دخولتسجيل الدخول

باب العام

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

وترد صيغة الأمر، والمراد به الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين.

ترد صيغة الأمر والمراد بها الإباحة، تقدم هذا في مجلس البارحة، لما يقول الله عز وجل: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172]. كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، كلوا هذا فعل أمر، ما المراد به؟ ليس الوجوب وليس الاستحباب، المراد به الإباحة مع أنه عطف عليه أمر آخر تختلف دلالته؛ ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51]. ما حكم عمل الصالحات؟ فيه واجب وفيه مستحب. لكن اختلفت الدلالة، والفعل الذي قبله الذي عطف هذا عليه لم يدل لا على الوجوب ولا على الاستحباب، فإذا أنت تقف أمام كل صيغة من صيغ الأمر لتفهم دلالته ومعناه وقد تختلف وهي متعاطفة.

قال أيضا ويدل على التهديد، وهذا انتقال إلى جهة أخرى تماما في الدلالات، أمر ويدل على التهديد. قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: 40]. الكفار، قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. هل تفهم أن هذا تخيير وإباحة؟ من يريد الإيمان ومن يريد الكفر. الصيغة هذه بالسياق أصلا العربي ماذا يفهم منها؟ يفهم منها تهديدا، ويفهم منها وعيدا، أبدا لا يفهم منها التخيير والإباحة وترك الأمر له يختار ما يشاء. هذه السياقات تدل على المعنى الذي جاء فيه الأمر.

قال التسوية، أصلوها: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: 16] أي النار، أجارنا الله وإاياكم. اصبروا أو لا تصبروا ليس تخييرا وليس أمرا، لكنه يدل على أن الأمر سواء صبرت أو ما صبرت.

قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65]. يقولون الأمر يدل على التكوين، وليس المطلوب منك أن تفعل شيئا لأن تتحول إلى قرد، لكن الله يأمر أمر تكوين أن يحولك، أجارك الله، أو يحول المخاطب بهذه الآية: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65].

المقصود من هذا أنك بعد أن تعلمت أن الأمر يدل على الوجوب، وله أحكام تتعلق بحكمه وبزمنه وبعدده، كل ذلك يقول لك فيه: ليس كل أمر تجده في الشريعة تطبق عليه هذه القاعدة تعاملا آليا. يقول: افتح ذهنك، ثمة أوامر في الشريعة لا تحمل على ما سبق إيراده من الدلالات. فالسؤال: فماذا أفعل إذا أنا أريد أن أفهم كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ سيقول لك: الأصل هو تلك القواعد التي مرت بك، وهذه استثناءات، إذا هي أولا ليست كثيرة، ثانيا سياقها يوضح معناها. لكن لئلا تقع في إشكال فتقول قرر الأصوليون كذا ثم وجدت شيئا خلاف ما قرروه، نبهوا لك على أنه قد يقع شيء من ذلك فلا تكن في حيرة من أمرك، فانه يحمل على غير ما سبق تقريره في القواعد.

لما انتهى من معاني صيغ الأمر، وقد أتى على جملة يسيرة من مسائل النهي، ينتقل الآن رحمه الله إلى باب آخر من دلالات الألفاظ هو العموم والخصوص. كما قلنا يا إخوة أن العناية بدلالة الأمر والنهي مهم لطالب العلم، مهم للمتفقِّه، مهم للأصولي؛ لأنه لن تجد آية أو حديثا فيها تكليف عبادات، معاملات، آداب وأخلاق كلها إما أمر وإما نهي. فإذا أنت لست مستغنيا أبدا عن أن تتقن دلالات الأمر والنهي، وما في الورقات ليس كل شيء، كما قلنا في أول لقاء هو مدخل ونبذة يسيرة وشيء يعرفك ليس إلا.

المتخصص ومن أراد أن يمتلك زمام الفقه ويكون ملكته يحتاج أن يغوص في دلالات الأمر والنهي، ويجد ما قرره الفقهاء والأصوليون في هذا الباب بحرا كبيرا متلاطمة أمواجه، لكن عليه أن يححسن السباحة حتى يتفقه ويكون الملكة الكافية. في النهاية خلاف الفقهاء في كثير من أنحائه هو أمام نص واحد أحيانا، فهذا يفهم منه شيئا وهذا يفهم منه شيئا آخر، ليس لأنهم متفاوتون، لكن القاعدة تحتاج إلى نظر، وتحتاج إلى وعي، وتحتاج إلى أن تعيش مقصد الشارع وهو ماذا أراد بهذا.

