السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. أرجو يا إخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم. أرجو طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة. جيد، الحمد لله، تمام الحمد لله، رضي الله عنكم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا مجلسنا السادس أيها الإخوة، وهو المجلس الأخير إن شاء الله تعالى في شرح بردة كعب بن زهير رضي الله عنه، من الشعراء المخضرمين، شعراء الجاهلية والإسلام، وصاحب القصيدة المشهورة المعروفة بقصيدة البردة، والتي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ *** متيم إثرها لم يفتدِ مكبولُ وما سعاد غداة البين إذ رحلوا *** إلا أغن غضيض الطرف مكحولُ تجلوا عوارض ذي ظمأ من إذا ابتسمت *** كأنه منهل بالراح معلولُ شجت بذي شذب من ماء محنية *** صاف بأبطح أضحى وهو مشمولُ تنفي الرياح القذى عنه وأفرطته *** من صوب سارية بيض يعاليلُ أكرم بها خلة لو أنها صدقت *** موعودها أو لو أن النصح مقبولُ لكنها خلة قد سيط من دمها *** فجع وولع وإخلاف وتبديلُ فما تدوم على حال تكون بها *** كما تلون في أثوابها الغولُ ولا تمسكوا بالوعد الذي وعدت *** إلا كما يمسك الماء الغرابيلُ فلا يغرنك ما منت وما وعدت *** إن الأماني والأحلام تضليلُ كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً *** وما مواعيدها إلا الأباطيلُ أرجو وآمل أن تدنو مودتها *** وما إخال لدينا منك تنويلُ أمست سعاد بأرض لا يبلغها *** إلا العتاق النجيبات المراسيلُ ولن يبلغها إلا عذافرة *** لها على الأين إرقال وتبغيلُ من كل نضاخة الزفرى إذا عرقت *** عرضتها طامس الأعلام مجهولُ ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق *** إذا توقدت الحزان والميلُ ضخم مقلدها عبل مقيدها *** في خلقها عن بنات الفحل تفضيلُ غلباء وجناء علكوم مذكرة *** في دفها سعة قدامها ميلُ وجلدها من أطوم ما يؤيسه *** طلع بضاحية المتنين مهزولُ حرف أخوها أبوها من مهجنة *** وعمها خالها قوداء شمليلُ يمشي القراد عليها ثم يزلقه *** منها لبان وأقراب زهايلُ عيرانة قذفت بالنحض عن عرض *** مرفقها عن بنات الزور مفتولُ كأنما فات عينيها ومذبحها *** من ختمها ومن اللحيين برطيلُ تمر مثل عسيب النخل ذا خصل *** في غار لم تخونه الأحاليلُ قنواء في حرتيها للبصير بها *** عتق مبين وفي الخدين تسهيلُ تخدي على يسرات وهي لاحقة *** ذوابل مستهن الأرض تحاليلُ سمر العجايات يتركن الحصى *** زيما لم يقيهن رؤوس الأكم تنعيلُ كأن أوب ذراعيها إذا عرقت *** وقد تلفعت بالقول العساقيلُ يوماً يظل به الحرباء مستخذاً *** كأن ضاحيها بالشمس مملولُ وقال للقوم حاديهم وقد جعلت *** ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا شد قامت فأجابها نكد مثاكيل *** نواحة الرخوة الضبعين ليس لها *** لما نعى بكرها الناعون معقولُ تفري اللبان بكفيها ومدرعها *** مشقق عن تراقيها رعابيلُ يسعى الوشاة جنابيها وقولهم *** إنك يا ابن أبي سلمى لمقتولُ وقال كل خليل كنت آمله *** لا ألهينك إني عنك مشغولُ فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم *** فكل ما قدر الرحمن مفعولُ كل ابن أنثى وإن طالت سلامته *** يوماً على آلة حدباء محمولُ أنبئت أن رسول الله أوعدني *** والعفو عند رسول الله مأمولُ مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة *** القرآن فيها مواعظ وتفصيلُ لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم *** أذنب وإن كثرت في الأقاويلُ لقد أقوم مقاما لو يقوم به *** أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل *** لظل يرعد إلا أن يكون *** له من الرسول بإذن الله تنويلُ
أقول وأنبّه إلى أن هذه القصيدة ليست قصيدته الوحيدة، له قصائد أخرى جياد أيضاً، لكن هذه شهرت بقصيدتها وموضوعها وتواترها في السيرة النبوية. أهلاً أخي يوسف أمين، الحمد لله بخير، وعليكم السلام أخونا ريان. أيها الإخوة كل من ألقى السلام أقول له وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك ونعمت صباحاً ومساءً.
«لقد أقوم مقاماً لو يقوم به أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تنويلُ». هذا في عرف الفن الشعري اعتذار أيها الإخوة، وليس كذباً.
يقول: «لقد أقوم مقاماً» يعني وقمت في مقام لو يقوم به، وهو يريد الفيل، «أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل». طبعاً فسر «لو يقوم به» بالفاعل لأنه الفيل بقوله: «أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل». والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر، فهو هنا يستشهد بالكلام على الكلام ويفسر الكلام بالكلام.
يقول: «لقد أقوم مقاماً لو يقوم به أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل»، وذكر الفيل لأن الفيل عند العرب -إذا نظرت إلى الفيل الذي تراه في حديقة الحيوان- الفيل عند العرب هو الكائن الضخم جداً الذي جاء يهدم الكعبة في جيش أبرهة على المشهور كما تذكرون، جاء الفيل يهدم أو جيش من الفيلة. فالعرب تستعظم الفيل، كيف تقتله؟ تنكسر في جلده الرماح. فهمتم؟
الفيل عندهم رمز للكائن الذي لا يخاف ولا يشعر، ضخم جداً، سميك الجلد، ثخين الجلد، غليظ، خشن، عينه صغيرة ضيقة، لا يفكر، هو آلة، فكيف أن له أن يرتعد وأن يخاف؟
«لقد أقوم مقاماً لو يقوم به أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تنويلُ». انظروا إلى «تنويل»، يعني أن ينوله شيئاً، وهو المقصود هنا إعطاء الأمان، المقصود هنا عطية الأمان، يعني ينوله، يعطيه النوال أي يعطيه الأمان.
ولكن تعرفون ما السر في هذا البيت؟ السر في الإشارة بقوله: «بإذن الله». هو يتكلم عن الفيل، فلما أقول: «لظل يرعد إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله»، الأصل أنه يعود على الفيل.
«لقد أقوم مقامًا لو يقوم به، أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد، إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تنويل».
هذا الذي فعله كعب رضي الله عنه يسمى ماذا يا إخوة؟ هل هو التفات؟ لا، ليس التفاتًا. هو يتكلم عن الفيل، ولكن لحن بالقول إلى نفسه. كيف لحن بالقول؟ أنه ذكر ما يوحي بالرجاء، وهو لا يرجو للفيل، بل يرجو لنفسه.
يقول: «لقد أقوم مقامًا لو يقوم به، أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد، إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تنويل». لاحظ أنه قال: «إلا أن يكون له من الرسول»، ولم يقل «منك»، مع أنه يخاطبه. فهو يرجو لنفسه التنويل من الرسول ﷺ، والفيل هنا مجرد مثال. هذا يسمى يا إخوة «لحن القول»، وهو من أدق أبواب الإشارة في الشعر.
