك محمود؟ هذه رواية تاريخية، ورواية أخرى تقول إنه عفا عنه لكن مجرده عن كل المناصب، فأصبح مهملاً طريداً بعد أن كان وزيراً صاحب منصب وصاحب وجاهة وصاحب جاه، وعاش الطغرائي حتى توفي عام خمسمائة وخمسة عشر هجري.
في طلب العلم، طبعاً هو عالم كيميائي وليس عالماً شرعياً، فيقول: لم تسعف المصادر بالكثير عن حياة الطغرائي العلمية واشتغاله وطلبه، إلا ما ورد من أخذه شيئاً من الحديث عن أبي نصر الكشاني المقرئ رحمه الله. وكان الطغرائي عارفا باللغة والأدب، شاعراً بالدرجة الأولى، وكان كاتباً خطاطاً حسن النظم والنثر، وأخذ من علوم الأوائل؛ والمراد بعلوم الأوائل إخواني -متى قرأتموها في الكتب؟- الفلسفة. فالرجل إن درس الفلسفة، ويقولون أصلاً إن اشتغاله بعلم الكيمياء هو نابع عن اهتمامه بالفلسفة التي يسمونها علم الأوائل. أخذ من علوم الأوائل بحظ وافر وكانت له اليد الطولى في علم الكيمياء.
كذلك كان الطغرائي من أشهر من عمل في ديوان الإنشاء، حتى إنه لم يكن في الدولتين السلجوقية والأيوبية من يماثله في الإنشاء. أما شهرته العلمية فتعود إلى براعته في علم الكيمياء، التي تشير إليه بأنه فكر بنزاهة وكشف عن أسرارها، وقد بذل جهوداً كثيرة في محاولة تحويل الفلزات الرخيصة من النحاس والرصاص إلى ذهب وفضة، أفنى في ذلك جهداً ومالاً كبيرين. ودائماً الناس الذين يبرزون في العلوم الحياتية كالكيمياء والفيزياء وما شابه ذلك، العلوم التجريبية، تجدون عندهم ثقة زائدة بأنفسهم واعتداداً كبيراً بها، أننا وصلنا إلى أعماق الحياة. وهذا حتى في حياتنا اليومية، تجد من يدرس هذه العلوم الحياتية يشعر بشيء من الاعتداد بالنفس، وهذا واضح في شخصية الطغرائي وهو يصوغ قصيدته «لامية العجم» كما سيظهر معنا.
إذن هذا شيء من حياته العلمية والمعرفية، كانت الطغرائي الآن شيء من صفاته، نأخذ: كان الطغرائي غزير الفضل، كامل العقل، جواد الخاطر، واسع الصدر، كريم الخلق، عزيز النفس. دخل مرة على بعض أكابر الدولة في مجلس أنس، فقدم إليه ثياباً رفيعة؛ دخل على أحد الأكابر في مجلس، فهذا الوزير أو هذا أحد الأكابر قدم للطغرائي ثياباً رفيعة كرامة له، فالطغرائي كره هذا الموقف وقال له: «وما ساقني فقرٌ إليك وإنما ... أبا لي عزوف النفس أن أعرف الفقر ولكنني أبغي التشرف، إنه سجية نفس حرة ملئت كبراً»
لاحظ شخصية الطغرائي واضحة هنا، والاعتداد الكبير عندهم، عزة نفس عالية. ترك الطغرائي عدداً من المؤلفات، وأكثر مؤلفاته في الحقيقة كانت في علم الكيمياء، من أشهر مؤلفاته: «الإرشاد» وهو مختصر في الكيمياء، و«تراكيب الأنوار»، و«جامع الأسرار»، و«الجوهر النضير». له أيضاً ديوان شعر مطبوع. ويقولون الطغرائي كان كثير الحب لزوجته إلى أن توفاها الله سبحانه وتعالى، فرثاها بقصيدة ضائقة جميلة محزنة تدل على شدة حبه وعشقه لها. فالرجل صاحب مشاعر، هو صح صاحب علم وهو صاحب منصب وزاري وصاحب ثقة أو اعتزاز بالنفس، لكنه أيضاً صاحب مشاعر جياشة ودمث الأخلاق وصاحب فضائل عالية جداً. وله كثير من القصائد، وله أيضاً -إن كانت الكتب في الفلسفة- مثل «مفاتيح الرحمة» و«مصابيح الحكمة».
وله أيضاً، وهذا ما يهمنا، «لامية العجم»، هذه اللامية التي بين أيدينا والتي نبدأ بمدارستها اليوم بإذن الله. هذه اللامية تسمى «لامية العجم». ثم كما قلنا توفي في خمسمائة وخمسة عشر هجري. دعونا الآن إخواني ندخل في الكلام حول «لامية العجم»، لماذا سميت هذه اللامية وهذه المنظومة بـ«لامية العجم»؟ أولاً هذا هو السؤال الذي يطرق إلى أذهان جميع الطلبة. نقول إخواني: الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنها إنما سميت بـ«لامية العجم» حتى تقابل القصيدة العربية المشهورة «لامية العرب». هناك قصيدة مشهورة عند العرب اسمها «لامية العرب» للشاعر العربي الجاهلي صاحب النفس الشريفة، ولكنه صعلوك من قطاع الطرق، وهو الشنفرى.
«لامية العرب» هذه قصيدة لشاعر عربي جاهلي كان عنده مروءات وأخلاق، لكنه كان قاطع طريق، يسمونه من الصعاليك، اسمه الشنفرى. ذهب ليخطب فتاة من فتيات العرب، لما عرف والد هذه الفتاة أن هذا الخاطب هو الشنفرى قاطع الطريق المشهود، رفض أن يزوجه. هنا الشنفرى غضب وقال قصيدته المشهورة: «أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل» وأتى بالمروءات والكرائم وكرائم الأخلاق والفضائل والشهامة التي يمتلكها وبدأ يعددها واحداً.
تلو الأخرى، وهذه القصيدة قصيدة لامية العرب، قصيدة عالية جدا، وسميت لامية العرب لأن الشنفرة ضمنها مروءات العرب وأخلاق العرب وطائل العرب التي يتحلى بها وافتخر فيها بنفسه. ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأمر الناس أن يعلموا أبناءهم لامية العرب؛ لما فيها من الحث على الفضائل والأخلاق الجميلة والفاضلة.
فلامية العرب سميت بهذا الاسم لأن الشنفرى ضمنها أخلاق العرب والمروءات العربية، وطبعا هو نسبها لنفسه وأراد أن يمتدح نفسه لما رفض والد هذه الفتاة أن يزوجه، كأنه يقول له: تراني صعلوكاً قاطعاً للطريق، لكنني أملك الكثير من الفضائل الجميلة والمروءات العربية التي تجعلني أهلاً لأن أتزوج، وقال في قصيدته كما قلنا: بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لميل
الطغرائي رحمة الله عليه، لما وجد قصيدة لامية العرب اشتهرت بين الناس والكل يتداولها لما تتضمنه من أخلاق ومروءات، سمى قصيدته التي بين أيدينا -وهو شاعر متأخر، نحن نتكلم عن القرن الخامس أو السادس الهجري، والشنفرى شاعر عربي جاهلي، فهناك مساحة كبيرة بينهما في الزمن- لكن المهم، الطغرائي لما رأى قصيدة الشنفرى اشتهرت بلامية العرب لما تضمنته من الأخلاق الرفيعة، أحب أن يسمي منظومته "لامية العجم".
إن صح أن الطغرائي هو الذي سمى منظومته بهذا الاسم -وبعض القضايا التاريخية ربما يصعب أن نجزم بها- لكن الكثيرين يذهبون إلى أن الطغرائي هو الذي سمى قصيدته "لامية العجم"؛ لأنه أيضاً ضمنها كثيراً من الأخلاق والمروءات وفضائل النفس. فكأنه يريد أن يقول: إن كان لكم أيها العرب الأقحاح قصيدة تسمونها لامية العرب، فنحن الأعاجم كذلك. والطغرائي كان أعجمياً لأنه نشأ وولد في أصبهان في إيران كما ذكرنا، فكأنه يقول: ونحن نستطيع أيضاً أن نأتي بقصيدة مليئة بالفضائل والأخلاق والكرائم.
فأتى بهذه القصيدة وسماها لامية العجم حتى تشتهر كشقيقتها لامية العرب، وفعلاً نجح الطغرائي في إشهار قصيدته لما سماها بلامية العجم. فمتى أطلقت لامية العرب، أصبح معروفاً أن هناك لامية للعجم، وأن صاحبها هو أبو إسماعيل الطغرائي رحمة الله تعالى عليه. إذاً تسميتها بلامية العجم لأن ناظمها رجل أعجمي وهو أبو إسماعيل الطغرائي، وليس لأنها كتبت بالأعجمية؛ فهذه كتبت باللغة العربية العالية جداً، لكن لأن صاحبها نشأ وولد في بلاد أعاجم سميت بلامية العجم، ولقبها هو الطغرائي بهذا اللقب ليقابل بها لامية العرب للشنفرى.
ضمنها الكثير من الأخلاق والفضائل ليقول: كما أن العرب عندهم مروءات وفضائل وأخلاق، فنحن أيضاً الأعاجم عندنا مروءات وفضائل وأخلاق، فخذوا هذه اللامية، لامية العجم، لأنني رجل أعجمي. ومن هنا أخذت هذه اللامية اسمها "لامية العجم".
هذه القصيدة فعلاً كما قلنا اشتهرت أحبائي، وعليها شروح عديدة لأهل العلم. من أشهر شروحها شرح أبي البقاء العكبري الحنبلي رحمة الله تعالى عليه. كذلك من أقوى الشروح، وهو أفضل شرح في الحقيقة عليها، هو شرح العلامة صلاح الدين الصفدي، وهذا الشرح شرح موسع ضخم اختصره العديد من الأئمة؛ اختصره الدميري رحمة الله عليه، واختصره أيضاً بحرق الحضرمي. فهذه أهم الشروح على هذه اللامية الفخمة.
هذه القصيدة تقع في تسعة وخمسين بيتاً، قصيدة قصيرة لكنها ضمنت كما قلنا مكارم الأخلاق وعزة النفس. وإذاً هذه أهم الأمور التي نتكلم عنها حول أهمية لامية العجم.