في أكثر من درس كنت أمثل بحديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن العود في الهبة. قال عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». فهم منها الجمهور تحريم الرجوع في الهبة، وأن من أهدى هدية حرم عليه الرجوع فيها. التحريم لاحظ في الحديث لا صيغة أمر ولا صيغة نهي، العائد في هبته كالعائد في قيئه أو كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، الآن لا أمر ولا نهي. ماذا في الحديث؟ تشبيه. التشبيه أسلوب عربي تفهم منه إما ترغيبا ومدحا وإما تنفيرا وذما، فإن كان تنفيرا وذما فهو الحرام المكروه، وإن كان ترغيبا ومدحا هو الواجب والمستحب. إذا هكذا يعني، مع أن هذه ما مرت معك في الصيام، لكنك تحتاج أن تفهم، هذا أسلوب شرعي يأتي أحيانا بمثل هذا النوع.

فلما كان ذما وتنفيرا شبهه بصورة قبيحة مقززة، أن الكلب إذا قاء أكرمكم الله يعود فيأكل قيئه، وأن العائد في هبته هو كذلك، ففهم الجمهور أن هذا محمول على النهي فكأنه قال لا تعودوا في هباتكم، كأنه قال هذا. هل وجدت النهي الصريح لا تعودوا في هباتكم؟ ستحمله أما على التحريم وهو الأصل أو على الكراهة، فلهذا قال الجمهور بتحريم أن يعود الرجل في هديته.

بينما مذهب الشافعي رحمه الله على عدم التحريم وأنه يجوز الرجوع في الهبة بعد أن يدفعها المهدي أو الواهب. الجواز من أين فهمه؟ والحديث واحد والنص الذي أمامك واحد، أتي إلى التشبيه فقال ماذا في التشبيه؟ تشبيه العائد في هبته بالكلب أن يعود في قيئه، والمشبه يأخذ حكم المشبه به، فهل يحرم على الكلب أن يعود في قيئه؟ هل يحرم على الكلب أن يعود في قيئه؟ فإذا شبه النبي عليه الصلاة والسلام العائد في هبته بالكلب، إذا يأخذ حكمه، فإذا كان لا يحرم على الكلب أن يعود في قيئه فكذلك العائد في هبته لا يحرم عليه، لأن التشبيه يقتضي التسوية بين المشبه والمشبه به، وغاية ما فيه التنفير ويعني تقبيح الفعل وأنه خارج عن المروءات وأنه ليس من الشيم المحمودة عند الناس، أما تحريم يقول لا لا أفهم منه تحريما، فهمت؟ ممكن يحمله على الكراهة.

فأنا أقول ها هنا تتفاوت أفهام الفقهاء رحمهم الله، والنص الذي أمامهم أحيانا واحد بل في كثير من الأحيان. فأنا أقول من أراد أن يفتح الله عليه في الفقه وأن يتسلّم زمام أن ينمي تلك الملكة أن يغوص في دلالات الأمر والنهي، وهي الحقيقة من أكبر دلالات الألفاظ التي يحتاج إليها الفقيه. لا يقل عنها شأنا الباب الذي نحن أمامه الآن، باب العموم والخصوص هو أيضا أحد أكبر أبواب دلالات الألفاظ، أكبرها من ناحية تأثيرها في استنباط الأحكام، ومن ناحية انتشارها في نصوص الشريعة. بلا مبالغة أقول: مهما وقفت أمام آية أو حديث لن يخلو النص الذي أمامك من صيغة عموم أو صيغة خصوص، وبالتالي فإذا كنت ضعيفا في هذا الباب وما تفقهه جيدا فعظم الله أجرك، جزء كبير من النصوص لن تستطيع التعامل معه ولن تفهم دلالته بطريقة جيدة.