«حتى وضعت يميني لا أنازعه، في كف ذي نقمات قيله القيل».
يقول: «حتى وضعت يميني»، وهذا يعني أنه هو الذي كان يرتعد وينتفض أمام النبي ﷺ، وهو الذي كان يرجو التنويل من النبي ﷺ وهو إعطاء الأمان. ثم يقول: «في كف ذي نقمات»، والنقمات هي الغضبات التي تؤدي إلى الانتقام، في كف من يغضب غضبات يثأر بها ممن أساءوا إليه. وقالوا هنا إن كعبًا يشير إلى انتقام النبي ﷺ ممن آذاه بالشعر.
«حتى وضعت يميني لا أنازعه في كف ذي نقمات قيله القيل، لذاك أهيب عندي إذ أكلمه، وقيل إنك منسوب ومسؤول».
«لذاك أهيب عندي إذ أكلمه»، انظر إلى التأكيد باللام. «وقيل إنك منسوب ومسؤول»؛ منسوب يعني ذاكر نسبك، من أنت؟ أنا كعب بن زهير من غطفان، ومسؤول يعني مسؤول عما فعلت بعد أن تُنسب، يسعى الوشاة في جنابك وقولهم إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول.
هناك تفسير للباجوري فيه تكلف لم أوافقه عليه، حيث قال إن "منسوب" تعني مسؤول عن نسبك، أي عندما مثلت بين يديه قيل له إنه باحث عنك ومسائل لك عما نُقل عنك. وهذا يوافق المعنى، فهو منسوب أي من أنت، ومسؤول عما فعلت.
وهناك تفسير آخر ذكره الباجوري يقول فيه إن "منسوب" تعني منسوب إلى أمور صدرت منك، كقولك سقاك بها المأمون ومنعك أخاك بجير من الإسلام وتعييرك له به، و"مسؤول" أي عن سببها. ولكن الحقيقة أن "منسوب ومسؤول" هو المعنى المتبادر من النص والمعنى الذي يقتضيه السياق.
أما مسؤول عن منسوب إلى ما فعلت ومسؤول عن سببه، فكلام لا يخفى فيه التكلف. لذاك أهيب عندي إذ أكلمه.
وقيل: ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقاه الأسد في آجامها تجم أحل أمته في حرز ملته ... كالليث حل مع الأشبال في أجم
من يعرف البيتين؟ من أي قصيدة؟ "ومن تكن برسول الله نصرته، إن تلقاه الأسد في آجامها تجم". الآجام يعني في بيوتها. البردة، أحسنت، أحمد درويش، أحمد أويس.
أحل أمته في حرز ملته ... كالليث حل مع الأشبال في أجم كم جدلت كلمات الله من جدل ... فيه وكم خصم البرهان من خصم كفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم
بردة البوصيري، أحسنت. فيقول: من خادر يعني من هو متخذ خدر، يعني متخذ أجمة، وهي تكون من أشجار ملتفة يعني أنت في أرضه. مسكنه من بطن عثر، من خادر من ليوث الأسد، لذاك أهيب عندي إذ أكلمه.
وقيل: إنك منسوب ومسؤول من خادر ... من ليوث الأسد مسكنه من بطن عثر غيل دونه غيل.
الخادر هو الأسد، أو الليث المتخذ خدراً، وهو الأجمة. قالوا هذا وادٍ تكثر فيه السباع وتعيف. الغيل هنا الأشجار كالأجمة أو أكبر. غيل دونه غيل، يعني هذا الأسد كبير مسن مقيم في هذا المكان، يتخفى عادة عن العيون فيها، ويخرج في وقت وهو مقيم في المكان، هذا مكانه.
ليس هذا من بطن عثر اعتباطاً، قال هذا حاشاه كعب بن زهير؛ لأنه يصف أن النبي ﷺ في بلاده وبين أصحابه كخادر أو أهيب من خادر من ليوث الأسد مسكنه من بطن عثر غيل دونه غيل.
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من القوم معفور خراديل
يغدو يذهب في الغداة في الصباح، الليث يغدو فيلحم، يلحم يعني يطعم اللحم، يوكله اللحم. ضرغامين، عيشهما يعني قوتهما، أكلهما المستمر. يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما لحم من القوم، من الناس، الرجال. معفور، كما نقول تمر، يعني جر ومزق في العفر، والعفر هو الغبار والتراب.
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما دائمًا لحم من القوم معفور خراديل. خراديل يعني مقطع قطعاً صغيرة، والخردلة هي القطعة الصغيرة، ومنها أو من المعنى أخذ لفظ الخردل، حبة من الخردل. ومعنى خراديل يعني قطع صغيرة، يعني لحمهم مزق حتى صار قطعاً هكذا، معفورة في العفر في التراب.
إذا يساور قرناً لا يحل له ... أن يترك القرن إلا وهو مجدول
إذا يساور يعني يواثب، المساورة المواثبة. إذا يساور قرناً لا يحل له أن يترك القرن إلا وهو مجدول، ومجدول يعني ملقى بالجدالة، والجدالة هي الأرض، ولذلك المجدل هو الملتصق بالجدالة وهي الأرض.
منه تظل سباع الجو ضامزة
والجو هنا يا إخوة معناه الأرض الواسعة، كما قال امرؤ القيس: عليها فتىً لم تحمل الأرض مثله ... أبر بميثاق وأوفى وأصبر هو المنزل الألاف من جو ناعط ... بني أسد حزناً من الأرض أو عرا
من جو ناعط، يعني من فضاء ناعط، مكان. فكلمة الجو هنا، سباع الجو هنا لا تظنها كما نفسرها الآن، سباع الجو هي السباع كالذئاب والنمور، والذئاب والثعالب، كل هذه سباع الجو، يعني سباع الفضاء.
وكلمة الجو هنا تنبهكم إلى أنك حين تفسر الشعر القديم تنتبه إلى الدلالات اللغوية والزمانية لهذا، لا تفسره على استعمالك أنت الآن، تقول الجو يعني السماء، نحن صقور الجو، ونحن عقبان الجو، لا. ولهذا نبه بالمناسبة ابن هشام أن البعض فسره هكذا خطأ، ابن هشام يقول: والجو البر الواسع، وأخطأ من فسره هنا بما بين السماء والأرض. وهذه مهمة.
منه تظل سباع الجو ضامزة ... تواظمها في بيضة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشعريين الأماعز
معنى ضامزة يعني ساكنة، ممسكة. تواظمها في بيضة القيظ بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز. فظلت بيأمؤد كأن عيونها ... إلى الشمس هل تدنو ركي النواكز لهن صليل ينتظرن قضاءه ... بضاحي عذات أمره وهو ضامز
وهنا منه تظل سباع الجو ضامزة، ساكنة، خائفة، لا تتحرك، تخاف أن تكون فريسة له، ولا تمشي بواديه الأراجيل. الأراجيل، الفائدة اللغوية كما قال ابن هشام، الأراجيل جمع أرجل، والأرجل جمع رجل، ورجل اسم جمع من راجل.
