والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. تماما كما ذكر في تعريف الأمر هناك، ماذا قال؟ البارحة استدعاء الفعلي بالقول. قال هنا استدعاء الترك، وقلنا هناك أن قوله في تعريف الأمر البارحة استدعاء الفعل. قوله الفعل قيد يخرج القول والترك، فلما يريد النهي يقول استدعاء الترك. إذا سيخرج استدعاء الطلب؛ لأنه أمر. فإذا أردت أن تعرف النهي ستقول استدعاء النهي يعني عفوا استدعاء الترك أي طلب الترك.
قال بالقول، أيضا هو استدراك أو احتراز لما مر ذكره البارحة في تعريف الأمر؛ لأن الأمر قد يحصل بالإشارة، لما تشير إلى أحد بأمر أو تشير إليه بنهي فتقول له هكذا لا تفعل. فأنت لما تشير يفهم منها المشار إليه أمرا أو نهيا. لكنه اصطلاحا لا يسمى أمرا ولا نهيا لأنها إشارات، فلو قابلت بعض من يتكلم بلغة الإشارة من الصم أو البكم، فجعلت تشير إليه بإشارات، نعم هو يعني في الفهم ستقول أنت أمرته بكذا أو نهيته عن كذا، لكنه في الاصطلاح لا يسمى أمرا أو نهيا إلا أنه وقع بالإشارة.
قال استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه، تذكرون باحتراز هذا أمس في الأمر لما جاء به، ليخرج ماذا؟ ليخرج الالتماس والدعاء، نفس الكلام هنا. أنت لما تقول لمقارن لك لا تفعل، فأنت تلتمس منه. في الدعاء لما يقول العبد لربه ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا﴾ [البقرة: 286]، هل تقول العبد ينهى ربه؟ مهما يمكن أن يكون نهيا ولا يدخل، فلان لا يدخل في التعريف مع أنه استدعاء الترك لا تؤاخذنا. واستدعاء للترك، أنت تطلب من ربك أن يترك مؤاخذتك. لكن حتى لا يدخل معنا في تعريف النهي، سنذكر هذا الاحتراز ممن هو دونه.
إذا إذا توجه هذا النهي أو استدعاء الترك، إذا توجه من الأعلى إلى الأدنى، من الخالق سبحانه وتعالى إلى المخلوق، من الرب إلى العبد، من الأب إلى الولد، من الأستاذ إلى طالبه، كل ذلك يسمى نهيا. فإذا كان العكس فلا يسمى نهيا، والدعاء على وجه الخصوص بين العبد وربه كل ما ورد فيه بصيغة النهي لا يسمى اصطلاحا نهيا لأن العبد لا ينهى ربه إنما يطلبه ويدعوه ويسأله جل في علاه.
أيضا آخر لفظة في التعريف لما قال على سبيل الوجوب، هي أيضا لا ينبغي أن تورد ها هنا في التعريف لأنه بذلك سيقصر التعريف على التحريم، ونحن نتفق على أن النهي قد يراد به التحريم وقد يراد به الكراهة. فلو قلت على سبيل الوجوب أنت قصرت التعريف على التحريم، وبالتالي كأنك تقول إن النهي لا يفيد الكراهة. كما قال أمس في الوجوب في الأمر هناك على سبيل الوجوب، وقلنا هذه الزيادة ستخرج الندبة من التعريف. لكنه هكذا أورده رحمه الله.
لم يأتي رحمه الله إلى صيغ النهي وهي معروفة: لا الناهية التي تسبق الفعل المضارع هي أشهر صيغ النهي، وكذلك لما تأتي إلى النافية للجنس وتدخل على الجمل الاسمية: لا صلاة، لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، لا زكاة في المعلوفة، لا نكاح إلا بولي. فلا الناهية أو لا النافية للجنس. الناهية إذا دخلت على المضارع ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: 32]، ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].
كذلك كل صيغة تدل على التحريم صراحة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، هذا نهي. لما يأتي بصيغة التحريم الصريح، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ﴾ [النحل: 90] هذه صيغة نهي صريحة. فإذا تستفيدها بلا الناهية، بلا النافية، بصيغة التحريم الصريح، بصيغة النهي الصريح مثل، بصيغة نفي الحل ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19]. هذه كلها تدل على النهي وله صيغ متعددة تجاوزها المصنف رحمه الله تعالى. نعم.
ويدل على فساد المنهي عنه. وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة. طيب. قال ويدل على فساد المنهي عنه، انتقل مباشرة إلى دلالة النهي. هي تماما تقابل هناك في الأمر ما قال فيه بالأمس رحمه الله إن الأمر يدل على الوجوب. أو قال ويدل عليه يعني على الوجوب عند الإطلاق يدل عليه أي على الوجوب. قال هنا يدل أي النهي على فساد المنهي عنه.
دلالة النهي يا إخوة عند الأصوليين والفقهاء دلالتان؛ أحداهما في الحكم، والثانية في الصحة والبطلان، يعني في حكم الفعل بماذا يوصف؟ والثانية بأثر الفعل وما الذي يترتب عليه؟ أما من ناحية الحكم فالنهي عند الجمهور للتحريم إلا إذا دلت القرينة على ما سوى ذلك فيحمل على ما دلت عليه القرينة، فإن دلت على النهي ذهبت بها إلى النهي. وهذا من ناحية الحكم.
أما من ناحية أثر الفعل وترتب الصحة والفساد عليه فهو الذي قاله المصنفون رحمه الله: ويدل على فساد المنهي عنه. يدل النهي على أن الفعل المنهي عنه إذا واقعه المكلف فحكمه فاسد. أي شيء نهتك عنه الشريعة وهذا عام سيتناول العبادات، فإذا نهت الشريعة عن عبادة من العبادات في صورة من الصور ففعلها المكلف ما حكم عبادته؟ مثال: نهت الشريعة عن صيام يوم العيد، فماذا لو صام يوم العيد؟
عندك الآن حكمان، ما حكم صيام يوم العيد؟ حرام. من أين أتيت بالتحريم؟ من نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيد، والقاعدة تقول النهي يفيد ممتاز، فقلت حرام صيام يوم العيد لأنك وجدت فيه نهيا. ماذا لو صام؟ عنده قضاء من رمضان فصام يوم العيد بنية القضاء. صامه بنيته يعني أول يوم من ستة شوال. ما حكم صيامي هذا؟ واضح إذن وفاسد؛ لأن النهي يقتضي الفساد. إذن ودل على تحريم الفعل وإذا وقع من المكلف فهو أيضا فاسد.
نهت الشريعة عن صلاة الحائض، قال: ﴿فَإِذَا كَانَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ﴾، فنهى عليه الصلاة والسلام عن صيام الحائض حال حيضها. ما حكم عفوا عن صلاة الحائض؟ ما حكم صلاة الحائض وهي حائض؟ ما حكم؟ حرام. وماذا لو صلت؟ لا تصح صلاتها هكذا. ستجيب: كل شيء نهت عنه الشريعة هكذا. هكذا في المعاملات: نهت الشريعة عن جملة من صور البيع، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الملامسة، نهى عن بيع الغرر، نهى عن النجش، نهى عن تلقي الركبان، هذه جملة من العقود جاءت الشريعة بالنهي الصريح. هذا النهي يدل أولا على تحريم الفعل، ويدل ثانيا على فساد ويدل على فساد المنهي عنه.
يبقى هنا فقط للإيضاح والتنبيه: إطلاق المصنف رحمه الله أن النهي يقتضي أو يدل على فساد المنهي عنه هو مفصل، مفصل أكثر يعني بتوضيح عند غيره من المصنفين لئلا تدخل الصور في بعضها، وليس كل شيء نهت عنه الشريعة بهذا الفهم تدل على الفساد. يعني مثلا، نهت الشريعة عن لبس الحرير، لا يجوز لبس الحرير للرجال، لما قال عليه الصلاة والسلام وقد أخذ حريرا وذهبا وقال: «هذان حل لآناث أمتي حرام على ذكورهم».
فماذا لو لبس الرجل ثوب حرير؟ حرام وهو آثم. ماذا لو صلى به؟ ستجيب حرام فعله وصلاته، هذا الإشكال، هل ستجيب صلاته باطلة؟ طيب هنا للفهم الأول ستجيب لا، النهي ما جاء للصلاة حتى أقول إن الصلاة باطلة. نقول النهي يدل على فساد المنهي عنه، وما نهي عن الصلاة، نهي عن ماذا؟ عن لبس الحرير. فماذا لو تكونت الصورة وتركبت من شيئين، من جزء فيه شيء صحيح وهو العبادة الصلاة، ومن شيء تلبس به وهو لبس الحرير وهو لا يصح، هل ستجيب صلاة باطل؟ الصحيح لا، أن صلاته صحيحة مع الإثم.
إذا كما تماما تقول كمن صلى مسبلا إزاره، الصلاة صحيحة مع الإثم. هذا شيء وهذا شيء، الصلاة تأخذ حكمها ولبسه للحرير يأخذ حكمه. حتى لا يقعد الإشكال، قالوا انتبه: فيما يتعلق بالنهي والفساد الصور ثلاثة. إذا جاء النهي إذا توجه النهي إلى ذات المنهي عنه دل على الفساد، مثل ما دل الحديث عن تحريم صوم يوم العيد، مثل ما دل الحديث عن تحريم نكاح الأم أو الآية. إذا وقع النهي إلى ذات المنهي عنه أفاد الفساد وعدم الصحة.
الصورة الثانية: أن يتعلق النهي لا بذات المنهي بل بشرطه أو وصفه الملازم له، وهو أيضا يدل على الفساد وله صور متعددة؛ كأن نهي كنهي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في وقت النهي. النهي ليس لذات الصلاة، لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. هل النهي عن الصلاة أو عن الصلاة في هذا الوقت؟ هل الوقت بالنسبة إلى الصلاة شيء منفك عنه؟ يعني هل الوقت هو الصلاة؟ لا. طيب هل هو شيء مفارق عنه؟ لا، الصلاة ملازمة للوقت بمعنى أنه لا يمكن إقلاع الصلاة إلا في وقت، فهو شيء لا ينفك. هذا أيضا يدل على الفساد، فمن صلى في وقت نهي فصلاته فاسدة.
الصورة الثالثة: أن يتوجه النهي إلى أمر منفك خارج عنه، مثل الصلاة وثوب الحرير، يمكن أن تفصل ثوب الحرير عن الصلاة وليس شيئا واحدا. فإذا اتضحت لك الصورة فهمت وكلام المصنف ليس خطأ. قال ويدل على فساد المنهي عنه، هو قصد الصورة الأولى إذا توجه النهي إلى ذات المنهي عنه، وهذا محل اتفاق أنه يدل على الفساد. لكن قلته للباب الإيضاح ودنا بعضهم يستشكل هذا المعنى. نعم.
الشيخ حسن بخاري