دخولتسجيل الدخول

الدرس 3

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غال بنفسه عرفاني بقيمتها فصنتها عن رخيص القدر مبتذل. غالى اخواني معناها أي طلب الغلاء، هذا معنى الفعل غال، أي طلب الغلاء وارتفاع الثمن.

غالى بنفسي عرفاني بقيمتها، ماذا يقصد بذلك؟ يقول معرفتي بفضائل نفسي وطاقاتي وإمكانياتي، معرفتي بقدراتي وطاقاتي وإمكانياتي وفضائلي جعل نفسي عندي لها قيمة وجعل لها ثمنا باهظا؛ من أجل ذلك صنت هذه النفس عن مرافقتي وعن مصاحبة الرجل الرخيص القدر المهان.

إذا هو يعطينا الآن عن شخصيته، ويتكلم لنا أني أنا رجل أعرف إمكانياتي، أعرف فضائلي، أعرف ما وهبني الله عز وجل من الكرائم، فلذلك اصبحت نفسي عندي ثمينة ليست رخيصة أبذلها في مرافقة أي شخص في هذه الحياة الدنيا، لأن نفسي غالية شريفة قدرها وثمنها عال، صنتها عن مرافقة كل رجل رخيص مبتذل لا يحمل أي همة أو أي طموح أو كان سفيها أو أحمق.

نفسي لا ترضى أن تصاحب هذا النوع من الرجال، وهذا نوع من الاعتداد بالنفس وثقة الرجل بإمكانياته وما منحه الله عز وجل من المواهب ومن الأخلاق.

ثم يقول بعد ذلك: وعادة النصل أن يزهى بجوهره وليس يعمل إلا في يدي بطلي.

الآن هنا يرسم لنا صورة محزنة في الحقيقة، يرسم لنا صورة ذاك الرجل الذي يمتلك إمكانيات وقدرات كبيرة جدا، لكنه لا يجد من يوظف هذه الإمكانيات وهذه الطاقات، وهذا أكثر شيء مؤلم على الإنسان الشريف؛ أن تكون عنده أحبتي طموحات وآمال ويكون عنده قدرات عقلية وفكرية وعلمية ورجل قادر على الإنتاج، لكنه لا يجد شخصا يأخذه ويستثمره ويوظفه، فهو يبحث عن من يستثمره لكنه لا يجد، بالتالي لن يستفيد هذا الإنسان من قدراته ومن طاقاته وإمكانياته الكامنة فيه؛ لأنه لم يجد من يستثمر له هذه الطاقات في الشيء النافع.

فكيف صور لنا هذه الفكرة؟ يقول عادة النصل، النصل هنا هو السيف، يقول عادة النصل يعني هو طبعا لاحظوا أنه يشبه نفسه بالسيف، والسيف يمتدح عند الناس بمعدنه وجوهره الذي صنع منه.

فيقولون: ما شاء الله، هذا سيف ممتاز، صنع من معدن الحديد أو من الفولاذ أو من شيء ما شاء الله مكين، فالناس أو السيف يمتدح ويزهى بجوهره ومعدنه الذي صنع منه، وبما في هذا السيف من الإمكانيات والفضائل، لكن هذا السيف في النهاية لو صنع من أحسن المعادن ومن أحسن الجواهر ومن خير الأمور وفيه صفات عالية جدا وكان بتارا قاطعا، لكنه لم يوضع في يد فارس شجاع بطل يستعمله لن يكون له أي قيمة، وهذا منطقي.

السيف لو صنع من أجود المعادن ومن أحسنها ومن أنفسها، لكنه لم يستعمل ولم يوظف في يد فارس شجاع مقدام بطل يضرب به، هل في النهاية هناك فائدة من معدنه وجوهره؟ ما في فائدة.

وإنما الفائدة إنما تظهر للسيف صاحب المعدن النفيس إذا وقع هذا السيف في يد رجل مقدام بطل يضارب به، وهذا هو رحمة الله عليه أنه سيف مليء بالفضائل، مليء بالخصال الكريمة، مليء بالطاقات والإمكانيات والعلوم والحكمة، لكنه لا يجد من يستثمره، لا يجد من يوظفه، لا يجد من يستعمله في هذه الحياة الدنيا، بالتالي هذه الطاقات والإمكانيات أصبح لا قيمة لها في الحياة العامة لأنها لم توظف ولم تستعمل.

نعم هي في وجهة نظره شيء يمتدح به لنفسه، لكن في الواقع الخارجي لم تترجم هذه الطاقات وهذه الإمكانيات، وهذا شيء مؤلم جدا للطغرائي كما قلنا ولكل صاحب نفس شريفة، يحزن الإنسان أن يجد طاقاته وإمكانياته تذهب هدرا لعدم وجود من يوظفها ومن يستعملها، فيقول: وعادة النصل، عادة السيف أن يزهى ويفتخر ويمتدح بالجوهر والمعدن، الجوهر يعني المعدن الذي صنع منه، لكنه وليس يعمل إلا في يدي بطلي.

هذا السيف مهما كان المعدن الذي صنع منه فإنه لن يعمل إلا في أيدي الشخص البطل الفارس المقدام الذي يوظف هذا السيف ويستعمله في أمور الحياة، هو هنا الطغرائي ينتظر من يأتي ليأخذ بيديه ليستعمله ويوظفه من مسؤولي الدولة أو من أصحاب المقامات العليا فيها، تمام.

ثم ماذا يقول بعد ذلك؟ يقول: ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني حتى أرى دولة الأوغاد والسفلي.

يقول أنا ما كنت أود وما كنت أحب أن يمتد بي العمر، وما كنت أرجو أن يمتد بي العمر حتى أرى دولة، الدولة هنا ليست دولة معينة، المراد بالدولة هنا الظهور والغلبة، حتى أرى دولة أي غلبة الأوغاد والسفل على أمور الناس، فأصبحوا هم الذين يقودون العامة بدلا من أن يقودهم العقلاء الأفاضل، فهو يشكو زمانه الذي يحياه، فيقول ما كنت أتمنى وأطمح أن تطول بي الحياة حتى أدرك وأرى بعيني الأوغاد وسفلة الناس هم الذين لهم الغلبة والقهر في المجتمع وهم الذين يأخذون بزمام الأمور ويديرونها.

هذا شيء مؤلم كما قلنا لأصحاب النفوس الشريفة، خاصة لمن كان مثل الطغرائي كان رجل وزير وفي منصب عالي ويشتغل في القصور الأميرية وصاحب رأي في الدولة، ثم بعد ذلك يطرح هذا الرجل ويهمل ويبقى وحيدا لا يستشار ولا ينظر في رأيه ولا يستفاد من حكمته، وهو يرى الطغام والجهال والسفهاء والسفلة هم الذين يقودون العباد ويأخذون بها.

والنتيجة إذا كان السفلة هم الذين يقودون المجتمعات فإن الضريبة ستكون عالية على الأمة، لذلك الحكماء يحزنون حينما يرون الأمة وصلت إلى هذه الحالة المبتذلة، نسأل الله أن يرفع وأن يعلي من شأن أمتنا.

ثم بعد ذلك: ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني حتى أرى دولته أي غلبة الأوغاد والسفل على أمور الناس.

تقدمتني أناس كان شوطهم وراء خطوي لو أقيم على مهلي. هذا البيت عالي إخواني، هذا البيت عالي التوصيف، الرجل يقول تقدمني السفلة والسفهاء في المجتمع، ما زال يكمل نفس الفكرة السابقة، تقدمني أناس في المجتمع وأصبحوا أمامي وأصبحوا هم أصحاب الوجاهات والذين يذهب إليهم ويقصدون وهم الذين بأيديهم المناصب والدولة، تقدمني هؤلاء الناس، لكن هؤلاء ناس كان في الأصل شوطهم ومكانهم خلفي لو كنت أمشى على مهل في طلب المعالي والفضائل.

يقول تقدمني أناس في المجتمع وأصبحوا الآن أمامي ولهم الوجاهة ولهم الرأي واليهم يرجع، هؤلاء الناس الذين تقدموني كان شوطهم وكان محلهم وكان مكانهم وراء خطوي ما كانوا أمامي فيما سبق، كان شوطهم وراء خطوي لو كنت أنا مجرد أمشي مشي في طلب المعالي، فكيف وأنا كنت أهرول هرولة وأركض ركضا في طلب المعالي، فأين الأصل أن يكون مكانهم؟

لاحظوا لو كنت أمشي لكنهم بالتالي هذا حرف امتناع فهو لم يكن يمشي إلى المعالي بل هو كان يهرول يركض ويسرع إلى المعالي، فإذا هؤلاء الناس الذين تقدموه الأصل أن يكونوا بعيدين عنه، لا يلتفت إليهم، لكن تقلب الزمان وأصبح الأناس الذين كان مكانهم في المجتمع أن يكونوا خلف الطغرائي بدرجات ودرجات أصبحوا هم المقدمين أصحاب الحظوة بين الناس.

وهذا في الحقيقة أيضا من الأمور المؤلمة لشخصية كشخصية الطغرائي أن تكون مقدما في مجتمعك السفلة والجهال لا قيمة لهم، ثم تنقلب حكايات الزمان عليك، فترى الناس الذين كنت تسبقهم بخطوات وأشواط تراهم الآن يتقدمون عليك، هذا حقيقة شعور متعب جدا للنفوس الشريفة، جدا متعب والله.

إذا تقدمتني أناس كان شوطهم وراء خطوي لو أمشى على مهلي. هذا جزاء امرئ أقْرانه درجوا من قبله فتمنى فسحة الأجل.

الآن هو يلوم نفسه، الآن هو يلوم نفسه رحمة الله تعالى ويقول يعني كأنه بيقول يستاهل يا طغرائي، هذا جزاء إنسان أقرانه، الأقران هنا المراد به أمثاله من أصحاب الشرف والفضل، يقول هذا جزاء إنسان أمثاله من أصحاب الشرف والفضل غادروا هذه الحياة الدنيا إلى الدار الآخرة، وهو تمنى أن يطول به العمر وأن يفسح له في أجله وأن يطيل الله في عمره، أنت يا طغرائي تمنيت، هو الآن يخاطب نفسه، أنت الذي تمنيت أن تبقى بعد أقرانك من أهل الفضل والشرف، أن تبقى في هذه الحياة وأن يمد الله عز وجل في عمرك، الله عز وجل أطال في عمرك حتى أدركت دولة الأحقاد والسفل، فهو الآن كأنه يوجه اللوم إلى نفسه، يوجه اللوم إلى نفسه، يا نفسي أنت أيها النفس تستحقين ما حصل بك؛ لأنك تمنيت طول العمر وطول الحياة، مع أن أقرانك أي أمثالَك من أهل الشرف والفضل غادروا هذه الحياة الدنيا إلى الدار الآخرة ودرجوا ذهبوا وانتهى أمرهم وأصبحوا الآن تحت الثرى، وأنت تمنيت طول العمر، أنظري ماذا كانت النتيجة، أنك وصلت إلى هذه الحال ورأيت العجب العجاب ورأيت ما يؤلمك وما يزيدك غيظا، جميل.

لاحظوا إذا كيف يرسم لنا المشاعر، هي رحلة من المشاعر الشخصية يبثها لنا الطغرائي في أيام حزنه في بغداد، رحمة الله تعالى عليه.

ثم بعد ذلك بعد أن عاتب هذه النفس عاد ليرفع من المعنويات، الآن لاحظوا المشاعر المختلطة كما قلت، أحيانا يعاتب، أحيانا يرفع الأمل، أحيانا ينظر إلى الجانب المشرق، أحيانا ينظر إلى الجانب الكئيب، فهي مشاعر مختلطة يبثها، وهذا من جماليات القصيدة أن تلمس شخصية الشاعر وما يمر به الآن من الخطرات، هذا ما يزيد القصيدة جمالا أنه ما يكون فيها تكلف، لا، الشاعر على سجيته يعطيك الخطرات والأفكار التي تنبعث منه، فتأتي مشاعر مختلطة، أحيانا أفكار في الأمل، أحيانا أفكار في الحزن، أحيانا يعاتب النفس، أحيانا يسليها، وعلى هذا تمضي القصيدة، فانت تشعر بصدق الشاعر فيما يبثه، وفيما يلقيه بين يديك، وهذا يزيد من قبول النفس لها، لا يشعر أن الشاعر يتكلف الأفكار ويحاول أن يشعرك أنه في درجة عالية من المثالية، لا، لا، يقول لك أنا هذه مشاعري الآن، عندي أمل بس عندي أيضا ألم، عندي معاتبة نفس، لكني برضه لازم أرفع معنوياتي، هذه الخلطة التي خلطها لنا تشعرنا بمصداقية هذا الشاعر فيما يبثه.

فانظروا الآن كيف يسلي نفسه فيقول: ومن دوني فلا عجب لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحلي.

يقول ما في مشكلة حتى لو علاني في المجتمع السفلة والأوغاد والجهال وأصبحوا هم الذين يقودون عجلة الحياة، حتى لو هذا وقع معي لا أشكال أيتها النفس، فإن لك أسوة وقدوة بالشمس، فإن الشمس المبهجة المضيئة صاحبة الفضائل مرتبتها دون مرتبة زحل ذاك الكوكب المظلم الذي لا ينتفع الناس بنوره، طبعا قضية أنه كيف الشمس أدنى مرتبة من زحل هذا يتعلق إخواني بالفكرة التي كانت سائدة في المجتمع القديم عن علاقة الشمس بالكواكب، ويقولون إن زحل كان في الفلك السابع والشمس في الفلك الرابع، وأظن هذه الأفكار اليوم يعني اختلفت بعد التطور المعرفي، فأنا أحاكمه إلى زمانه فيما كان يتصور فيه من علاقة الشمس بباقي الكواكب، وأن الشمس مثلها مثل باقي الكواكب كلها تدور في أفلاك، لكن فلك الشمس أدنى من فلك زحل، وهذا أكثره مخالف لما يثبت في العلوم الحديثة.

فالمهم هذا التشبيه إنما يتلائم مع ما كان سائدا في زمانهم عن علاقة الشمس بالكواكب والأجرام السماوية، فكانوا يعتقدون أن مرتبة الشمس أو فلك الشمس الفلك الرابع، وأن فلك زحل الفلك السابع، والفلك السابع أعلى من الفلك الرابع وأرفع درجة منه، فبالتالي يقول الطغرائي رحمة الله عليه: أيتها النفس لا تحزني إن علاك في المجتمع السفلة والجهال، لا تحزني، فلك قدوة بالشمس، فإن الشمس كما قلنا المشرف المضيء التي ينتفع بها الناس تنزل في مرتبتها عن زحل الذي يعلوها وزحل لا ينتفع الناس بنوره ولا يستفيدون بضيائه، فاذا الحمد لله لنا في الشرف قدوة، لنا في الشرف قدوة وهو الشمس، كيف أن الشمس بعلوها وشرفها جاء من هو أقل نفع منها للناس وعلاها؟ وكذلك أنا الطغرائي على ما عندي من الفضائل والخيرات والخصال الكريمة جاء من هو أسفه وأجهل وعلاني وارتفع علي.

طبعا هذه أفعال التفضيل ليست على تفضيلها؛ لأنها لو كانت على تفضيلها لكان الطغرائي داخلا في الجهلاء، وإنما المراد أنه جاء السفلة والجهال وارتفعوا في المجتمع وبقيت أنا صاحب الفضل، هكذا الحياة تتقلب بالإنسان، ويقول: هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا من قبله فتمنى فسحة الأجل، وإن علاني من دوني فلا عجب لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحلي، تمام.

بعد ذلك نكمل مع صاحبنا يقول بعد ذلك: فاصبري أيتها النفس، فاصبر لها أي فاصبر لهذه الحياة، فاصبر لها غير محتال ولا ضجر وفي حادث الدهر ما يغني عن الحيل.

اصبر على هذه الحياة ولا تبحث عن حيلة ولا تبحث عن حيلة وعن مكر وعن دهاء حتى تعود لك الصولة على هؤلاء السفهاء الجهال، اصبر على ما أصابك.

اقنع بما بين يديك ولا تبحث عن حيلة عن تحيل عن طريقة عن مكر عن دهاء حتى تصبح لك الدولة أنت على هؤلاء السفلة وعلى هؤلاء الجهال. اصبر على ما أصابك، اصبر لها غير محتال ولا ضجر. ولا تشعر بالضجر والضيق والحزن على ما أصابك؟ لماذا طيب؟ يقول: في حادث الدهر ما يغني عن الحيل، دع الدهر هو الذي يحتال لك، فإن الدهر ولا يبقى على حال واحدة.

فهؤلاء السفلة وهؤلاء الجهال نعم الدولة لهم الآن والغلبة لهم، لكن مع مرور الأيام ستنقلب الأمور ولعلك تسعد من جديد أيها الطغرائي، ولعلك تسعد من جديد في حادث الدهر أي في حوادث الدهر وفي بالناس ما يغنيك أنت عن أن تحتال. ما يغنيك أنت عن الاحتيال، لا تحتل هذه الدنيا ودع الحياة الدنيا هي التي تتقلب فلعلها تسعدك بعد أن أحزنتك، وهذا موقف عال منه وعقلاني. لأن الإنسان إذا يريد أن يغالب السفلة والجهال الذين بأيديهم زمام الأمور في الدولة قد يسبب هذا له الكثير من المشاكل والكثير من الهموم هو في غنى عنها، فيقول: اصبر يا طغرائي ودار هؤلاء السفلة والجهال الذين يقودون المجتمعات، دارهم فإن حوادث الدهر وإن أيام الدهر تتقلب ولعل الدهر هو الذي يكيد لك ويجعلك ترتفع من جديد عليهم وأنت سلمت من الاحتيال ومن الوقوع في حبائل أو نتائج هذا الاحتيال.

إذا فاصبر لها غير محتال ولا ضجر، في حادث الدهر ما يغنيك أنت من أن تحتال، خلّ الزمان هو الذي يقلب الأمور والله سبحانه وتعالى يصرفها من عنده عز وجل. طبعا صحيح الطغرائي أحبائي يخاطب الدهر ويتكلم عن الدهر، لكنه رجل مؤمن هو يعلم أن هذا الدهر إنما يتقلب بيد الله الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى، لكن هذه هي طريقة الشعراء في شكاية الأيام والأحوال وتقلباتها أنهم ينسبونها إلى الدهر مع أنهم يعلمون أن الذي يصرفها وهو رب الدهر عز وجل، وهذا يسمى عندنا في البلاغة الإسناد المجازي؛ أن تسند الفعل إلى من ليس له حقيقة، وتريد بذلك شيئا أو شكلا من أشكال المجاز لعلاقة من العلاقات، فإن علاقات مجاز العقلي أو المجاز الإسنادي كثيرة، ولربما تطرقنا إليها في دورة شرح مئة المعاني والبيان العلاقات في الإسناد المجازي.

لأن بعض الناس قد يظن أنه لماذا الطغرائي يسند هذه الأقدار وهذه التصرفات إلى الدهر؟ ألا يؤمن أن الله عز وجل هو الذي يصرف الأمور؟ هو يؤمن إخواني، لكن هذا يسمى إسناد مجازي، وليس لك أن تحكم على هذا الرجل بأنه دهري أو قدري لمجرد هذه العبارات المجازية، فإن هذا منتشر شائع في الأشعار القديمة وعند فضائل أهل العلم، لذلك مثلا الشعر المنسوب إلى الشافعي: دع الأيام تفعل ما تشاء، وطب نفسا إذا حكم القضاء. كيف يقول دع الأيام وطب نفسا إذا حكم القضاء؟ كيف يقول ذلك؟ هذا كله كما قلنا من قبيل الإسناد المجازي ولا حرج في ذلك عند أهل العلم.

إذا أين وصلنا؟ إذا يقول: لها غير محتال ولا ضجر، لا تحتل ولا تبحث عن حيلة حتى تظفر، ولا تتضجر ولا يضيق صدرك مما أصابك في حادث الدهر أيغني عن الحيل! وما أجمل هذا البيت! في حادث الدهر ما يغني عن الحيل. إخواني الأيام تتقلب ولن تبقى الأمور على ما هي عليه، ثم يقول: أعدى عدوك، الآن بدأ يتكلم عن نظرات له في الحياة، بدأ يتكلم رحمة الله تعالى عليه عن نظرات له في الحياة، والظاهر أن الأبيات في شيء من يعني النزول والصعود.

بدأ يتكلم عن نظرته للحياة وللمجتمع، فما هي نظرة الطغرائي للحياة؟ يقول: أعدى عدوك أدنى من وثقت به، فحاذر الناس واصحبهم على دخلي. أي اصحبهم على تحفظ منهم وعلى تيقظ منك وعلى دهاء. نظرة فيها شيء من السوداوية للناس خلينا نقول، يقول: عدوك أعدى عدو لك هو أدنى الناس منك هكذا يقول، أعدى عدوك أدنى من وثقت به، فحاذر الناس اصحبهم على دخلي، فكن على حذر من الناس. فكن على حذر من الناس وتحفظ وتيقظ وتيقظ حتى من أقرب الناس إليك.

هل توافق الطغرائي في هذه النظرة أحبائي؟ نطلب المشاركة من الجمهور، هل توافقون الطغرائي رحمة الله تعالى عليه على هذه النظرة؟ يقول لك: كن حذرا من أقرب الناس إليك، طبعا هو يصورها بصورة أعمق يقول: أعدى عدوك يعني اشد الأعداء لك هم اقرب الناس إليك، فيطالبك أن تكون على حذر من الناس. هل توافقون الطغرائي على هذه النظرة للصحبة وللصداقة؟ أم يمكن أن نحمل كلام الطغرائي على شيء معين أو على موقف معين من مواقف الحياة مرت به حينما كان في منصب الوزارة؟ انتظر منكم إجابة.

يعني ممكن تكون حذر لكن ليس بهذه الشدة. طبعا اخي الكريم أنت أحيانا كيف أقول؟ التذوق الشعري يقتضي منا أن نعرف أن الرجل هو لا يقصد حقيقة ما تقول، وإنما يقصد المبالغة في التنبيه، وهذا نوع من أنواع الإغراق في التمثيل والوصف، أنه إذا بدي أحذرك من شغلة أنا ممكن مش مقتنع بشدة تحذيري بس أنا مضطر أني أشد وأن أبالغ في التحذير حتى تكون منتبه، يقول قد يكون صحيحا يقول أبو قيس: قد يكون صحيحا إن رأينا القرائن وإلا الأصل حكم ما يظهر من كل أحد، التعميم لا شك خاطئ.

طبعا هنا يا إخواني أنا أريد أن أعلمكم قضية في قضية التذوق الشعري أو أمر في قضية التذوق الشعري؛ لما تتذوق الشعر لا تظن أن الشاعر الآن يتكلم بالمنطق العقلي، الشعر بطبيعته لابد فيه من مبالغات، وهذا خطأ يمارسه بعض الطلبة أو بعض أحبابنا أو حتى بعض دكاترة الجامعات الذين يتكلمون في الأمور الأدبية يحاكم النص الشعري على العقل تماما، إن عقل بحكي هذا خطأ. وهذه الطريقة في تذوق الشعر ليست صحيحة، لا تحاكم نصوص الشعراء ومشاعر الشعراء حينما يبثونها إلى منطق العقلي واحد زائد واحد، هذا يصعب؛ لأن الشعر لابد فيه من مبالغات تزيد المعنى جمالا.

لابد فيه من مبالغات تزيد المعنى جمالا أو تزيد الفكرة وضوحا، بعيدا عن أنه هل هذه الألفاظ بحد ذاتها توافق العقل أو لا توافقه، أنا هذا الذي أريد أن أختبر به؛ هل نحن حينما نتذوق الشعر نتذوق الشعر بالميزان العقلي البحت والقواعد العقلية، ولا نتذوقه بطريقة أدبية؟ التذوق الأدبي يختلف عن التذوق العقلي باختصار. التذوق العقلي لو نظرت لهذا البيت من ناحية عقلية بحتة سأقول كما تقولون، لكنني لا أتذوق البيت بهذه الطريقة، أتذوقه من ناحية أدبية فقط، وهي أن الرجل يريد أن يقول لك: كن متيقظ حتى من الناس الذين يحومون حولك.

وهذا الرجل أنا متأكد أنه قرص لما كان في منصب الوزارة وفي مناصب الدولة من أشخاص يبتسمون له ويزورونه في بيته ويأتونه بالهدايا وسعادتك وفضيلتك وكانوا يمكرون به، وهذا الرجل يتكلم عن تجربة حياة إخواني، يتكلم عن تجربة حياة لا يتكلم عن فراغ، ليس إنسان مغمور لم يعرف ولم يخض ولم يجرب، يقول لك: أقرب الناس إليّ ما كنت في المناصب العليا هم الآن الذين انقلبوا علي وباعوني، فبالتالي علي أن أفهّم كلامه بهذا المنظور وبهذه الزاوية.

بهذه الزاوية إنسان جرب في الحياة ويعطيك معلومة أن الناس اللي كانوا حواليهم، الناس اللي قرصوني، فخلص خذها مني: احذر كل الحذر من الناس الذين يكونون حولك ويحومون حولك. وهذه النظرة لها جانب كبير من الصحة، هذه النظرة لها جانب كبير من الصحة، وإذا نظرت إليها من جانب أدبي قد نتفق معه، فإن تجارب الحياة بالإنسان تعطيه أن ينبغي أن يكون الإنسان العاقل على حذر عموما، حتى الناس الذين حولك تحبهم وتودهم وتحسن الظن بهم، لكن هذا لا يمنع أن تحافظ على سرك وأن تكتم كثيرا من الأمور لأنك لا تعرف تقلبات الزمن بمن حولك. ارفع ارفع سقف المعقولات واخفض سقف التوقعات. جيد.

لأ كما قلنا الآن أنا لست مع الخطاب العقلي في الأبيات الشعرية يعني العقلية الزائدة وفي محاكمة التذوق الأدبي تلفه وتفسده في الحقيقة، يعني إذا كنت تعامل الأبيات بعقلية بحتة هذا سيفسد البيت عليك، حاول أن تستشعر الجمالية وحاول أن تأخذ المقصد من وراء التمثيل أو التشبيه. يعني خذ الفكرة وأن تصغها في نفسك ولا تقف مع الحروف، فإن الحروف والتشبيهات إنما منها إحداث جمالية للمعنى أو مبالغة فيه أو ما شابه ذلك، والله تعالى أعلم.

طيب دعونا الآن ننتقل إلى البيت الذي يليه؛ إذا أعدى عدوك فحاذر الناس واصحبهم، وانظر بعد ذلك ماذا يكمل في طرح هذه الفكرة. يقول: فانما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا على رجل، فانما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا على رجل. أقول لك: الفارس الرجل، الرجل في هذه الحياة الدنيا، الرجل الفرد في هذه الحياة الدنيا هو الذي يعتمد على نفسه ولا يتكل على الآخرين.

ولاحظوا هذا ترسيخ آخر للفكرة التي يريدها؛ اعتمد على نفسك. طبعا بعد اعتمادك على الله سبحانه وتعالى فالاعتماد على الله أولا هو فوق كل شيء، لكنه كما قلنا الطغرائي الآن يتكلم من الناحية الأدبية: عليك يا واحد الدنيا أن تعتمد على نفسك، فإن فارس الفرسان ورجل الرجال والفرد في هذه الحياة الدنيا الرجل الذي لا مثيل له هو الشخص الذي يعتمد على نفسه ولا يتكل على الناس. طبعا هل الإنسان يستطيع أن ينجز كل المشاريع في الحياة الدنيا وهو يعتمد على نفسه فقط؟ أيضا من لو أتينا من ناحية عقلية سنجد أن هذا الكلام ليس بصحيح، الإنسان لابد وأن يكون مدنيا كما ذكرنا في مناقشتنا كتاب الأخلاق والسير لابن حزم الظاهري، الإنسان مدني بطبعه لابد وأن يحيا مع الناس وأن يقضي حوائجه من خلال التفاعل معهم.

لكن كما قلنا هذا فراق أيضا في توصيتك، يعطيك توصية أنه اعتمد على نفسك ولا تنتظر من الناس أن يقفوا معك، وهذا الكلام له وجهة صحيحة إخواني. أصحاب المشاريع، أي مشروع فكري علمي حضاري صناعي تجاري، إذا أراد أن ينجح هذا المشروع أولا يعتمد على الله سبحانه وتعالى، ثم عليه أن يققيم هذا المشروع على عظامه هو وعلى طاقاته هو، تستفيد من خبرات المجتمع، لكن بعض الناس للاسف يعني إذا فشل مشروعه يقول: الناس ما وقفوا معي، الناس ما ساعدتني، فلان ما مشى معي في طريقي لذلك فشل.

لا أخي الكريم، عليك أن تعتمد إذا أردت أن تصنع مشروع وكان عندك فكرة تريد أن تبثها في المجتمع أو مشروع صناعي أو طبي أو ما شابه ذلك، إياك أن تظن أن الناس كلها تفكر بك، عليك أنت أن تبذل الجهد وأن تسهر الليالي وأن تتعب وأن تنصب وأن تحقق مشروعك، استفد من الناس، خذ الخبرات، انظر من يستطيع أن يشاركك في هذا الطريق، لكن أن تنظر أن الناس كلهم أو أن الناس كلهم سيقفون معك ولن يتركوك وبالتالي إذا وقع فشل في المشروع تبدأ تلوم الناس! كن واقعيا في الحياة، كن إنسانا في العادة يلتفت إلى نفسه، وقل وقل وقل أن تظفر بشخص يعضده ويأزره إلى نهاية الطريق، هذا قليل جدا.

يا أصحاب المشاريع يا أصحاب يا صناع الحضارة يا من تبحثون عن وضع بصمات، عليكم أن تعلموا أن الطريق ستخوضونه أنتم ابتداء، وإياكم أن تلوموا الناس على عدم سيرهم معكم، فإن المشروع إنما ينهض على عظامكم وعلى أوقاتكم وعلى أعماركم، والفارس والرجل كل الرجل في هذه الحياة هو الذي يعتمد على نفسه كما قلنا بعد اعتماده على الله عز وجل في إنجاح مشروعه وإبراز خطته إلى أرض الواقع. أحسنت يا شيخ إبراهيم عميرة، يعني هي قضية إحسان الظن بالناس تكون حاضرة، لكن كما قال لك الإنسان الذكي الفطن في هذه الحياة الدنيا لا يبوح بكل ما عنده، وهذا ما نقصده، أنه الطغرائي إنسان قرص، يعني بقول لك عن تجربة حياة: أنا قرصت ممن حولي، هكذا يقول، ولربما كثير منا أحبائي من قرص ممن حوله وممن كان يثق به من أصحابه، وهذا كثير وقع في الحياة، ولاصحاب خاصة التجارب والمغامرات والمناصب اللي عندهم تحركات وصولات ودولات هم الذين يقرصون، الإنسان النائم في بيته لا أحد يلتفت إليه حتى يقرص.

لكن من خاض رحلتي الحياة وعنده تجارب علمية أو فكرية أو صناعية أو تجارية يعرف ما نقول؛ كيف أناسان يكونون على ود وعلى حب وعلى صداقة وليس لها نظير، يدخلون في مشروع تجاري فتتقلب الأمور وتظهر الأحقاد وتتقلب وهذا ينكر بهذا: يا فلان ألم يكن فلان صديقك؟ ألم مع بعضكم ما أجمل الحياة بينكم؟ ثم تنقلبون! فهذا كثير إخواني والله في الحياة الدنيا أن يخلص الإنسان مما حوله.

لكن هل هذا يعني أن كل إنسان قريب منك تنظر إليه نظرة الخائن السيء وأنه لا لا؟ ليس هذا هو المقصد بالتأكيد، وإلا ولن تصفو لك الحياة ولن تجدها جليسا ولا أنيسا، لكن المراد والهدوء والاتزان فيما تتكلم به. طيب أين وصلنا؟ فانما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا على رجل. ثم قال: انظروا ما زال يبث لك نظرته لهذه الحياة بعد تجربة خاضها، يقول: وحسن ظنك أيامي معجزة، فظن شرا وكن منها على وجل. هذا يذكرنا بمن إخواني؟ هذا البيت يذكرنا بمن؟ أريد الإجابة.

منكم خاصة من حضر معنا سابقا. هذا البيت لما يقول لك: «وحسن ظنك بالأيام معجزة، فظن شراً وكن منها على وجل»، يذكركم بمن هذا البيت؟ طبعاً بعض الروايات إخواني لهذا البيت تقول: «معجزة»، أي يوماً من قبيل العجز، والبعض يقول: «معجزة»، إذا قلنا معجزة يعني نوع من أنواع العجز منك، وإن قلنا معجزة فهو من قبيل المعجزة التي للأنبياء. فبعضهم يروي هذا البيت: «معجزة» بفتح الميم.

أحسنتم، أحسنتم جميعاً. يذكرنا بابن حزم الظاهري، ونظرته للحياة سبقت معنا في كتابه «ذم الهوى» و«تهذيب الأخلاق». وكأن أصحاب الوزارات والمناصب حينما يعزلون عن مناصبهم، فابن حزم اشتغل في منصب الوزارة للدولة الأموية في الأندلس في أكثر من فترة، ثم بعد ذلك انقلبت به الدنيا. كذلك الطغرائي اشتغل في منصب الوزارة للدولة السلجوقية ثم انقلبت به الدنيا.

فكان هؤلاء بعد أن تبدلت بهم أحوال الدنيا ينظرون إلى هذه الحياة بهذه النظرة القاتمة، بنظرة إساءة الظن ولا يمدحونها. لاحظوا كيف الذين يصابون بهذه المواقف، وتكرر هذا من أكثر من شخص ومن غير هؤلاء، يكونون في جاه وسلطان ومناصب ثم تنقلب بهم الحياة الدنيا فيفقدون جاههم وسلطانهم، فينظرون إلى هذه الحياة بنظرة قاتمة سوداوية، ويبدأون ينشرون هذه الفكرة بين الناس أنه يجب إساءة الظن بالحياة، وإياك أن تظن أنها ستأتيك بما تفرحك. انظر كيف كنت أنا في منصب وكذا وكذا وانقلبت علي؛ فهذه نظرة شائعة لهذه الطبقة.

يقول: «وحسن ظنك بالأيام معجزة»، إن قلنا معجزة عرفنا المعجزة، تشبيه لها بمعجزات الأنبياء الخارجة عن القوانين الكونية يعني عن السنن. وإن قلنا المعجزة من فتح الميم فهو العجز، فيقول إن تحسن بالأيام هذا عجز منك. طيب، إيش المطلوب مني؟ يقول: «فظن شراً وكن منها على وجل»، وكن دائماً خائفا منها.

لربما هنا يأتي نفس من الإحباط؛ يعني في الأبيات السابقة لما يقولوا: «عللوا النفس بالآمال أرقبها، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»، كان يبث فينا الأمل، لكن هنا عاد ليعطينا شعوراً آخر من مشاعره وهو إساءة الظن بالأيام وما تحدثه هذه الأيام بالإنسان وتقلبات الأيام به. وفي الحقيقة الإنسان الذي يعرف إخواني حقيقة الحياة الدنيا وأنها دار ابتلاء، لا يسيء الظن بالأيام، وإنما يعرف أنه لا حزن يدوم ولا سرور، ولا بؤس عليك ولا رخاء؛ «إذا ما كنت ذا قلب قنوع، فأنت ومالك الدنيا سواء». عليه أن يعرف هذه القضية، فالقضية لا تحتاج إلى إساءة الظن، وإنما القضية تحتاج إلى معرفة حقيقة الحياة.

وإن الله سبحانه وتعالى أوجدنا ليبتلينا، فلا بد من أن تمر علينا لحظات السعد، ولحظات الخير، ولحظات نكون فيها في سرور، ثم تمر علينا لحظات أخرى نكون فيها في ألم وحزن وتضيق الدنيا علينا، فالدنيا تتقلب ليتحقق الابتلاء بالإنسان. الإنسان إذا أصبح حريصاً على الدنيا يلهث وراءها يريد أن يأتي بها، فهذا الذي كثيراً ما تجده يذم الحياة الدنيا ويسيء النظر بها. طبعاً أنا أتكلم عن الطغرائي رحمه الله عليهم، فهؤلاء يتكلمون من ناحية شعرية كما قلنا، لكن أنا أريد أن أوضح هذا المعنى أكثر وأكثر حتى لا يأخذ أحدكم نظرة الطغرائي أو نظرة ابن حزم للحياة ويعممها.

لأننا كما قلنا نحن أهل الإسلام نعلم أن هذه الحياة الدنيا دار ابتلاء، دار اختبار، والاختبار معناه أن تتقلب بك الحياة الدنيا يميناً وشمالاً؛ ليرى الله سبحانه وتعالى هل أنت ممن إذا أصابته السراء شكر، وممن أصابته الضراء صبر، أم أنت شخص إذا أصابتك سراء نسيت ربك وإن أصابتك ضراء شكوت ربك؟ الناس تتباين في هذه الأماكن، فالله سبحانه وتعالى يقلب الأحوال على العبد في هذه الحياة الدنيا لينظر كيف يعمل.

جميل، إذاً الطغرائي بنظرته المؤلمة لهذه الحياة يقول: «وحسن ظنك بالأيام معجزة»، أو «معجزة»، «فظن شراً وكن منها على وجل». طيب، لماذا هذه النظرة السوداوية للحياة؟ يقول لك: «غاض الوفاء»، غاض يعني ذهب في الأرض، كيف الماء يغيض في الأرض؟ أي يذهب في الأرض ويغوص فيها ونفقده، شبه الوفاء الذي كان منتشراً في أيامه بأنه ماء غاض وذهب. فيقول: «غاض الوفاء، والغدر والذي فاض وظهر في المجتمع هو الغدر والمكر»، هذا الذي أصبح يتعامل به الناس.

قال: «وانفرجت»، ولاحظوا الكلام الجميل والتمثيل الجميل، «وانفرجت مسافة الخلل بين القول والعمل»، قال اتسعت المسافة بين قول الناس وعملهم؛ فالناس أصبحوا يعدون ويتكلمون كثيراً لكنهم يعملون قليلاً، ولا يفون من وعودهم إلا بالقليل القليل، اتسعت المسافة بين القول وبين الفعل عندهم، وهذا هو الذي سبب سوء ظنه رحمه الله تعالى بالأيام. يقول: غاض الوفاء فالوفاء ذهب، الناس ما عادت تعرف شيئاً اسمه وفاء، والذي يعرفونه الآن والذي انتشر بينهم هو الغدر، وفاض الغدر، واتسعت المسافة بين القول وبين الفعل. ما معنى أن فرجت واتسعت المسافة بين القول والفعل؟ أن الناس يكثرون من الأقوال والوعود: سنفعل وسنعطيك وسنقترب، يعدونك كثيراً لكنهم لا ينجزون من وعودهم إلا القليل القليل.

ثم يقول أيضاً: «وشأن صدقك ما زال يدم الزمان الذي يحيا فيه»، فيقول وإن شأن صدقك عند الناس كذبهم، وهل يطابق معوج بمعتدل؟ يقول أيضاً مما حدث في هذا الزمان «شانه»، معناها إخواني شوه، «شانه» عكس «زيّنه»، معناها شوه. يقول شوه صدقي، وإنني أتعامل مع الناس بالصدق، وشأن صدقك عند الناس كذبهم، يعني شوه الكذب الذي بين الناس وأصبحوا يتعاملون به صدقي. ما معنى أنه شوه صدقه؟ أي أنه ما عاد يُدرج بين الناس الصادق، الناس لا تحب الإنسان الصادق، كما يقولون الناس تحب الشخص الذي يكذب عليهم كما هم يكذبون عليه، إذا وجدوا إنساناً صادقاً ضفوا به، أهملوه، قالوا عنه مسكين، شوفوا فلان مسكين صادق درويش.

فيقول: أنا لأني إنسان صادق، هذا الصدق الذي أتعامل به مع كذب الناس شوهه، وأصبحوا يصورون صدقي على أنه شكل من أشكال البلاهة والسخف والحمق والبعد عن التفطن والذكاء، مع أن الصدق هو الخصلة العظمى التي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم في هذه الحياة الدنيا. فيقول: «وشأن صدقك عند الناس كذبهم»، أي كرهاً أو شوه كذب الناس وتعاملهم بالكذب فيما بينهم صدقك، فأصبح صدقك مشوهاً، ينظر إليك أنه نوع من البلاهة، نوع من السخف. فيا عجب الزمان كيف يصبح الكذب هو القيمة العليا التي يحب الناس أن يتعاملوا بها، ويصبح الصدق هو الشيء المشوه الذي ينظر إليه على أنه سخف وبلاهة، هذا فعلاً شيء عجيب.

«وشأن صدقك عند الناس كذبهم»، ثم يقول في استفهام إنكاري: «هل يطابق معوج بمعتدل؟»، هل الشخص المعتدل مثلي يصح أن يقارن بالشخص...

وجه من الناس على أن يقارن بين نفسه وبين المجتمع. هل الشخص المعتدل، ويقصد نفسه الذي ماشي دغري كما يقول في الحياة الدنيا، يطابق ويشبه، أي يقارن بينه وبين الذي لا يسير على الاستقامة بل يسير معوجا؟ هذه مقارنة أصلا مقارنة بئيسة كئيبة، ليست مقارنة عادلة.

وشأن صدقك عند الناس وكذبهم، وهل يطابق معوج بمعتدل؟ ثم يقول: إن كان ينجح شيء في ثباتهم على العهود فسبق السيف العذل. بده يعطيك نصيحة، يقول لك إن كان شيء ينفع ويصلح في إلزام الناس بالوفاء بعهودهم، وألا تبقى المسافة بين القول والفعل متسعة عندهم، إن كان هناك شيء ينفع في إلزام الناس بالوفاء بالعهود فليس هو النصيحة، وليس هو اللوم والعتاب، وإنما هو سبق السيف للعذل.

ينبغي أن يكون السيف عن الحزم والرهبة والإفزاع. عليك أن تفزع الناس، وأن تصنع لنفسك هيبة، وأن تخوفهم حتى يتعلموا ألا يخلفوك الوعد. فالآن يقول لك ذهب وولى زمن النصح والعدل واللوم؛ إنه شخص مثلا يخلف وعده، تلومه وتنصحه فيعدل الأمور؟ لا، هذا ليس زمنه، ولا الآن. إذا أردت دواءا ناجعا تعالج به الناس الذين يخلفون الوعود، فالدواء الناجع هو السيف، ينبغي على السيف، يعني على الشدة والحزم والهيبة، أن تغلب وأن تسبق العدل وهو اللوم.

طبعا قضية سبق السيف العذل هذا مثل عربي شهير ذكره الميداني في مجمع الأمثال، وذكره غيره، وقد مر معنا في النادي الأدبي وله قصة طويلة. ذكروها في ذاك الرجل الذي قتل ابنه، فثأر منه وقتله في الحرم، فألامه الناس: كيف تقتل أو تقتص من قاتل ابنك في الحرم؟ فقال: سبق السيف العذل، يعني السيف سبق اللوم، لا تلوموني. فكذلك هنا، لاحظوا الطغراء كيف يضمن الأمثال العربية في أكثر من قصيدة، وهذا يدلل على أهمية الأمثال لنعرف كيف يستخدمها الشعراء ويوظفونها.

فهنا يقول لك الميداني: إذا أردت دواء ناجعا لإصلاح الناس، وحتى بلغتنا العامية يمشي الناس معك دغري، عليك أن تريهم الحزم والشدة والصلابة، ودعك من هذا التلطف الزائد فإن هذا ما عاد ينفعهم. ثم يقول بعد ذلك: إن كان ينفع شيء في ثباتهم على العهود فسبق السيف للعذل.

البيت الذي يليه: يا واردا سؤر عيش كله كدر .. أنفقت صفوك في أيامك الأول

يقول يا أيها الإنسان، طبعا هو الآن يخاطب نفسه، هو الآن يخاطب نفسه عاد، ليخاطبه فيقول: يا أيتها النفس التي تريدين سؤر عيش. السؤر هو البقية؛ البقية من الماء، البقية من الشراب، البقية من الطعام، بقية الشيء تسمى سؤرا. فيقول: يا أيتها النفس التي تريدين بقية عيش، هذه البقية كلها كدرة.

وهو يشبه الآن نفسه بأنه مثل الإبل أو الناقة التي ترد الماء لتشرب، فتجد هذه الناقة بقية ماء كدر. والماء الكدر هو الماء الذي تغيرت صفاته، تغير لونه وتغير طعمه وتغيرت رائحته فأصبح نتنا، فيقول: يا أيها الإنسان الذي يرد بقية عيش، هذه البقية كلها كدرة لا صفو فيها. اعلم، طب أين ذهب الصفو؟ وإذا بقي الماء الكدر، طب أين ذهب الماء الصافي النقي؟ يقول: «أنفقت صفوك في أيامك الأول»، ذهبت صفو الماء الصافي في حياتك، أنفقته وقد شربته أنت في أيامك الأول، في أيام الشباب أو في أيام المناصب والوزارة.

فخلص، اقنع. الآن لاحظوا رحلة القناعة، بدأ يخوض الطغراء معكم رحلة القناعة. المهم، الطغراء الآن يحاول أن يقنع نفسه بالرضا بما قسمه الله عز وجل لها، ويقول: يا أيتها النفس التي تريدين الورود إلى ماء، أو إلى بقية ماء كدر تغيرت رائحته وطعمه، تعافه النفوس؟ اعلمي أيتها النفس أن الماء الصافي قد شربتيه أنت فيما مضى في أيامك الأول، حينما كنت في فترة الشباب وحينما كنت في المناصب وفي الوزارة ولك حظوة في المجتمع، شربت صفو الماء، والآن لم يبق لك إلا الكدر.

فيقول: يا واردا سؤر عيش كله كدر، كله متغير، تغير الطعم ورائحته، أنفقت صفوك في أيامك الأول. «فيم اقتحامك لج البحر تركبه .. وأنت يكفيك منه مصة الوشل»؟ يقول: لماذا تقتحم؟ ولاحظوا كيف هذا ربما يتعارض مع طموحاته السابقة. كان في بداية القصيدة يصور نفسه بذاك الرجل المقدام الذي لا يهاب، الرجل صاحب المغامرة الذي يخاطر بالغالي والنفيس من أجل الوصول إلى المعالي والطموحات. الظاهر بعد رحلة في هذه القصيدة يحاول الآن الطغراء أن يقنع نفسه بالقناعة والرضا بما قسمه الله سبحانه وتعالى له، فيقول: «فيم اقتحامك لج البحر تركبه .. وأنت يكفيك منه مصة الوشل»؟ لماذا أيها الإنسان تقتحم لج البحر، أي وسط البحر وأمواج البحر العظيمة المتلاطمة هي الوسط والمعظم؟ لماذا تقتحم وسط البحر وتريد أن تخوض الصعاب وقد تقدم بك العمر ومضى عليك الزمان؟

الوشل هو الماء القليل مجتمع، فيقول لك يكفيك أن تأخذ منه مصة، وأن تشرب شربة واحدة من هذا الماء وتقنع بها، وهذا يغنيك عن الغمار الصعبة بعد أن مضى بك الزمن. لاحظوا كيف في بداية القصيدة كانوا يصورون طموحاته العالية وأنه لا يهاب، وانظروا الآن كأنه يتكلم عن الواقع، يريد أن يعود إلى الواقع الذي يحياه، على أن أقنع وأرضى، وأن أترك نفسي من تلك الطموحات العالية التي أبحث عنها، يكفيني أن أشرب شربة من هذا الوشل، أي من هذا الماء القليل، وفيها القناعة.

وإذا هو الآن يعلم نفسه القناعة، رضا بما قسمه الله سبحانه وتعالى له، وانظروا كيف نص على القناعة في البيت الذي يليه، فيقول: فيم اقتحامك لج البحر تركبه .. وأنت يكفيك منه مصة الوشل

يقول ملك القناعة لا يخشى عليه ولا يحتاج فيه إلى الأنصار والخوَل. ملك القناعة، الحمد لله، القناعة امتلاكها -كما يقول- ملك سهل. القناعة ملك سهل لا يخشى عليه، بخلاف الملك المحسوس، ملك الأموال؛ الأموال إذا امتلكتها تخاف أن تسرق، لكن القناعة الحمد لله أمرها سهل. من امتلك القناعة فقد امتلك كنزا لا يخشى عليه من أحد، ما في أحد يسرق قناعتك، ولا تحتاج في امتلاكها لا إلى أنصار ولا إلى خدم، والخوَل هم الخدم.

فيقول: من امتلك القناعة فعليه أن يسر وأن يفرح بامتلاكه لها، لأن القناعة أولا كنز عظيم لا تخشى أن يسرقه منك السراق، ولا تحتاج في اكتسابه لا إلى أنصار ولا إلى أعوان ولا إلى خدم، وإنما تحتاج إلى الرضا عن الله سبحانه وتعالى وعن أقدار الله عز وجل، وما قسمه الله عز وجل لك في هذه الحياة الدنيا. وما أجمل القناعة إخواني.

القناعة كنز. القناعة لا تعارض أن يكون الإنسان طموحًا، يمتلك همة عالية للوصول إلى الكرائم والخصال الحميدة، لكنها تجعلك تشعر بالرضا عن الله في كل ما يقسمه لك وأنت تسير في رحلتك لطلب العلا. هذه الفكرة تجعلك ترضى عن الإله وتقنع بما يقسمه لك الإله العظيم وأنت تخوض رحلتك في طلب العلا. إذا ملك القناعة لا يخشى عليه ولا يحتاج فيه إلى الأنصار والخلود.

ثم يعاتب نفسه فيقول: ترجو البقاء بدار لا ثبات لها. خلص الرجل الآن كما قلنا، بدأ يقنع نفسه ويطالبها: اهدئي، اهدئي. خلينا نرضى بما نحن فيه ودعينا من تلك المغامرات الصعبة، ودعينا من تلك البطولات، فما عاد هناك بقية من عمر وهذه الحياة حياة فانية.

ترجو البقاء بدار لا ثبات لها، فهل سمعت بظل غير منتقلين؟ يقول: ترجو البقاء والخلود في دار هي هذه الدار بنفسها لا خلود لها، ترجو الخلود في دار هي هذه الدار خلود لها أصالة، ترجو البقاء بدار لا ثبات لها. هو يريد أن يقول ويصور لك أن هذه النفس بطبيعتها تطمح للخلود وللبقاء في هذه الحياة الدنيا، لكن هذه الحياة الدنيا هي في نفسها ليست خالدة، فإذاً دعك من التفكير في الخلود فيها.

هل سمعت بظل لا ينتقل؟ هل سمعت بظل غير منتقلين؟ هل سمعت بظلال على الأرض تبقى في مكانها ولا تتحول ولا تتغير؟ وكأنه يشبه الحياة الدنيا بأنها ظل، خيال، وهم ستستيقظ منه في الدار الآخرة. وطبيعة الظل أنه لابد وأن ينتقل. فلاحظوا كيف يشبه الحياة الدنيا بالظلال، وهذا التشبيه جميل؛ لأن الظلال أشياء وهمية، هي ليست شيئًا محسوسًا موجودًا على الواقع، وإنما هي أمور لا حقيقة لها محسوسة وإنما هي انعكاس من الأشياء. فيقول لك هذه هي حقيقة الحياة الدنيا، هي ظلال هي انعكاسات، وهذه الانعكاسات والظلال ستزول. هل هناك ظل لا يزول؟ فإذاً فكر في الدار الآخرة.

وهكذا الإنسان، إخواني، الدنيا دائما في يده وليست في قلبه. الدنيا دائما في يده وليست في قلبه، ونظرته إلى هذه الحياة نظرة أنها رحلة وقنطرة إلى الدار الآخرة، فأنت تسعى وتحقق الطموحات وتصنع الأمجاد وتشعر بالقناعة والرضا عن الله سبحانه وتعالى. من امتلك في شخصيته كل هذه العناصر فإنه لا يتضجر، ولا يصيبه القلق والحيرة واليأس والقنوط والإحباط إلى غير ذلك من الأمور التي تأتي وتزول كثيراً من البشر.

كثير من الناس تجد عنده إحباطًا، يأسًا، تضجرًا، اعتراضًا، حيرة، ألمًا، والسبب في ذلك إخواني عدم الرضاء، عدم القناعة. القناعة كنز إخواني، اقنع بما قسمه الله عز وجل لك. هذه الحياة الدنيا إنما هي ظلال، إنما هي ظلال ستنتقل وسنذهب جميعًا إلى الدار الآخرة.

ثم بعد ذلك يختم ببيتين، رحمة الله عليه، فيقول: ويا خبيرًا على الأسرار مطلعًا .. أصمت ففي الصمت منجاة من الزلل قد رشحوك إن فطنت له .. فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

وهذا البيت الأخير بقي مشهورًا جدًا ويستعمله العامة في مجتمعاتنا أيضًا: «فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل». إذاً الطغرائي رحمة الله عليه في هذين البيتين الأخيرين -وأنا أشعر وهذا يعني ظنًا- أشعر أنه يعطيك نصيحة، أي يعطي نصيحة للجيل القادم، نصيحة لربما هو قصر فيها. هكذا استشعر، قد توافقونني وقد تخالفونني، الله أعلم.

استشعر أنه يريد أن يقدم نصيحة للجيل القادم، لمن يبحث عن الشرف، لمن يبحث عن السيادة، لمن يبحث عن المكانة في المجتمع، لمن يبحث أن يكون له صوت وقدم، وأن الناس تقصده، لكل من يبحث عن هذه المكانات العلا. الطغرائي يقدم لكم نصيحة لعله هو قصر فيها فجنت عليه، لذلك قدمها لكم في آخر القصيدة: يا من تبحثون عن مكانة عالية في المجتمع، يا من تبحثون أن تكونوا أصحاب التوجيه والإرشاد وزمام المبادرة، خذوا مني هذه النصيحة.

ما هذه النصيحة يا طغرائي؟ يقول: ويا خبيرًا على الأسرار مطلعًا .. أصمت ففي الصمت منجاة من الزلل

أياما عندك أسرار كثيرة في داخلك؟ أسرار عن وقائع في المجتمع، أو أسرار من الأفكار والخواطر التي تدور في خلدك وأنت لا ترضى عنها في مجتمعك ولا تقبل بها؟ يا من عندك أسرار، هذه الأسرار على عمومها قد تكون أفكارًا وخواطر ونظرات للمجتمع أنت لا ترضى بما يعيش عليه المجتمع وعندك أفكار وخواطر في داخلك، وعندك لربما أيضًا أسرار لأناس وأصحاب وجاهات في المجتمع أنت وقفت عليها واستودعوك إياها. يا من يحمل الأسرار بعموم هذه الكلمة، عليك أن تصمت، حافظ على أسرارك واكتمها حتى يصبح لك مكانة في المجتمع، وحتى تستحكم لك الأمور وتصبح صاحبًا وتدين لك الناس، ثم بعد ذلك اطرح ما عندك. وإياك أن تستعجل ببث أفكارك وأطروحاتك وأسرارك وما تعرفه قبل أن يصبح لك مكان وقدم في المجتمع.

لماذا؟ يقول: قد رشحوك لأمر إن فطنت له

قد هيؤوك، أيها الإنسان الشريف، لمنصب، لمكانة، لمحل اجتماعي عالٍ، يا طالب العلم، يا أيها الداعي، يا أيتها الداعية، يا من يبحث عن المناصب العليا لتوجيه الناس وإصلاح أمورهم وليس لجمع المال من خلالها، يا من يبحثون عن الأخذ بزمام المبادرة في المجتمعات، يقول لكم الطغرائي: قد رشحوك لأمر أنت مهيأ له، «إن» بمعنى لو، «إن» بمعنى لو فطنت له، فأربأ بنفسك، أي ارتفع بنفسك، إياك أن تتسرع، إياك أن تتعجل في إلقاء الكلمات هذراً، إياك أن تستعجل في إلقاء الكلمات وبث الأسرار وطرح الأفكار حتى لا تدفع الثمن مبكرًا قبل أن يستحكم أمرك في مجتمعك، لأنك إذا دفعت الثمن مبكرًا فلعل حالك يكون كحالي.

ما هي حاله؟ «أن ترعى مع الهمل». فقوله «فأربأ بنفسك أن ترعى» إن هنا في حذف لبعض الحروف منها، معناها لئلا، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَكَدُّونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 4]، أو في آية أخرى: ﴿لِئَلَّا تَضِلُّوا﴾، أي لأن لا تضلوا، أي لئلا تضلوا؛ فكثيرًا ما تأتي «أن» وبعدها حرف نفي محذوف، والتقدير لئلا. فيقول: أربأ بنفسك، اسمو بنفسك لئلا ترعى كما أرعى أنا مع الهمل. فكثير من الناس إخواني هو مرشح ومهيأ لأن تكون له زمام المبادرة، بأن يصبح شخصًا له مكانة في المجتمع يستطيع من خلالها أن يصلح أمور الناس.

هؤلاء الأشخاص نقول لهم: خذوا بنصيحة الطغرائي، لا تفشوا كل ما عندكم من الأسرار. لا تتكلموا قبل أن تستحكموا بكل التي تجول في خاطركم حتى تستحكم لكم الأمور؛ فأنتم مرشحون لأمر الله لو فطنتم له، فاربأوا بأنفسكم، ارتفعوا بأنفسكم حتى لا ترعوا مع الهمل.

وكأنني أشعر أن الطغرائي يتكلم عن نفسه، كما أنني الآن أرعى مع الهمل. كان يقول: أنا لما كنت في منصبي، وقبل أن تستحكم أموري، بثثت كثيرا من الأسرار، وكنت أتكلم كثيرا ولا أعرف الصمت، فهذا هو الذي جعلني أدفع ثمنا باهظا؛ هذا الذي جعلني أدفع ثمنا باهظا وها أنتم ترونني الآن أرعى مع الهمل. فخذوها نصيحة من إنسان مجرب، مفكر عاقل، يقول لكم: اصمتوا ما استطعتم وما وجدتم؛ لذلك اصمتوا وتعلموا فن الصمت: متى تتكلمون؟ وكيف تتكلمون؟

واعلموا مقامكم الآن أين هو؟ فإن كنتم قد رشحتم وهيئتم لأن تمسكوا زمام المبادرة في المجتمعات، فعليكم أن تحسنوا إدارة النفس، وأن تعرفوا متى تتكلمون ومتى تصمتون وما هي المجالات؟ طبعا علينا أن يكون الصمت والكلام بمنظور الشرع وليس بمنظور الهوى. هذه قضية ينبغي أن يلتفت إليها؛ الصمت وعدم الصمت عليه أن ينظر بمنظور الشرع ويحاكم بمعيار المصالح والمفاسد. وكلما كان الإنسان أعرب بالشرع وأحكم به، يعرف ما هي المجالات الشرعية التي يُسمح فيها بالصمت، وما هي المجالات الشرعية التي لا يُسمح فيها بالصمت.

هي كما يقولون حكمة من رجل تعايش مع منصب الوزارة وعاش في أنصبة الدولة وتنقل فيها، يعطينا وهذا ما أشعر به كما قلت لكم، ولم ينص على أن هذه شيء وقع، لكنني أشعر أنه ختم بهذه النصيحة ليقول لك: إنني الآن تراني وحيدا مطرودا، صفر الكف، لا أحد ينظر إلي في هذه العزلة؛ أقول لك ما الذي أوصلني إلى هذه الحالة؟ إنني لم أكن أمسك لساني حينما كنت في تلك المناصب، ولو أنني أمسكت لساني وأتقنت فن الصمت لاستطعت أن أستحكم في الدولة، وأن يكون لي منصب ووجاهة، ولم أكن كما أنا، أو لم يكن حالي كحالي الآن أرعى مع الهمل.

«قد رشحوك لأمر إن فطنت له، فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل». ما أجمل هذه الخاتمة التي ختم بها، وما أجمل هذه النصيحة للعقلاء؛ للعقلاء الذين يريدون أن يكون لدعوتهم وصوتهم تأثيرا ووقعا في المجتمع، ولا يريدون أن تذهب الأصوات سريعا، وأن تذهب الطاقات سريعا قبل أن يأتي وقتها المناسب.

إذا عشنا مع الطغرائي -رحمة الله تعالى عليه- في هذه القصيدة الرائقة الرفيعة أدبيا، عشنا معه مشاعر مختلطة. تقلبت الأمور وتقلبت المشاعر؛ بهذا الرجل كان عنده طموح عال، عنده آمال، رجل صاحب نفس شريفة، صاحب إمكانيات وطاقات هائلة، شخصية عالية جدا، لكن كما قلنا انقلبت عليه الأمور وجاءه الدهر بعكس آماله كما يقول هو، فأصبح يحيى بين الأمل والنظرة المشرقة، وبين النظر إلى صخرة الواقع المؤلمة.

يقول في بعض الأحيان: «ما أضيق العيش لولا صحة الأمل»، وفي بعض الأحيان يقنع نفسه بالرضا بما قسمه الله عز وجل له، وفي بعض المشاعر يتمنى الخروج من هذه الحياة الدنيا وإلحاق أقرانه ومن أصحاب الفضل والشرف الذين سبقوه. ثم بعد ذلك، بعد كل هذه المشاعر الجياشة، مدح نفسه، نظراته للحياة الدنيا: ألا تحسن الظن؟ إخوانا الذين دخلوا متأخرا... اقرأوا كلامه واسمعوا ما ذكرته، هو هذا نظرته للحياة بعد التجارب التي مر بها؛ كذلك لا تثق حتى بأقرب الناس إليك. هكذا يقول كل من هو على وجل وعلى حذر، وعرفنا ماذا يقصد بهذه الأمور.

ثم ختم لك بالنصيحة إذا أردت أن يكون لك مكانة في المجتمع. هي نصيحة كما قلنا لكل شخصية تشابه شخصية الطغرائي، هي لكل شخصية تبحث عن الطموح، عن المكانة، وعن المنصب؛ يقول لك: حافظ على سرك. لأن الإنسان المهيأ للأمور والمرشح لها إذا طرح كل ما عنده، قد يكون هذا سببا في الزلل والخطأ، فتدفن في الأرض قبل أن تنبت شجرتك وتخرج ويستفيد منها الناس. فالعاقل يحسب الكلمات ويزنها: «فارْبأْ بنفسك حتى لا ترعى مع الهمل».

إذن هذا ختام الكتاب الثاني الذي طرحناه في دورة الاستثمار العلمي، الدورة على البث المباشر استغلالا للأعمار في أيام الأزمات. كما قلنا، لا أدري إن كان هناك سؤال من أحد الإخوة حول قضية يريد الوصول إليها، وأنا في انتظار ذلك. طبعا كتابنا الثالث بإذن الله سيكون كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لشيخ الإسلام ابن تيمية الحراني -رحمة الله تعالى عليه-، وسنبدأ بمدارسته يوم الجمعة بإذن الله في مثل هذا الوقت.

السؤال: كيف سيتأتى لشخص ساكت أم يستحكم يوما أو أن يكون له مكانة يستطيع من خلالها الطرح للتغيير؟ التغيير يحتاج قاعدة واعية، كيف ننشئ هذه القاعدة مع السكوت؟ المراد السكوت عما يمكن تأجيله، أنت لن تسكت عن كل شيء بالتأكيد؛ فالإنسان الصامت طوال الوقت لم ينجز ولن يكون له بصمة. وإنما المراد أن تحسم المصالح والمفاسد في الكلمات التي تتفوه بها، تنظر ما هو الشيء الصالح لأن أتكلم به الآن ويجعل لي قبولا عند المجتمع بما يرضي الله سبحانه وتعالى بالتأكيد، ولا يسخطه ويحبب الناس في هديّي وفي مسلكي وفي طريقتي، وما هو الشيء الذي إذا بثثته الآن سيكون ضرره على المجتمع أكثر من نفعه؟ فالكلام عن قضية الموازنة، الموازنة في الكلمات التي تبث، ﴿حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْقِلُونَ﴾.

وكذلك كما قلنا الأسرار هنا بمعناها العام، قد يكون الإنسان عنده أفكار تغييرية، وهذه الأفكار التغييرية إذا باح بها ونشرها قد تكون مخالفة لأهواء البعض فتسبب له الكثير من المشاكل والكثير من السلبيات في الحياة، فهنا هذا الإنسان يكون عاقلا يعمل في المجال المتاح له. وهناك كلمة لمحمد بن الحنفية -رحمة الله تعالى عليه- وهو يقول فيها: «ما رأيت أحكم من شخص يداري من لابد من مداراته». الحكمة أن تداري كل شخص لابد لك من أن تداريه لأنه صاحب السطوة عليك، هو الآن الذي يملك زمام المبادرة. فأسلوب المداراة ومعرفة كيف تقدم الخطوات ومتى ترجع الخطوات هو فن في الحقيقة، يعرف الإنسان ما هي الكلمات التي يتكلم بها ويوجهها للمجتمع.

ويعرف ما هي الكلمات التي يمكن وتقبل أن تؤخر، بديع الزمان النورسي -رحمة الله عليه- له كلمات جميلة، وأنا أنصح بقراءة شيء من كلماته. نأتي في هذا الباب وهو يتكلم عن إمكانية السكوت عن الحق في بعض اللحظات لمصلحة عظمى تنتظر في أوقات قادمة.

قضية كما قلت، العقلاء ومن كل ما تعمق الإنسان أكثر وأكثر في العلوم الشرعية يتقن معرفة هذه الأمور؛ يتقن معرفة أين الشريعة تفتح له مجال الهدوء والانتظار؟ وأين الشريعة لا تطالبك بالكلام والحديث؟ لأن من لا يحسن هذا الفن إخواني ويتكلم بكل شيء، لربما يدفع ثمنا باهظا قبل أن يصل صوته إلى الناس قبل أن يصل صوته إلى المجتمع. هي هذه الفكرة بشيء من الأحكام والإتقان موازنة، وفي النهاية طبعا يجب أن يكون مقصد الإنسان الذي يوازن هذه الموازنات رضى الله سبحانه وتعالى. أن يكون إلى الإله عز وجل: يا رب أنا أريد أن يصل الحق إلى المجتمع، وأنت تعلم يا رب أنني إنما أتأخر، ولربما أقدم أمورا خير أمور من أجل تحقيق هذه المصالح حتى لا تذهب كل الأمور سدى.

الأخ محمود محمد يقول هذا في مرحلة بناء النفس وطلب أساسيات العلم، أحسنت. هي مرحلة بناء النفس، بناء القاعدة الدعوية والقاعدة الإصلاحية التي تريد أن تخاطبها، نعم هذا شيء عقلاني عال جدا. أن تعرف مجالات الشريعة، وزعتها الحمد لله، وانظر دائما في سير الأوائل؛ أنا دائما أقول للأحبة: انظروا في سير الأوائل، انظروا في سير الأوائل كيف تصرفوا في كثير من المضائق. ومن قرأ التاريخ انظروا في جيل صلاح الدين وما قبله، محمود الدين ونور الدين زنكي وكيف العقلاء في زمنه، انظروا في وقائع في أيام ابن تيمية وما قبله وما بعده، انظروا إلى الوقائع في أزمات المسلمين لتعرفوا كيف العالم الرباني يحكم الأمور. وانظروا في أزيد من خلق القرآن لأحمد بن حنبل لتعرفوا كيف أحمد بن حنبل عرف ما هي الثوابت عنده وما هي المتغيرات.

هذا فن عالي جدا لابد للإنسان المسلم والداعية إلى الله عز وجل أن يتبصر به في مسيرته الدعوية والإصلاحية، حتى لا يدفع ثمنا باهظا من دون أن يكون هناك إنتاج حقيقي ومسيرة ترضي الله سبحانه وتعالى. نعم، الإنسان لا قد يقول الشخص: يا شيخ هذا الإنسان طيب هدفه أن ينال مكانة في المجتمع يصل بها صوته، الإنسان يتكلم ويبدي ما عنده، رضي من رضي وسخط من سخط. نقول النظرة هذه الجزئية فقط أو بهذه الحدة فقط ليست نظرة هادئة. أحيانا قد نحتاج إلى وجود العلماء أصحاب الصوت العالي، ليصبحوا المجتمعات ويبثوا الخير ويتمكن من خلالهم من الدخول في الواقع. وإلا إذا كل إنسان يريد أن يتكلم بالكلمة ويدفع ثمنها، فيفسح الجهال في المجتمع وهم الذين يملكون زمام المبادرة دائما. أظن أن هذه القضية وفي النهاية نحن نجتهد في هذا ونسأل الله التوفيق والسداد، سيكون ثمنها على مجتمعات المسلمين وعلى عموم المسلمين، فمنها باهظ في غياب الوعي الشرعي النقي، والوعي الشرعي النقي يجب أن يغرس وأن يزرع رويدا رويدا وبهدوء وبإحكام لأحوال الزمان.

الأخ بديع الزمان، إنه رجل له كثير من الفوائد وعليه بعض الملاحظات، وأنا دائما أنصح الإخوة العقلاء -طبعا بعد أن يستحكموا في العلوم الشرعية من أساسياتها ومن أحكام ضبطهم للعقيدة، حق عقيدة أهل السنة والجماعة- أن يوسعوا نظرتهم في القراءة، وأن يقرأوا متنوعة؛ حتى من يخالفك في بعض الأنظار قد تستفيد منه في أنظار أخرى. وهذا طبعا إنما مقامه لمن أحكم عقيدته، عرف عقيدة أهل السنة والجماعة وما يريده الله عز وجل منا، عرف الحق في المسائل العقدية عموما.

هنا بعد أن يحكم نظرته للعلوم الشرعية ويكون متأصلا جيدا ومقبولا فيها، عليه أن يوسع نظرته في القراءة؛ لأن الذي يقرأ فقط لشخص واحد أو لفكرة واحدة يصبح عقله فيه شيء من الضيق. لكن الذي يقرأ لأكثر من فكرة، لأكثر من رجل، لعل وعسى أن تظفر بنظرة أو بفكرة أو بتوجيه عند غير شيخك يكون فيها نفع لك، ويكون فيها إرشاد ربما قضية شيخك لم يخبرك بها أو سهى عنها أو أنت بنفسك لم تقف عليها فتستفيد.

فالإنسان يستفيد إخواني، لكن دائما أنا أضع أصلا عاما: المسلم عموما يبتدأ بطلب العلم الصحيح ويتأصل اعتقاديا ليحمي عقيدته من أي شبهة يمكن أن تدخل عليها، إذا أصبح محصنا عاقلا حينئذ لابد وأن يوسع القراءة. ما بصح تبقى تقرأ في اتجاه واحد، لفكر واحد، لشخص واحد، وما عندك قدرة على أن تقرأ لتيارات وأفكار أخرى. الإنسان إذا وسع قراءته ووسع نظرته بعد معرفته بالثوابت التي لا تقبل النقاش، وبعد أن يحصن نفسه يستطيع أن يتقدم، ويستطيع أن يطور عقله ويعرف ما هي النقاط التي يختلف مع غيره وما هي النقاط التي يشترك فيها مع غيره. وأما الإنسان فقط الجامد الجاف، الذي يتبع طريقا واحدا ولا يمكن أن يقرأ لما سواه، أظن أنه سيبقى عنده شيء من القصور في فهم الآخرين. وكثير من الإخوان -وهذا الإنسان جربه في حياته الشخصية- كثير ما تنقل إليك أقوال عن الآخرين تكتشف أن هذه الأقوال لم تنقل إليك بدقة، وأنت لا تعرف حقيقة هذه الأقوال إلا بعد أن تقرأها وتطالعها بنفسك، وهذا شيء جربه الإنسان بنفسه، هذا ليس وجهة نظر عامة، هذا شيء وقع فيه الإنسان ويتعلم من حياته.

كيف يستفيد من الآخرين؟ كيف يستفيد من الآخرين على عداوة مدارسهم لكن بالشرط الأساسي وهو إحكام العقيدة. الشخص الذي ما عنده دراسة عقدية أو تأصيل عقدي وتحصين، لا يقرأ أبدا للتيارات المختلفة ولا يجرب نفسه. وقد مر معنا في مناقشتنا لابن حزم الظاهري -رحمة الله تعالى عليه- كيف قال للناس: «لا تجربوا عقولكم في الأهواء الفاسدة»، لأن الإنسان الضعيف غير المحصن إذا جرب نفسه في الأهواء الفاسدة قد يضطر أو قد يسبب ذلك له تشويشا في عقيدته، قد يسبب ذلك له فتنة، قد يسبب ذلك له انحرافا. فابن حزم أعطانا إياها كما تدارسناها سابقا: «لا تجرب عقلك في الأهواء الفاسدة لأنك قد تضعف عنها». لكن كما قلنا، من أحكم وأتقن وتعب في تأصيل نفسه وفي تحصينها، هؤلاء عليهم أن يعوا أهمية توسيع القراءة من أجل بناء عقل مسلم واعي يستطيع أن يبني حضارة لهذه الأمة، وإلا يبقى منحصرا في قراءة ضيقة المجال؛ لأن ذلك سيحرمه من الوقوف على كثير من الفضائل عند غيره.

إذا نحن هكذا نكون قد أنهينا الشرح بإذن الله كاملا للامية العجم، ونسأل الله أن يسخر لنا مجلسا آخر لعل في قابل الأيام نشرح فيه لامية العرب للشنفرى.

رحمة الله على المسلمين جميعاً. وهو الشفرة كان شاعراً جاهلياً.