ابن هشام يقول: الأراجيل جمع أرجل كالأناعيم جمع أنعام، والأرجل جمع رجل كالأفراخ جمع فرخ، ورجل اسم جمع راجل كالصحف اسم جمع صاحب. هذه فائدة في الأراجيل. يقول منه، يعني بسببه، تظل سباع الجو، سباع الفضاء، البر الواسع، ضامزة، ساكنة، ممسكة، تخاف تتحرك حتى لا.
تنبهه أو تستفزه، ولا تمشي، لا تتمشى، يعني لا تمشي، لا تسير، لا تذهب ولا تجيء بواديه الأراجيل. وأراد هنا الرجال الذين يمشون على الأقدام؛ لأنه قال: «لحم من القوم معفور خراديل».
ولا يزال بواديه أخو ثقة شجاع، مطرح البز والدرسان مأكول. بواديه هنا هو الخبر، وأخو ثقة يعني ولا يزال أخو ثقة بواديه. مطرح البز؛ والبز هنا السلاح، والدرسان هنا الثياب والخلقة المهترئة، ترى ثياباً هكذا قد عفر صاحبها، وخردل، وورعبل، وغربل، كل شيء خلاص، هذه الدرسان مطرح البز والدرسان مأكول؛ ترى بقايا العظام والثياب وكذا.
وانظر إلى قوله البز يعني السلاح، مع وصفه بأخ الثقة: «ولا يزال بواديه أخو ثقة مطرح البز والدرسان مأكول». إن الرسول لسيف يستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول. إن الرسول؛ كل حديثه عن النبي ﷺ أو ذكر الرسالة بالرسول، خلاص أو بضمير، لا يناديه ولا يكلمه بل بضمير الغائب، إلا في: «مهلاً هداك الذي أعطاك».
إن الرسول لسيف يستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول. هل بهذا البيت أخذه كعب بن زهير؟ أخذه البحتري حين قال: قد جئت بالطرف الجواد فثنه .. لأخيك من أدد أبيك بمنصل يتناول الروح البعيد مناله .. ويفتح في القضاء المقفل بإنارة في كل حتف مظلم .. وهداية في كل نفس مجهل
يغشى الوغى فالترس ليس بجنة .. من حده والدرع ليس بمعقل ماضٍ وإن لم تمضه يد فارس .. بطل ومصقول وإن لم يسقل إن الرسول لسيف يستضاء به .. مهند من سيوف الله مسلول
كأنه منه، والله أعلم، هذا البحتري. إن الرسول لسيف يستضاء به، مهند؛ والمهند هنا يعني كأنه من سيوف الهند المصنوعة صناعة عالية، من سيوف الله مسلول.
في فتية من قريش، قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا. زولوا يعني انتقلوا. وقوله «في فتية من قريش» ليس الفتيان الصغار، فتية يعني رجال، وهذه صفة مدح يقال فتية، إذا قيل من فتى. كما قال طرفة بن العبد في معلقته: خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم .. أتبلد
في فتية من قريش، قال قائلهم -قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه-: «في فتية من قريش»، قال قائلهم زولوا يعني هاجروا، ولا يعنيكم ولا تخافوا أحداً، زالوا؛ فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل.
زالوا يعني انتقلوا، فما زال أنكاس؛ والأنكاس جمع نكس وهو الضعيف المهين، ولا كشف جمع أكشف وهو الذي لا سلاح له عند اللقاء، ولا ميل -وأنا عندي هذا تمثيل يا إخوة- يعني ليسوا فرساناً بحق. معازيل هنا يعني ليسوا يتخذون أهبة السلاح ويتخذون عدتهم وكذا ولا يعرفون الحرب.
انتبهوا إلى هذا، ليس على سذاجة هذا الظاهر، وهو أنهم ليسوا ضعافاً، وليسوا ميلاً -يعني يميلون من على السروج كما يقولون في الشروح- وليسوا معازيل يعني لا سلاح لهم ولا سيوف، وكشف يعني مكشوفون لا ترس له يقي به نفسه، وليسوا معازيل يعني ليسوا قليل الخبرة عن اتخاذ أهبة الحرب والسلاح، وليسوا ميلاً يعني ليسوا قليل الانتطاء لظهور الخيل، بل هم مولودون على ظهور الخيل كعنترة هكذا في وصف نفسه.
فهذا تمثيل أيها الإخوة وليس على حقيقته، وإلا كان مدحاً هو أقرب إلى الذم؛ لما نمدح أحداً بأنه ليس مائلاً عن الفرس -يعني لما يركب على الخيل لا يميل به السرج كما يقولون في الشروح- وليسوا معازيل عند اللقاء، أي ليسوا تاركي أسلحتهم ولا تاركي تروسهم، وليسوا أنكاساً أي ليسوا ضعافاً مهينين. هذا كله تمثيل.
زالوا فما زال أنكاس، يعني ضعاف مهينين، ولا كشف، قليل الخبرة بوقاية أنفسهم، فما زال أنكاس ضعاف مهينين، ولا كشف لا يستطيعون حماية أنفسهم عند اللقاء، ولا ميل ليسوا قليل الخبرة بالخيل، معازيل لا يعرفون استخدام السلاح ولا يتخذون أهبة الحرب، بل هم أهل خيل وأهل سلاح وأهل وقاية وليسوا مهينين ضعافاً. فهمتم هذا؟ هذا تمثيل. لم أر من سبقني إلى هذا الكلام، لا أقول لا يوجد، أقول لم أر، لكن هذا أنا أطمئن إليه شديداً، هذا تمثيل أيها الإخوة.
في فتية من قريش، إن الرسول لسيف يستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول. ما متعلق بـ «في فتية»؟ متعلق بالرسول، المهند في فتية، أو كائن في فتية؛ يعني النبي ﷺ ذلك المهند المسلول في فتية من قريش.
قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا، زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل، كأنهم في رؤوس الخيل نبت ربا. تعرفون هذه؟ هم الجبال، فسل عنهم مصادمهم، ماذا رأى منهم في كل مصطدم؟ وسل حنيناً، وسل بدراً، وسل أحداً.
فصول حتف لهم أدهى من الوخم، المصدر البيض حمراً بعدما وردت، من العدا كل مسود من اللمم، والكاتبين بسمر الخط ما تركت أقلامها حرف جسم غير منعجم، شاك السلاح لهم سيما تميزهم، والورد يمتاز بالسيما عن السلم، تهدي إليك رياح النصر نشرهم، فتحسب الزهر في الأكمام كل كم، كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا، من شدة الحزم لا من شدة الحزوم.
طارت قلوب العدا من بأسهم فرقا، فما تفرق بين البهم والبهم. ومن تكن برسول الله نصرته، إن تلقاه الأسد في آجامها تجن، ولن ترى من ولي غير منتصر به، ولا من عدو غير منقسم.
من يعرف الأبيات؟ هذه في ذكر الصحابة رضي الله عنهم، في أي قصيدة؟ في أي قصيدة يا إخوة؟ البوصيري، أحسنت. يحيى الهرباوي، أحسنت. أنتم الإخوة فقط تذهبون وتحفظون أبيات الجدال أو المدح المباشر، لا، ريم على القاع، هذا أحمد شوقي يا حبيبي: «ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِ، أحلَّ سَفْكَ دَمي في الأشْهُرِ الحُرُمِ».