أبو إسماعيل الطغرائي يتميز بعدة سمات في شخصيته ظهرت بشكل واضح في هذه القصيدة. السمة الأولى كما قلنا أنه رجل يعتد بنفسه كثيراً وعنده ثقة عالية بقدراته. السمة الثانية أنه رجل طموح، صاحب همة عالية ومغامر من الدرجة الأولى. ثالث شيء أنه رجل يأبى الظلم، رجل لا يرضى بالظلم، عنده عزة نفس عالية ولا يقبل أن يُهضم حقه أبداً.
هذه الصفات الثلاث تجلت في القصيدة، فالقصيدة تظهر لنا عزة النفس العالية التي أظهرها أبو إسماعيل الطغرائي رحمة الله عليه، وكيف أنه إنسان طموحه وهمته عالية جداً لا يرضى بسفاسف الأمور، وكيف أنه لا يقبل أن يكون قريناً للجهال والسفهاء من الناس، فإما أن يصاحب الشرفاء الأفاضل وإما أن يحيا وحيداً. هذه الأمور ظهرت بقوة في القصيدة، مما أعطاها أهمية عند الأدباء؛ الثقة العالية والاعتزاز العالي والطموح العالي والهمة العالية والمغامرة من أجل الوصول أو الظفر بالمقصود، مع إباء الإنسان ورفضه لأن يرافق السفهاء والجهال في هذه الحياة الدنيا.
أيضاً مما زاد هذه القصيدة شهرة قدرة أبو إسماعيل الطغرائي على الإتيان بالتشبيهات البديعة، وإتيانه بالمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية بدرجة عالية من الإتقان، وتشبيهاته كان يوظفها في رسم المعاني بصورة صريحة رائعة جداً ولطيفة وبعيدة عن التكلف. لقد قارب الأسلوب العربي القديم؛ لأنه عندما نشأ الشعراء المولدون، كثير منهم كان يبالغ في استخدام المحسنات البديعية اللفظية والمعنوية حتى يصل الشعر إلى شيء من الإغلاق، لكن لا، الطغرائي في لاميته قارب الإتقان العربي القديم في الإتيان بالتشبيهات والاستعارات والمحسنات البديعية من دون أن يؤدي ذلك إلى تعقيد في المعنى، فهناك جزالة في الألفاظ وسهولة في المعاني ساهمت في انتشار هذه القصيدة أكثر وأكثر.
متى كتبها الطغرائي؟ كتبها الطغرائي في بغداد عام خمسمائة وخمسة، وإن صحت الرواية أنه لم يُقتل في المعركة التي دارت بين الملك مسعود والملك محمود، وإنما أُعفي عنه وأُطلق سراحه لكنه جُرد من كل الألقاب. إن صحت هذه الرواية فقد تكون هي التي تسير مع هذه القصيدة، حيث يرسم لنا الطغرائي في هذه القصيدة أنه أصبح يحيى في هذه الحياة الدنيا بين فسحة الأمل وبين حقيقة الواقع المؤلم. يعني موضوع القصيدة عموماً يخبرنا أنه يحيى بين فسحة الأمل، شيء من الأمل يبعثه ليستمر في الحياة رغم ما حدث له في نهاية الأمر مع حقيقة الواقع المؤلم، فكتب هذه القصيدة الرائقة الرفيعة ليكلمنا حول هذه القضية، وليخبرنا عن المشاعر الكامنة في داخله.
فكيف تحطمت كثير من آماله وأحلامه وطموحاته على صخرة الواقع؟ يخبرنا كيف تحطمت الكثير من أحلامه وطموحاته وآماله على صخرة الواقع المؤلم، لكنه مع ذلك يبقى يحب الحياة من أجل فسحة تأمل، وإلا لولا فسحة الأمل التي يجدها في حياته لربما فضل أمرًا آخر؛ فضل الذهاب إلى ربه سبحانه وتعالى.
يصور لنا الرجل كل هذه الحياة الدنيا، فهو يصور لنا الواقع المؤلم والحياة البئيسة التي وصل إليها، ويصور لنا بقاء شعاع من الأمل، وهو الذي يحبب له البقاء في هذه الحياة لربما لبعض الوقت، لعل وعسى هذه الأوضاع أن تتغير ويأتيه السعد بعد أن حلت به الأطراح والأحزان.
إذاً هذه الفكرة العامة للقصيدة. الآن سنشرع أحبائي في شرح هذه القصيدة رويدًا رويدًا، ونعرف فعلاً هل هذه القصيدة تظهر شخصية عزة النفس عند الطغاة؟ هل تظهر فيها آباؤه وطموحاته ومغامراته وأنه رجل مخاطر؟ هل يظهر فيها رفضه لمرافقة السفهاء والجهال؟ دعونا نسير مع هذه القصيدة، وأنا أنصحكم في أوقات الفراغ التي نحياها في هذا الوقت أن تحفظوا هذه القصيدة وتكون رصيدًا معرفيًا لكم بإذن الله في قابل الأيام، وتزيد كما قلنا من لغتكم ومن ذائقتكم الأدبية.
نقول مستعينين بالله سبحانه وتعالى. قال الإمام الأديب أبو إسماعيل الطغرائي -رحمة الله تعالى عليه-: أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
أنا آتي لكم بالبيت مكتوبًا، لكنني قبل أن أبدأ البث وجدت أن هناك إشكالية في نقل الأبيات من اللابتوب إلى الشاشة؛ وقع هناك شيء من الفصل بين الأحرف. أنا أقرأ البيت، وليس كل ما كُتب كُتب بالصورة الصحيحة كأن الخط اختلف، أعانكم الله عز وجل. المهم أنا أقرأ البيت وأنتم انتبهوا وصححوا من عندكم ما تجدونه على الشاشة: "أصالة الرأي صانتني عن الخطل، وحلية الفضل زانتني لدى العطل".
أولاً نشرح المفردات ثم نأتي على المعنى الإجمالي للبيت. يقول: أصالة الرأي يعني الرأي الأصيل العالي القوي، صانتني أي حمتني عن الخطل، والخطل هو الاعوجاج والزلل. وحلية الفضل؛ الحلية هي ثياب الزينة، وحلية الفضل زانتني أي جملتني لدى العطل.
العطل إخواني هو أن تكون المرأة خالية من الزينة الظاهرة، فهو وصف للنساء؛ يقولون عطلت المرأة إذا خلت من الزينة الظاهرة لم تلبس حليها، فيقولون امرأة عاطل، وكما قلنا هذا الوصف يختص بالنساء. لذلك أساسًا لا تؤتى فيه بتاء التأنيث، لأن الأوصاف التي تختص بالنساء لا يحتاج فيها إلى تاء التأنيث، وإنما تاء التأنيث يحتاج فيها للأوصاف المشتركة التي يشترك فيها الرجال والنساء، مثل: رجل قائم وامرأة قائمة، نضيف تاء التأنيث، ورجل عامل وامرأة عاملة. لكن إذا كان الوصف هو أصلاً مختص بالنساء ولا يوصف به الرجال، فلا تأتي العرب بتاء التأنيث في هذه الحالة، فيقول مثلاً: امرأة حائض، لا يحتاجون للتأنيث لأن الحائض هذا وصف للمرأة وبالتأكيد لا يشاركها فيه الرجل. فكذلك هذا الفعل "عطل" يختص بالإناث أساسًا، هناك تجاوزات في إطلاقه على الرجال، لكن أساسًا هو يختص بالإناث لأن معناه خلو المرأة من الحلي.
لاحظوا أن هنا يشبه نفسه بالمرأة العاطل، وسنأتي كيف يصل بهذا التشبيه. إذا عرفنا المفردات نأتي إلى المعنى الإجمالي. يقول: أصالة الرأي صانتني عن الخطل، وحلية الفضل زانتني لدى العطل. يقول إن لي رأيًا أصيلاً حكيمًا يصونني ويحميني عن الاعوجاج في طرائق الحياة، وإن عندي حلية زينة من الفضل، حلية معنوية ليست حلية حسية، عندي حلية من الفضل تزينني عند خلوّي من الأوصاف الدنيوية، وعند خلوّي من الألقاب الدنيوية. وكأنه يشير إلى أنه عُزل وأصبح لا يملك أي اسم شرفي في الدولة، لا سماحة ولا فضيلة ولا سعادة ولا مولانا ولا شيء من هذه الألقاب.
لما تعطل، خلا من الألقاب الدنيوية، يقول: أنا عندي حلية من الفضل تزينني وتجملني عند خلوّي من الألقاب الدنيوية التي إن كانت عندي قديمًا، كنت أسمى الوزير وكنت أسمى سعادة وفضيلة وسماحة والفلان الفلاني، الآن ذهبت كل هذه الألقاب بعد أن نزلت، لكن بقي لي ما هو أجمل منها، وهي حلية الفضائل والمروءات وكرائم الأخلاق التي عندي. إذاً هو ويمتدح نفسه بأنه يمتلك أصالة في الرأي وحكمة، وأنه يمتلك الفضائل والمروءات وكرائم الأخلاق.
هل هو يريد أن يتبجح بنفسه من خلال هذا المدح برأيكم؟ في الحقيقة لا، هو لا يريد أن يتبجح بنفسه، وإنما يريد بالعكس أن يسلي نفسه الحزينة بعد أن تجردت عن كل الألقاب وعُزلت، يقول لها: يا أيتها النفس لا تحزني، حتى ولو كما يقولون تغير عليك الزمان وأظلمت الدنيا في وجهك ورماك الناس عن قوس واحدة، لا أيتها النفس، فإن عندك من الرأي الأصيل ومن الحكمة ما يصونك عن الاعوجاج، وعندك من الفضائل والمروءات والأخلاق ما يزينك إذا خلوتِ عن الألقاب الدنيوية.
وكأنه في هذا التشبيه يشبه الألقاب الدنيوية بزينة المرأة وحلي المرأة الظاهر، يشبه الألقاب الدنيوية بالزينة التي تضعها المرأة على شكلها الظاهر، فهي في النهاية زينة ظاهرة. فيقول إن خلوتِ عن الزينة الظاهرة الشكلية، فإن عندك ما هو أعلى منها؛ عندك الزينة الداخلية المعنوية النفسية، زينة الفضائل والمروءات. فهو بالتالي كأنه يقلل من شأن الألقاب الدنيوية، فهي زينة ظاهرة مثل زينة المرأة التي تضعها على صدرها وفي يديها وفي أذنيها، هي زينة ظاهرة، وهذه الألقاب: سعادة وفضيلة وسماحة، في لحظة واحدة وعند مضي العمر تزول، ولا يبقى للإنسان إلا الفضائل الحقيقية، المروءات والأخلاق والأمور العلمية والمعرفية التي اكتسبها في حياته، هذا هو الذي يبقى وهذا هو الأهم، هذا هو معدن الإنسان ولب الإنسان.