لأهمية هذا الباب أفرد الفقهاء والائمة والأصوليون رحمهم الله كتبا مصنفات مستقلة في العموم والخصوص، بعضها مطبوع في جزئين. لماذا؟ هل هو إغراق وتوسع ونوع من الاسترسال؟ لا لا، هو عناية بباب شعروا أنه مهم جدا لطالب العلم المتفقه، لأنه كما قلت لك كل النصوص الشرعية، كل ما مر بنا من أمثلة من أمس إلى اليوم: أي أمر وأي نهي؟ إذا ابتدأت الجملة بأمر أو بنهي انظر مباشرة لما يقع بعد الأمر بعد النهي، إما عام وإما خاص، فهذا هو متعلق الأمر والنهي. الأمر والنهي تكليف، التكليف يتوجه إلى ماذا؟ يتوجه إلى فعل أو قول، هذا الفعل والقول هو الذي يوصف بالعموم والخصوص، فإذا نهت الشريعة عن أمر قد يكون عاما وقد يكون خاصا، هما يتداخلان فربما وجدت النهي عن شيء عاما في نص ووجدته خاصا في نص آخر، كيف تفعل؟ كيف تجمع بين تلك النصوص؟ هذا الباب الكبير هو ميدان العموم والخصوص، وهو من الأهمية بمكان.

ولأهميته أفردها أهل العلم بمصنفات مستقلة، كما فعل القرافي رحمه الله في كتابه العقد المنظوم في الخصوص والعموم، وكما فعل الحافظ العلائي في كتابه تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم. فكانوا يحرصون على حصر صيغ العموم أولا وعلى حصر صيغ التخصيص ووجوهه وأساليبه ثم الكلام عن مسائله وما يتعلق وبكل واحد على تفصيل ومحاولة جمع الشواهد في النصوص الشرعية، فهو باب كبير لكن بصراحة يحتاج إليه الفقيه ويحتاج إليه طالب العلم، وبقدر ما يغوص في مسائله ويتعمق فيها فإن لها فوائد كثيرة جدا تعود إلى موقفه فيما بعد من فهم الآية أو الحديث.

نعم، وأما العام فهو ما عم شيئين فصاعدا، من قوله عممت زيدا وعمرا بالعطاء وعممت جميع الناس بالعطاء. ابتدأ رحمه الله كالعادة بالتعريف، قال: وأما العام فهو ما عم شيئين فصاعدا. اه، أيضا يرون أن مثل هذا التعريف مدخول وينتقدون عليه ما يسمونه بالدور، أن تقول في العموم أو في العام ما عم شيئين، أنا أريد أن أفهم مصطلح عام فلا تقل لي في التعريف ما عم، وبالتالي تحتاج إلى لفظ آخر أن تقول ما تناول، ما تناول شيئين فصاعدا، ما تناول يعني اللفظ الآن كلامه في تعريف اللفظ العام ما هو اللفظ العام الذي نصفه بأنه عام؟ تقول هو اللفظ الذي يتناول شيئين فصاعدا، شيئين من أي الأشياء؟ من المسميات التي ينطبق عليها اللفظ من معاني اللفظ، لأن كل لفظ له معنى، المعنى هذا له أفراد، مثال المؤمنون هذا لفظ وله أفراد، ما أفراده؟ كل مؤمن، كل مؤمن زيد وعمرو وبكر وخالد يدخلون في كلمة المؤمنون. إذا المؤمنون لفظ وتحته أفراد، كل فرد منه يسمى شيئا، فما عم أو ما تناول من الألفاظ فردين فأكثر يسمى عاما.

تفهم من هذا التعريف أن اللفظ الذي يتناول شيئا واحدا ليس بعام، كأسماء الأشخاص: عمر وعبد الرحمن وأبو بكر وعثمان وعلي، هذه أسماء أشخاص فلا تتناول أكثر من واحد إذا ليست من العموم في شيء. تفهم منها أيضا أن ما تناول عددا محصورا، شخصين ثلاثة وإن كان أكثر من شيئين لكنه محدود في النهاية، هو أيضا ليس بعام. قال ما تناول ما عم شيئين فصاعدا، زاد بعضهم في التعريف من غير حصر، لأن أسماء الاعداد كالعشرة والمئة والألف حتى المليون هي مع تناولها شيئين فصاعدا لكنها في النهاية محصورة، فهذا عندهم ليس بعام، طالما بقي اللفظ له سقف محدد يقف عنده ليس بعام ولا يوصف اللفظ بأنه عام إلا إذا كان تناوله منتشرا لا حدود له.

وأمثلة هذا كثيرة: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]. الإنسان هذا اسم جنس، وسيأتيك من صيغ العموم أن اسم الجنس إذا دخلت عليه ال الاستغراقية أفادت الانتشار، يعني الله عز وجل في هذه السورة أقسم على أن كل من يسمى إنسانا فهو محكوم عليه بالخسارة، إن الإنسان هذا يتناولني ويتناولك ويتناول كل ذرية بني آدم إلى قيام الساعة، إن الإنسان لأنه كله يسمى إنسان، هذا اللفظ مثال للعام الذي ينتشر ولا حدود له، هذا عام.