«رَمَى القَضاءَ بِعَيْنَيْ جُؤْذَرٍ أَسَدا، يا ساكِنَ القاعِ أَدْرِكْ ساكِنَ الأَجَمِ». «حَدَّثَتْنِي النَّفْسُ قائلةً: يا وَيْحَ نَفْسِي، يا وَيْحَ جَنْبِكِ بِالسَّهْمِ المُصِمِّ بِرَمْيِ». «جَحَدْتُها وكَتَمْتُ السَّهْمَ في كَبِدِي». «جُرْحُ الأَحِبَّةِ عِنْدِي غَيْرُ ذِي أَلَمِ». «رُزِقْتَ أَسْمَحَ ما في النَّاسِ مِنْ خُلُقٍ، إِذا رُزِقْتَ الْتِماسَ الْعُذْرِ فِي الشِّيَمِ».
«يا لائمِي في هَواهُ وَالْهَوى قَدَرٌ، لَوْ شَفَّكَ الْوَجْدُ لَمْ تَعْذُلْ وَلَمْ تَلُمِ». «لَقَدْ أَنَلْتُكَ أُذْناً غَيْرَ واعيةٍ، وَرُبَّ مُنْصِتٍ وَالْقَلْبُ في صَمَمِ». «يا ناعِسَ الطَّرْفِ لا ذُقْتَ الْهَوَى أَبَداً، أَسْهَرْتَ مُضْناكَ في حِفْظِ الْهَوَى فَنَمْ».
«أَفْدِيكَ أَلْفاً ولا آلو الْخَيالَ فِدا، أَغْراكَ بِالْبُخْلِ مَنْ أَغْراكَ بِالْكَرَمِ». «سَرَى فَصادَفَ جُرْحاً دامِياً فَأَسَى، وَرُبَّ فَضْلٍ عَلَى الْعُشَّاقِ لِلْحُلُمِ». «مِنْ مَوائِسٍ بانا بِالرُّبا وَقَنا، اللَّاعِبَاتِ بِرُوحِ السَّافِكاتِ دَمِي».
«السَّافِراتِ كَأَمْثالِ الْبُدورِ ضُحىً، يُغْرِنَ شَمْسَ الضُّحى بِالْحُلِيِّ وَالْعَصَمِ». «الْقاتِلاتُ بِأَجْفانٍ بِها سَقَمٌ، وَلِلْمَنِيَّةِ أَسْبابٌ مِنَ السَّقَمِ». «الْعاشِراتُ بِأَلْبابِ الرِّجالِ وَما، أَقَلَّنَ مِنْ عَثَراتِ الدِّلِّ فِي الرَّسْمِ».
«الْمُضْرَماتُ خُدوداً أَسْفَرَتْ وَجِلَتْ، عَنْ فِتْنَةٍ تُسْلِمُ الأَكْبادَ لِلضَّرَمِ». «الْحامِلاتُ لِواءَ الْحُسْنِ مُخْتَلِفاً، أَشْكالُهُ وَهُوَ فَرْدٌ غَيْرُ مُنْقَسِمِ». «آه، وهو فرد! الْحامِلاتُ مِنْ كُلِّ بَيْضاءَ أَوْ سَمْراءَ زِينَةً لِلْعَيْنِ وَالْحُسْنِ فِي الأَرامِ كَالْعَصَمِ، يَرْعَنَّ لِلْبَصَرِ السَّامِي، وَمِنْ عَجَبٍ إِذا أَشْرَنَّ أَشْرَنَّ اللَّيْثَ بِالْعَنَمِ».
ثم البيت الذي هو عندي بشوقي كله، خذ شوقي كله وأعطني هذا البيت، أقول هذا شوقي: «وَضَعْتُ خَدِّي وَقَسَّمْتُ الْفُؤادَ رُبىً، يَرْتَعْنَ في كَنَسٍ مِنْهُ وَفي أَكَمِ». «يا بِنْتَ ذِي اللُّبْدِ الْمَحْمِيِّ جانِبُهُ، أأَلْقاكِ في الْغابِ أَمْ أَلْقاكِ في الأَطَمِ؟». «ما كُنْتُ أَعْلَمُ حَتّى عَنْ مَسْكَنِهِ، أَنَّ الْمُنى وَالْمَنايا مَضْرَبُ الْخِيَمِ».
«مَنْ أَنْبَتَ الْغُصْنَ مِنْ صَمْصامَةٍ ذَكَرٍ، وَأَخْرَجَ الرِّيْمَ مِنْ دَرْغَامَةٍ قَرِمِ؟». «بَيْنِي وَبَيْنَكِ مِنْ سَمْرِ الْقَنا حُجُبٌ، وَمِثْلُها عِفَّةٌ عُذْرِيَّةُ الْعَصَمِ». «لَمْ أَغْشَ مَغْناكِ إِلا في غُضونِ كَرَمٍ، مَغْناكِ أَبْعَدُ لِلْمُشْتـاقِ مِنْ إِرَمِ».
هذا مطلع النسيب كاملاً من نهج البردة لأحمد شوقي، طبعاً أنا أحفظ البردة جميعاً تقريباً، لكن لا أحب أن أشغل الناس بها عن الشعر الأول الأساس، لأن مستواها أقل من الشعر القديم. أما هذه التي ذكرتها الآن فهي من برد البوصيري، لما ذكر جهاد النبي ﷺ أتبعه بمدح الصحابة الذين قاتلوا معه، لما قال البوصيري:
«راعتْ قُلوبَ العِدا أَنْباءُ بَعْثَتِهِ، كَنَبْأَةٍ أَجْفَلَتْ غُفْلاً مِنَ الْغَنَمِ». «ما زالَ يَلْقاهمْ في كُلِّ مُعْتَرَكٍ، حَتَّى حَكَوْا بِالْقَنا لَحْماً عَلى وَضَمِ». «وَدَّ الْفِرارَ فَكادوا يُغْبَطونَ بِهِ، أَشْلاًّ أَشالَتْ مَعَ الْعُقْبانِ وَالرَّخَمِ».
«تَمْضِي اللَّيالي وَلا يَدْرونَ عِدَّتَها، ما لَمْ تَكُنْ مِنْ لَيالي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ». «كَأَنَّما الدّينُ ضَيْفٌ حَلَّ ساحَتَهُمْ، بِكُلِّ قَرْمٍ إِلى لَحْمِ الْعِدا قَرِمِ». «يَجُرُّ بَحْرٌ خَميسٌ فَوْقَ سابِحَةٍ، يَرْمِي بِمَوْجٍ مِنَ الأَبْطالِ مُلْتَطِمِ».
«مِنْ كُلِّ مُنْتَدِبٍ لِلَّهِ مُحْتَسِبٍ، يَسْطو بِمُسْتَأْصِلٍ لِلْكُفْرِ مُصْطَلِمِ». «حَتَّى غَدَتْ مِلَّةُ الإِسْلامِ وَهْيَ بِهِمْ، مِنْ بَعْدِ غُرْبَتِها مَوْصولَةَ الرَّحِمِ». «مَكْفولَةً أَبَداً مِنْهُمْ بِخَيْرِ أَبٍ، وَخَيْرِ بَعْلٍ فَلَمْ تَيْتَمَّ وَلَمْ تَئِمِ».