فإذاً الطغرائي كما قلنا يسلي نفسه: لا تحزني أيتها النفس وإن رماكِ الناس، وإن تغيرت عليك الأحوال وأظلمت في وجهك الدنيا، فعندك والحمد لله رأي أصيل يصونك ويحميكِ عن الاعوجاج، وعندك لباس من الفضائل والمروءات هو أفضل من تلك الألقاب الدنيوية التي تعطلت منها الآن. وقال: أنا أصبحت كالمرأة العاطل، يشبه نفسه عندما خلا من الألقاب الدنيوية بالمرأة العاطل التي خلت من الزينة الظاهرة، خلوّي من الزينة الظاهرة وأصبحت كالمرأة العاطل هذا لا يضرني، لماذا؟ لأن عندي حلية الفضائل والمروءات. واضح معنا إخواني؟ إذا البيت ما وضح معنا أحد الإخوة ينبهني حتى أعيده مرة أخرى.
نبدأ الآن في البيت الثاني، ننظر إذا كان الرجل الآن، من خلال البيت الأول، واضحاً؛ أجواء القصيدة رجل حزين متألم، لكنه مع ذلك لم يفقد كل شيء، يسلي هذه النفس ويقوي عزائمها: "أَصَالَةُ الرَّأْيِ صَانَتْنِي عَنِ الْخَطَأِ، وَحِلْيَةُ الْفَضْلِ زَانَتْنِي لَدَى الْعَطَلِ".
مجده أخيراً ما زال يكمل، مجده أخيراً ومجدي أولاً شرعا، والشمس رائد الضحى كالشمس في الأفل. يقول: مجدي أخيراً في هذا الوقت الأخير الذي أنا فيه، ومجدي الأول لما كنت وزيراً وصاحب مقام ومنصب، شرعا؛ إخواني معناها سواء. ما معنى كلمة شرعا؟ أي سواء.
"والشمس رائد الضحى"؛ أنا لا أشرح المفردات ثم أعود للمعنى الإجمالي. رائد الضحى هو أول النهار ومطلع النهار حينما تبسط الشمس ضياءها، هذا هو رائد الضحى. "والشمس رائد الضحى كالشمس في الأفل"؛ الأفل هو آخر النهار عكس رائد الضحى، فالأفل نلاحظ هذا الطباق، الأفل هو آخر النهار عند الغروب، ورائد الضحى أول النهار عند صعود الشمس.
فهو يقول: أمجادي وفضائلي لم تتغير مع مرور الزمان وتغير الأحوال؛ فمجدي الأخير بعد أن عزلت وأصبحت مطروداً لا يُعبأ بي، هو ذاته مجدي حينما كنت في منصب الوزارة وحينما كنت سيداً وصاحب وجاهة في المجتمع، مجدي لم يختلف. ولاحظوا ثقة الرجل بنفسه.
ثم أتى بتشبيه جميل يؤكد الفكرة ويجملها ويزينها أكثر وأكثر، قال: أي كما أن الشمس في وقت طلوعها في بداية النهار، والشمس في وقت أفولها وغروبها في آخر النهار، هي هي في جمالها وزينتها ورونقها. هل جمال الشمس تختلف في مطلع النهار عن مغرب النهار؟ لا تختلف. فكذلك أنا، مجدي حينما كنت في منصب الحكومة والوزارة وحينما كانت لي جاه، هو نفسه مجدي الآن حينما عزلت لم يتغير.
وهذا كما قلنا تسلية للنفس وتقوية لعزيمتها حتى لا تشعر بالإحباط واليأس؛ فهو يشبه أيام وزارته، الأيام المشرقة في حياته، بأنها لحظة طلوع الشمس، ويشبه هذه الأيام الأخيرة، الأيام المحزنة في حياته، بأنها لحظة أفول الشمس ومغيبها، لكن في كلا الحالين المجد واحد، الهمة عالية، والفضائل موجودة، والكرائم بقيت، فهذا يكفيني. وهذا كله من قبيل تعزيته لنفسه ومن قبيل تسليته لها: "مَجْدِي أَخِيراً وَمَجْدِي أَوَّلاً شَرَعَا، وَالشَّمْسُ رَائِدُ الضُّحَى كَالشَّمْسِ فِي الأَفُلِ".
الكلمات عالية يا إخواني حقيقة، الكلمات لطيفة وعالية ومبهجة، وأرجو أن يكونوا يستشعرون معي هذه البهجة في الكلمات والسهولة. "أَصَالَةُ الرَّأْيِ صَانَتْنِي عَنِ الْخَطَأِ، وَحِلْيَةُ الْفَضْلِ زَانَتْنِي لَدَى الْعَطَلِ".
انتقل بعد ذلك، رحمة الله تعالى عليه، ليلوم نفسه على الإقامة في بغداد، فيقول: "فِيمَا الإِقَامَةُ بِالزَّوْرَاءِ لَا سَكَنِي بِهَا، وَلَا نَاقَتِي فِيهَا وَلَا جَمَلِي، نَاءٍ عَنِ الأَهْلِ صِفْرُ الْكَفِّ مُنْفَرِدٌ، كَالسَّيْفِ عُرِّيَ مُتَنَاهٍ مِنَ الْخَلَلِ".
الآن الشاعر يعاتب نفسه ويقول: يا أيتها النفس، يعاتب نفسه ويلومها على البقاء في بغداد، لأنه كما قلنا كتب هذه القصيدة وهو مقيم في بغداد. والزوراء هي اسم من أسماء بغداد، وسميت بغداد بالزوراء لأن قبلتها بالنسبة إلى مكة فيها شيء من الازورار، فيها شيء من الميلان.
"فِيمَا الإِقَامَةُ بِالزَّوْرَاءِ لَا سَكَنِي بِهَا وَلَا نَاقَتِي فِيهَا وَلَا جَمَلِي"؛ كما قلت لكم هناك بعض الإشكالات في الأبيات التي كتبت، فاهتموا بما أقول. الزوراء سميت بذلك لأن هناك ازوراراً، أي ميلاً في قبلتها باتجاه مكة؛ لأنه لو قستم بين بغداد ومكة هناك ميلان، ليس شيئاً مستقيماً، هناك خط مائل معوج.
إذن، الزوراء اسم من أسماء بغداد، هذا الذي يهمنا الآن. "فِيمَا الإِقَامَةُ بِالزَّوْرَاءِ لَا سَكَنِي بِهَا وَلَا نَاقَتِي فِيهَا وَلَا جَمَلِي"؛ يعاتب نفسه ويخاطبها ويقول لها: لماذا تقيمين في بغداد أيتها النفس؟ لماذا ما زلتِ هنا؟ كأنه يتضجر من الإقامة في بغداد، فيستحث نفسه على الخروج منها.
"لَا سَكَنِي بِهَا"؛ لا يوجد لي بها سكن، لا يوجد لي بها أي حظ، لا يوجد لي فيها أي علاقة. وهذا مثل من الأمثال العربية؛ العرب إذا أرادت أن تقول إن هذا الشيء وهذا الموضوع ليس لها به أي علاقة تقول: هذا الموضوع ليس لي فيه ناقة ولا جمل. هذا مثل عربي ضمنه الطغرائي رحمه الله في هذا البيت، فيقول: يا أيتها النفس لماذا ما زلت تقيمين في بغداد مع أنه ليس لك بها سكن وليس لك فيها أهل وليس لك فيها ناقة ولا جمل، أي ليس لك بها أي علاقة باختصار.
إذن واضح في هذا البيت أن الرجل متضجر من إقامته في بغداد ويريد الخروج منها، لكن في البيت الذي يليه سيذكر أسباب تضجره بالتفصيل ولماذا يريد الخروج من بغداد. فيقول: "نَاءٍ عَنِ الأَهْلِ"، هذا السبب الأول؛ أنا بعيد عن أهلي، والظاهر أنهم كانوا في إيران ولم يأتِ بهم إلى بغداد. ثانياً: "صِفْرُ الْكَفِّ"، يعني لا أملك قرشاً، أي معدم تماماً لا أملك مالاً. ثالثاً: "مُنْفَرِدٌ"، أي وحيد، فهو واضح أنه كان يشعر بالوحدة في بغداد، منفرد لا يجد أنيساً ولا صديقاً كما سيأتي في البيت الذي يليه.
ناء عن الأهل، هذا السبب الأول الذي ضجره من الإقامة في بغداد، وأنه معدم "صفر الكف"، وثالثاً "منفرد" أي منعزل لا يوجد صديق، يشعر بالوحدة والغربة في هذه البلدة. ثم أتى بالتشبيه، لاحظوا هذا من التشبيهات التي تزين الأفكار، قال: «كَالسَّيْفِ عُرِّيَ مُتَنَاهٍ مِنَ الْخَلَلِ».
قال: أنا كالسيف "عُرِّيَ"، أي جُرِّد، "مُتَنَاهٍ" أي جانباً، والسيف له جانب من هنا وجانب من هنا. "الخلل" هي نقوش ذهبية وفضية يزين بها غمد السيف، هذه تسمى الخلل وهي جمع خلة، وهي نقوش ذهبية أو فضية تطرز بها أغماس السيوف، فهو يقول: حالي في بغداد كالسيف المجرد عن الخلل.
لكنه كان يعبر عن الغمد من خلال الخلل؛ لأن الخلل لا تكون إلا على الغمد. فهو يقول: «أنا في بغداد كالسيف من دون غمده»، هذا حاله كالسيف من دون غمده. ماذا يقصد بهذا التشبيه برأيكم؟
يقول إخواني إن الناس والعوام يحتقرون السيف الذي لا غمد له، وينبذونه، مع أن الغمد ليس هو المقصود من السيف أصالة، وإنما المقصود من السيف أن تضرب به الأعناق بحدته وبطشه، لكن هكذا هي النظرة القاصرة للمجتمع. إذا رأوا سيفًا، حتى ولو كان ماضيًا شديد الضرب، لو رأوا سيفًا من دون غمده لا يعبؤون به ويحتقرونه.