مثله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]. المؤمنون هذا عام، فهو حكم بالفلاح لكل من اتصف بالإيمان وسمي بالمؤمن، هذا عام. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]. العالمين هذا عام، فالله عز وجل رب العوالم كلها: إنسها وجنها، طائرها وسابحها وكل العوالم ربك عز وجل ربها، فهذا كثير جدا ومنتشر في النصوص الشرعية، اللفظ العام الذي يتناول شيئين فصاعدا من غير حصر.

قال: من قوله عممت زيدا وعمرا بالعطاء وعممت جميع الناس بالعطاء. المقصود أنه فيه معنى الشمول. قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]. هذا من صيغ العموم، وصيغته هنا لفظة كل كما سيأتي بعد قليل، فحكم الله بالفناء على كل من على وجه الأرض. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: 31]. الثقلان الإنس والجن سيشمل كل من يدخل في هذا الاسم، أنا وأنت وكل إنس وكل جن يدخل في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: 31]. ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]. الرجال والنساء هذا عموم يشمل كل رجل، وهذا عموم يشمل كل امرأة تدخل في وصف النساء.

قوله عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج». الشباب هذا لفظ عام يتناول الشباب في عصره صلى الله عليه وسلم، ومن بعد عصره في الصحابة والتابعين ومن بعدهم والى اليوم وشباب الأمة وبعد الغد إلى قيام الساعة. هذه الألفاظ العامة التي تنتشر بلا حدود هي الموصوفة بالعموم، وهي كثيرة جدا. كيف أعرفها؟ وكيف أستدل عليها؟ وما الأثر المترتب؟ كل هذا سيأتي في الأبواب التالية، سيعلمك أولا صيغ العموم وأين تجدها، ثم فيما بعد يأتي إلى دلالات العموم وما الذي تستفيده منه، نعم.

وألفاظه أربعة: الاسم الواحد المعرف بالألف واللام، واسم الجمع المعرف باللام، والأسماء المبهمة كمن فيمن يعقل وما فيما لا يعقل، أي في الجميع، وأين في المكان، ومتى في الزمان، وما في الاستفهام والجزاء وغيره، ولا في النكرات كقولك لا رجل في الدار.

ذكر رحمه الله في هذا المقطع الذي سمعتم ألفاظ العموم أو صيغ العموم، وقلت هذا الباب الكبير الذي أُفرد بمصنفات مستقلة مثل تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، هذا الباب كبير، ومصنِّفُه رحمه الله قال: ألفاظه أربعة وهي أكثر من هذا بكثير، لكنه جاء لأكبر الصيغ وأشهرها. قال: أولا الاسم الواحد المعرف بالألف واللام، يقصد بالاسم الواحد المفرد أو اسم الجنس مثل: إن الإنسان لفي خسرة، الإنسان مفرد لكنه اسم جنس، وبالتالي فيشمل كل ما يسمى بإنسان، لأنه عُرف بالألف واللام الدالة على الاستغراق، إن الإنسان لفي خسر.

لما يقول عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم»، كم مسلما يقصد عليه الصلاة والسلام؟

كل المسلمين يا أخي. هو قال مسلم، أنت تقول كل المسلمين، هو جاء بمفرد وأنت تقول كل المسلمين، هذا صيغة عموم. من أين اكتسب العموم؟ الاسم المفرد هذا دخلت عليه أل. فهو يريد عليه الصلاة والسلام أن كل مسلم أخ لكل مسلم، المسلم أخو المسلم. إذن سواء عرفه مفردا دخلت عليه أل، أو الصيغة الثانية اسم الجمع المعرف باللام: وقال المسلمون تتكافؤ دماؤهم، أو المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، إنما المؤمنون إخوة. لما يقول مؤمنون ومؤمن، إذا دخلت أل هنا أو هنا وأفادت الاستغراق فإنه لا فرق بينهما. فعليك أن تفهم أن أل التي تدل على الشمول والاستغراق لا فرق بين أن تدخل على مفرد أو تدخل على جمع، لأن كلا منهما سيستغرق ويفيد العموم. فهذه من صيغ العموم: أولا الاسم المفرد المعرف بالألف واللام، ثانيا اسم الجمع المعرف بالألف واللام، ثالثا الأسماء المبهمة.