«هُمُ الْجِبالُ فَسَلْ عَنْهُمْ مُصادَمَهُمْ، ماذا رَأى مِنْهُمْ في كُلِّ مُصْطَدَمِ». «وَسَلْ حُنَيْناً وَسَلْ بَدْراً وَسَلْ أُحُداً، فُصُولَ حَتْفٍ لَهُمْ أَدْهى مِنَ الْوَخَمِ». «المُصْدِرُ الْبِيضَ حَمْراءً بَعْدَما وَرَدَتْ، مِنَ الْعِدا كُلَّ مُسْوَدٍّ مِنَ اللِّمَمِ».
«وَالْكاتِبينَ بِسُمْرِ الْخَطِّ ما تَرَكَتْ، أَقْلامُها حَرْفَ جِسْمٍ غَيْرَ مُنْعَجِمِ». «شاكُّ السِّلاحِ لَهُمْ سِيْما تُمَيِّزُهُمْ، وَالْوَرْدُ يَمْتـازُ بِالسِّيْما عَنِ السَّلَمِ». «تَهْدي إِلَيْكَ رِياحُ النَّصْرِ نَشْرَهُمُ، فَتَحْسَبُ الزَّهْرَ في الأَكْمامِ كُلَّ كَمِ».
«كَأَنَّهُمْ في ظُهورِ الْخَيْلِ نَبْتُ رُبىً، مِنْ شِدَّةِ الْحَزْمِ لا مِنْ شِدَّةِ الْهِمَمِ». «طارتْ قُلوبُ الْعِدا مِنْ خَوْفِهِمْ فَرَقاً، فما تَفَرَّقَ بَيْنَ الْبَهْمِ وَالْبَهْمِ». «وَمَنْ تَكُنْ بِرَسولِ اللهِ مُنْتَصِراً، إِنْ تَلْقَهُ الأَسَدُ في آجامِها تَجِنْ». «وَلَنْ تَرى مِنْ وَلِيٍّ غَيْرَ مُنْتَصِرٍ، وَلَنْ تَرى مِنْ عَدُوٍّ غَيْرَ مُنْقَسِمِ».
«إِنَّ الرَّسُولَ لِسَيْفٍ يُسْتَضاءُ بِهِ، مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ». «في فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهُمْ، بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا». «زالُوا فَما زالَ أَنْكاسٌ وَلا كَشَفٌ، عِنْدَ اللِّقاءِ وَلا مَيْلٌ مَعَ مَعازِيلِ». «شُمُّ الْعَرانينِ أَبْطالٌ لِبوسُهُمُ، مِنْ نَسْجِ داوُدَ في الْهَيْجا سَرابِيلُ».
يقول: «شُمُّ الْعَرانينِ»، الشُّمُّ جَمْعُ الأَشَمِّ وهو المُرْتَفِعُ الأَنْفِ، وَالْعَرانينُ جَمْعُ عِرْنِينٍ وهو الأَنْفُ، يقول: مرتفع الأنوف، لا يخضعون ولا يخشعون إلا عند الله، إلا إذا وقفوا بين يدي الله خضوعاً لله. هؤلاء الإخوة الذين نسوا معنى الكرامة، نسوا أن الإنسان ينبغي أن يكون عزيزاً بالله، وأن العزة جزء ضروري من خلقتك من نفخ الله روحه فيك.
أجواء الإخوة والتصوف الجاري الآن؛ شيخي شيخي، عامل لي عجوزاً كده وهو شاب، وعامل لي عجوزاً: «شيخي شيخي»، مش عارف تعمل كده وأنت عزيز النفس، مش عارف تحترم وتكون ابن بار لشيخك وأنت عزيز مرفوع، ما هذا؟
أذكر مرة، لكن لن أذكر اسمه لاسيما أنه توفي قبل سنوات رحمه الله، شيخ في طريقة معينة، كان هذا قبل سنين، كان معنا بعض الأصدقاء فدعوني: تعالوا نذهب إلى مضيافة الشيخ فلان شيخ الطريقة الفلانية. والله حصل هذا يا إخوة في منطقة الحسين في الأزهر، وكان هناك إخوة من متعدد الجنسيات؛ مصريون، سوريون، هذا من قديم سنوات طويلة، أظن كان هناك بعض الإخوة من الخليج العربي، عمان كذا، وممكن جنوب شرق آسيا.
ذهبنا إلى هذا الشيخ، شيخ الطريقة، يعني لا علاقة لي بأحد، أنا لا أسيء ولا أبالغ في الشخص، عادي، أنا أراه مسلماً عادياً، عادي زينا زيّه، لا أرى له فضلاً ولا أرى هذه الأشياء التي تعرفونها إلا بالمواقف، ليس إنما سمعوا كلام الله.
لن يحاسبني الله على أني لا أعرف. موضوع بسيط، ذهبنا إليه في المضافة وجلسنا وتحدثنا في العلوم ومسائل.
ثم خرج الشيخ، جاء يلبس أبيض وعمامة ضخمة جدا، وفيه سمرة كأنه من جنوب مصر أو النوبة. دخل فالإخوة هرعوا، وقبل أن تصل إليه انحنوا حتى يتلقوا يده هكذا يقبلونها. فأنا قمت بمشيتي العادية وبظاهر العادي وسلمت: «كيف حالك مولانا؟»، فرمقني هكذا ثم أعطاني اهتماماً أكبر في التعامل، ثم دعاني إلى الغداء عنده في طبق علوي.
شخص كريم مسلم، دخلت مكتبته فوجدت كل المكتبة في مكتب خاص له، وهم جلسوا في الخارج يتحدثون ويحكي لهم عن كرامات هذه الطريقة، وربما إذا قلت لكم كرامات تفهمون ما هي الطريقة المصرية التي فيها هذه الكرامات؛ يحكي لهم عن الكرامات وضرب الأسياخ التي كانت، وكيف لا يموت إذا ضُرب السيخ فيه، طبعاً أشياء مهمة.
تركتهم يتحدثون ودخلت إلى المكتب، فقال الشيخ: «هو فين أبو يوسف؟». أنا طبعاً معرفتي في الوسط الأزهري القديم أن «أبو يوسف» كنيتي، أبو يوسف الحنفي. فقال: «فين أبو يوسف؟»، فقلت: «أنا هنا يا سيدي أنا هنا». وطلعت وجدت المكتبة كلها كتب تصوف، لكن هناك تفاسير صوفية فاهتممت بهذا الجانب، وأذكر كان في يدي تفسير ابن عجيبة لـفاتحة الكتاب.
قلت له: «أنا هنا»، فقال لي: «ألا تجلس معنا؟». فخرجت له قلت له: «اسمح لي بقليل وقت في المكتبة هذا أستفيد منه أكثر من هذا الحديث، وإذا أردت كنت في الداخل وأنا معكم في الخارج». فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]، إما معنا وإما مع المكتبة! فقلت له: «مع المكتبة يا سيدي»، كنت صريحاً ودخلت.