وكأنه يتكلم عن نفسه: أنني كالسيف ماضٍ، صاحب عزيمة، صاحب عقل، صاحب حكمة، صاحب فهم، هذا هو سيفه. لذلك شبه نفسه بالسيف أنه ماضٍ، مخاطر، مغامر، عقل مفيد، لكن للأسف الناس لا تلتفت إليّ لأنني جردت من غمدي. والغمد الذي يقصده هو المال؛ لأن الناس للأسف عقولها قاصرة، إذا رأوا الرجل فقيرًا معدمًا حتى ولو كان أذكى الأذكياء وأعلم العلماء، أصحاب العقول القاصرة والطغام من الناس لا يعبؤون به، يقولون فضل الرجل في ماله.
لكن أصحاب الفضل وأصحاب العقل والفهم هم الذين يعرفون أن حقيقة الفضل في معدن الإنسان وجوهره، حتى ولو كان فقيرًا معدمًا لا يملك شيئًا. فهو يقول: أصبحت في بغداد نائمًا عن الأهل، صفر الكف، وقال أنا فقير معدم منفرد، وانفراده وترك الناس له وهجر الناس له إنما كان بسبب خلوه من المال، وهذا سيتضح لكم أكثر وأكثر.
ربما البعض يقول: يا شيخ، أنا شايف المنصب أكثر. أقول المنصب محتمل، أو قد يكون من ضمن المعنى الجملي، أيضًا لا إشكال في ذلك، لكن المال أكثر وأكثر في حسبة الطغرائي، والشاهد سيأتيكم بعد قليل. المهم، إذا كان الطغرائي يصف لماذا هو متضجر من الإقامة في بغداد؟ لأنه قال: أنا نائم عن أهلي، هذا أولاً، وفقير معدم صفر الكف، منفرد وحيد، حالي كحال السيف الذي فيه الفوائد العظيمة لكن الناس لا تعبأ إذا جرد وعري متناه من الخلل، إذا كان مجردًا عن غمده، وأنا الآن للأسف مجرد عن غمدي لا أملك الغمد وهو المال.
دعونا نكمل معه؛ قال ما زال يشكو حاله في بغداد، قال: «فلا صديق إليه مشتكى حزني، ولا أنيس إليه منتهى جدلي». لا يجد صديقًا في بغداد يشكو إليه أحزانه، وهذا واضح، ولا يجد أنيسًا إليه ينهي أفراحه؛ لأن الجدل هو الفرح. أي لا يجد صديقًا يشكو إليه همومه وأحزانه، ولا يجد أنيسًا يبث إليه أفراحه وسعادته في هذه الإقامة، فلا هناك إنسان يشكو إليه الحزن، ولا هناك إنسان يشكو إليه الفرح، وهذه حالة شديدة من البؤس والتفرد والعزلة التي كان يمر بها رحمه الله في بغداد.
ثم يرسم لنا طول غربته عن وطنه بمشهد بديع. انظروا كيف رسم لنا طول اغترابه؟ فيقول: «طال اغترابي حتى حن راحلتي ورحلها، وقرّ العسالة الذبل». إن نفكك المفردات: طال اغترابي أي طالت غربتي حتى حنا، أي اشتاقا، راحلتي؛ والراحلة هنا بمعنى الجمل، والجمل مذكر، لذلك قال حتى حنا، ذكر الفعل ولم يؤنث، مع أن المتبادر إلى الأذهان أن يؤنث الفعل فيقول حتى حنت راحلتي، لكنه لم يؤنث بل ذكر الفعل لأن الراحلة هنا تفسر بالجمل والجمل مذكر.
يقول: «حتى حن راحلتي ورحلها»، والرحل هو المتاع الذي يوضع على الراحلة، فهمنا معنى الراحلة أي الجمل، والرحل المتاع الذي يوضع على الجمل. وقال: «وقرّ»، القرى هو الظهر. وقال: «العسالة الذبل»، العسالة هي جمع عسال، والعسالة اسم من أسماء الرماح، وتسمى الرماح عسالة لأنها بطبيعتها تهتز، لأن العسال هو الشيء الذي يهتز في يد حامله، والرماح بطبيعتها إذا أراد الإنسان أن يرمي بها لابد وأن يهزها في يده قبل ذلك ثم بعد ذلك يرميها، فلذلك من أسماء الرماح أنها عسالة ومفردها عسال.
وقال: «ظهور الرماح الذبل»، الذبل جمع ذابل، ومعناها الرشيق اللينة، وهذا من الصفات التي تُمتدح في الرماح أن تكون رشيقة لينة، حتى يستطيع الإنسان أن يرمي بها بسهولة، لأنها إذا كانت صعبة أو ثقيلة يصعب على الإنسان أن يرمي بها، فهذه من الصفات المرغوبة في الرماح أن تكون من الذبل، أي لينة سهلة الحمل سهلة الرمي.
يقول، فكيف رسم المشهد؟ يقول: طال اغترابي عن وطني وبعدي عن أهلي حتى حنا، يعني لست أنا الذي فقط حننت إلى الوطن، بل راحلتي جملي، والرحل الذي على جملي، وأعالي وظهور الرماح التي أحملها معي على عاتقي أينما ذهبت، كلها حنت إلى الوطن. فهو يرسم لك أن كل شيء حوله حن إلى الرجوع إلى أرض الوطن، ليس هو فقط الذي عنده حنين؛ جمل عنده حنين، المتاع الذي على جمله عنده حنين، أعالي الرماح وظهور الرماح الذبل التي يحملها على عاتقه وهو يتنقل ويسافر من بلدة إلى أخرى أيضًا عندها حنين. فهذا بلاغ عالي في تصوير شدة الحنين والشوق التي يشعر بها تجاه وطنه وأهله الذين تركهم من فترة بعيدة متطاولة الاغتراب.
بعد أن قال: «طال اغترابي حتى حن راحلتي ورحلها، وقرّ العسالة الذبل»، قال: «وضج من لغب نضوي، وعجّ جرِيٍّ ألقى ركابي». ما زال يرسم الصورة، صورة أن كل شيء حوله يريد أن يستريح من هذا العناء الطويل؛ فإن الطغرائي غادر وترك أهله منذ سنوات متطاولة ولم يعد إليها، وأتعب نفسه بالترحال من مدينة إلى مدينة حتى استقر بها الحال في بغداد، فيقول: «وضج»، ضج يعني صاح وصرخ، «من لغب» أي من تعب، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [الكهف: 15]، اللغوب هو التعب.
قال: ضج من لغب نضوي، والنضو إخواني هو البعير الهزيل الذي أصابه الضعف بسبب كثرة الترحال، كما نقول في لغتنا العامية، ضج من لغب نضوي أي بعيري الهزيل الذي تعب وأصبح نضوًا بسبب كثرة الترحال، وكأن البعير الهزيل الذي أركبه صاح بي وقال: يا فلان ترى نحن استوينا. وقال: «وعجّ»، عجّ أيضًا مثل معنى ضج، بمعنى صاح وصرخ، «ما ألقى ركابي»، الركاب هي الإبل التي تكون معك في القافلة التي تسافر فيها، فإذا...
هناك جمل يضع عليه راحلته، وهناك رحلة. هناك جمل يضع عليه رحله وذكره في البيت السابق، وهناك بعير يركبه، وهناك جمال معه أيضًا في القافلة. لاحظوا المشهد المتكامل الذي يرسمه لنا؛ البعير أو الجمل الذي يضع عليه رحله وذكره في البيت السابق، والنضو وهو البعير الهزيل الذي يركبه، والركاب وهي الجمال التي معه في القافلة والتي تذهب حيثما حل وارتحل.
يقول: «وعجت وصاحت لما ألقى ركابي»؛ أي جمالي التي تكون معي في سفري وترحالي كلها صاحت. ولج الركب، والركب هم رفقاء السفر بالتحديد؛ إذا كان معك أصدقاء في الحضر هؤلاء لا يسمون ركبة، الركب هم رفقاء السفر بالتحديد. فقال «ولج»، أي أقام وداوم، بمعنى أقام وداوم الركب، أي أصحابي في السفر، على عذري ولومي بسبب كثرة مغامراتي ودخولي في الشدائد وخوضي فيها من مدينة إلى أخرى.
فلاحظوا كيف يرسم المشهد باحترافية. المشهد في البيت السابق مشهد حنين الراحلة والرحل وأعالي الرماح إلى الوطن، والمشهد في هذا البيت مشهد الصراخ والضجيج الذي ينبعث من نضوه، والذي ينبعث من الركاب والجمال التي معه في سفره، والذي ينبعث أيضًا من الركب رفقاء السفر الذين يرتحلون معه من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية.
فالنضو والركاب تصرخ وتصيح، والركب يلومونه على كثرة هذا الترحال ويطلبون منه المقام والعودة إلى أرض الوطن وخلص فتنة من هذه المغامرات التي أتعبتنا فيها، وكل مرة ندخل في مغامرة أخطر من الأخرى. كلام أصحابه وصاحت به ناقته وصاح به الجمال الذي معه وحنت راحلته ورحله. انظروا هذا المشهد الكثيف المتحرك الذي يرسمه لكم ضمن هذين البيتين.
لكن هنا الآن في البيت الذي يليه سيبدأ يعتذر ويبين السبب لكثرة الترحال وطول الاغتراب. الآن هو يريد أن يعتذر لأصحابه وللركب الذين يلومونه، ويخبرهم أن هناك سببًا، هناك شيء يدفعه لكثرة الترحال، فهو لا يكثر من الترحال لهوًا وعبثًا كلا؛ أصحاب النفوس الشريفة لهم مقاصد في تصرفاتهم وفي أعمالهم ولا يفعلون الأشياء لمجرد العبث واللهو.
فبدأ في البيت الذي يليه يذكر لماذا هو يكثر الترحال والسفر، فماذا قال؟ قال: «أريد بسطة كف أستعين بها على قضاء حقوق للعلا قبلي». الآن هو علل لماذا أكثر الترحال؟ يقول يا جماعة الخير أنا سفري وترحالي ليس لهوًا وعبثًا، وإنما أبحث عن بسطة الكف، وبسطة الكف ماذا يكني بها؟ عن السعة في المال، والسعة في الرزق. أريد بسطة كف، لذلك كما قلت لكم الغمد هو المال؛ لأنه هنا هو شخص يبحث عن المال.