ما الأسماء المبهمة التي يسميها النحاة التي تدل سواء كانت صيغ شرط أو صيغ أسماء موصولة أو أدوات، كل هذا تسمى أسماء مبهمة، مثل لها بمجموعة. ما الأسماء المبهمة؟ مثل لها فقال رحمه الله: كمن في من يعقل، وما فيما لا يعقل، وأي في الجميع.

من وما وأي، من إذا استخدمت للعاقل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. أين العموم؟ من يعمل؟ بمعنى كل من يعمل. لاحظ لما تريد أن تفسر العموم تستخدم صيغة كل، وهذه طريقة جيدة. إذا أردت أن تكتشف صيغة عموم استبدلها بكل، فإذا انطبق عليها استبدالها بكل فهي للعموم. يعني مثلا المسلم أخو المسلم، تقول كل مسلم أخ لكل مسلم، إذا انطبق المعنى إذن هي من صيغ العموم. وهذه طريقة جيدة كما قلت للتعلم والاستكشاف.

لما يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]، ستقول المعنى كل من يعمل. إذا صلح دخول كل عليها فهي دلالة على أنها للعموم.

قال وما فيما لا يعقل، لما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98]، فكل شيء يعبد من دون الله فهو كذلك. فما إذا جاءت لغير العاقل: السماء والأرض وما بينهما، يدخل كل شيء ويشمله بالاستثناء.

قال وأي في الجميع، أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي، أي شمل الجميع. وأيضا ولله الأسماء الحسنى، عفوا، أيا ما تدعو، قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، فتستخدم للعاقل ولغير العاقل وهي تفيد العموم فيهما.

قال رحمه الله وأين في المكان، ومتى في الزمان، وما في الاستفهام والجزاء والخبر ونحوها. أين في المكان؟ قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: 78]. هذه صيغة عموم، يعني في كل مكان يدرككم الموت. قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 26-27]، أين صيغة استفهام للدلالة على المكان، ورودها في النصوص الشرعية يفيد العموم.

متى في الزمان؟ مثل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ [الإسراء: 51]، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، يعني في أي زمان والمقصود في كل زمان والمقصود في كل وقت، فهذا دليل على العموم أيضا.

ما في الاستفهام، فيقول: ﴿مَاذَا أجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [المائدة: 109]. قال ما في الاستفهام، لأن ما تأتي لغير الاستفهام، ما تأتي موصولة، ما تأتي أيضا لغير العاقل كما جاء قبل قليل، ما تأتي للشرط أيضا، ما تأتي كافة، ما تأتي نافية، كل ذلك يدلك على التفريق التي تدل على العموم. ما في الاستفهام: ماذا أجبتم المرسلين؟ أي شيء أجبتم؟ وأي من صيغ العموم كما مر قبل قليل. وأيضا ما إذا جاءت في الجزاء: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197]. هذا من الشرط: ما تفعل يعلمه الله، فكل شيء تفعله يعلمه الله.

قال في الصيغة الرابعة والأخيرة: ولا في النكرات نحو لا رجل في الدار. لا في النكرات التي يقال لها في النحو لا النافية للجنس، التي تعمل عمل إن إذا دخلت نصبت اسمها: لا نكاح إلا بولي، لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، لا صلاة إلا بطهور، ونحو هذا. هذا كله يدل على العموم: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. فهذا كله من صيغ العموم، وهي كما رأيتم الآن أربعة على تقسيم المصنف رحمه الله: واحد الاسم المفرد المعرف بالألف واللام، الثاني اسم الجمع المعرف بالألف واللام، الثالث الأسماء المبهمة، الرابع لا في النكرات يعني لا إذا دخلت على النكرة: لا صلاة، لا رجل، لا نكاح. هذه كلها تدل على الاستغراق والعموم: لا صلاة أي صلاة نافلة أو فريضة، لا نكاح أي نكاح لا يحصل به ذلك.