بعد ذلك سمعت الحديث وصل إلى كيف يضرب بالسيخ في البطن ولا يتأثر، فخرجت وأنا عندي فضول قلت له: «كيف؟». فقال لي -والله يشهد أنه قال لي هذا رحمه الله هو توفي- فقال لي: «لن أخبرك إلا أن تنتظم معنا». فقلت له: «أنا ما كنتش مضرور ومش منتظم مش عايز أعرف».
اتخذت موقفاً مختلفاً عن موقف الإخوة في هذا المكان لأني لم تقبل نفسي هذا. الإنسان يا إخوة جزء من تكوينه العزة، ليس الغرور والتكبر والبارانويا كما عند البعض الآن، بعض الصوفية عنده بارانويا أصلاً مخبيها، لكن العزة العادية المتزنة المستقرة التي لا تؤدي إلى خصومة. أنا لست على ما تفعل، لا أحب ما خلاص، ولكن لك عزة.
شم العرانين هؤلاء من هم حول النبي ﷺ، كان أحدهم يسقط سوته من يده وهو على دابته وأخوه بجواره على الأرض، لا يقول له ناولنيه، ينزل يتناوله، تشوف ينزل على الفرس يتناول سوته ويرجع يركب؛ عزة. هل تظنونهم كانوا يمشون هكذا؟ عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى -كما هو مشهور عنه- رأى هذا الذي يمشي يتماوت ويتزهد، ضربه: «امشِ عدل».
فسبحان الله، السيرة في شيء، وصفة الصحابة رضي الله عنهم في شيء، ونحن في شيء. وهذا المتماوت مثل الثعبان إذا لدغك قتلك، أما شم العرانين لا يؤذون، لا يؤذون. أيوة، اعتدل أمتع علينا ديننا أمتعك الله، شم العرانين أبطال.
لبوسهم من نسج داوود، كان يصنع ويقدر في السرد ويصنع، ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: 10]. لباسهم من نسج داوود في الهيجا -الحرب- سرابيل، والسرابيل هي القمصان، السربال القميص، كأنها القميص يصبغه أو الدرع، فصل بالقميص والدرع يصبغه هكذا لكنه حديد.
أعجبني تفسيرهم لمعنى الأبطال. تعالوا نقرأ ماذا قال ابن هشام في معنى الأبطال، لماذا سمي البطل بطلاً؟ يقول الأبطال جمع بطل، وهو الذي تبطل عنده الدماء. تذكرون ماذا قال زهير بن أبي سلمى في آخر المعلقة قبل أبيات الحكمة؟
سأنتقل من بحر لبحر، من بحر الطويل لغير النغم هو ذاهب. لكن الآن كنا مع بردة كعب، وجئنا من بردة البوصيري، ومن نهج البردة لشوقي، كلها على البسيط، إنما الآن تذهب للطويل. نجيب النغم. أنا عايش في البسيط الآن، غارق في البسيط في نغمي، وأنا أغرق في النغم جداً.
يقول: «ولم من لم يصانع في أمور كثيرة.. يدرس بأنياب ويوطأ بمنسم». قبلها لما قال: «تعفر كلوم بالمئين.. فأصبحوا كذا كذا.. فكلا أراهم أصبحوا يعقلونهم.. علالة ألف بعد ألف مصتم».
«فكأنه صاحات مال طالعات بمخرم.. لقوم خلال يعصم الناس أمرهم.. إذا طلعت إحدى الليالي بمعظم كرام.. كرام فلا ذو الوتر يدرك وتره لديهم ولا الجاني عليهم بمسلم».
الأبطال: جمع بطل، وهو الذي تبطل عنده الدماء وتذهب هدراً، يعني يقتل ولا يقتاد منه، انتهى، ولا يدرك عنده الثأر. وقيل -وهذا القول الأول - نقله ابن سيده في المخصص عن ابن جني، وذكره أيضاً في لسان العرب. وقيل -وهذا القول الثاني - لم أقف عليه فيما رجعت إليه- الذي تبطل فيه الحيل ولا يوصل إليه، والثاني بعيد. إنما البطل الأول الذي يقتل ولا يقتل. أصلها الذي تبطل عنده الدماء ولا يدرك عنده الثأر، هذا معنى البطل عند العرب.
شم العرانين أبطال، لبوسهم من نسج داوود في الهيجا -الحرب- سرابيل سابغة كالقمصان، بيض السرابيل هذه بيض سوابغ، بيض من الحديد الصافية، سوابغ تغطي إلى الأكف وإلى السوائب، بيض سوابغ قد شكت، شكت يعني غرزت في بعضها وأحكم غرزها، أحكم شكها، هذا معنى شكت.
ودائماً قاعدة أقولها لكم يا إخوة: الكلمة أو الصفة إذا ذكرت في الشعر وهي أصلية، فالمراد المبالغة فيها. الصفة إذا ذكرت في الشعر وهي أصلية قدرها الأساسي موجود، فذكرها يراد به المبالغة فيها. «بيض سوابغ قد شكت لها حلق»، كأنه حلق، الحلق هنا جمع حلقة، كأنها أو كأنه روايتان.
حلق القفعاء مجدول. القفعاء شجر ينبسط على الأرض ويجدل في بعضه، إذا جدل في بعضه أحكم كالشبكة، ولذلك قال مجدول، أو مجدول بمعنى على الأرض، يعني على الجدالة، أو مجدول بمعنى ضفر، جدل في بعضه.
بيض سوابغ قد شكت لها حلق، كأنه حلق القفعاء مجدول. لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوماً، وليسوا مجازيعاً، جمع مجزاع. إذا نيل منهم؟ هو وارد الأبطال ينال منهم؟ طبعاً، عادي، ولكل جواد كبوة، والحياة يوم لك ويوم عليك.
لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوماً، لماذا؟ هذا معتادونه. الذي يفرح جداً بالانتصار وكذا هو الذي لا يعمله. بعض الناس كنت أتحدث اليوم مع بعض الكرام في هذا، بعض الناس بهذه الصفة أو بضد هذه الصفة، تعرف فقره الذي بين عينيه.
عندنا ممثل في مصر، هو علامة الانحطاط وعلامة الضياع، وعلامة الإعلان عن أن المعايير انقلبت، وأن الانحطاط صار هو الذي يتسنم ذروة المجتمع. شاب هكذا، منحط أخلاقاً، لا فن له ولا شيء. وسبحان الله، هو ثري جداً معه مال، لكنه فقير. هو نمبر زفت، معه مال كثير لكنه فقير، فقير في كل شيء. لا تراه إلا وتشعر من فرحه أنه حصل المال الآن، ليس أنه خلاص اغتنى وانتهينا، أصبح المال عادياً.
الغنى حالة، حالة نفسية وليست مالاً حقيقياً، سببه المال لكن يصبح حالة بعد ذلك. هو كلما رأيته رأيته يتظاهر بكثرة المال، ويلبس ثياباً مجموعها تشتري به شقة سكنية، ربما بدون مبالغة، من أعلى الماركات، لكن لا تراه إلا وترى في وجهه وفي طريقة ثيابه ذلك المحدث بالنعمة الذي حصل المال الآن فذهب يلبس ليتظاهر على الناس ويتباهى أمام الناس بلباسه الجديد. فقره في ذاته.
سبحان الله، ما رأيته إلا قلت هذا فقير في أصل خلقته وتربيته. هو فقير، سيظل يشعر أنه فقير، يظهر ويلبس أشياء لامعة جداً وغالية جداً، لا ذوق عنده، جمع مال فقط وجنازير الذهب. لأنه الفقر حالة والغنى حالة.
أعجبتني كلمة شاهدتها مراراً في الحقيقة، لرجل الأعمال المصري سميح ساويرس، بغض النظر عن حاله وهو من مصداقية، المنطلق في الكلام بغض النظر لكن هو يقول: الغنى حالة. ويقول عندنا زميل رجل أعمال مصري أيضاً، عنده لانش، عنده مركب في البحر الأحمر أو البحر الأبيض، هذا اللانش عدة ملايين، غالي جداً ملايين كثيرة.
فيقول: أحد زملائنا من رجال الأعمال اشترى لانش أيضاً، مركب أكبر منه، ظل صاحب اللانش الأصغر مع أنه لانش حلو وجميل ويملكه ثري، قال ظل يعيش حالة الفقر إلى أن اشترى مركباً أكبر من مركب الآخر بفارق عدة ملايين. ظل يعيش أنه فقير، ظل يعيش الحاجة، يعيش الحرمان، لا إله إلا الله، عندك مركب طب استمتع بالمركب، لكن يقول: بتاع فلان أكبر، مركب فلان أكبر. لا تمدن عينيك.
رأيتم؟ فالفقر حالة والغنى حالة. ترى الإنسان الأصيل، الذي نسميه في مصر الشبعان، لا أدري إذا كانت هذه التسمية في غير مصر أيضاً أو لا، في مصر بنسميه الشبعان، يعني مولود عينه مليانة كما نقول، الشبعان عينه مليانة أصيل، لا ليس محروماً ينظر إلى غيره، لا يفتقر، يظل كما هو، ربما لا يشتري ثياباً كثيرة وجديدة لكن ثيابه نظيفة وأنيقة، تظل نظيفة وأنيقة، هو ابن ناس كما نقول في مصر، ابن ناس مليان شبعان.
هذا الآخر يلبس كل يوم جديداً، يلبس كل يوم ثياباً غالية، يشتري أعلى الماركات، وببغاو، كما نقول في مصر ببغاو. شوفوا ببغاو زي الواد نمبر زفت ده، ببغاو، فقير أخلاقاً، فقير ثقافة، فقير قيمة، فقير كل شيء، فقير ليس معه إلا المال الذي أبرز فقره.
سبحان الله، ثم أخبرت اليوم سبب حديثي عنه اليوم مع بعض الإخوة، أنه قال لي: هل رأيت ما فعل هذا نمبر زفت؟ قلت له: ماذا فعل؟ قال: لما مات هاني شاكر المغني المصري، رحمه الله وغفر له، لا نرجو له إلا الرحمة ولا ندعو له إلا بالرحمة، ونعوذ بالله من أن نشمت أو نقول شيئاً كما يفعل بعض الوضيعين وبعض المتألهين، ويقولون: ذهب الشرير وذهب شره وذهب المفسد في الأرض.
يعني أنت المصلح؟ هو بيغني، فحتى لو قلت إنه كذا هو محصور بيغني، لا هو مضل في الأرض ولا يفتن، إنما أنت الذي تفترى في دين الله وتهبد في دين الله. فالمهم رحمه الله وغفر له، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عنه سيئاته وأن يخفف عليه ضمة القبر وأن يدخله الجنة، ويا رب، رجاؤنا في رحمة الله ليس صعباً.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عن كل سيئاته، ولا ندري السر بين إنسان وبين ربه، رحمه الله. قالوا كان هاني شاكر يرفض دخوله في نقابة المغنيين لأنه ليس مغنياً ويجعر، ليس مغنياً، فقالوا لما مات اليوم أصدر أو نشر أغنية على حسابه فيها شماتة، نشر أغنية على صفحته فيها شماتة.
فقير دنيء، فقير أخلاق، فقير علم، فقير ثقافة، فقير كل شيء، فقير ليس معه إلا المال الذي أبرز فقره أكثر، ربما لو كان فقير مال ما ظهر، المال أبرز فقره أكثر، فسبحان الله فقره بين عينيه، فقره في وجهه، فقره في بشرته، في جلده، تراه فقيراً وإن كان ثرياً، فقير في كل شيء.
فقلت حتى هنا فقر عقل، قالوا لا فقر أخلاق، قلت فقر عقل، لأنه لو كان عنده عقل لسجل موقفاً، فاقد حتى العقل، لم يستطع أن يسجل موقفاً بعزاء أو بكلمة لطيفة، ذهب ينشر ويشمت، حتى العقل أفقده الموقف الدبلوماسي، فسبحان من أخذ منه كل شيء وأعطاه المال الذي أبرز فقره.
شوف هذا سر في الأخلاق: «لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوماً»، لماذا؟ خلاص فعلنا الشيء، لا نشمت، قاتلنا وانتصرنا وانتهينا، لا نفرح، خلاص عادي. «لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوماً وليسوا مجازيعاً»، مجازيع جمع مجزاع، إذا نيل منهم يمشان مشي الجمال، يمشان مشي الجمال الزهر، طبعاً أخذها من النابغة الذبياني.
إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا إلى الموت إرقال الجمال المصاعب، يمشان مشي الجمال الزهر يعصمهم، يعني يقيهم ضرب إذا عرض السود التنابيل، عرض يعني فر وأعرض، عرض بالدال عين راء دال، عرض يعني فر.
هرب وأعرض، السود التنابيل -جمع تنبال وهو القصير- فيه امتلاء وأسود. يقولون هذا البيت قصد به الأنصار، وأنا أجزم الآن بعد سنين أقول: لم يقصد الأنصار، وهذا من تخرصات الرواة. البيت ليس فيه أية إشارة للأنصار، ثم القصيدة لم ترتجل حتى يعرض بالأنصار، ثم لا يمكنه أن يفعل ذلك في مقام النبي ﷺ في وجود النبي ﷺ، وهو ما زال، كلهم والأنصار وقريش يتساوون جميعاً يتكافئون في صحبته ﷺ.
ثم هم الذين آووه ونصروه، وهو يذهب ويرجو النجاة ثم يهجو أصحابه من الأنصار! يا رجل، ثم الأنصار ليسوا سوداً وليسوا تنبلة، خلاص ليسوا تنبلة، ليسوا قصاراً ممتلئين سوداً، الأنصار نعرفهم حتى الآن، أعرف الأنصار، بالعكس من أرقى الناس ووجههم جميل وفيهم سماحة.
شوف، أهو شفت يا محمد العزب؟ لا، أنا أريحك، أنا أجزم بأن هذا خطأ، هذا من تخرصات الرواة وحمل الأبيات على أخبار؛ لأنه ذكر قريش. فربما لا يكون ذكر، قال قريش فلم يذكر، فقال النبي ﷺ: «امدحهم»، فمدحهم، هناك أبيات في مدحهم، صح؟ لأنه لم يذكرهم فوجدوا في أنفسهم.
إنما الهجاء لا، ثم كيف لم تحذف من القصيدة؟ كلام فارغ يا إخوة، لم يهجو الأنصار هنا، وإنما السود التنابيل يذم بها أي قوم لم يتحلَّ بشمائلهم. وصف أي أحد دونهم بالسود التنابيل الذي لم يتحلَّ بشمائلهم، هذا هو؛ لأنه قال: الجمال الزهر، يمشون مشي الجمال الزهر، يعصمهم ضرب إذا عرض السود التنابيل، لا يقع الطعن إلا في نحورهم. هذه كناية عن أنهم لا يهربون، لأن الذي يهرب يدير ظهره ويهرب، لا يقع الطعن إلا في نحورهم.
«وما لهم عن حياض الموت تهليل»؛ تهليل يعني تأخير، هلل عن الشيء تأخر عنه. «يشربون، يذهبون، يمشون مشي الجمال الزهر، ويتساقون المنية بين أيديهم بيض الرقاق المضارب». صح؟ فكذلك هنا، حتى هذا أخذ أيضاً من النابغة من قصيدة أخرى، يبقى كعب بن زهير رضي الله عنه كان مذاكر النابغة كويس، مدد يا سيدي النابغة مدد، أو قيس جاهلي.
«لا يقع الطعن إلا في نحورهم، وما لهم عن حياض الموت تهليل». يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب إذا عرض السود التنابيل، لا يقع الطعن إلا في نحورهم، وما لهم عن حياض الموت تهليل.
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، متيم إثرها لم يفد مكبول. وما سعاد غداة البين إذ رحلوا، إلا أغن غضيض الطرف مكحول. تجلوا عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت، كأنه منهل بالراح معلول. شجت بذي شبم من ماء محنية، صاف بأبطح أضحى وهو مشمول. تنفي الرياح القذى عنه وأفرطته، من صوب سارية بيض يعاليل. أكرم بها خلة لو أنها صدقت، موعودها أو لو أن النصح مقبول. لكنها خلة قد سيط من دمها، فجع وولع وإخلاف وتبديل. فما تدوم على حال تكون بها، كما تلون في أثوابها الغول. ولا تمسك بالوعد الذي زعمت، إلا كما يمسك الماء الغرابيل. فلا يغرنك ما منت وما وعدت، إن الأماني والأحلام تضليل. كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً، وما مواعيدها إلا الأباطيل. أرجو وآمل أن تدنو مودتها، وما أُخال لدينا منك تنويل. أمست سعاد بأرض لا يبلغها، إلا العتاق النجيبات المراسيل. ولن يبلغها إلا عذافرة، لها على الأين إرقال وتبغيل. من كل نضاحة الظفر إذا عرقت، عرضتها طامس الأعلام مجهول. ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق، إذا توقدت الحزان والميل. ضخم مقلدها عبل مقيدها، في خلقها عن بنات الفحل تفضيل. غلبا وجناء علكوم مذكرة، في دفها سعة قدامها ميل. وجلدها من أطوم ما يؤيسه، طلح بضاحية المتنين مهزول. حرف أخوها أبوها من مهجنة، وعمها خالها قوداء شمليل. يمشي القراد عليها ثم يزلقه، منها لبان وأقراب زهاليل. عيرانة قذفت بالنهض عن عرض، مرفقها عن بنات الفحل مفتول. كأنما فات عينيها ومذبحها، من خطمها ومن اللحيين برطيل. تمر مثل عسيب النخل ذا خصل، في غارز لم تخونه الأحاليل. قنواء في حرتيها للبصير بها، عتق مبين وفي الخدين تسهيل. تخدي على يسارات تخدي على يسارات، وهي لاحقة ذوابل مسهن الأرض تحليل. سمر العجايات يتركن الحصى، زيما لم يقهن رؤوس الأكم تنعيل. كأن أوب ذراعيها إذا عرقت، وقد تلفع بالقور العساقيل. يوماً يظل به الحرباء مستخدا، كأن ضاحيه بالشمس مملول. وقال للقوم حاديهم وقد جعلت، غرق الجنادب يركضن الحصى: قيلوا شد النهار ذراعا. عيطال النصف قامت فجاوبها، نكد مساكيل. نواحة رخوة الضبعين ليس لها، لما نعى بكرها الناعون معقول. تفري اللبان بكفيها ومدرعها، مشقق عن تراقيها رعايل. يسعى الوشاة جنابيها وقولهم، إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول. وقال كل خليل كنت آمله، لا ألهينك إني عنك مشغول. فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم، فكل ما قدر الرحمن مفعول. كل ابن أنثى وإن طالت سلامته، يوماً على آلة حدباء محمول. أنبئت أن رسول الله أوعدني، والعفو عند رسول الله مأمول. مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة، القرآن فيها مواعيظ وتفصيل. لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب، وإن كثرت في الأقاويل. لقد أقوم مقاماً لو يقوم به أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد، إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تنويل. حتى وضعت يميني لا أنازعه، في كف ذي نقمات قيله القيل لذاك أهيب عندي إذ أكلمه، وقيل إنك منسوب ومسؤول. من خادر من ليوث الأسد مسكنه، لبطن عثر غيل دونه غيل. يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما، لحم من القوم معفور خراديل. إذا يساور قرنا لا يحل له، أن يترك القرنا إلا وهو مجدول. منه تظل سباع الجو ضامزة، ولا تمشى بواديه الأراجيل. ولا يزال بواديه أخو ثقة، مطرح البز والدرسال مأكول. إن الرسول لسيف يستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول. في فتية من قريش قال قائلهم، ببطن مكة لما أسلموا زولوا. فما زال أنكاس ولا كشوف عند اللقاء، ولا ميل معازيل. شم العرانين أبطال لبوسهم، من نسج داوود في الهيجاء سرابيل. بيض سوابغ قد شكت لها حلق، كأنها حلق القفعاء مجدول.
لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوما، وليسوا مجازيعا إذا نيلوا. يمشون مشي الجمال الزهر، يعصمهم ضرب إذا عرض السود التنابيلو. لا يقع الطعن إلا في نحورهم، وما لهم عن حياض الموت تهليل.
هذه بردة كعب بن زهير، أصل مدائح وأشهرها من الزمان القديم. وكانوا قديما من مناياهم القتل، الله يرضى عليكم يا رب.
وإلى قصيدة جديدة إن شاء الله، نحن ممكن في هذه الأيام ربما نقرأ لحسان بن ثابت، حتى تعلموا شعر حسان بن ثابت. الله تعالى المعين، شكرا لكم وجزاكم الله خيرا، الله يرضى عنكم يا رب، تصبحون على خير.
والحمد لله الذي تم لنا هذا العمل، كل عمل وكل شيء يتم هذه نعمة من الله. والله إن شاء الله سأضع لكم القصائد في المجالس الستة هذه، هي داخل الشروح المختصرة، وسأضعها لكم إن شاء الله في سلسلة جديدة مستقلة شرح بردة كعب.
سأفعل هذا أيضا إن شاء الله مع معلقة لبيد بن ربيعة رضي الله عنه. تصبحون على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد