دخولتسجيل الدخول

قاعدة الأمر بشيء نهي عن ضده

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد. أحمده تعالى وأشكره وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فهذا هو مجلسنا الثالث بفضل الله تعالى في شرح ورقات إمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمة الله عليه. وكان مجلس البارحة قد توقف عند بعض مسائل الأمر، وبقي لنا منها نزر يسير ليشرع المصنف رحمه الله في الحديث عن النهي تعريفا وحكما وبعض المسائل المتعلقة به. ثم سندخل الليلة أيضا إن شاء الله تعالى بابا آخر من أبواب دلالات الألفاظ، وهو العموم والخصوص أو العام والخاص.

توقفنا فيما عرض من مسائل في الورقات عند الحديث عن دلالة الأمر بعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعريفه، وذكرنا ما فيه وما يؤخذ منه وما الذي يحترز من تعريفه أيضا. أورد رحمه الله تعالى ما يتعلق بأحكام الأمر، وهو الحديث عن دلالته حكما وعن دلالته أيضا زمنا، ومر مرورا على الدلالة من حيث العدد، وهل يقتضي التكرار أو لا يقتضيه. انتهينا أيضا إلى مسألة ما لا يتم الواجب إلا به، وأخيرا تكلم عن من يدخل في الأمر والنهي، وختم ذلك بمسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة، لنشرع الليلة بإذن الله تعالى في مسألة دلالة الأمر على النهي عن ضده.

والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده. هذه آخر مسألة أوردها المصنف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بمسائل الأمر. ولأن القاعدة التي سمعتموها الآن هي بالمشاطرة بين الأمر والنهي في إفادة أحدهما دلالة الآخر، مناسب أن تكون هذه المسألة في المنتصف، في أواخر ما يتعلق بمسائل الأمر وفي أوائل ما أورده من مسائل النهي. القاعدة تقول: الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده.

نحن نتحدث الآن عن دلالة؛ يعني على ماذا يدل اللفظ؟ وما الذي يمكن أن يستفيده المتأمل أو المستنبط للحكم من الآية أو من الحديث؟ وقلت في درسنا السابق إن العناية بدلالة الأمر والنهي هو من أهم ما يهتم به الفقهاء؛ لأن الشريعة كلها أمر ونهي، والتكليف بين الأمر والنهي. ولهذا يحتاج الفقيه وطالب العلم الناظر في الأدلة إلى أن يضبط تماما مسائل دلالات الأمر والنهي؛ لأنه متى أتقنها وفرق بين صورها وعرف كيفية التعامل معها، أورثه ذلك حسنا في الاستنباط ودقة في استخراج الأحكام من الأدلة.

هذه واحدة من مسائل دلالة الأمر والنهي. تقول القاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده، وبالعكس: النهي عن الشيء أمر بضده. والمقصود أنك إذا وجدت أمرا في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأنت تستفيد منه الحكم بطريقين. الطريق الأول: أن الأمر يدل على الوجوب، وهي قاعدة الأمس، إلا إذا دلت القرينة على غير الوجوب تبعت القرينة؛ فان ذهبت بك القرينة إلى الندب استفدت الندب، وإن ذهبت بك القرينة إلى الإباحة استفدت الإباحة، ومضى أمثلة ذلك البارحة. هذه أول الطرق التي تستفيد منها الحكم من صيغة الأمر في النص الشرعي.

الطريق الثانية: أن تعكس فتقول: إذا كانت الآية أمرت بكذا، إذا أنا أفهم منها النهي عن ضد ما أمرت به الآية. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45]. هذا الأمر بالثبات عند لقاء العدو في ميادين الجهاد، هذا الأمر للوجوب الثبات والمضي في مقاتلة الأعداء في الجهاد، وتفهم منه من ضده أنه نهي عن ماذا؟ عن الفرار يوم الزحف، ولهذا عد من الكبائر.

فإذا أنا أستطيع أن أقول إن الفرار من الزحف من الكبائر حرام، ومن الأدلة التي ساوردها على هذا النهي حديث الكبائر وفيه الفرار يوم الزحف. وأستطيع أن استدل أيضا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45]. فإذا قال لك القائل: يا اخي، أنا لا أرى في الآية النهي عن فرار المسلم في يوم الزحف، ومن أين قلت أنه حرام والآية ليس فيها إلا الأمر بالثبات؟ فتقول له: الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ فإذا أمرت الآية بالثبات، إذا هو نهي عن ضد الثبات وهو الفرار، فصارت الآية دليلا على النهي عن الفرار يوم الزحف.

هذا قد يفهمه العربي بديهة؛ أنا لما أقول لك: أمرك فأقول لك: قف، فأنت تفهم منه أنه نهي عن الجلوس، ونهي أيضا عن الاضطجاع والنوم؛ قلت لك: قف، أري منك القيام والوقوف. هذا بديهة، لكن نحتاج أن ننص عليه قاعدة شرعية في أبواب الدلالات لأننا نتعامل مع أحكام. ويسعك بذلك أيضا أن تنطلق في النصوص الشرعية، فكلما وجدت أمرا بشيء تستطيع أن تفهم منه النهي عن ضده.

سؤال: هل هذا افتيات على الشريعة وجرأة وأن تستنطق من النص ما لم ينطق به النص؟ الجواب: لا، بل هذا أولا مسلك عربي في فهم، وثانيا هو أيضا مسلك متبع، ودل عليه تطبيق الصحابة رضي الله عنهم. يحفظ كثير منكم حديث زيد بن أرقم لما يقول رضي الله عنه: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا الرجل إلى جنبه حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. هذا الآن أمر أو نهي؟ أمر: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. ماذا قال زيد رضي الله عنه؟ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

فهم من الآية أمرا ونهيا، بينما ما في الآية إلا أمر، فمن أين فهم النهي؟ من استخدام القاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده. قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. الآية ما تطرقت إلى الكلام ولا قالت: لا تتكلموا، ففهموها منها أنها نهي عن الكلام. هذا تطبيق مباشر ثبتت به السنة من تطبيق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. العكس في القاعدة أيضا صحيح: النهي عن الشيء أمر بضده؛ فمن قال لك: لا تقف، فمعناه: اجلس.

ولك أن تطبق هذا أيضا على كثير من المعاني. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: 32]، ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]. النهي عن الشرك أمر بماذا؟ أمر بتوحيد الله. النهي عن الزنا أمر بماذا؟ ما هو بالزواج، أمر بالعفة، سواء تحصل بالزواج -الشباب يبحثون عن أي دليل يدل على مشروعية الزواج ليقيموا بها الحجج على آبائهم وأمهاتهم-.

طيب، بالمناسبة فتحتم حديثا لاستدراك حول القاعدة. النهي عن الشيء أمر بضده. قبل هذا لما يقولون: الأمر بالشيء نهي عن ضده، الأدق في صياغة العبارة أن يقولوا: الأمر بالشيء نهي عن أضداده، عن جميع الأضداد. أنا لما قلت في المثال قبل قليل: قف، إذا هو نهي عن الجلوس ونهي عن الاضطجاع، نهي عن كل صورة سوى القيام، كل ما يصلح أن يكون ضدا للقيام فهو داخل في النهي.

طيب والعكس؟ النهي؟ يقولون: النهي عن الشيء أمر بأحدها، وليس عن جميع الأضداد. كيف؟ أنا لما قلته قبل قليل في المثال، قلت: لا تقف، فانت ستمتثل النهي بأن تجلس أو تضطجع، إذا هو أمر ليس بالجميع بل بواحد من الأضداد، أي صورة تتلبس بها سوى الصورة التي نهيت عنها تكون ممتثلا. لما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: 32]، ونهى عن الزنا، وامر بالعفة، العفة تحصل بالنكاح، تحصل بالتسري، تحصل بالصيام، بإمساك النفس عن خطوات الشيطان، كل ذلك يحصل به الامتثال بعدم قربان الزنا. ولهذا يقولون في الصيغة: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده.

وسبيل ذلك في الفهم ما قلت لك: إن الأمر بالشيء لا يتحقق امتثاله إلا إذا أتيت بالصورة التي أمرت بها، وعندئذ يلزمك مفارقة كل ما عداها من الأضداد. لكن نهيك عن الشيء يتحقق بأن تتلبس بإحدى صور المخالفة والضد، فأي صورة تلبست بها صح لك ذلك. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]. إذا هو أمر بماذا؟ هذا نهي، تفهم منه الأمر بماذا؟ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، عن أكل المال بالحلال: التجارة والمشاركة. فإذا شاركت إخوانك وصارت بينكما الشركة مشاطرة أو بحسب ما اتفقبتم صار من أكل أموال أخيك بالحلال بالمشاركة، فهم منه أيضا طلب الرزق بالحلال بأي صورة من الصور المشروعة، وليس أمرا بشيء محدد.

هذا ما يتعلق بالقاعدة، ولها تطبيقات لطيفة، وفيها عدد أيضا من الأمثلة التي يستخدمها الفقيه في الاستدلال على حكم شرعي قد لا يجد فيه النص صراحة. يعني مثلا من الأمثلة المنتشرة لما يقول الفقهاء في الحكم بتحريم حلق اللحى، أنت لما تقول: تحريم، تحتاج صيغة نهي، وليس في النصوص النبوية صيغة نهي عن حلق اللحى، فيها أمر بالإعفاء: أعفوا، أرخوا، وفوروا. الأمر بالإعفاء نهي عن ضده أو عن جميع أضداده، وهكذا.

فهذه قاعدة يستخدمها الفقهاء وتفيد كثيرا في استنباط الأحكام من خلال الاتجاه إلى قاعدة الأوامر؛ فانت تفهم منها النهي عن جميع أضدادها، وكذلك النهي تفهم منه الأمر بأحد أضداتها. لما جاءت القاعدة هذه متوسطة بين الأمر والنهي، صارت مناسبة لأن تكون مدخلا للحديث عن النهي وتعريفه ومسائله. نعم.