قال هنا هذه أربع صيغ الآن ليست هي كل صيغ العموم الذي ذكره المصنف رحمه الله وبعضها، والدليل على أنه ما أراد أن يستغرق كل صيغ العموم أنه ترك أم الصيغ. أم صيغ العموم ما هي؟ كل وجميع. فما ذكرها، ولا تفهم أبدا أنها فاتت عليه رحمه الله وهو إمام الحرمين، لكنه أراد فقط أن يضرب أمثلة كما جاء في الأمر وقال صيغته الدالة عليه: افعل. وما أراد أن افعل وحدها التي تدل على الأمر، قلنا لأن هناك فعل المضارع المقترن بلام الأمر، والمصدر الذي ينوب عن فعل الأمر، واسم فعل الأمر، فما أوردها. هنا أيضا أراد فقط الإشارة على طريقه في الاختصار والايجاز، وأن يضرب المثل ببعضها. فما ذكر كل وجميع، ولا ذكر الأسماء الموصولة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]، الذين، وكل من قال ربنا الله ثم استقام تناولته الآية.

ما ذكر أيضا رحمه الله النكرة المضافة، فإن الإضافة أيضا تقتضي العموم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. عباد الله، عباد نكرة وأُضيفَت إلى لفظ الجلالة فاستغرقت وأفادت العموم. دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث التشهد في التحيات، حديث ابن مسعود قال: «فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض». من أين فهمت أنه سلم على كل عبد صالح؟ من قوله السلام علينا وعلى عباد الله. قال: «فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض». استشعروا هذا في التحيات التشهد، إذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أنت ترسل سلامك إلى جبريل عليه السلام وإلى ميكال وإلى إسرافيل وسائر ملائكة السماء الذين لا يعلم عددهم إلا الله، ترسل سلامك إليهم. وترسل سلامك إلى إخوانك المصلين معك في المسجد والذين في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفي الصين وفي أمريكا وفي البر وفي البحر، أنت ترسل سلامك إلى كل هؤلاء، بل سترسل سلامك أيضا حتى إلى الجان من عباد الله الصالحين، فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض.

فما أعظم الصلاة وما أعظم أذكارها، وهذه دعوة إلى أن يعيش العبد مثل هذه المعاني، وهي جاءت مفصلة ومشروحة في النصوص الشرعية. هذه إذن صيغ العموم، وعلى طريقة المصنف رحمه الله أتى بها على طريقة الإيجاز وعلى طريقة التمثيل ولم يرد الاستغراق رحمه الله، والباب واسع لمن أراد أن يرجع إلى الصيغ وأمثلتها، لكنها تحتاج الحقيقة إلى ممارسة حتى تكون ملكة، بحيث كلما مر بك النص استطعت أن تلتقط منه ألفاظ العموم مباشرة. وكلما مرت بك جملة نبوية في حديث، في عبادات، في عقائد، في أحكام، في آداب وأخلاق، في أي باب من الأبواب تستطيع أن تلتقط أيضا صيغ العموم فيها فتتأملها وتعرف ما المدلول الذي ترتب عليه، هذه ملكة تنمى بكثرة النظر وبكثرة التطبيق ومحاولة الغوص أيضا في أنواع الصيغ والوجوه التي تأتي عليها. سيدخل رحمه الله الآن في الدلالة على بعض مسائل العموم. نعم.

والعموم من صفات النطق، ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه، والخاص يقابل العام. هذه مسألة قال العموم من صفات النطق، لما تكلمنا عن تعريف العام وأوردنا صيغه قال انتبه، نحن لما نتكلم عن العموم ومسائله الآتية وأنه يدخله التخصيص، كلامنا على العموم الذي يتناول الألفاظ. النطق من صفات النطق، يعني من صفات اللفظ. ايش معناه؟ قال: ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه. هذا تنبيه مهم حتى لا تقع قدمك في خطأ فتقول هاهنا عموم، وإذا بك اتجهت إلى مكان لا يصح دعوى العموم فيه.

قال انتبه العموم لا يدخل الأفعل لا يدخل الأفعال، لا تأتيني إلى آية وحديث فيها فعل، و﴿قَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: 23] تقول قضى هاهنا يدل على العموم، ما في عموم هذا فعل، صيغ العموم مرت بك، وعندك قاعدة كبيرة تقول إن العموم لا يتناول الأفعال. واضح؟ إذن لا يصح أن تقول سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد، قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار فتقول هذا يشمل كل جار فيستحق الشفعة بحكم قضائه لأنه قضى، والقضاء يدل على عموم فعله عليه الصلاة والسلام. ولهذا جعل الفقهاء الاستدلال بحديث فعل النبي صلى الله عليه وسلم للشيء لا يدل على التكرار ولا يدل على العموم ولا يدل على الشمول، ما لم تأت قرينة أخرى. ولذلك قالوا الفعل منه عليه الصلاة والسلام لا يدل على العموم، إلا إذا اقترن بما يدل على التكرار، كان يفعل، كان صلى الله عليه وسلم يقول كذا، كان يفعل كذا، فوجود كان مع الفعل المضارع هي التي أفادت التكرار. لكن تأتي للفعل قضى، دخل، خرج، الفعل وحده لا يدل على التكرار، إذا كان لا يدل على التكرار فانه يفسر بأشياء أخرى، يدل على حصوله مرة واحدة ويسمونه واقعة عين أو حادثة عين، يعني فعله مرة.

فإن نأتي لمسألة نختلف فيها فتستدلوا لي بحديث فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قول ابن عمر: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. هذا حكاية فعل، لا استطيع أن أفهم منه العموم، وبالتالي أحد الأشياء التي يمكن أن أفسر بها الحديث أنه ربما حصل مرة واحدة وانتهى، فلا أقيَس عليه عموما لفظيا: لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها. فدلالة القول من حيث الانتشار والشمول والاستمرار أقوى من دلالة الفعل.

هذا الفعل قال وما يجري مجراه، الذي يجري مجرى الفعل، مفهوم اللفظ. لما تقول دلالة منطوق ودلالة مفهوم، لما تحاول أن تفهم من اللفظ غير ما نطق به النص فهي دلالة مفهوم. مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «في سائمة الغنم زكاة»، هذا نص دل على أن الزكاة تتناول السائمة من الغنم. ما السائمة؟ التي ترعى أكثر الحول. فاذا كانت معلوفة، يعني يعرفها صاحبها ويشتري لها ويتكلف لها لا زكاة فيها. قوله لا زكاة في المعلومة هذا فهم منا نحن، إذن هو مفهوم: لا زكاة في المعلوفة. طيب لا زكاة في المعلوفة، قلت لك اكتب هذا الفهم فكتبته في جملة: لا زكاة في المعلوفة، الصيغة صيغة عموم: لا زكاة، من النكرات التي دخلت عليها لا، وهذا لا يعم لأنه مفهوم فانتبه، العموم من صفات النطق أما المفهوم لا عموم له.

طيب هذه المعلومة ماذا لو اتخذها صاحبها للتجارة؟ أصصبحت تجب فيها الزكاة لأنها عرض من عروض التجارة. المسألة لا عموم لها، ولا تقول لا كل معلومة لا زكاة فيها. بلى فمن أين استثنيت؟ تقول أصلا ما في عموم، قولك لا زكاة في المعلوم فهذا فهم، والفهم لا يدخله العموم. المقصود أن دعوى العموم هو من أوصاف الألفاظ والنطق فلا الفعل يدخله العموم ولا قضايا الأعيان، قضية العين يعني حادثة وقعت للصحابي ما يجري فيها العموم، وكذلك مفهوم اللفظ دلالة المفهوم أيضا لا يدخلها العموم.

قال فيه: والعموم من صفات النطق، ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه. في حديث البخاري: جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في السفر، هذا لا عموم له، هو يحكي فعلا والفعل لا عموم له، تريد العموم؟ ابحث عن دلالة أخرى ليس من الفعل. صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة، أيضا في الحديث في الصحيحين لا يشمل كل صلاة لقوله صلى، فتقول قد تكون فرضا وقد تكون نافلة، اختلفنا في مسألة هل يجوز صلاة الفرض داخل الكعبة؟ يقول قائل نعم يجوز، ما دليلك؟ يقول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة، أقول له لا دلالة ها هنا على أنها صلاة فرض، والغالب أنها نافلة، فيقول صلى عام يشمل الفرض والنفل أقول قف، هذا فعل والفعل لا يوصف بالعموم، صلى المقصود صلاة تحتاج أن تفسر عندك دليل على أن فرض أثبت لي وأتني برواية فيها التصريح بأنها فرض، ما في، إذن أنا لا أستطيع أن أعمم اللفظ لأن اللفظ ها هنا فعل. القاعدة تقول: العموم من صفات النطق، فالأفعال لا يدخلها العموم.

لما انتهى من العام دخل مباشرة إلى الخاص وهو ما يقابله، سيتكلم عن العلاقة بين العام والخاص وأنه ينشأ عنهما ما يسمى عند الفقهاء بالتخصيص. نعم.