لكن هل يبحث عن المال من أجل التكاثر به؟ هل يبحث عن المال من أجل المال، أم يبحث عن المال من أجل مقصد شريف؟ الطغاة رأي صاحب نفس شريفة ليس صاحب لهو وعبث. يقول: «أريد بسطة كف» أي أريد سعة في المال أستعين بها على قضاء حقوق للعلا، الفضائل قبلي. يقول أنا أبحث عن بسطة في المال وسعة في المال حتى أقضي بهذا المال حقوقًا تطالبني بها الفضائل والمروءات والأمجاد.
فهو يشبه الفضائل والمروءات والأمجاد بإنسان، هذا الإنسان يطالب أبا إسماعيل الطغرائي بالمال حتى يأتيه ويحل عنده. يشبه الفضائل والمكارم والمروءات بإنسان تطالب أبا إسماعيل الطغرائي بحقوق حتى تحل عنده وتأتيه. فهو يخبر الناس حوله ويخبر أصحابه الذين يلومونه أنه مضطر لهذا السفر حتى يحصل بسطة المال لأداء حقوق الفضائل.
فهو ماذا يريد أن يقول؟ يريد أن يقول إن الفضائل والمكارم والمروءات لا يمكن أن تأتيني ولا يمكنني أن أظفر بها من دون وجود بسطة وسعة في المال. هذه نظرة أبي إسماعيل الطغرائي للأمجاد؛ صناعة الأمجاد وصناعة المروءات لا بد فيها من بسطة في المال. هل توافقون الطغرائي على هذه النظرة؟ هذا سؤال إليكم، هذه نظرته.
يقول: صناعة الأمجاد، اكتساب العلا، اكتساب الفضائل يحتاج إلى بسطة في المال، يحتاج أن يكون عندك مال. وهذه النظرة أيضًا خلدها المتنبي في قصيدته، يقول: «فلا مجد في الدنيا لمن لا مال عنده»، أو شيء من ذلك؛ المهم في شطره الأول: «فلا مجد في الدنيا لمن لا مال عنده». فالمتنبي أيضًا قال ما قاله الطغرائي؛ يقول إن المجد لا يحصل لمن كان معدمًا لا يملك مالًا.
باختصار، حتى الإجابة أقول باختصار: الطغرائي شخص يبحث عن الأمجاد، يبحث عن المروءات، يبحث عن الصفات العلى، لكنه مقتنع تمامًا أن اكتسابه للمروءات وللفضائل لا يمكن من دون أن يكون لديه مال، فهو صفر الكف ويحاول أن يرتحل حتى يكون عنده بسطة من المال، من جديد يعيد بها الأمجاد وصناعة الفضائل.
فعلاً وجود سعة من المال تعينك، أنا أقول تعينك على شراء ود الناس وعلى شراء احترامهم؛ بسبب أن كثيرًا من الناس وكثيرًا من العوام نظرتهم قاصرة. نحن نتفق أظن جميعًا أن معدن الإنسان وحقيقة الإنسان وجوهر الإنسان في أخلاقه وفي فضائله وفي علمه والمال ليس مقياسًا، لكن مشكلة أكثر الناس من الطغام والعوام يقيسون الإنسان لماله. فيقول أنا مضطر أن أجلب المال لأن النظرة القاصرة للناس تدفعني أن أبحث عن مال يكف وجهي عنهم واشتري به ودهم.
ولذلك النبي ﷺ كان يشتري ود المؤلفة قلوبهم من خلال المال، كما حدث ذلك في فتح مكة والطلقاء، كان يعطي النبي ﷺ الرجل من الطلقاء المئة من الإبل تأليفًا لقلوبهم على الإسلام. وجود شيء من المال يعين الإنسان في الحقيقة على جلب ود الناس، لكنني أنا ضد أن يعتبر هو السبب الرئيس للوصول إلى الفضائل والأمجاد. أنا ضد اعتبار المال هو السبب الرئيس في اكتساب الأمجاد والفضائل، لكنه سبب معين، نعم هو سبب معين.
لكن الطغرائي كما قلنا هكذا نظرته؛ يقول أنا أريد أن أؤدي حقوقًا للعلا، لأن العلا تطالبني. ما هي الحقوق؟ حقوق مالية. يعني العلا، الفضائل، الأخلاق تقول للطغرائي: أيها الطغرائي تريد منا أن نأتيك وأن نحل عندك، يجب أن يكون عندك مال. فذهب الطغرائي في رحلة وفي سفر تطاول من أجل أن يبحث عن المال حتى يؤدي هذه الحقوق للعلا وللفضائل والأمجاد، لتأتي هذه الفضائل والأمجاد وتحل فيه. هذه هي الفكرة التي يدندن حولها الطغرائي واعتذر من خلالها لأصحابه، لركابه، ولراحلته، ولنضوه؛ قال: «أريد بسطة كف أستعين بها على قضاء حقوق للعلا قبلي». لكن ماذا حدث؟
هل وجد الطغرائي بسطة المال التي كان يبحث عنها؟ قال: «والدهر يعكس آمالي ويقنعني من الغنيمة بعد الكد بالقفل». ولكن للأسف الدهر يأتي معاكسًا لآمالي وطموحاتي ورغباتي، أنا أبحث عن بسطة المال لكن الدهر لا يسعفني ولا يساعدني، وليس كذلك فقط، بل يقنعني الدهر أن أعود وأن أرضى من الغنيمة بالإياب، يعني أن أرضى من الغنيمة أن أعود سالمًا إلى وطني وأهلي لا لي ولا علي.
العرب تقول للإنسان الذي عاد خائبًا من دون أن يظفر بشيء: فلان رضي من الغنيمة إيابي، يعني اكتفى من الغنيمة أن يعود سالمًا. لاحظ؛ المال لكنه لم يخسر نفسه في نفس الوقت، فبقول الدهر يقنعني: «يا أبا إسماعيل أنا أنصحك أن ترجع إلى وطنك سالمًا هذا خير لك فلن تحصل مرادك»، كأن الدهر يحاول أن يقنع أبا إسماعيل بأن يعود إلى وطنه وأن يرضى من الغنيمة، يعني يكفيه غنيمة أن تعود سالمًا إلى أهلك صفر اليدين.
فبالتالي لاحظوا كيف الأمل والألم متداولان في هذه القصيدة؛ أمل الحصول على بسطة في الرزق، لكن ألم صخرة الواقع أن الأيام لا تأتي كما يريد أبو إسماعيل الطغرائي، رحمة الله تعالى عليه.
دعونا نكمل: «والدهر يعكس آمالي ويقنعني من الغنيمة بعد الكد بالقفل». القفل هو الرجوع، فيقول الدهر يعكس آمالي أن يأتي معكسًا لطموحاتي وأحلامي، ويقنعني من الغنيمة بعد الكد، والكد بعد تعبي وسفري، يقنعني بعد كل هذا الكد بالقفل أي بالرجوع. القفل هو الرجوع، لا لك ولا عليك.
انتهى المشهد أو المقطع الأول من القصيدة، هذا المقطع أولًا يعزي فيه الطغرائي نفسه بعد أن خلا عن كل المناصب الدنيوية في البيتين الأولين، ثم يخبر عن الحالة التي وصل إليها في بغداد وأنه متضجر، وكيف أن كل شيء حوله يتعلق به يتضجر أيضًا من هذه الإقامة، ويطالب الطغرائي بالعودة إلى أرض الوطن.
لكن الطغرائي برر لنا وفسر لنا لماذا هو مضطر أن يخوض هذه الغمار وهذه الرحلات؛ يريد أن يظفر بالمال حتى يحصل المجد، ولاحظ النفس الشريفة التي تبحث عن تحصيل الأمجاد، ويريد أن يخاطر المخاطرات ويهجر الأهل والأوطان سنوات، تلك السنوات حتى يحصل هذه الأمجاد وهذه الفضائل والمروءات، لكن في النهاية يقول إن الدهر جاء بالعكس من آماله وطموحاته ويقنعه بالعودة.
نذهب الآن إلى مقطع جديد في القصيدة، الطغرائي رحمة الله عليه يصور لنا فيه قصة وحكاية وقعت بينه وبين صاحب له في السفر، حكاية يقصها علينا الطغرائي. هل هذه قصة حقيقية أم قصة ترميزية يريد أن يرمز بها الطغرائي إلى شيء معين؟ هذا جهد ذهني علينا أن نبذله أنا وأنتم حتى نصل للحقيقة.
المهم يقص علينا الآن في هذا المقطع الجديد قصة وقعت بينه وبين أحد أصدقائه الرفقاء له في السفر، كيف أن الطغرائي حاول أن يقنعه بمغامرة خطيرة. هذه المغامرة الخطيرة هي مغامرة الوصول والوصال مع فتيات حسناوات جميلات مقيمات في قرية فرسانها شجعان. هذه هي القصة باختصار.
صاحبه كان مترددًا، كأنه يقول: أنت معقول تريد أن تذهب لهذه القرية وعليها هؤلاء الفرسان الذين يحمونها؟ لكن شخصية الطغرائي المغامرة التي تخوض الأهوال من أجل الظفر بالمقصود لا تخشى من ذلك، يريد وصال فتيات جميلات حسناوات، رسم صورتهن في الأبيات القادمة، يريد أن يصل إليهن، لكن الوصول إليهن محفوف بالمخاطر لأن هذه القرية محاطة بفرسان شجعان أشداء. فكأنه يحاول أن يقنع صاحبه ويقول له: لا تخشَ من هذه المغامرة، فنحن رجال لا نخشى الهول إذا أردنا الظفر بالمقصود. هل هذه قصة حقيقية أم قصة أراد أن يلمز بها إلى شيء؟ هذا دعونا نصل إليه في النهاية إن شاء الله.
فقال في البيت العاشر: «ورب رجل شطاط معتقل ... كصدر الرمح معتقل بمثله» غير هياب ولا وكيل.
يقول: رب رجل ورفيق شطاط، والشطاط هو معتدل القامة، ليس نحوي الجسم، بل هو معتدل منتصب القامة. «ورب رجل شطاط» أي رب رجل، هذه واو ربه، رب رجل شطاط معتدل القامة، ثم شبهه في اعتدال قامته كصدر الرمح، وكصدر الرمح في اعتدال قامته واقف منتصب، وهذه صفة مدح.
«ورب رجل شطاط كصدر الرمح معتقل»، معتقل طبعًا الذي يظهر لي أنها اسم فاعل، وهذا ورد في شرح الصفدي أنها اسم فاعل، فبالتالي أنا أرى بعض النسخ تقول «مُعتقَل» بالفتح وهذا اسم مفعول، لكن «مُعتَقِل» بكسر العين هو اسم الفاعل وهذا الذي يظهر لي والله تعالى أعلم، إلا إن عُني على تأويل أن المعتقل وصف للرمح، لكن الأظهر لي وكما قال الصفدي أنه فاعل ووصف لهذا الرجل الشطاط.
قال: ورب رجل شطاط معتدل القامة كصدر الرمح في اعتدال قامته، معتقل بمثله، المراد بمثله يعني ماسك بشيء يشبهه، والشيء الذي يشبهه هو الذي ذكره لك قبل قليل، الرمح، وهذا من الأساليب الجميلة في البيان. كيف أقول لك مثلا حتى أقرب لك الصورة؟ مثلًا عندك صاحب شجاع فتقول لي: صاحب شجاع كالأسد، وصاحبك الشجاع هذا فعلاً معه حيوان الأسد دائمًا يذهب به ويأتيه، فتقول: صاحب شجاع كالأسد يأتي بمثله. أنت قصدك بمثله هنا ليس برجل مثله، بل يأتي بمثله في الأسدية، لكن هذا المثل هو مثل حقيقي، أسد حقيقي حيوان حقيقي، فهذا من الأساليب العربية في البيان والاختصار؛ صاحب شجاع كالأسد دائمًا معه مثله أي دائمًا معه أسد مثله، يذهب به ويأتيه، وهذا ما أراده.
أي رب رجل شطاط معتدل القامة يشبه الرمح وكأنه ممسك بشيء يشبهه، ويقصد بالشيء الذي يشبهه الرمح. فباختصار كنت أسير مع رجل شطاط معتدل القامة ممسك برمح، وهذا الرجل ما صفاته؟ «غير هياب»، صديقي هذا لا يهاب، هو أسد في المعارك، «ولا وكيل»، وليس متكاسلًا أيضًا أو خمولًا متكلًا على غيره، بل هو الذي يبادر ويقوم بالأمور بنفسه. فوصف صديقه بأنه شطاط معتدل القامة ممسك برمح دائمًا في يده جاهز، لا يهاب ولا يتكل على غيره، وهذه صفات جميلة.
طبعًا وصفه لصديقه بأنه غير هياب ولا وكيل هي في الحقيقة دلالة عميقة يريد أن يوصلها الطغرائي، ما هي؟ هذا السؤال إليكم: لما يصف صديقه بأنه غير هياب ولا وكيل، هو إلى ماذا يرمز من بعيد؟ ماذا يريد أن يقول؟ الطغرائي يا إخواني يريد أن يخبرنا من هم الأصدقاء الذين يختارهم في هذه الحياة، فهو لا يرضى أن يسير في هذه الحياة ويرافق الجبناء ضعاف الشخصية، إنه لا يرافق إلا الشجعان أصحاب المروءات والفضائل، فهو يخبرنا أكثر وأكثر عن نفسه، يقول أنا شخص...
بدكم إياي أخوض هذه المغامرة مع شخص تعبان كسول جبان، لا يمكن أنا لا أرافق في حياتي إلا الشجعان الفرسان، هذه شخصيته لا يرافق إلا هذا الصنف من الناس. طبعا وهذا يعكس ما تذكرونه أنتم من شجاعته هو ومن جرأته هو لأن الطيور على أشكالها تقع كما يقولون.
طيب نكمل، إذن ماذا حدث مع صديقي؟ قال: وذي شطات كصدر الرمح معتقل -أو معتقلين على ما أرجحه- بمثله غير هياب ولا وكل. أيضا من صفات صديقه: حلو الفكاهة مر جد قد مزجت بشدة البأس منه رقة الغزل. يقول هذا صديقي أيضا من ميزاته أنه حلو الفكاهة، ممتع لما تجلس معه لكن أنه وقت الجد شديد. مر الجد أي شديد إذا جاء وقت الجد، وهذه صفة ممدحة أيضا، أن وقت الجد ما في لعب عنده، وقت الفكاهة فكاهة ووقت الجد عنده جد.
إذا قال: حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت، أي قد خلطت بشدة البأس منه رقة الغزل. يعني امتزج شدة بأسه برقته في الغزل والتحبب والكلام في صفات النساء وما شابه ذلك، فهذا هو أصل الغزل. المهم أن صاحبه معتدل مقتصد ليس هو بالعبوز دائما والشديد دائما وليس هو بالمايع دائما، بل حالة الوسط هي الحالة المطلوبة في المسلم.
وهذا من فضائل الأخلاق التي تخبرنا بها هذه القصيدة أن الإنسان يجب أن يكون معتدلا في صفاته. عنده شيء من الدعابة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يداعب أصحابه ويمازحهم، لكن إذا جاء وقت الجد فهناك جد ولا لهو فيه. إذن حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت بشدة البأس منه رقة الغزل. طبعا إخواننا البعض يقول متى يعني قد يتساءل إلى أين نقف في هذا اليوم؟ نقف إلى البيت العشرين إن شاء الله، نقف إلى البيت العشرين بإذن الله ولا نتجاوزه.
الآن وصلنا إلى البيت إطنعش، ماذا حدث مع صديقه؟ يقول: انظروا هذا البيت الرائع حقيقة في التشبيه، رائع جدا في تشبيهاته وفي استعاراته. يقول: طردت عن ورد مقلته والليل أغرى سوام النوم بالمقلي. يقول: طردت سرح الكرى عن ورد مقلتي والليل أغرى سوام النوم بالمقلي. إخواني هو ماذا يريد أن يقول في هذه القصيدة؟ يقول: الآن في هذا البيت سأحليل البيت من حيث المفردات ثم نعود للتشبيهات التي أتى بها.
قال: طردت سرحا. السرح هي الدواب والبهائم السائمة. الدواب والبهائم السائمة التي ترعى تسمى سرحا. الكرى هو النوم، فقوله سرح الكرى هذا تشبيه لكنه لم يصرح فيه بالتشبيه وإنما استخدم التشبيه من خلال أسلوب الإضافة المضاف والمضاف إليه؛ من مقاصد أسلوب الإضافة عند العرب في بلاغتهم التشبيه. فهنا بدل من أن يصرح بالتشبيه استخدم أسلوب الإضافة، فكأنه يقول طردت الكرى النوم الذي يشبه الدواب والبهائم السارحة طردت سرح الكرى عن ورد مقلته.
الورد هو الماء الذي ترده البهائم السارحة لتشرب منه، وقوله والمقلة هي العين، المقلة هي العين. وهذا تشبيه آخر من خلال استخدام أسلوب الإضافة ورد مقلته، عينه كأنها ورد الماء التي تأتي البهائم لتشرب منها. هو إذن في هذا الشطر يشبه عندنا صورة فنية: صورة بهائم سارحة تحاول الوصول إلى الورد إلى الماء لتشرب منه. وقصد بهذه الصورة أن النوم والكرى الذي هو البهائم يحاول أن يصل إلى مقلة إلى عين صاحبي لينام، فالصورة هذه تقابل الصورة هذه.
طيب والطغرائي يقوم بطرد هذه البهائم عن هذا الورد. ما وظيفة الطغرائي في البيت؟ وظيفته أن يطرد هذه البهائم وأن يمنعها من الوصول إلى الورد. يعني هو يطرد النوم عن عين صاحبه ويمنعه من الوصول إلى مقلته. لكن هناك من يدافع الطغرائي، من هو؟ راعي البهائم. راعي البهائم يريد لبهائمه أن تصل إلى وردها. فمن هو الراعي في البيت؟ قال: والليل. الليل هو الراعي.
قال والليل أغرى سوام النوم بالمقلي، والليل وهو الراعي في مشهدنا يغري السوام. السوام هي نفسها السرح، السوام إخواني هي نفسها السرح هي نفسها البهائم. يعني والليل يغري هذه البهائم. ولاحظوا التشبيه بنفس الطريقة باستخدام الإضافة، سوام النوم بالإضافة، يعني النوم الذي يشبه السوام. فالليل يغري هذه السوام -يعني النوم- للوصول إلى المقل، للوصول إلى الورد.
فهناك حركة كبيرة جدا في هذا البيت يرسمها الطغرائي بصورة إبداعية في الحقيقة، يرسم صورة راعي وصورته هو. الراعي وهو الليل يدفع البهائم للوصول إلى الورد إلى عين صاحبه لينام، والطغرائي يدافع ويحاول أن يدفع هذه البهائم يمنعها من الوصول إلى عين صاحبه حتى لا ينام. الطغرائي الآن في ظلمة الليل، في ليلة مقمرة نجومها طالعة، يسير في قافلة ومعه صاحبه هذا، ويريد أن يتكلم ويتحدث حتى يقطع الليل بالحديث فلا لصاحبه أن ينام فيحاول أن يطرد النوم، لكن رسم لنا هذا المشهد الجميل تمام.
ثم قال في البيت الذي يليه والركب، الآن وصف لنا الآن وصف لنا حال صديقه كيف أن النوم يحاول أن يغلبه وهو يطرد النوم عن عينيه، ثم يصف لنا حال الرفاق في هذه الرحلة. قال: والركب ميل على الأكوار من طرب، أفمن طرب صاح وآخر من خمر الكرى ثمل. يقول: وباقي الركب الذين معنا في هذه القافلة الكل ميل، أي مائل على الأكوار. والأكوار جمع كور، والكور خشبة على ظهر الراحلة ويوضع عليها الأمْتِعَة. هي كالسرج للخيل، تشبه السرج للخيل لكن هذه للناقة تكون، تسمى كورا خشبة توضع على ظهر البعير وعلى ظهر الجمل وتعلق عليها الأمْتِعَة.
فيقول: وباقي الركب الذين معنا مائلون على الأكوار، مائلون على الأكوار وينقسمون ما بين شخص طرب صاح، يعني رجل صاحي طربان في هذا الليل لربما لصوت حاد أو يسمع أو شيئا يطربه، وما بين آخر أيضا مائل على الأكوار لكنه من نشوة النوم في عينيه كالثمل كالسكران يذهب يمينا وشمالا. لأن الإنسان إخواني إذا كان ينام وهو في سيارة أو في دابة غير مستقرة كيف يكون نومه؟ الكل يعلم ذلك فينا، يذهب في أثناء النوم يمينا وشمالا. فشبه الطغرائي هذه الحالة عادة الشخص السكران. كيف السكران وكون ماشي يمين وشمال؟ كذلك الشخص الذي ينام على دابة أو على راحلة تتحرك يميل يمينا وشمالا كما يميل السكران.
فيقول الطغرائي والركب الذين معنا في هذه القافلة الكل مائل على هذه الأكوار، ما بين شخص مستيقظ طربان وما بين شخص من خمر الكرى، الكرى النوم مر معناه قبل قليل، شبه النوم كالخمر لأنها إذا نزلت على هؤلاء قالوا هم كالسكارى يميلون يمينا وشمالا على ظهور هذه الرواحل. فقال: والركب ميل على الأكوار من طرب، عفوا هي طرب، طرب صفة مشبهة، أي ما بين من هنا معناها بينة، أي من بين رجل طرب صاح أيقظ، وآخر من خمر الكرى ثمل، كخمر الكرى شبه الكرى بأنه خمر باستخدام الإضافة أيضا، فيكون من نشوة النوم كحال الثمل. الثمل السكران، هذا معنى الثمل، السكران يميل يمينا وشمالا.
فإذن رفقاؤهم ما بين شخص نائم يميل يمينا وشمالا، ما بين قارب صاحي أطربه حاد أو ما شابه ذلك. المهم وهذه كلها من الفنيات في رسم المشهد، هو يريد أن ينقلك معه إلى المشهد إلى عمق الصورة لتحيا معه أجواء القصة. هكذا هي فنيات العرب إخواني في القصائد، ولذلك كانت هذه القصيدة عالية جدا لأنها اقتربت من أسلوب العربي القديم في رسم المشهد بالتفاصيل وبالدقة ليأخذ القارئ والسامع لها إلى أجوائها.
أنت الآن تحيا في الأجواء، تتخيل الطغرائي ويمشي معه صاحبه الشطاط صاحب الفكاهة وصاحب الشدة وصاحبه النوم يحاول أن يأتي إلى عينيه، والطغرائي يحاول أن يبعد هذا النوم عن عيني صاحبه وباقي الركب ما بين شخص مستيقظ طرب وما بين شخص نائم يميل، هذا المشهد الذي رسمه ابتداء نكمل معه.
فقلت، الآن بدأ يخاطب صاحبه: فقلت أدعوك للجلة لتنصرني وأنت تخذلني في الحادث الجللي. يخاطب صاحبه ويقول له: يا صاحبي يا صاحب البأس والشدة أدعوك للجلة للأمر العظيم. الجلة هي الأمر العظيم الخطير. أدعوك للجلة لتنصرني وأراك تخذلني في الحادث الجللي في وقت الحاجة إليك؟ طبعا خذلان له هو أنه يحاول أن ينام يحاول أن يطرد النوم. فيقول: أنت بدك تخذلني في هاي الساعة، أنا بدي أسولف معك نتكلم مع بعض، وأنت الآن تخذلني وتخلد إلى النوم. هناك خطير أريد أن أكلمك فيه.
يكمل قال: تنام عني وعين النجم ساهرة، وتستحيل وصبغ الليل لم يحلي. فقلت أدعوك للجلة لتنصرني وأنت تخذلني في الحادث الجلل، ثم البيت الذي يليه -سامحوني أن أنسى أحيانا أقلب- تنام عيني، تنام عني وعين النجم ساهرة. بتنام عني وتتركني وحيدا وعين النجم ساهرة. المراد والله أعلم بعين النجم أي يقصد عينه هو، عينه التي ترقب النجم لأن الإنسان المسافر خاصة إذا كان وحيدا عينه تراقب النجوم في السماء.
فيقول لصاحبه: تنام عني وتدع عيني تراقب النجوم في السماء ساهرة وحدها، ما بنفع تنام عني وعين النجم ساهرة. وتستحيل، تستحيل أي يتغير حالك علي، وتغير حالي إنما هو بالنوم أيضا. وتستحيل وصبغ الليل، صبغ الليل المراد به سواد الليل، شبه سواد الليل كأنه صبغة سوداء داكنة، وصبغ الليل لم يحلي أي لم تتغير بعد. فيقول له: وتستحيل وتتغير علي والصبغة السوداء في هذا الليل اللي هي ظلمة الليل ما زالت بعد في أوجها وما زالت ظلمة الليل قائمة ولم تتحول بعد، لماذا تخذلني يا صاحبي؟ هذا هو المشهد.
إذن تنام عني وتتركني وتجعلني وحيدا أراقب النجوم في السماء ساهرا، وتتحول علي إلى النوم مع أن ظلمة الليل وعمق الليل لم يتحول بعد وما زالت الظلمة شديدة. طبعا هذه كلها إخواني أنا أدعوكم أن تتأملوا إلى ماذا يرمز بها، ما هي الأمور التي يريد أن يعطينا بها إشارات وهذا يفعل فعل امرئ القيس في معلقته، لأن أكثر الناس يظنون أن معلقة امرئ القيس هي قصص حب وغرام ومغامرات مجون، وفي الحقيقة امرئ القيس كلامه أعلى من هذا وإنما يستخدم أسلوب الترميز للدلالة على أفكار معينة، وانظروا هنا ماذا يريد أن يقصد وفكروا جميعا لعلنا في نهاية هذا المقطع -لربما طبعا نهاية المقطع لن ننهيه اليوم في المجلس الغدا إن شاء الله- نعرف ما هي الرموز التي أراد أن يشير إليها.
الآن بدأ يحدث صاحبه بالمغامرة الخطيرة التي يريد الوصول إليها، الآن بعد أن أخبر صديقه أنه ما بدي إياك تخذلني، الآن هناك مغامرة أريد أن أخبرك بها ونريد أن نعيشها أنا وإياك. ما هي هذه المغامرة يا ترى؟
فقال: فهل تعين على غي هممت به، والغي يزجر أحيانا عن الفشل؟ هل تعينني على مغامرة فيها غي؟ يعني فيها ضلال. لاحظوا هو نفسه يعترف أن المغامرة مش مضبوطة فيها شيء من الغي والضلال. هل فهل تعين على غي هممت به لكن هذا الضلال أريد أن أعمله أو لماذا تعمل؟ قال: والغي يزجر أحيانا عن الفشل. أحيانا بعض الضلال وبعض الفساد عن الإنسان الخوف والجبن ويجعله جريء.
لكن هل هذا مبرر لفعل الغي والفساد؟ يعني نعم السرقة تعلم الإنسان الجرأة، بعض المفاسد والجرائم تعلم الإنسان كيف يكون جريئا مغوارا. لكن هل هذا مبرر لأن يرتكب الإنسان الغي وهذه المفاسد من أجل أن يكون جريء؟ في الحقيقة هذا غير منطقي أن يفعل الإنسان الغي والفساد من أجل أن يذهب الفشل -يعني الجبن والخور- عن نفسه. هذا غير مقبول تماما. فهل تعين على غي هممت به والغي يزجر أحيانا عن الفشل؟
إذن في مغامرة فيها غي، أنا أقول لك يا طالب أنه فيها غي، لكن الغي أحيانا يساعد الإنسان على طرح الهموم وعلى الابتعاد عن الفشل وأن يكون مقداما. ما هي المغامرة؟ قال: إني أريد طرق الحي من أُضُم، وقد حماه رماة من بني ثعلي. أريد يا صاحبي أن فوق الطرق إخواني هو الذهاب ليلا إلى فتاة أو إلى منزل أو إلى بيتك، الطرق هو الذهاب ليلا إلى شيء، ومنه سمي النجم الذي يظهر ليلا في السماء الطارق.
السماء والطارق، لماذا سمي طارقا؟ لأنه يطرق في الليل. فأي شيء يأتي ليلا، شخص زار شخصا ليلا يسمونه طارق. أي شيء يظهر في الليل ويزور ليلا يسمى في العربية طارقا. قال: إني أريد طرقا أي أريد أن أزور ليلا ذاك الحي الكائن في أُم، إما اسم جبل معروف عندهم وإما اسم وادي، وأنا في الحقيقة لا أعرف موطنه، البعض يقول في المدينة والبعض يقول غير ذلك لكنني لا أعرف، هو علم على جبل معين أو على واد معين.
إني أريد طرق الحي من أُضُم وقد حماه رماة من بني ثعلي. أريد يا صاحبي أن نخوض مغامرة، هذه المغامرة هي أن نطرق ذاك الحي الكائن عند جبل أُضُم أو عند وادي أُضُم، لكن هذا الوادي يا صاحبي حوله فرسان شجعان رماة متقنون كأنهم من قبيلة ثعل. ويشبه الفرسان بأنه من قبيلة ثعل. قبيلة ثعل قبيلة عربية أحبائي يضرب بها المثل في إتقان الرمي، قبيلة عربية يضرب بها المثل في إتقان الرمي قبيلة الثعال، فلذلك أصبح الشعراء متى أرادوا أن يضربوا المثل أن هذا الشخص رام متقن يقولون هذا الشخص كأنه من قبيلة ثعل في إتقانه الرمي وفي حدة إصابته.
فيقول: هناك فرسان يا صاحبي شجعان كاملون حول هذه القرية وحول هذا الحي، إذا رموا سهاما فإنها سهام صائبة كأنهم فرسان من قبيلة ثعل.
وإن لم يكونوا في الحقيقة من هذه القبيلة، لكن هذه القبيلة كما قلنا يضرب بها المثل في إتقان الرمي. طيب، صاحب الآن شيء طبيعي يقول له: طيب لماذا نذهب إلى هذا الحي؟ وما المقصد من الذهاب إليه ليلاً؟ مع وجود هؤلاء الفرسان الذين يحمونه، ما هذه الورطة التي تريد أن تقحمنا فيها؟
فقال: يحمون بالبيض، أي السيوف، والسيوف تسمى بيضاً. والسمري، السمرة الرماح، يحمون هؤلاء الشجعان بالبيض أي بالسيوف، وبالسمر أي بالرماح اللدان، اللينة الرشيقة. يحمون بالبيض والسمر اللدان به، سود الغدائر، حمر الحلي والحلل. آه، خلص عرف صديقه إيش يريد الطغرائي؛ قال: هؤلاء الفرسان ماذا يحمون بسيوفهم ورماحهم؟ قال: يحمون نساء جميلات، سود الغدائر، أي خصال الشعر سوداء، والعرب تمتداح الشعر الأسود في المرأة، خاصة إذا كان فيه خصال وطول.
وآآ امرؤ القيس معلقته امتدح شعر محبوبته بأنه أسود، لما قال: وفرع يزين المتن أسود فاحم، أثيث كقنو النخلة المتعسكري. قال: وفرع يعني شعر، وفرع يزين المتن يزن، يزن ظهر محبوبتي، وفرع يزين المتن أسود فاحم، يعني أسود شديد السواد. فهذا السواد في شعر المرأة محبوب عند العرب، ومن صفات الجمال العالية فيها، خاصة إذا اشتد سواده.
فقال: هؤلاء الشجعان يحمون بالبيض وبالرماح نساء جميلات سود الغدائر، نساء لهن غدائر سود، ويلبسن الحلي الأحمر والثياب والحلل الحمراء، وهذا قمة جمال المرأة أحبائي أن تجمع بين هذين الأمرين، أن تكون الثياب حمراء والحلل التي تلبسها بهذا اللون، والحلية أيضاً التي تلبسها في عنقها وفي يدها وما شابه ذلك على اللون الأحمر، ويكون الشعر كامل السواد أو شديد السواد كما قال امرؤ القيس: أسود فاحم، يعني أسود فحمة من شدة سواده. هنا عرف صديقه، عرف صديق الطغرائي ماذا يريد الطغرائي؟ يريد أن يصل إلى هؤلاء النسوة الجميلات ويريد وصال العاشقين.
فقال: يحمون بالبيض والسمر اللدان به سود الغدائر حمر الحلي والحلل. فالآن صديقه الظاهر أنه استيقظ، قال: إذا كان الموضوع بهذه الطريقة معناه الموضوع يحتاجان إلى مغامرة مع وجود هؤلاء الشجعان. فهنا الطغرائي لما رأى صديقه كأنه تحمس معه، ماذا قال له؟ قال لصديقه: بما أنك اقتنعت بهذه الفكرة فسر بنا في زمام الليل، فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل.
ما أجمل هذا البيت! على الرغم ما فيه، لكنه جميل في الحقيقة في تصوير جمال هؤلاء النسوة. تقول: فسر بنا، يعني يا صاحبي، بما أنك اقتنعت بهذه المغامرة فدعنا نقتحم هذا الحي، وأنت القائد في هذا المسير. قال: فسر بنا، يعني أنت القائد تقدم وخذ بهذه الرحلة باتجاه هذا الحي حتى نصل إلى وصال هؤلاء النسوة. قال: فسر بنا في زمام الليل، زمام الليل هي عهدة الليل والمراد به ظلمة الليل، يعني فسر بنا يا صاحبي في ظلمة هذا الليل معتسفاً أي حتى ولو كنت حائراً تائهاً في طريقك، حتى ولو كنت حائراً تائهاً. فالاعتكاف ما هو؟ أن يكون الإنسان تائهاً عن المقصد الذي يقصده.
فيقول الطغرائي لصديقه: قد من المسير يا صاحبي، حتى ولو كنت حائراً لا تعرف الطريق إلى هذا الحي، لا تقلق فإن الطيب الذي ينبعث من النسوة القاطنات في هذا الحي سيرشدك إليهن. وهذا دلالة شدة التعطر وحسن الرائحة الطيبة التي تنبعث من هؤلاء النسوة. وهذا وصف آخر لهؤلاء؛ فوصفهم في البيت السابق بأنهن سود الغدائر حمر الحل والحلل، وفي هذا البيت أي أو الحلل عفواً، وفي هذا البيت يصف النسوة بأن رائحتهن الطيبة تهدي من يريد الوصول إليهن حتى ولو كان في عمق الصحراء.
وهذه كما قلنا تصوير عالي جداً للمشهد. إخواني، لما تحللوا مثل هذه القصائد التي فيها شيء من التغزل، اهتمت بالناحية التصويرية الجمالية التي يرسم بها هذا المشهد أمامك لتعرف الذائقة الأدبية، يعني لا تنظر إلى نواحي أخرى، شعر في النهاية! والشعر كما يقولون فيه شيء من الخفة، ما يهمنا الناحية الأدبية في رسم المشهد، هذا الذي يهمك الآن.
البعض الآن ينظر أنه: يا شيخ، طيب ما هذه قضية قد تكون هي قضية محرمة؟ نعم، هي قضية محرمة من ناحية شرعية لا، والطغرائي يعلم ذلك. لذلك قلت لكم: هل هذه القصة حقيقية ولا قصة رمزية؟ فكروا أنتم معي في هذه القضية. لكن هذه العرب في أشعارها، وقد كان الصحابة يريدون هذه الأشعار، بل سيدنا ابن عباس حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة الغزلية التي فيها فحش في الغزل، وكان يقرأها ويبتسم لأنهم كانوا يدركون مقام الشعر والناحية الأدبية يختلف عن مقام الحكم الشرعي من حيث الحلال والحرمة. فالحكم الشرعي بالتأكيد أن هناك حرمة في مثل هذه العلاقات وما شابه ذلك، لكن الناحية الأدبية تفرض أجواء أخرى حينما نحلل القصيدة أن نهتم بتذوق الصور طريقته في رسم المشهد، والقضايا الشرعية تلك تبحث في أماكن أخرى. فنحن أو الشاعر حينما يذكر هذه الأمور هو لا يدعو إلى الفحشاء، كالطغرائي رحمة الله عليه، ألا يدعو إلى هذه القصص؟ وإنما يحاول أن يرسم لك مقاصد من خلال استخدام الأسلوب العربي في قضية التغزل والعلاقة بالنساء.
المهم قال: فسر بنا في زمام الليل يا صاحبي، حتى ولو كنت حائراً معتسفاً، فإن نفحة الطيب، الرائحة الطيبة التي تخرج من النساء، ستهدينا إلى الحلل. الحلل بخلاف الحلل؛ الحلل في البيت السابق هي جمع حلة وهي الزينة لباس الزينة، وأما الحلل بكسر فهي جمع حلة، والحلة هي البيوت، فالحلل هي بيوت القوم، الحلل هي جمع حلة والمراد بالحلل بيوت القوم. فيقول لصاحبه إن نفحة الطيب ستوصلنا إلى بيوت هؤلاء النسوة حتى ولو كنا تائهين في الصحراء، فلا تقلق.
إذاً هو يغري صديقه بهذه القضية. قال: انظروا هذا البيت العالي أيضاً، قال: فالحب حيث العدا والأسد رابضة حول الكناس لها غاب من الأسل. بيت فخم جداً حقيقة في رسم المشهد أيضاً، الرجل عالي جداً في تشبيهاته، يقول: فالحب أي حبيبتنا حيث العداء، أي في وسط العدا قاطنة. فالحب حيث العدا والأسد رابضة حول الكناس لها غاب من الأسل. يقول: حبيبتي حيث العداء قاطنة في وسط العداء، طيب من هم الأعداء؟ الفرسان الشجعان الذين يحمون القرية، جعلهم أعداء لأنهم يحولون بينه وبين الوصول إلى معشوقته وحبيبته التي يريد وصالها.
فقال: فالحب حيث العدا والأسد رابضة، لاحظوا إنصاف الطغرائي. الطغرائي شخص منصف إخواني حتى مع خصومه، وصفهم مع أنهم يحولون بينه وبينه، وصفهم بأنهم أسود. قال: والأسد رابضة حول الكناس، الكناس، الكناس جحور الظباء، بيت الظبي وجحر الظبي يسمى كناساً في العربية، جحر الظبي فهو يشبه بيوت هؤلاء النسوة اللواتي شبههن ضمنياً بأنهن كالظبا، والعرب كثيراً ما تشبه المرأة في جمالها وقامتها وحسنها واتساع عينيها بالظباء. فيقول إن هؤلاء النسوة الظباء في كناسهن أي في جحورهن، يعني في بيوتهن، وحول هذه الكناس حول جحور الظباء الأسد رابضة، الحراس واقفون حول مداخل القرية، وحول هؤلاء الحراس الأسود الرابضة هناك غابة من الأسل. الأسل هي الرماح، فهو يعنى كثرة الرماح التي في أيدي هؤلاء الأسود الرابضة، من كثرتها كأنها أصبحت كالشجر غابة من الرماح، غابة من الرماح عند هذه الأسود الرابضة يحمون بها الظباء النساء الجميلات القاطنات في الكناس.
انظروا الدقة العالية، الإحكام العالي في التشبيه، رجل ليس سهلاً في تشبيهاته وفي قدرته على تصوير المشهد. هنا الفنيات إخواني، تظهر هنا يتفاوت الشعراء، يعني الشعراء كلهم يتكلمون عن الغزل، خاصة في الشعر العربي القديم، لكن هناك من يحسن الإتيان بتجميل تشبيهات واستعارات عالية تجعلك تطرب وأنت تسمع هذا الغزل، وهناك من تجد تشبيهاته ممجوجة لا قيمة لها، لا تشعر معها بالجمالية وأنت تقرأها. فهنا الطغرائي درجته عالية الحقيقة في التشبيهات، ويدل هذا على رسوخه وعلى الكبير في باب الأدب. فانظر كيف يرسم لك حبيبه قال: فالحب حيث العدا والأسد رابضة حول الكناس لها غاب من الأسل.
طبعا صديقه الآن بيقول: الله هذه ورطة يا طغرائي، بدك نذهب لهذه المرأة نصلها والأسود الرابضة والغابة من الرماح، إيش نريد بهذه القضية؟ لكن شخص طموح كالطغرائي لا يهاب كل الصعاب، هو مستعد أن يخوض كل هذه الصعاب حتى يظفر ببغيته ويصل إلى حاجته. ماذا حدث بعد ذلك إخواني؟ هل اكتملت قصتهم بالنجاح؟ أين ذهبوا؟ ماذا وقع في نهاية قصة العشق؟ هذا نكمله إن شاء الله في المحاضرة القادمة بإذن الله حتى لا نطيل أكثر من ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل