السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء ربنا من شيء بعد. نحمده تعالى وأشكره وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد،
فهذا هو أول لقاءاتنا معشر طلاب العلم في دراسة متن مختصر الورقات لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمة الله عليه. وهذه اللقاءات الستة أو السبعة القادمة إن شاء الله تعالى نستفتحها الليلة بذكر مقدمات بين يدي دراستنا لهذا الكتاب، وهي في حدود نقاط ثلاثة أرى أنه من المهم أن نتعرض لها قبل دراستنا لمثل هذا الكتاب.
لست أريد في هذه المقدمات الحديث عن تعريف العلم ومبادئه التي جرت العادة بتناولها؛ لأن المصنف رحمه الله سيأتي عليها، لكني أردت الحديث عن موقع هذا العلم جملة بين العلوم الشرعية، وعن إمام الحرمين رحمة الله عليه، وعن كتابه الورقات.
ولأبدأ بموضع هذا العلم أعني علم أصول الفقه وحاجة طلاب العلم إليه، وهو كما تعلمون أحد فروع علوم الآلة. ويقصد بعلوم الآلة تلك العلوم التي يجد فيها طالب العلم وسيلة للوصول إلى العلوم المقصودة لذاتها؛ أعني أن العلوم الشرعية منها ما هو مقصود لذاته كتفسير كتاب الله تعالى، ورواية حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلم الأحكام الشرعية الذي هو الفقه. فهذه علوم مقصودة لذاتها، يعني أن طالب العلم يحصل علماً لما فيه من ثمرة علمية يحصلها.
والقسم الآخر من العلوم الشرعية هو علوم الآلة. وعلوم الآلة هي العلوم التي تكسب طالب العلم آلة يتمكن بها من فهم العلوم، وهي ما اصطلح على تسميتها في العلوم الشرعية أصول العلم، أن تقول: أصول الحديث، وأصول التفسير، وأصول الفقه. والنحو كذلك هو الآخر من علوم الآلة؛ لأنه يمكنك من فهم اللغة والتعامل مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لا أريد أن أطيل، لكن حسبنا أن نفهم أن علم أصول الفقه هو واحد من علوم الآلة. نؤكد على هذا المعنى ونبينه من أجل أن تكون دراستنا لعلوم الآلة على المنهج السوي الذي يتعامل به طالب العلم مع علوم الآلة؛ إذاً لا يصح إطلاقا أن يكون تعاطي أحدنا لعلم من علوم الآلة كأصول الفقه كتعامله مع العلوم المقصودة لذاتها. فليس علم الآلة بالذي يحفظ فيه التعريف والتقسيم والأنواع والاصطلاحات، ثم لا يفقه كيفية توظيف هذا العلم فيما وضع لأجله. علم أصول الفقه كما سيأتيكم تعريفه بعد قليل في كلام المصنف رحمه الله، علم يراد منه أن يكون أصلاً للفقه، أي يبنى عليه.
فما لم يكن هذا العلم معيناً لك يا طالب العلم لأن يمكنك من فهم الفقه ودراسته وتحصيله، بأن يكون هو في وادٍ وأنت في وادٍ وتدرس أصول الفقه ولا تشعر أنه ينمي عندك ملكة الفقه ولا يغذي الفقه لديك ولا يعينك على ملكة الاستنباط، متى شعرت أن دراستك لعلم الأصول لا تساعدك على ذلك فاعلم أن خللاً ما في تعاملك مع هذا العلم. لأنه يجب أن يكون هذا العلم في محصلته وفي طريق دراسته، أن يكون في نهايته أو في أثنائه ممكناً لمن يدرسه للعلم الذي يريد الوصول إليه؛ أصول الفقه ينبغي أن يقودك إلى الفقه، وأصول التفسير ينبغي أن يقودك إلى التفسير.
لكن أن تدرس أصول تفسير ثم لا تجد عندك ملكة التفسير ولا فهم كتاب الله ولا تطبيق القواعد للوصول إلى معاني الآيات فثمة خلل في دراستك للمنهج. ساكشف الغطاء بمزيد وضوح لأقول إن كثيراً من طلبة العلم يتعاملون مع علوم الآلة وأصول الفقه واحد منها، يتعاملون معها بطريقة الحفظ والتقسيم والتعريفات، ثم لا يبالون كثيراً بتوظيف قواعد هذا العلم ومسائله تطبيقا عملياً ينمي عندهم ملكة الفهم ملكة الاستنباط، يصنع منهم فقهاء مع الممارسة والدربة والنظر المستمر. هذا خلل ينبغي تجاوزه.
فإلى متى يظل أحدنا في دراسة علم أصول الفقه مقتصرا على تعريف العام وصيغه ودلالاته، وعلى صيغ الأمر وأنواعها وأحوال مسائله وأحكام كل مسألة وصيغها بحسب كما قرره الأصوليون، ثم إذا وضعت أمامه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من باع نخلاً بعد أن تُؤبّر فثمرتها للتبائع إلا أن يشترط المبتاع» مثلاً فقلت له: أين صيغ العموم؟ وما الحكم المستنبط؟ وأين التخصيص؟ وفي الحديث علة أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام أين هي؟ وأي نوع هو من انواع الإشارة إلى العلة؟ يفتح فمه وكأنه ما درس شيئاً.
هذا الخلل ينبغي تجاوزه بأن تكون دراستنا لمسائل هذا العلم متجاوزة قضية حفظ التقسيم والأنواع والتعريفات وما إلى ذلك. ينبغي أن يكون متوجهاً إلى أن تدرس العلم في سبيل الوصول إلى القاعدة وطريقة استعمالها وممارسة هذا على الدوام؛ لأنه مع الأيام تنمو الملكة وتتنمى بالممارسة. علم أصول الفقه بهذا القالب وبهذا المعنى الذي أشرت إليه فيه علم شريف.
شريف لأنه يؤصل عند طالب العلم ملكة تجعله يتعامل مع النصوص الشرعية، وبهذا فهو ليس خاصاً بالفقه، يعني المتخصص في العقيدة، والمتخصص في التفسير، والمتخصص في الحديث، والمتخصص في الفقه، انظر كل العلوم الشرعية أليست تدور على النصوص الشرعية والأدلة؟ فإذا كان علم من العلوم وهو أصول الفقه يعطيك الملكة والمكنة والقدرة على التعامل مع النصوص الشرعية، سواء أردت منها أحكام العقائد، أو تفسير معاني كتاب الله، أو شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو استنباط الأحكام الفقهية، يبقى هو هذا العلم الذي يمكنك لأن تتعامل مع الدليل بطريقة صحيحة. هذا ما يتعلق بهذا العلم، ولست بحاجة لأن أقول إن أهل العلم كانوا وما يزالون يذكرون شرفه ومكانته ومنزلته وعظيم أثره في حياة طلاب العلم.
النقطة الأخرى في هذه المقدمات هي الحديث عن إمام الحرمين رحمة الله عليه؛ الإام الجويني أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني رحمة الله عليه. الإمام الجويني إمام الحرمين شيخ الشافعية بنيسابور، قدم الحجاز فحج وجاور بمكة والمدينة أربع سنين. يققال إنه أم المسلمين في الحرمين ولذلك سمي بإمام الحرمين. مدة بقائه الأربع سنوات بمكة والمدينة، وقيل إنه جاور يعني مكث بين مكة والمدينة أربع سنين واستفاد منه الناس وطلبوا عنده العلم، فنال الإامامة في هاتين البقعتين المباركتين فسمي بإمام الحرمين. وأياً كان في المتفق عليه أنه قضى أربع سنوات مجاوراً بين مكة والمدينة عليه رحمة الله.
إمام الحرمين أحد أئمة الإسلام فقهاً وعِلماً ودرايةً واستنباطاً، وثراءً أيضاً للمكتبة الإسلامية الشرعية بعلم وفير غزير. الذي يميز إمام الحرمين رحمه الله في مسار علم الأصول على وجه الخصوص أن له تركة ضخمة ثرية تمثلت في جملة من التراث العلمي الذي خدم أصول الفقه، أشهره ثلاثة كتب: كتاب الورقات وهو المتن الصغير المختصر الذي بين أيدينا، وكتاب التلخيص لخص فيه أعظم كتاب صنف في أصول الفقه في الإسلام كما يقول السبكي وغيره، وهو كتاب التقريب والارشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله.
والكتاب الثالث هو كتاب البرهان الذي اشتهر به إمام الحرمين وطار في الدنيا شرقاً وغرباً، وسماها السبكي رحمه الله لغز الأمة. وهو يفاخر كثيراً ببرهان إمام الحرمين وحق له ذلك، فإن برهان إمام الحرمين في اصول الفقه درة نفيسة فريدة، لست تجد في تاريخ الأمة خلال ألف وأربع مئة سنة لا تجد فيها كتاباً صنف في الأصول على غرار البرهان. عجز اهل العلم ممن جاء بعد إمام الحرمين أن يصنفوا كالبرهان، سواء في قوته ومتانته، أو في دقته وتحرير مسائله، أو في لغته وأسلوبه الذي فعلاً عجز اهل العلم أن يصوغوا كتاباً بلغة علمية في علم متخصص كأصول الفقه بلغة أدبية سامية راقية كأنك تقرأ شرحاً في إحدى المعلقات الشعرية، لغة أدبية راقية ونفس لغوي راق ومتمكن، من يقرأ كتاب البرهان يتيه: هل يتابع الفكرة ليفهمها أم اللفظ ليستمتع بعذوبته؟ ويفتح المعاجم حتى يشرح بعض معاني الكلمات من فصيح اللغة وعربيها الراقي الذي تحتاج معه فعلا إلى فتح المعاجم. ولولا أن المحقق الدكتور عبد العظيم الديب رحمه الله خدم وكثيراً متن الكتاب ببيان بعض الألفاظ لبقي طلاب العلم يفتحون البرهان وبجواره بعض المعاجم ليفسروا بعض ألفاظه رحمة الله عليه.
الكتاب الثالث هو الورقات كما قلت، أما التلخيص والورقات فكتابان لا يمثلان رأي إمام الحرمين بصورته التي تمثل مذهبه؛ الورقات كتاب مختصر وسنأتي على مسائله إن شاء الله خلال هذه الدورة. لما يريد طالب العلم أن يعزو رأياً لإام الحرمين أو مذهباً في الأصول فإنه يعود إلى البرهان، أما الورقات فهو متن مختصر وعليه يعني شيء من الملحوظات والنظر سنأتي إلى ذكره الآن. أما التلخيص فغاية فيه أنه حفظ لنا كتاب التقريب والارشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر الباقلاني أول من صنف في علم أصول الفقه على نحو متسع متكامل شامل لأبواب مسائل الأصول ومسائل على النحو الذي استقر عليه التأليف.
القاضي أبو بكر الباقلاني ألف التقريب والارشاد بمراتب ثلاثة: التقريب والإرشاد الصغير، التقريب والإرشاد الأوسط، التقريب والإرشاد الكبير. جاء إمام الحرمين رحمه الله فلخص كتابه وسماه التلخيص، فالتلخيص ليس رأي إمام الحرمين بل هو رأي القاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين لم يتتلمذ عليه لم يلقه بل هو في طبقة طلاب طلابه. وعندئذ لما تجدوا أن إمام الحرمين قد تشرب فكر الباقلاني وقوته وطريقته في الأصول حتى لخصه واستوعبه، لك أن تقول إنه جمع بين أكثر من مزيدة، هي منها تحصيله لعلم القاضي أبي بكر الباقلاني ومذهبه في الأصول، وهو مذهب جليل معتمد.
وهو أيضاً في الوقت ذاته، أعني إمام الحرمين يمثل مدرسة أصولية؛ لأن من أكبر من نتج من تحت يديه ومن علماء الأمة الإمام الغزالي رحمه الله هو تلميذه المباشر صاحب المستصفى، حجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي أبو حامد هو من كبار تلاميذ إمام الحرمين. فلما ننظر في علم الأصول ونرى أن كتاب البرهان أحد الكتب المعتمدة والمستصفى كذلك وهي مدرسة واحدة، يشعرك فعلاً بجلالة مكانة إمام الحرمين رحمه الله. نسوق هذا الكلام بين يدي دراستنا من أجل أن تكون عندنا النظرة الكافية الوافية للكتاب الذي تقرأه، والمصنف الذي تقرأ له مكانته بين العلماء ومنزلته بين المصنفين في هذا الفن على وجه الخصوص. كل هذه معطيات تساعدك على أن تفهم وأن تتعامل مع اللفظ مع الكتاب مع المسائل بطريقة سليمة ومنهج سديد.
يبقى الحديث عن الورقات على وجه الخصوص؛ ورقات إمام الحرمين، ورقات كما قال رحمه الله وكما سماها، وهو الذي قال في مقدمته: فهذه ورقات. هذه الورقات أراد بها تقريب مسائل هذا العلم على جمل مختصرة، إذاً هي ليست كل مسائل علم الأصول هذا أولاً. وثانياً ليست مستوعبة للآراء الأصولية في المسألة الواحدة. وثالثاً ليس فيها الحديث عن الاستدلال للقواعد ولا التمثيل لها بفروع فقهية. رابعاً ليست مستوعبة بمعنى أنها تعطي طالب العلم كل ما يحتاجه عن مسائل علم الأصول. أرادها رحمه الله أن تكون بين يدي طالب العلم تذكرة ومدخلاً ميسراً.
لهذا درجت العادة عند طلَبَة العلم في مناهج تحصيل العلوم وسلالم الدراسة المنهجية أن يكون كتاب الورقات في أول المراتب التي يدرسها طالب العلم عندما يدرس أصول الفقه باعتباره عتبة يصلح أن تبنى عليه الخطوات التالية. ورقات إمام الحرمين رحمه الله لم تشتهر بين أيدي طلبة العلم إلا متأخراً في القرن الخامس والسادس الهجري وما بعد، وانتشرت شروحها وكثرت، لكنها في القرون المتأخرة أعني القرن السابع فما بعد كثرت شروح الورقات، وأما قبل فلم تكن كذلك. ظل كتاب الورقات ونظمه للعمريطي وغيره من الكتب التي أرادت أن تجعل مثل هذا الكتاب بين يدي المبتدئ في دراسة العلم وتحصيله مقدمة ومدخلاً يحسن الابتداء به وبناء ما بعده عليه.
إذاً لا ينبغي، إذا فهمت هذا الكلام فيما يتعلق بالورقات، فانه يجب أن ندرس هذا الكتاب على هذه الطريقة بالنحو المختصر الموجز، وهذا هو منهجنا في الدورة إن شاء الله. أيضاً لن نستطرد في ذكر مسائل لم يتعرض لها المصنف رحمه الله، وأرى أن هذا هو الصواب في دراسة المتون المختصرة؛ ومن أراد التوسع فليقصد كتاباً متوسعاً يدرسه، وليأتي إلى متن أتى على مثل هذه المسائل فيتناولها. لكن آتي إلى كتاب مختصر ألفه مصنفه مختصراً ووضعه على هذا النحو، فينبغي أن تدرسه على هذا النحو.
أما الاستطراد في ذكر مسائل لم يذكرها أو التعمق في تذليل مسائل أتى عليها على نحو الإيجاز والاختصار فكل ذلك خروج عن منهج المصنف رحمه الله أو منهج صاحب الكتاب. أخيراً هذا الكتاب هو أيضاً كما قلت خطوة أولى لا ينبغي أن يقتصر عليها طالب العلم ويظن أنه قد حصل قدراً كبيراً في مسائل هذا العلم. ثمة مسائل أوردها إمام الحرمين رحمه الله ههنا في الورقات تخالف أو تغاير ما قرره في موضع آخر، مثل ما ينقله في التلخيص مثلاً أو فيما قرره في البرهان، فلا ينبغي أن تفترض تعارضاً بين الطريقتين؛ لأنه كما فهمت الورقات شيء لا يمثل مذهب إمام الحرمين الذي احتج له.
إمام الحرمين رحمه الله أحد الأئمة الذين جمعوا بين الفقه والأصول؛ لأن من المصنفين في الأصول من استغرق في التصنيف الأصولي بمعنى التنظير المجرد وممارسته في الفقه غير معروفة أو مشهورة، بينما تجد إماماً كإمام الحرمين رحمه الله له تركة فقهية ضخمة لو لم يكن فيها إلا نهاية المطلب.
الذي صنف فيه فقه الشافعي رحمه الله، فإنه يدلك على فقه عميق وإمامة حقيقية. إذا، من يكتب في الأصول بهذا العمق الفقهي تثق تماماً أنه كان يملك من الآلة. ومن أدوات هذا العلم ومسائله، ما آتاه ذلك التمكن والعمق العلمي المتين الذي ساعده على أن يقرر مسائل بالعمق والدقة والتمكن والإحكام الذي تجده في مثل نهاية المطلب.
هذا أول الشروع في كتاب الورقات لإمام الحرمين الجويني رحمة الله عليه.
الشيخ حسن بخاري