هذه القصيدة لاميّة العجم هي رحلة أبي إسماعيل الطغرائي في البحث عن الآمال والمعالي والصفات الرفيعة والأخلاق الفاضلة، على الرغم من أن الأيام لا تأتي وفق ما يريد، على الرغم من تحطم كثير من الأحلام على صخرة الواقع، لكن هذا الرجل يكافح، ما زال يكافح في هذه الحياة الدنيا، وقد رسم لنا قصة جميلة يحاكي بها مشاعره وما يشعر به تجاه آماله وطموحاته، ويخبرنا بها عن شخصيته، تلك الشخصية التي تحتد بنفسها، تلك الشخصية الطموحة التي تبحث عن الآمال، تلك الشخصية التي لا ترضى بالضيم والذل.
هذا هو أبو إسماعيل الطغرائي صاحب الهمة العالية والنفس الشريفة، ودائما أحبتي المسلم العاقل يسعى أن يكون عنده نفس شريفة تقوده دائما إلى معالي الأمور ولا يرضى بسفاسفها، المسلم يجب أن يكون طموحا في حياته لتحقيق الآمال، لا يرضى أن يكون إنسانا خاملا كسولا غير منجز لا يضع بصمات في هذه الحياة الدنيا قبل أن يغادرها في أي مجال من مجالات الحياة، لا بد وأن يكون لك بصمة قبل أن تغادر الحياة الدنيا، هكذا أصحاب النفوس الشريفة عاشوا، وهذا الإنسان يدفع من أجله الأثمان الباهظة، ترك البصمات هناك ثمن ستدفعه، لكن هذا الثمن يهون من أجل الوصول إلى تلك البصمات، إلى ذاك المعالي، إلى تلك الفضائل، إلى الأخلاق العليا، لا بد من شيء من الألم، لكن الألم محتمل إذا كان يوصل إلى لذة وإلى أمل.
وصلنا إخواني مع أبي إسماعيل الطغرائي رحمة الله عليه وهو يرسم لنا تلك القصة التي حدثت بينه وبين صاحبه وهم يسيرون في القافلة في ليلة مقمرة والنجوم في كبد السماء، وقد قال لصاحبه: يا صاحبي أريد أن آخذك معي في مغامرة، فصاحبه سأله: وأين هذه المغامرة؟ قال: نريد أن نطرق ليلًا ذاك الحي الكائن عند جبل إضم، وهذا الحي يا صاحبي محميٌ بفرسان شجعان رماتهم كأنهم من قبيلة ثعل، فصاحبه قال: وما المقصود من هذه المخاطرة؟ فأخبره أننا نريد أن نصل إلى نساءٍ فاتناتٍ جميلات يقمن في هذا الحي، ثم شرع في وصف هؤلاء النسوة لصاحبه حتى يرفع الهمم يرفع الطموح لخوض التحدي، فأعطاه المعلومة واضحة قال: والأسد رابضة حول الكناس لها غابٌ من الأسل.
يا صاحبي إن المحبوبات قاطنات في وسط العدا، لن نصل إليهن بسهولة سندفع شيئًا من الثمن، الحبيب يقطن حيث العدا والأسد يا صاحبي رابضة حول الكناس، ما هو الكناس إخواني؟ من يتذكر؟ الكناس شرحناه البارحة، ما هو الكناس؟ من يتذكر معنا يعطيني الإجابة سريعًا، والأسد رابضة حول الكناس لها غابٌ من الأسل قلنا هذه الأسد حولها غابة من الأسل وهي الرماح، وهذه الأسد تحرس الكناس الذي فيه المحبوبات. ما هو الكناس إخواني؟ انتظروا إجابةً سريعةً، لا، ليس بيت الضب، الضب ليس لا يسمى بيته كناسًا، بيت ماذا الكناس؟ أنت ربما سمعتها البارحة مبتورة الكلمة، ليس بيت الضب.
نعم، بيت الغزال الظباء، أنت سمعت ربما الظباء ضب، لا، الظباء الغزلان تسمى جحورها التي تكمن فيها كناسًا، فيرسم لك ذاك المشهد البديع، مشهد الأسود الرابضة لتحمي ذاك الكناس الذي يكمن فيه الفتيات اللواتي يريد الطغرائي وصاحبه الوصول إليهن والظفر بهن. دعونا نكمل رحلتنا إذاً مع الطغرائي رحمة الله عليه، وننظر كيف استمر الطغرائي في وصف هؤلاء النساء الحسناوات، ومن إنصافه رحمة الله عليه أنه وصف أيضاً رجال هذه القبيلة، فهو لم يقتصر على وصف نساء هذه القبيلة، بل أيضاً ذكر أو امتدح رجال هذه القبيلة بأنهم شجعان فرسان كرام كما سيأتي معنا.
وهذا يدل على الإنصاف، أنه ينصف أعداءه، يعني رجال هذه القبيلة هم الآن خصوم للطغرائي، لا يريدون للطغرائي أن يصل إلى طموحه وأمله في الظفر بالنسوة، لكن مع أنهم أعداء له، لكن مع ذلك هذا الرجل يكرم هؤلاء الرجال ويصفهم بأعلى الأوصاف. انظروا ماذا قال الطغرائي في البيت الحادي والعشرين، يقول الطغرائي رحمة الله عليه: يا صاحبي نؤم ناشئةً بالجزع قد سقيت نصالها بمياه الغنج والكحل، يخاطب صاحبه ويقول: يا صاحبي أريد أن أؤم، أي نقصد أنا وأنت ناشئة أي قرية أو حيا ناشئا بالجزع، الجزع هو منعطف الوادي، فأريد يا صاحبي أنا وإياك أن أمه أي نقصد قرية ناشئة في منعطف الوادي، هذه القرية يا صاحبي قد سقيت نصالها بمياه الغنج والكحل.
النصال أحبائي هي السيوف هنا، النصال هنا هي السيوف، فيقول: نصال هذه القرية قد سقيت بمياه الغنج والكحل، النصال رمز إلى ماذا إخواني؟ إلى الفرسان الشجعان والرجال الأبطال في هذه القرية، فيقول: هذه القرية الناشئة التي نريد أن نقصدها في منعطف الوادي يا صاحبي سقي رجالها بمياه النساء الغنج والكحل، سقي أي ربي ونشأ، فالسقاية هنا كناية عن التربية والتنشئة، ففرسان هذه القرية وشجعانها يا صاحبي نشأوا على يد نسوة غنيجات كحيلات، والمرأة الغنجة هذا معروف لديكم، والكحلة هي التي على جفونها سواد يشبه الكحل، فكأنه كحل طبيعي في عينها.
فهذا فيه وصف لنساء هذه القرية بالجمال أنهم غنيجات كحيلات، ووصف لفرسان هذه القرية بأنهم كالسيوف الحادة وأن هؤلاء النصال هؤلاء السيوف تربوا يا صاحبي على أيدي هؤلاء النسوة الجميلات، فهو ما زال يغري صاحبه بهذه المغامرة الخطيرة، مغامرة تستحق يا صاحبي، وهكذا يريد أن يقول له والمغامرة تستحق لكنني سأعطيك أوصاف رجال هذه القرية ونسائها، يكمل بعد ذلك ويقول: قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ما بالكرائم من جبن ومن بخل.
يقول الطغرائي لصاحبه: يا صاحبي إن هذه القرية نساؤها يوصفن بالجبن والبخل، إن نساء هذه القرية يوصفن بالجبن والبخل، ووصف المرأة بالجبن والبخل وصف مدح عند العرب وليس ذم، بعكس الرجال، المرأة التي عندها شيء من الجبن وشيء من البخل، هذه ممدوحة عند العرب. لماذا؟ يقول: المرأة التي عندها شيء من الجبن لا تتطاول على زوجها، لا تمكر به، لا تخدعه، تهابه، لا تتشوف عينها وقلبها إلى غيره، المرأة التي عندها شيء من الجبن هذه المرأة مسالمة لزوجها، فبالتالي بعلها يرضى عنها، لأنها امرأة لا تخادع زوجها، المرأة الجريئة قد تخدع زوجها، قد تمكر به، قد تتطلع إلى غيره، قد توقعه في الدواهي والمصائب.
لذلك يمتدحون في المرأة العربية أن يكون عندها شيء من الجبن حتى لا تتطاول على زوجها، فالجبن في المرأة صفة ممدحة، وكذلك البخل يقولون: المرأة البخيلة تحافظ على مال زوجها ولا تفرقه يميناً وشمالاً، المرأة المعطاءة طبعاً العطاء في المرأة هو من جانب فيه صفة كرم وخير، لكن العرب بشكل عام لا تحب المرأة كثيرة العطاء لأنه يخشى من جانبها أن تبدد مال زوجها يميناً وشمالاً، فيحبون المرأة الممسكة التي عندها إمساك وفي نفس الوقت عندها شيء من الجبن.
إذاً هو يمدح الآن نسوة هذه القرية بأن عيونهن أو عندهنهن شيء من الجبن ومن البخل، وهذا الجبن والبخل قد زاد في طيب الأحاديث التي تنقل عن رجال هذه القرية، هناك أحاديث طيبة، هناك أحاديث طيبة كما قال في الشطر الأول يتحدث بها عن رجال هذه القرية، زاد طيب هذه الأحاديث التي تنقل عن رجال هذه القرية ما يتصف به نساؤها من الجبن والبخل، فهذا قصده في قوله قد زاد طيب أحاديث الكرام بها، أي الأحاديث الطيبة التي تنقل عن الكرام، الكرام هم الرجال، الرجال الكرام في هذه القرية، فالأحاديث الطيبة التي تنقل عن الرجال الكرام في هذه القرية قد زاد طيبها ما توصف به القرائم في هذه القرية، والقرائم هنا النسوة، الكرام الرجال والقرائم النسوة، ما يوصف به القرائم النسوة في هذه القرية من جبن ومن بخل.
يقول: تبيت نار الهوى منهن في كبد حرى، هذا فيه وصف لهؤلاء بحسن الجمال وغاية الجمال لدرجة أن الرجل الذي يحبهن ويتعشقهن يبيت ليلته وهناك نار تحرق كبده الحارة، هذا معنى تبيت نار الهوى، نار الهوى نار العشق والحب لهن، تبيت نار الهوى منهن، والظاهر أن منهن معنى لهن، المن هنا بمعنى لهن، الرجل الذي يحب هؤلاء النسوة ويتعشقهن ويحلق بهن يبيت ونار الهوى في كبده الحارة تحرقها حرقًا، وهذا دلالة كثرة العشق وأنه بلغ المنتهى والغاية القصوى.
تبيت نار الهوى منهن في كبد حرا، فهذه صفة النساء من شدة الحسن والجمال أن الرجل الذي يحبهن يبيت وهناك نار تكاد تأكل كبده الحارة، وأما الرجال فعندهم نار أخرى، رجال هذه القبيلة عندهم نار أخرى، ما هي؟ قال: ونار القرى، نار الضيافة منهم، لاحظوا هنا أتى بمنهم للمذكر لأنه يتكلم عن الرجال، لكن قبل قليل منهن لأنه كان يتكلم عن النساء، فهذه المقابلة بين الرجال والنساء انتبهوا إليها في هذه الأبيات، وأما رجال هؤلاء القبيلة أو أما رجال هذه القبيلة فيبيتون وقد أشعلوا نار الضيافة في الـ أو على القلل أو للقلل التي يوضع في داخلها الطعام للضيوف الذين يأتون إليهم.
فيقول: إذا نساء هذه القبيلة جميلات يشعلن نارًا في كبد من يحبهن، ورجال هذه القبيلة رجال كرام يبيتون وقد أوقدوا نار الضيافة على القلل، وقد أوقدوا نار الضيافة نار القرى على القلل، إذا أتى ضعيف أو إذا أتى مسكين أو إذا أتى أو أتى تائه أو إذا أتى ضيف، المهم لا بد الكرم والضيافة تكون حاضرة عندهم، وهذا يدل على الخصال الكريمة لرجال هذه القرية.
يكمل بعد ذلك ويقول: يقتلن أنضاء حب لا حراك بهم، وينحرون كرام الخيل والإبل. يقول: يقتلن أنضاء حب لا حراك بهم، وينحرون كرام الخيل والإبل. يقول في الشطر الأول ما معنى يقتلن أنضاء حب لا حراك بهم؟ أي أن الرجال السقامى الذين يحبون هؤلاء النسوة وتتعلق قلوبهم بهن، ولاحظ كيف صورهم بأنهم أنضاء ومر معنا البارحة أن النضو هو البعير الهزيل الضعيف.
فيقول: العشاق الذين يحبون هؤلاء النسوة الذين أصابهم الضعف والهزال من شدة تعلقهم بهؤلاء النسوة في النهاية ماذا يحدث بهم؟ يموتون ويقتلون، فهؤلاء النسوة يقتلن بحسن جمالهن، لاحظ يقتلن بحسن جمالهن الأنضاء، والأنضاء هنا كناية عن ماذا أو استعارة للعاشقين، يقتلن العاشقين الذين يحبونهن حتى يصبح هؤلاء العشاق لا حراك بهم موتى لا حراك بهم، فسامح الله هؤلاء النسوة يقتلن الأنضاء، يقتلن العاشقين الذين يتعلقون بهم حتى يصبح هؤلاء العشاق صرعى على الأرض لا حراك بهم، يقتلن أنضاء حب لا حراك بهم.
ولاحظوا كيف استعار كلمة الأنضاء، والأنضاء جمع نضو، والنضو مر معنا هو البعير الهزيل، فالإنسان والعشاق والذين يتحببون من كثرة العشق والحب تصيبهم الأمراض وينحل الجسم ويضعف، وهذا اقرأوا فيه روضة المحبين لابن القيم كيف يتكلم عن أحوال العاشقين، واقرأوا كذلك طوق الحمامة لابن حزم الظاهري وهو يتكلم ماذا يفعل العشق بصاحبه، يقولون: يبلى العشاق ولا يبلى العشق، ماذا يفعل بصاحبه؟ يبلى العشاق ويذهبون من شدة تعشقهم ويبقى عشقهم، فالمهم يقول: هؤلاء النسوة من شدة جمالهن يقتلن هؤلاء العشاق حتى يصبحوا لا حراك بهم.
وفي المقابل رجال هؤلاء القرية وينحرون كرام الخيل والإبل، وينحرون كرام الخيل والإبل، وأما الرجال في هذه القرية فينحرون كرما لضيافة من يأتيهم كرام الخيل وكرام الإبل، يعني لا ينحرون أي خيل عندهم أو أي ناقة ضعيفة، كلا، لا ينحرون لضيوفهم إلا كرام الخيل وكرام الإبل التي عندهم، وهذا دلالة شدة الكرم، ولاحظوا مدى الإنصاف، إذا وصف النساء وصف الرجال حتى يكتمل مدحه لهذه القرية، وليغري صاحبه أكثر وأكثر كما قلنا في هذه المغامرة.
ثم أكمل، الآن سيكمل في وصف النسوة فقط، الآن سيكمل في وصف النسوة فقط فيقول: يشفى لديغ العوالي في بيوتهم بنهلة من غدير الخمر والعسل. يقول: يشفى لديغ العوالي في بيوتهم بنهلة من غدير الخمر والعسل. يشفى لديغ، اللديغ هنا استعارها للجريح، فمعنى اللديغ ليس اللديغ العقرب، وإن كان الأصل في اللدغ أن يكون من العقرب ومن الحية، لكن هنا يقصد باللديغ الجريح، جريح العوالي، والعوالي ما هي العوالي؟ هي الرماح الطويلة، يعني رجال هذه القرية الذين يجرحون برماح الأعداء، رجال هذه القرية الذين يجرحون ويلدغون، واللدغ استعارة عن الجرح، الذين يلدغون وجرحون بالرماح العالية الطويلة.
يستشفون من جراحهم في بيوتهم من خلال ماذا؟ من خلال نهلة، والنهلة يا إخواني هي الشربة الأولى من الماء، الشربة الأولى يسمونها نهلة، والشربة الثانية يسمونها عللة، فالنهلة هي الشربة الأولى، وهذا كناية على أنهم يكتفون بشربة واحدة حتى يشفون، طيب شربة من ماذا؟ قال: بنهلة من غدير، الغدير الجدول الصغير، طيب ما هو هذا الغدير برأيكم؟ قال: بنهلة من غدير الخمر والعسل، الغدير هنا كناية أحبائي عن ريق هؤلاء النسوة، كناية عن ريق هؤلاء النسوة، وهذا الريق وصفه الطغرائي بأنه كالخمر والعسل في اللذة.
وهذا في غاية الحسن والجمال، فيقول: إن رجال هؤلاء إن رجال هذه القرية يستشفون من جراحهم التي تصيبهم من رماح أعدائهم إذا ذهبوا إلى بيوتهم بنهلة واحدة من هذا الغدير، من هذا الريق العذب لهؤلاء النسوة الفاتنات، وشبه ريقهن بأنه كالخمر والعسل في لذته وفي حلاوته، وهذا في غاية الوصف وفي غاية الحسن في التشبيه.
طيب نكمل وهو يصف ويبالغ في الوصف، وأريد منكم في النهاية أن تعرفوا لماذا يبالغ في هذا الوصف ولماذا أطال في هذا المدح لهؤلاء النسوة من خلال معرفتنا أن النسوة هنا رمز لماذا إخواني؟ هذه قلتها البارحة أن هذه القصة قصة رمزية يرمز بها الطغرائي إلى قضية معينة، لذلك هو يبالغ في وصف النسوة هذه المبالغة.
ويعمق ويذهب يميناً وشمالاً. يقول بعد ذلك: «لعل إلمامة بالجزع ثانية يدب منها نسيم البرء في عللي». يقول لصاحبه: «يا صاحبي دعنا نذهب إلى هذه القرية»، يرجو صاحبه. لماذا؟ لاحظوا الرجاء، من أين أخذته يا شيخ؟ من كلمة «لعل». لعل فيها شيء من الرجاء، طبعاً هو رجاء بشفاء السقم، لكنه ضمنياً فيه رجاء أيضاً بماذا؟ من صديقه أن يأتي معه.
دعنا نذهب يا صديقي لعل إلمامة، الإلمام هو مجرد الاقتراب، الإلمام هو مجرد الاقتراب من الشيء يسمى إلماماً، فيقول: دعنا نقترب من هذا الحي يا صاحبي، لعل اقتراباً منه، والجزع مر معنا تفسيره قبل قليل منعطف الوادي. دعنا، مجرد إلمامة بهذا الجزع، بهذا المنعطف، والمنعطف هو الذي فيه الحي طبعاً كما مر معنا، فدعنا مجرد إلمامة يا صاحبي بهذا المنعطف ثانية، لعل نسيم البرء يدب ويهب، فيشفيني من عللي ومن أسقامي لشدة تعلقي بهؤلاء النسوة.
فإذًا طبعاً قوله «ثانية» يدل على أن الطغرائي قد ذهب إلى هذا الحي في مرة سابقة وذاق الوصال، قد ذهب إلى هذا الحي في مرة سابقة وذاق الوصال، لكنه انقطع عنه، وهو الآن يريد الوصول إليه مرة أخرى. ولاحظوا كل هذه الترميزات؛ وصل إلى هذا الحي، ورشف، وواصل، وأخذ، ونال، لكنه انقطع عن هذا الحي فأصابته الأسقام، وهو يريد الآن من صاحبه أن نقترب، مجرد اقتراب، من هذا الحي مرة أخرى، لعل هذا الاقتراب يجعل نسيم البرء يهب ويدب، فيشفيني من عللي ومن أسقامي.
جميل. ثم بدأ الطغرائي يصف نفسه لصاحبه، بدأ الطغرائي في هذه الأبيات يصف نفسه لصاحبه فيقول: «يا صاحبي، لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت برشقة من نبال الأعين النجل». أنا يا صاحبي لا أكره أن أطعن طعنة نجلاء، والطعنة النجلاء هي الطعنة الواسعة التي تحدث جرحاً واسعاً فيمن أصيب بها. فأنا يا صاحبي رجل مقدام لا أكره ولا أهاب الطعنة الواسعة أن أصاب بها بشرط. ما هو الشرط؟ أن تشفع هذه الطعنة، يعني أن يتبع هذه الطعنة رشقة من نبال.
في إنسان لا يكره الطعنة النجلاء بشرط أن تشفع برشقة من نبال، نعم، لكن ما هذه الرشقة من النبال التي يقصدها الطغرائي -عليه رحمة الله؟ يقول: «قد شفعت برشقة من نبال الأعين النجل»، الأعين النجل، النجل هي الأعين الواسعة، والمرأة من صفات الجمال فيها أن تكون عينها واسعة كأعين الظباء. لذلك يقول: «يا صاحبي أنا لا أكره أن أصاب وأن تصيبني جراحات وطعنات واسعة إذا ظفرت برشقة من نبال» تصدرها تلك الأعين الجميلات الحسناوات.
فإذا كانت تلك النساء الجميلات سيرشقنني بنبال من أعينهن، من لحظاتهن، أو من ألحاظهن، فإنني أرضى ولا أهاب أن أصاب بالطعن مقابل أن أظفر بتلك الرشقة. ثم يكمل، طبعاً لاحظوا الآن يصور نفسه بصورة الرجل المقدام الذي لا يهاب، الذي يستعد لأن يخوض الغمار من أجل أن يظفر بالمقصود، جميل. ثم قال: «واعلم يا صاحبي أيضاً ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني باللمح من خلال الأستار والكلل».
وأنا يا صاحبي أيضاً لا أهاب الصفاح البيض، أنا لا أخشى السيوف العريضة، الصفاح البيض هي السيوف العريضة التي تقطع قطعاً وتبتر بتراً، أنا يا صاحبي لا أهاب ولا أخشى أيضاً السيوف العريضة لو سلطت عليّ، إذا كانت هذه السيوف ستسعدني وتساعدني في أن آخذ مجرد إلماحة، لمحة بصر لهؤلاء النسوة من خلال، يعني من بين الأستار والكلل. يصور هؤلاء النسوة كأنهن ينظرن من بين الأستار والكلل، طبعاً الكلل هو أيضاً ستر، لكنه ستر رقيق، فهذا من باب عطف الخاص على العام.
فيقول أو يصور لنا أن النسوة في هذا الحي يقفن خلف الستائر، يفتحن الستائر ينظرن إليه، إلى محبوهن من بعيد. فهو يقول: أنا لا أهاب أن تصيبني السيوف العريضة وأن تطعنني إذا كانت ستسعدني وتساعدني في أن آخذ مجرد إلماحة، ولو نظرة لهؤلاء النسوة وهن ينظرن إليّ من خلال، أي من بين الأستار والكلل. ولاحظ الوصف العالي لشجاعته وإقدامه وأنه مستعد لخوض الغمار ما دام أنه يريد أن يظفر بمقصوده.
وهو هنا يذكرني بامرئ القيس وهو يقول في معلقته ويصف شجاعته للوصول إلى معشوقته: «وبِضْعَةُ خِدْرٍ لا يُرَامُ خِبَاؤُهَا ... تَمَتَّعُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرُ مُعْجَلِ تَجَاوَزْتُ أَحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَراً ... عَلَيَّ حِرَاسٌ لَوْ يَسُرُّونَ مَقْتَلِي إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ ... تَعَرُّضَ أَثْنَاءِ الْوِشَاحِ الْمُفَصَّلِ فَجِئْتُ وَقَدْ نُضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابُهَا ... لَدَى السِّتْرِ إِلَّا لِبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ فَقَالَتْ: يَمِينَ اللَّهِ مَا لَكَ حِيلَةٌ ... وَمَا أَنْ أَرَى عَنْكَ الْغَوَايَةَ تَنْجَلِي خَرَجْتُ بِهَا تَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا ... عَلَى أَثْرِنَا ذَيْلٌ مَرَطٌ مُرَحَّلِ فَلَمَّا أَنْخْنَا سَاحَةً، فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْنُ حَقْفٍ ذِي عِقَافٍ عُنْقُلِي» إلى آخر ما قال بعد ذلك لا أكمله الآن. المهم امرؤ القيس يصور لنا جرأته كيف وصل إلى خيمة محبوبته مع أن الحراسة عليها مشددة ولم يهب، وهذه كلها إخواني إن شاء الله إذا شرحنا معلقة امرئ القيس هي رمزية لشيء معين يريد الشاعر أن يوصله للقارئ وللسامع: الإقدام والجرأة والشجاعة في الوصول إلى ماذا؟ أنتم تعلمون ذلك لكنني لا أريد أن أتكلم، أريد بعد ذلك أنتم أن تتكلموا: ما رمزية النسوة في هذه القصة؟
«إذ يا صاحبي ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني باللمح من خلال الأستار والكلل»، ثم قال له في الوصف الأخير: «ولا أخل بغزلان تغازلني ولو دهتني أسود الغيل بالغيل». أنا يا صاحبي كان هناك بيت سقط غير موجود هنا، المهم اسمعوا هذا البيت: «ولا أخل بغزلان تغازلني ولو دهتني أسود الغيل بالغيل». «لا أخل» أي لا أترك ولا أهجر ولا أدع، هذا معنى «لا أخل»، لا أهجر ولا أدع ولا أترك الغزلان، وهذه استعارة للنسوة يشبههم بالغزلان. أنا لا أترك هذه الغزلان التي تغازلني بعينها وتدعوني أن آتيها ولو دهتني، يعني ولو أحاطت بي وأصابتني أسود الغيل.
الغيل هي الغاب، ولو أصابتني وأحاطت بي أسود الغاب بالغيل، الغيل جمع غيلة، والغيلة هو الشر الخفي، يعني الشر الذي يصل إليك بشيء من المكر والدهاء، هذا يسمى غيلة، ومنه قتل الغيلة الذي نسميه اغتيالاً، لأن الاغتيال ليس قتلاً مباشراً وجهاً لوجه، بل قتل فيه شيء من الحيلة والمكر. فيقول يا صاحبي أنا لا أدع هؤلاء النسوة اللواتي يغازلنني، لا أدعهن، لا يمكن، بما أنهن يردن وصالي فأنا سأصل إليهن، ولست أخشى ولو دهتني أسود الغيل، أسود الغاب. أسود الغاب هي الأسود الرابضة التي وصفها في بداية وصفه لهذه القصة، الأسود الرابضة حول الكناس والتي معها الرماح التي شكلت غابة حول هذه القرية. فيقول: أنا يا صاحبي لو أصابتني هذه الأسود الرابضة برماحها فاغتالتني اغتيالاً، فإنني لا أترك وصال من يريد وصالي، لا أترك وصال من.
إلى هنا انتهت هذه القصة التي يرسمها لنا الطغرائي مع صاحبه، وهو يغريه بالذهاب إلى هذه القرية والظفر بوصال هؤلاء النسوة. والسؤال الذي أوجهه إليكم أحبتي الآن بعد أن قرأتم هذه القصة معي: النسوة هنا هل هن حقيقة نسوة يريد الطغرائي أن يصل إليهن؟ أم هن رمز إلى شيء معين؟ وإن كان رمزًا إلى شيء معين، فما هو هذا الشيء الذي يريد الطغرائي الوصول إليه؟ أنتظر منكم الإجابة. ما هو الشيء الذي يريد الطغرائي أن يصل إليه؟
الآن هذا دوركم في التحليل. لاحظتم الوصف المعمق، الوصف الدقيق لهؤلاء النسوة والتوسعة في هذا الوصف. ماذا يريد الطغرائي من هذا الوصف؟ من النسوة في كلام الطغرائي؟ أبو إبراهيم يقول: الوزارة والرئاسة. يعني هل الطغرائي فقط همه الوزارة والرئاسة؟ يعني بهذا اللفظ؟ أم هناك مجال للتوسعة أكثر وأكثر؟ للوصول للمناصب ولذائذ الحكم. يعني نحن ظلمنا هذا الرجل كثيرا.
هل هي فعلا الوصول للمناصب فقط؟ يعني المناصب لا أزعم أنه لا يرغب بها، بل هي إحدى هذه الأشياء. العودة للوطن؟ لا، هذا بعيد يا شيخ عمر. بالعكس هو هجر الوطن وتركه وخاض كل هذه الغمار من أجل الوصول إلى شيء، فكيف يكون النسوة رمز للوطن؟ لا، ليس الأهل والوطن. وليس المال. الطغرائي لا يبذل كل هذا الوصف من أجل المال.
نعم، المعالي هذه لفظة هي المناسبة لحال هذا الرجل. المعالي والصفات الحميدة والخصال الشريفة هي هذه النسوة. فالنسوة إذا اللواتي أطنب في وصفهن وأغرق في ذكر جمالهن هي الطموحات والآمال الشريفة التي يرغب هذا الرجل في الظفر بها والوصول إليها. وهو مستعد لأن يبذل الغالي والنفيس وأن يبذل المغامرات الصعبة جدا من أجل أن يظفر بها.
فكل ما ذكره في وصف النساء في مفاتنهن ومحاسنهن هي وصف لتلك الطموحات والآمال الشريفة. وما ذكره من ظلمة الليل إنما هو رمز لضيق الحياة به وصعوبة الأيام التي يمر بها الآن. وما ذكره من قضية أنه لا يهاب الصفاح البيض، ولا يهاب الطعنة النجلاء، وأنه لن يدع مغازلة الغزلان، هذا دلالة على إقدامه وشجاعته وأنه مستعد لأن يضحي بروحه ونفسه مقابل أن يظفر بما يريد. فإذاً كل هذه القصة بكل ما فيها إنما هي قصة البحث عن الطموح والأمل.
وما أجمل هذه القصة بعد أن عرفنا رمزيتها، قصة البحث عن الطموح والأمل. هذه القرية هي رمزية الأماكن التي تكمن فيها طموحات وآمال الطغرائي رحمة الله عليه. هذه الطموحات التي شبهها بالنسوة. هناك من يمنع الطغرائي من الوصول إليها. وهؤلاء الذين يمنعون الطغرائي من الوصول إليها، الطغرائي لم يسارع في ذمهم، بل وصفهم بأنهم رجال أكارم شجعان فرسان، لكن هؤلاء الشجعان الأكارم الفرسان مع أنني منصف معهم، لكنهم يحولون بيني وبين الوصول إلى طموحاتي وآمالي.
نعم، تحطمت كثير من آمالي على صخرة الواقع، لكنني مع ذلك سأبقى مواظباً على محاولة الوصول إليها من جديد. لأنه ظفر بهذه الآمال والطموحات في فترة من فترات الحياة؛ ظفر بالوزارة والمنصب والجاه والاحترامات والخصال واحترام الناس له، لكنه كما قلنا بعد أن جرد من مناصبه وألقابه أصبح فقيراً صفر اليدين وحيداً شريداً في بغداد. فهو الآن يخوض رحلة جديدة في محاولة الوصول إلى المعالي من جديد.
ويحاول أن يخبر صاحبه: يا صاحبي، أريد أن أصل إلى هذه المعالي من جديد، ولو أن أقترب منها، ولو إلمامة إليها، لعل هذه الإلمامة تشفي أسقامي فأنا إنسان لا أعرف أن أبقى فاشلا من دون طموح وآمال أظفر بها، فدعنا ولو إلمامة ولو اقتربنا مرة أخرى من هذه الآمال والطموحات لعلها تشفي غليلي وتروي ظمأي. فإذا لو قرأتم الآن القصة مرة أخرى، قصة العشق التي يريد أن يصل إليها هو ليس عشق النسوة بل هو عشق المعالي، وأنعم به من عشق والله.
عشق المعالي هذا الذي يحمله أصحاب النفوس الشريفة والهمم العالية والطموحات الرائعة الذين يصنعون الحضارة ويغيرون وجه التاريخ، هؤلاء هم العشاق بحق عشقوا العلم وعشقوا الطموح وعشقوا المعرفة وعشقوا النفائس، ولم يكن عشقهم دنيويا سفليا مجرد امرأة يريد أن يواصلها ومجرد هوى يريد أن يظفر به. هؤلاء هم العشاق حقا الذين ترفع لهم القبعات كما يقولون. لا تظلموا الطغرائي كثيرا أنه يبحث عن السلطنة فقط، هو يبحث عن المعالي جملة وعن الكرائم سواء كانت في السلطنة أو في غيرها.
نكمل مع صاحبنا، والآن سيأتي بأبيات نفيسة جدا في الحقيقة من أعلى ما قيل في طلب المعالي وفي الحث عليها، وهي كاشفة كما للقصة التي سبقت. الآن انتهى فصل القصة، سنبدأ فصلا جديدا مع الطغرائي وهو يحثك ويرفع من همتك لطلب المعالي وشرائف الأمور، فيقول: حب السلامة -لاحظوا هذا البيت عالي جدا- يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل.
حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري بالكسل. الناس الذين يحبون السلامة من الأذى ولا يحبون خوض الغمار وخوض المخاطر من أجل الظفر بالمعالي، هؤلاء الناس الذين يحبون دائمًا السلامة في هذه الحياة، لا يحبون أن يخدشوا ولا أن تصيبهم شوكة ولا أن يؤذوا بأي أذى. من يحب السلامة ويميل بطبعه إليها فإن هذا يثنيه ويبعده عن طلب المعالي الشريفة. احفظوا هذا البيت، لو حفظتم من القصيدة هذا البيت كفاكم.
مع أن صاحب المعالي لا يحفظ هذا البيت فقط، بل يحفظ القصيدة جمعاء. لكن يقول الطغرائي إذاً: حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل. إذا كنت أيها الإنسان دنيء الهمة، تبحث عن السلامة في هذه الحياة الدنيا ولا تريد أن تصاب بأي مكروه، فأنا أقول لك من تجربة الحياة إن هذا الحب للسلامة سيحول بينك وبين السعي لاكتساب المعالي وسيغريك دائمًا بالكسل والعجز والركون والجلوس في البيت.
ليس لك أي بصمة، ليس لك أي تاريخ، ليس لك أي مجد، ليس لك أي شرف في هذه الحياة الدنيا. حب السلامة يا صاحبي يثني هم صاحبه عن المعالي، يبعدك عن المعالي، ويغري المرء بالكسل. كم من إنسان ترك الدعوة إلى الله أحبائي طلبًا للسلامة لأنه لا يريد أن يخدش ولا يريد أن يصاب بأذى في هذا الطريق. كم من إنسان ترك طلب العلم لأجل ما وجد من الصعوبات في هذا الطريق وما يحتاجه من مشقة وكد وتعب فرضي بالجهل وقنع بالكسل فهو نائم في بيته.
حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل. فالأناس الذين يتركون الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى طلبًا للسلامة، الناس الذين يتركون طلب العلم بعد أن ذاقوا شيئًا من حلاوته طلبًا للسلامة، كل من يترك سبيل المعالي، هؤلاء أناس يصدق عليهم قول الطغرائي: أنكم أحببتم السلامة، دعوكم مع السلامة، لكن هذه السلامة لن توصلكم أبدًا إلى شيء في الحياة. حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل. ثم يكمل: فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا.
هذا هو البيت: حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل. ثم يقول: فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو فاعتزلي. فإن جنحت إلى حب السلامة، الضمير في إليه يعود على السلامة أحبائي، أي إن جنحت إلى السلامة وأحببتها وكانت نفسك تائقة إليها، إن جنحت إلى السلامة وحبها، فاتخذ نفقًا في الأرض تختبئ به، أو اتخذ سلمًا في السماء ترقى إليه حتى تعتزل الناس ولا تصاب بأذى.
برأيكم إخواني، ماذا يقصد الطغرائي بقوله أو ما هي الإشارة البعيدة في قوله: اتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء؟ وماذا يريد أن يقول بهذا الكلام؟ فكروا معي، ماذا يريد أن يقول الطغرائي بهذا الكلام حينما يقول: إن كنت تحب السلامة وتركن إليها، فاتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء. ماذا يقصد بذلك؟ هناك إشارة بعيدة لشيء ما. ما هي إخواني؟ أنتظر أصحاب العقول الناضجة، من يحب أن يحلل ويفكر.
لما يقول الطغرائي: فإن جنحت إليه، أي إلى حب السلامة، فاتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فاعتزل الناس. وبهذا يشير إلى أمر ما. نعم. أحسنتم. استحالة السلامة التامة. يعني حتى لا يؤذي غيره بهذا الكسل. لفتة جميلة. لكنني لا أرى أنها المقصودة في هذا الكلام. هي لفتة جميلة ومعنى رائق. لكن المعنى الذي ذكرته الأخت هو أن الوصول إلى السلامة التامة لا يمكن أبدا. ما في راحة أبدية. أحسنت، يعني هو نفس المعنى السابق. الموت. لا لا أظن يمكن يعني الموت.
أحسنت. يعني هيهات أن تظفر بالسلامة. نعم، هذا الذي يظهر والله أعلم من هذه الرمزية. لما يقول اتخذ نفقا في الأرض أو سلما في السماء حتى تعتزل. يريد أن يقول: يا صاحبي يا من تبحث عن السلامة، ما دمت بين أظهر الناس وما دمت تعيش بينهم فلا بد وأن يصيبك الأذى. فأن يصيبك الأذى وأنت تسعى في طلب المعالي وشريف الأمور خير من أن يصيبك الأذى وأنت نائم كسول.
يعني بما أن الأذى سيصيبك سيصيبك، فأن يصيبك هذا الأذى وأنت تسعى في طلب المعالي وشريف الأمور خير من أن تجلس في بيتك وتنتظر الأذى حتى يصل إليك. فإن الأذى سيصيبك ما دمت بين الناس. إن أردت السلامة التامة من الأذى خذ نفقا في الأرض اختبئ به أو خذ سلما تصعد إليه للجو لتعتزل الناس، وإلا من كان مع الناس ويحيا بينهم فلا بد وأن يؤذى بشيء من الأذى.
نعم طبعا بالتأكيد الأذى الذي يصيب من يطلب المعالي في العادة في العادة ليس كأذى من يطلب السلامة، لكن الطغرائي يريد أن يقول عمومًا عمومًا أيها الإنسان ستصاب بأذى، فأن تصاب به وأنت تسعى في طلب الشريف خير من أن تصاب به وأنت كسول. لأن الإنسان الذي يصاب بالأذى وهو يسعى في طلب شريف الأمور لا يحزن ولا يشعر بالألم عندما يصيبه الأذى لأنه يشعر أن هذا الألم هو ضريبة بحثي عن شريف الأمور، فلا حرج أن أصاب به وأتحمل الآلام من أجل الظفر.
لكن الإنسان الذي يصيبه ألم ومشاكل وهو لم يفعل شيئًا ولم يقدم شيئًا، هذا يتقطع قلبه حسرة والله لأنه يشعر أن هذه الآلام أصابته مجانًا وهو لم يبذل أي شيء ولا يريد الوصول لا إلى كريم ولا إلى شريف ولا إلى أمر عظيم، ومع ذلك دهته الآلام. فاختر طريقك من الآن، اختر طريقك من الآن إما أن يصيبك الأذى وأنت في طريقك وفي سعيك للمعالي، وإما أن يصيبك الأذى وأنت نائم في بيتك.
والإنسان العاقل إخواني كما يبين لكم الطغرائي هو الذي لا يقول بما أن الأذى سيصيبني سيصيبني دعوني أسير في طلب المعالي. ما هي الآية التي في سورة الأنعام التي توافق المقصود؟ أحسنت، لن تسلم من الناس سواء اعتزلتهم أم لا، هذا معنى هو نفس المعنى. إذًا الطغرائي يشير إلى قضية أن الظفر بالسلامة أمر صعب، فعليك يا صاحبي أن تطلب المعالي حتى تصاب بالآلام وأنت في طلب شريف الأمور.
ثم يقول: حب السلامة يثني هم صاحبه، احفظوا هذه الأبيات: حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل، فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو فاعتزلي. ثم يقول: ودع غمار العلى للمقدمين على ركوبها واقتنع منهن بالبلل. يا أيها الكسول، يا أيها الإنسان الذي لا تملك طموح، لا تملك نفسا شريفة تطلب معالي الأمور، دع غمار العلى.
دع خوض غمار العلى، دع خوض الغمار والأمواج الموصلة إلى العلى لأصحاب الإقدام، للمقدمين على ركوبها، على ركوب الأهوال، واقتنع أنت من هذه العلى ومن هذه الأمجاد بمجرد البلل. اقتنع واقنع بمجرد البلل. دع خوض الغمار، غمار العلى، لأصحاب الإقدام، أصحاب الشجاعة، أصحاب الطموح، أصحاب الأمل، الذين يريدون أن يضعوا البصمات. ضع، إذاً ضع.
ودع غمار العلى للمقدمين على ركوبها، واقتنع منهن بالبلل، أي اقتنع بأن تحصل على فتات من هذه العلى فإنها لا يمكن أن تأتيك وأنت نائم. رضى الذليل بخفض العيش مسكنة، والعز عند رسيم الأينق الذلل. ما أجمل هذا البيت أيضا إخواني. يقول: رضى الذليل. وهذه الأبيات هي التي رفعت من شأن القصيدة لدرجة عالية عند الأدباء، أن فيها حكمة عالية من حكم الحياة.
يقول: رضى الذليل بخفض العيش. خفض العيش ما هو أحبائي؟ خفض العيش هي الدعة في العيش والليونة في العيش والسهولة التي لا يوجد فيها خشونة، هذا هو خفض العيش، الدعة والسهولة والليونة. يا صاحبي، رضى الذليل بالحياة السهلة اللينة وركونه إلى دعة العيش مسكنة له، أي مهانة. رضى الإنسان الذليل ذليل النفس بسهولة العيش وبدعته وبسهولته، هذه مسكنة ومهانة وليس شيئًا يسعد به الإنسان وليس شيئًا يفرح به.
والعز يا صاحبي عند رسيم الأينق الذلل، الرسيم هو مشي سريع للنوق. مشي الناقة وركض الناقة عند العرب يوصف بعدة أوصاف، الركض السريع أو المشي السريع أو الجري السريع للناقة يسمى رسيمًا. فيقول يا صاحبي العز عند الجري السريع للأينق، الأينق جمع ناقة. الأينق الذلل، الذلل هي المذللة الخاضعة لك. فيقول له العز هو أن تشمر وأن تجري بركائبك سريعًا باتجاه المعالي، هذا هو العز.
العز هو أن تركض ركضًا وأن تجري جريًا بركائبك باتجاه المعالي، فهذا معنى قوله: والعز عند رسيم الأينق الذلل. العز في السعي والركض والفرار والهروب باتجاه المعالي على ظهر هذه الأينق المذللة. فهذه دعوة إلى الإسراع وحث الخطى في الوصول إلى المعالي وألا يكون الإنسان كسولًا متخاذلًا متقاعسًا دائمًا. غدًا أقرأ، بعد غد أحفظ، بعد غد.
أقرأ هذا الكتاب، غدًا ألخص. هناك أناس دأبها التسويف ولا تعرف الركض ركضًا ولا تعرف الجري جريًا للظفر بمعالي الأمور. فيقول الذي يرضى أو الإنسان الذليل هو الذي يرضى بخفض العيش، وهذه مهانة ومسكنة. وأما الإنسان العزيز فهذا الذي تجده عند رسيم من الذلل تجده دائمًا يركض ركضا باتجاه المعالي يريد أن يظفر بها.
أنت تقصدين أن قوله هذا فيه استعارة أو استعانة أو اقتباس اقتباس يسمى من قوله تعالى ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 35]. نعم هي يعني فيها شيء من الاقتباس من النص القرآني وهذا واضح. أحسنتم.
ثم يقول بعد ذلك: إذا رضى الذليل بخفض العيش مسكنة، والعز عند رسيم الأينق الذلل. ثم يقول بعد ذلك: فادرا بها في نحور البيد جافلة معارضات مثاني اللجم بالجدل. ادرا بها أي ادفع بها. والضمير في بها يعود على الأينق التي ذكرها في البيت السابق، أي ادفع بالأينق باتجاه البيد، باتجاه المفاوز والصحاري، البيد جمع بيداء وهي الصحراء.
ادفع بأينقك بركائبك باتجاه هذه الصحراء جافلة جافلة معناها أيضا مسرعة. ادفع بركابك ادفع بالنوق باتجاه هذه الصحاري والمفاوز حتى تخوض غمارها. فادرا بها في نحور البيد جافلة معارضات، أي مقابلات ومزاحمات ومدافعات، هذا معنى معارضات مزاحمات ومدافعات لمثاني اللجم بالجدل. اللجم إخواني جمع لجام وهو الذي يكون على الفرس والخيل. وأما الجدل فهي التي تكون على النوق والجمال، الجدل هذه للنوق والجمال، واللجم هذه للخيل والفرس. فيقول ادفع بنوقك وبجمالك نحو البيداء، نحو الصحراء، دعها تخوض هذه الغمار، ادفع بها.
واجعلها تسرع هذه النوق في جريها حتى تنافس، وهذا قصده بمدافعة اللجم بالجدل، يعني اجعل جمالك تنافس الخيل السابقة لها، وهذا من جميل الوصف. كأن هناك خيل سبقت الطغرائي في هذا الميدان، فيقول اجعل الجمال، طبعًا معروف عادةً أن الخيل أسرع من الجمال إخواني في جريها، لكن الطغرائي إنسان طموح، فيقول لك ادفع نوقك نحو الصحراء واجعل هذه النوق تسرع إسراعًا وتركض ركضًا وتجري جريًا حتى تدافع وتزاحم الخيل في جريها. فاللجم هي كناية عن الخيل، والجدل هي كناية عن النوق. فإذا دافعت وزاحمت النوق الخيل، فهذا معناه أن هذه النوق أصبحت سريعة لدرجة كبيرة جدًا حتى وصلت إلى منافسة الخيل في جريها.
انظروا إلى هذا الطموح العالي، يعني حتى لو كانت ركابك فيها شيء من الضعف، استحث الخطى، حتى لو كان في مشيك ابتداءً شيء من الهوينة، استحث الخطى وأسرع، لعلك تظفر بمزاحمة من سبقك وتعارضه في سيرك وتدافعه. وهذه قمة الطموح في الوصول إلى الآمال. إذًا فادرأ بها في نحور البيد جافلةً معارضات مثاني اللجم بالجدل، عارض وزاحم بنوقك تلك الأحصنة التي سبقتك في هذا الميدان. ثم لاحظو هذا البيت العالي أيضاً، جافلة أخي معناها مسرعة، معنى جافلة معناها مسرعة. يقول صاحبنا بعد ذلك: إن العلى حدثتني وهي صادقة فيما تحدث أن العز في النقل. ما أجمل هذا البيت.
إن العلى حدثتني وهي صادقة، إلى حالة فخمة وتصوير عالي يصور أن العلى تخاطبه. فهو إنسان مؤهل لأن يخاطب من العلى، هذه أول إشارة، أنه إنسان مؤهل لأن تخاطبه العلى ولأن تكلمه ولأن تخبره بالسبيل الموصلة إليها. فيقول يا صاحبي: إن العلى حدثتني وهي صادقة، المعالي لا تكذب أبداً، المعالي دائماً صادقة فيما تخبر به. إن العلى حدثتني وهي صادقة فيما تحدث أن العز في النقل. تريد العز؟ تريد الوصول إليه؟ عليك بالنقل. النقل يعني أن تخوض غمار الأسفار وأن تداهم الأخطار وألا تبقى في مكانك ماكثاً كالماء الآسن.
العلى إذا حدثت صاحبنا الطغرائي أنها، أو أنك إذا أردت أن تظفر بها فعليك أن تتنقل وأن ترتحل وأن تبذل وأن تتحرك وألا تبقى في بيتك كسولاً متعاجزاً متقاعساً. إن العلى حدثتني وهي صادقة فيما تحدث أن العز في النقل. هذا البيت إخواني يشبه بيت ذكره ابن الوردي في لاميته، إذا كان معنا أحد الأحباب الذين درسوا لامية ابن الوردي. قضية اتفق عليها العقلاء أنه من كان يبحث عن العلا وعن الشريف وعن الخصال الحميدة وعن قوة العقل وجودة الذهن فعليه أن يتنقل ولا يبقى في مكان واحد. من يبقى في مكان واحد يبقى ضعيفا، ومن يتنقل ويذهب ويخوض ويذهب يمينا وشمالا ويخوض الأخطار ويغامر هذا هو الذي يكتمل له المجد ويظفر بالعلا. هناك أبيات في لامية ابن الوردي التي شرحناها في غراس تجدونها على اليوتيوب تكلم فيها ابن الوردي بهذا المعنى الذي طرحه الطغرائي.
ما هي هذه أبيات؟ أنا أنتظر إذا كان بعض الإخوة الذين درسوا معنا لامية ابن الوردي يتذكرون هذه الأبيات. هذه الفكرة فكرة أن اكتمال الإنسان إنما يكون في تنقله وألا يبقى في مكان واحد. ماذا قال ابن الوردي في لاميته؟ ودائما القضية لما يتفق عليها العقلاء والكل يتوافق على نقلها اعلموا أنها قضية حتمية محسومة وليست وجهة نظر. لما يتفق العقلاء على نقلها معناها الكل جرب وعرف هذا الأمر، فعليك أن تعض عليه بالنواجذ. إذا كان هناك أحد درس معنا لامية ابن الوردي هناك أبيات ذكرها ابن الوردي في لاميته قريبة من هذا المعنى، ننتظر منكم إجابة.
حتى لا أطيل على الإخوة أو باقي الإخوة، يقول ابن الوردي في لاميته: حبك الأوطان عجز ظاهر، فاغترب تلقى عن الأهل بدل، فبمكث الماء يبقى، وسرى البدر به البدر اكتمل. يقول ابن الوردي في لاميته: حبك البقاء في الأوطان وعدم رغبتك في السفر وخوض الغمار في هذه الحياة هذا عجز ولا تظن أنه ممدحة. حبك الأوطان عجز ظاهر، طب هو لا يقصد أن حب الوطن غلط، لا، هو يقول: حبك للمكوث في الوطن ورغبتك عن الانتقال عنه في طلب المعالي هذا هو العجز، وأما الإنسان يحب بلده هو مواطن رأسه، لكنه يقصد العجز عند كثير من الناس الذين لا يحبون الانتقال، سواء الانتقال في داخل الوطن أو الانتقال عموماً، الانتقال الحركة في طلب المعالي.
يقول في مثلاً عالي ابن الوردي: قال فبمكث الماء يبقى آسناً. بقاء الماء في مكانه فترة من الزمن ماذا يحدث فيه؟ إذا لم ينتقل الماء ولم يتحرك الماء هذا يصبح آسن، يعني ماء له رائحة كريهة لا يصلح للاستعمال. فبمكث الماء بقاء الماء في مكانه يجعله يصبح آسناً. وسرى البدر به البدر اكتمل، وأما القمر لما كان يسير في أبراج ويسير في منازله برجاً بعد برج ومنزلاً بعد منزل، هذا هو السبيل إلى اكتماله. يعني هل كان القمر سيصبح بدراً مكتملاً لولا أنه يسير في المنازل رويداً رويداً؟
وتشبيه ابن الوردي اكتمال الإنسان في تنقله أفضل من تشبيه الطغرائي الذي سيأتي معنا الآن لاكتمال الإنسان في التنقل. سيأتي الطغرائي يضرب لنا مثلاً في اكتمال الإنسان بالتنقل، لكن ابن الوردي تمثيله أدق، يقول: وسرى البدر به البدر اكتمل. هل كان البدر سيصبح بدراً ويكتمل لولا أنه يسير ويتنقل من منزلة إلى منزلة يكون أولًا صغيرًا ثم بعد ذلك هلالًا ثم بعد ذلك يسير يسير إلى أن يصبح بدرًا مكتملًا؟ فجرى فتحرك القمر هو الذي أوصله إلى الاكتمال. وكذلك تحركك أيها الإنسان وتنقللك في هذه الحياة هو الذي يوصلك إلى معالي الأمور، وأما بقاؤك في منزلك نائمًا فهذا صدقني لن يجعلك تظفر بشيء.
ثم يقول الطغرائي مؤكدًا لهذه الفكرة: لو أن في شرف المأوى بلوغ منى لم تبرح الشمس يومًا دارة الحمل. لو أن المأوى يعني المكوث في المأوى أي في المنزل لو كان له شرف في بلوغ المجد والمنى لكانت الشمس لم تتحرك في أبراجها ولا بقيت في برج الحمل وهو أول برج يقولون من أبراج تحرك الشمس ولا بقيت الشمس في برج الحمل ولم تتنقل في مسيرها. يقول لو كان المكوث في المنزل وفي المأوى له شرف إيصالك إلى المنى وإلى العلى وإلى المجد لكانت الشمس إذا بقيت في أول برج من الأبراج وهي الحمل ولم تنتقل منه إلى برج آخر وسيصلها ذلك إلى مناها. وهل هذا يقوله عاقل؟ فاكتمال الشمس واكتمال وجودها واكتمال إنارتها واكتمال إضاءتها إنما يكون بتنقلها من الحمل إلى غيره من الأبراج.
وكذلك أنت أيها الإنسان إياك أن تظن أن مكوثك في منزلك سيصلك إلى المنى، صدقني لن يوصلك إلى شيء، فمن الآن انتبه واعلم أن عليك أن تخوض غمار هذه الحياة وأن تكابد وأن تكافح وأن تكد من أجل أن تصل إلى منيتك وإلى بغيتك. لا ليس هذا أخي الكريم، هي فكرة الانتقال وكما قلت لكم لاحظوا هنا الطغرائي جعل الشمس في تنقلها اكتمال لها، ابن الوردي لا ضرب المثل بالقمر وليس بالشمس فقال ابن الوردي: وسور البدر به البدر اكتمل. والمثل الذي طرحه ابن الوردي أوضح لماذا؟ لأنه حاضر في أذهانكم كيف أن القمر يكون صغيراً وهلالاً ثم يكتمل رويداً رويداً مع مسيره، لكن حضور أن الشمس تكون ناقصة ثم تكتمل رويداً رويداً مع مسيرها هذا لربما أبعد عن الذهن ويحتاج إلى شيء من التأمل. لكن وصفه القمر بأنه يكتمل بمسيره هذا أوضح وأقرب للذهن، لذلك فضلت تمثيل ابن الوردي على تمثيل الطغرائي والله تعالى أعلم.
تمام، إذاً إن العلا حدثتني وهي صادقة فيما تحدث أن العز في النقل. لو أن في شرف المأوى بلوغ منى لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل أي برج الحمل الذي تكون فيه. ثم يقول بعد ذلك: الآن بعد أن رسم لك درب الطموح والآمال وأخبرك به عاد ليرسم لك حظه التعيس. عاد ليرسم لنا حظه التعيس في هذه الحياة الدنيا، فيقول الطغرائي: أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً والحظ عني بالجهال في شغلي. يقول: أنا أهبت بالحظ. ما معنى أهبت؟ أي صرخت وناديت الحظوظ لتحالفني، لو ناديت مستمعاً، يعني يقول ما أحد سمعني، أنادي وأصرخ بالحظوظ لتأتيني، لتحالفني، لتزورني، لتقترب مني، لو ناديت مستمعًا. أين الحظوظ؟
بماذا انشغلت الحظوظ عن الطغرائي؟ يقول الحظوظ انشغلت عني بالجهال. الناس التي لا تسوى شيئًا، الحظوظ هي منشغلة بها. وأما أنا صاحب الفضل وصاحب الفضائل وصاحب الطموح الذي يخوض المغامرات، هذه الحظوظ لا تساعدني. فلاحظوا الآن تصوير لليأس الذي أصابه في هذه الحياة. يقول: لو أن عفوًا أهبت بالحظ، ناديت بالحظ وصرخت به، لو ناديت مستمعًا، والحظوظ الحياة الدنيا مشغولة عني، مشغولة عني بالجهال، تريد أن تزورهم. فهو يعاتب حظوظ الحياة الدنيا. طبعًا هي كلياتها قصيدة شعرية، يعني هي رسم لمعاني ولا يريد الحقائق، لا يعاتب الأقدار، يعني البعض يقول هو الآن يخاصم القدر، أنا لا يظهر لي ذلك إخواني، وإنما هو رسم لحالة كئيبة يمر بها، هذا الذي يريد أن يقوله، لأن الحظوظ لا تحالفني في هذه الحياة لأنها مشغولة عني بمصاحبة الجهال.
ثم يقول: لعله، أي لعل الحظ، والضمير في لعله يعود على الحظ. لعله إن بدا فضلي ونقصهم لعينه نام عنهم أو تنبه لي. لعل هذا الحظ، هو يرجو رجاء، رجاء من أعماق قلبي، لعل هذا الحظ في يوم من الأيام يدرك أنه مخطئ، وأنني أنا صاحب الفضل الذي عليه أن يزورني، وهؤلاء الجهال الذين يأتيهم لا يستحقون هذه الحظوظ الجميلة، أنا الذي أخوض الغمار وأخوض المعالي وأتعب، أنا الذي أستحق كل هذه الفضائل، فيا أيها الحظ، تعال إلي. إذًا لعله إن بدا فضلي، إن تعرف على فضلي وظهر فضلي وتعرف على نقصهم، لعله ينام عنهم ويتركهم ويهجرهم ويتنبه لي ويأتيني. إذا لاحظوا كيف يرسم الأفكار التي تجول في خاطره وتكمن في ذهنه بهذه الصورة الجميلة الرائقة.
يقول لعله إن بدا فضلي ونقصهم لعينيه نام عنهم أو تنبه. ثم يقول بعد ذلك: أعلل النفس بالآمال أرقبها، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. وهذا من أشهر الأبيات في القصيدة، التي تذكر على ألسنة العلماء وأهل العلم والأدباء، هذا البيت. يقول أنا أعلل النفس. ما معنى أعلل النفس؟ كيف أنت تلهي الصبي بلعبة الطفل الرضيع حينما يصرخ، تعلله بها حتى تشغله ليترك البكاء، فهكذا يصور نفسه. يقول أنا ألهي نفسي، هذا معنى أعلل نفسي، أي ألهيها. بماذا يلهيها؟ قال بالنظر إلى الأمل. الظروف حولي قاتمة، والليالي مظلمة، والواقع مؤلم، لكنني أشغل نفسي عن النظر إلى السلبيات وأجعلها تتلهى بالنظر إلى الإيجابيات، إلى الآمال. أعلل نفسي بالآمال أرقبها.
لازم الإنسان إخواني دائما في هذه الحياة ينظر كما يقولون إلى الجانب المليء من الكأس ولا ينظر إلى الجانب الفارغ منها. يقولون النظر إلى الجانب الفارغ هذه سلبية، عليك دائما أن تنظر إلى الجانب المليء منها لأنه يشعرك بالإيجابية، ودائما اجعل نظرتك للحياة نظرة متفائلة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان دائما يدعو إلى التفاؤل ويحب الفأل الحسن، وقال صلى الله عليه وسلم: «من قال هلك الناس فهو أهلكهم» وفي رواية أو أهلكهم. فالإنسان يجب عليه دائما أن يبث الطموح والأمل في نفسه وفي نفوس من حوله ولا يكون دائما قاتم النظرة مظلم خاصة إخواني في هذه الأجواء التي نحياها بعض الناس دائما همه أن يزرع السلبية وأن هذا الوباء سيطول وأن الأيام السوداء قادمة على الأمة وأننا
انتهينا وذهب علينا وأن الموت قد قارب، لا يا إخواني الإنسان في مثل هذه الأمور يسلك هدي محمد صلى الله عليه وسلم في إحسان الظن بالله سبحانه، وفي زرع الأمل وفي النظر إلى الجانب المشرق من هذه الحياة، ويعلم أن الله سبحانه وتعالى قريب مجيب ودود لطيف رحيم يسمع الدعاء ويرفع البلاء ويكشف النكبات ويغفر الزلات.
فالإنسان دائماً لا يستسلم للليأس، لا يستسلم للإحباط، لا يستسلم للضغوط، بل يكون دائماً إيجابياً في نظرته لهذه الحياة، وانظروا الطغرائي على الرغم مما أحاط به من سلبيات في هذه الحياة ومن أحوال متعبة يقول: وعللوا النفس بالآمال أرغبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. فعلا الحياة بتضيق على الإنسان إذا لم ينظر إلى الأمل، إذا بقي محبطاً يائساً فإن الحياة ستضيق به، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. الحياة تضيق بك أخي الكريم إذا لم تكن متفائلاً، فتبسم وتفاءل لهذه الحياة وأحسن الظن بالله.
يعني مصدر التفاؤل عند الإنسان المؤمن هو إحسان ظنه بالله سبحانه وتعالى، أن الله عز وجل يخلفه خيراً ويعوضه خيراً على ما فات، وأن المستقبل القادم هو جميل بإذن الله وأنه سيحقق طموحه وآماله ثقة بالله سبحانه وتعالى، وحسن الظن بالله هو الذي يفتح علينا بوابات الأمل على مصراعيها، ثم قال: لم أرتض العيش والأيام مقبلة فكيف أرضى وقد ولت على عجل؟
أنا لم أرتض العيش ولم أرغب، وهذه هنا قبل قليل أعطانا أملاً، ثم هنا يخبر عن نفسه بشيء من الحزن، يخبر هنا عن نفسه بشيء من الحزن والإحباط، هذه في الحقيقة المشاعر مختلطة في هذه القصيدة، أحياناً تجده ينظر بنفسية الآمل الطموح الذي يملك نظرة إيجابية للحياة، لكن بعد ذلك يعود يرسم لك النفسية الأخرى، النفسية التي يدعو إليها الواقع ويحث عليها الواقع، نفسية التحطم.
فلما يقول لك: لم أرتض العيش والأيام مقبلة فكيف أرتض وقد ولت على عجل؟ يقول: أنا لم أتعلق بهذه الحياة الدنيا في يوم من الأيام ولم أتشبث بها وهي مقبلة علي تبتسم إلي، وهذه هي الأيام التي كان فيها وزيراً صاحب جاه وصاحب مكان، فيقول: أنا لم أرتض العيش أي لم أتعلق به ولم أتشبث بها والأيام تبتسم في وجهي وتقبل علي، فكيف أرضى وكيف أتعلق بالدنيا وأتشبث بها وهذه الأيام قد أدبرت عني مستعجلة وجاء الآن الفقر والوحدة والبعد عن الأهل وذهبت تلك الأيام الجميلة التي كانت تبتسم لي.
فهو الآن يرسم لك نفسية الإنسان المال من هذه الحياة الدنيا، نفسية زهير بن أبي سلمى وهو يقول: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين داراً لا أبا لك يسأم، ويرسم هذه النفسية يقول: أنا لم أتعلق ولم أتشبث بهذه الحياة الدنيا وهي مبتسمة لي مقبلة علي، فهل تريدون مني أن أتعلق بها وأنا أتشبث بها وهي مدبرة عني؟ هذا لا يكون أبداً لصاحب نفس شريفة يأبى ولا يرضى أن يحيا في حياة يكون فيها مذلولاً مطروداً مهاناً، هذا لا يكون لأصحاب النفس الشريفة.
لذلك يقول أصحاب النفوس الشريفة متى ضاقت بهم الدنيا وأظلمت عليهم وشعروا أن الجهال هم الذين يقودون زمامهم تمنوا الموت والرحيل إلى الدار الآخرة، لأنهم يشعرون أنه خلاص يعني هذه الدنيا ما بقي فيها شيء للنفس الشريفة أفعله، لكن مع ذلك نقول لا، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، حتى لو ضاقت عليك الدنيا أيها الشريف، حتى لو رأيت تسلط الجهال على الأفاضل الأكارم فاعلم حسن ظن بالله أن الحياة فيها مجال للأمل وأن الإنسان يجب عليه دائماً أن يبقى متفائلاً، أن الشر لابد وأن يأتي بعده خير، فلا حزن يدوم ولا سرور ولا بؤس عليك ولا رخاء، هكذا الحياة تتقلب.
تأتي نعم فترات صعبة فيها ضيق فيها شدة، يتسلط الأراذل على الأفاضل، لكن سيأتي يوم ما يشرق فجر لهذه الأمة ويأتي الأفاضل ليقودوا مسيرة التاريخ وليصنعوا حضارة جديدة لنا، نبتسم من جديد ونضحك من جديد ونفرح لأننا تركنا بصمة في هذه الحياة الدنيا في هذه الحضارة قبل أن نغادرها إلى الله سبحانه وتعالى.
سأكتفي إخواني بشرح هذه الأبيات اليوم، وغداً بإذن الله نكمل الجزء الأخير والطرف الأخير من هذه القصيدة مع صاحبنا الطغرائي رحمة الله تعالى عليه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل