السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلا وسهلا ومرحبا بالإخوة الكرام، أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتا وصورة من بعد إذنكم، أرجو طمأنتي إلى سلامة البث صوتا وصورة. يبدو عندي جيدا؟
وعليكم السلام يا محمود ورحمة الله وبركاته. يا مرحبا، مساء الخير، يا مرحبا. الحمد لله، الله يرضى عنكم، رضي الله عنكم ورضاكم ورفع قدركم. أهلا يا مرحبا دكتورة شيماء، يا مرحبا أستاذة أم نور، أختنا تبارك، يا مرحبا بكم جميعا.
نعم يا إخوة، تفاعلوا مع البث لو سمحتم حتى يظهر ويصل للإخوة، وحتى نقاوم بعضا من هذه القيود التي على القنوات عندي، والحمد لله رب العالمين. يا مرحبا بالكرام، الله يرضى عليكم، الله يرضى عنكم.
كل من ألقى السلام أقول له وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك. والله رجوت لو استطعت تحيتكم واحدا واحدا لكن لا نملك الظرف لذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا لقاؤنا الخامس مع شرح بردة كعب بن زهير رضي الله عنه، وهي القصيدة البردة كما عرفتم، وهي أولى القصائد التي تسمى بذلك، وهي المشهورة بجاهلية النمط والاعتذار والفن، التي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ ... متيم إثرها لم يفد مكبولُ وما سعاد غدا ذات البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيد الطرف مكحولُ تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلولُ شجت بذي شب من ماء محنية ... صافح أضحى وهو مشمولُ تنفي الرياح القذا عنه وأفرطه ... من صوب سارية بيض عليلُ أكرم بها خلة لو أنها صدقت ... موعودها أو لو أن النصح مقبولُ لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديلُ فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغولُ ولا تمسك بالوعد الذي وعدت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيلُ فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليلُ كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيلُ أرجو وأمل أن تدنو مودتها ... وما أخال لدينا منك تنويلُ أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيلُ ولن يبلغها إلا عذافرة لها ... على الأين أرقال وتبغيلُ من كل نضاخة الذفرة إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهولُ ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميلُ ضخم مقلدها عبل مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيلُ غلباء وجناء علكوم مذكرة ... في دفها سعة قدامها ميلُ وجلدها من أطوم ما يؤيسه ... طلح بضاحية المتنين مهزولُ
في المرة الماضية وقفنا عند شرح هذا البيت، حيث عرضت فيه كلام الشراح والعلماء ممن شرحوا القصيدة، وقلت لكم إن هذا الشرح لا يستقيم شعريا، وإنما هو محاولة لتفسير البيت على ظاهر لغته، وعلى ما قد يباذر إلى الذهن في بعض الظاهر.
وقلت لكم إن هذا البيت من الأبيات القديمة عندي، التي إذا جئت عندها أقول فيه شيئا، والامر ليس على ما قالوا. ومنعني في هذه السنوات التي مضت، وكنت أراجع فيها البيت، منعني وقصرني عن أن أقول هناك معنى يخفى؛ ما أجده هو توارد الشراح على المعنى الذي لا يعدو أن يكون لغوا إذا قلت هذا بحق الشعر. فالعلم والنهج والميزان فوق الرجال، فوق الجميع وبه صاروا رجالا.
وبعض الشعر، كما نبه إلى ذلك كثير من العلماء والشراح، بعض الشرح يأتي لغوا وغلطا ظاهرا وقراءة للشعر لا من حيث كونه شعرا. هذا البيت: «وجلدها من أطوم ما يؤيسه، طلح بضاحية المتنين مهزول»، تكاد لا تجد في كتب الشراح غير هذا القول بأن المهزول هو الطلح، وأن الطلح هو القراد. وهذا تفسير موجود حتى ممن استشهد به ابن منظور في لسان العرب.
الطلح يطلق على عدة معان أخرى، لكن الشراح نظروا إلى ما يؤيسه، أي يضعفه ويؤثر فيه. ففي قوله: «طلح بضاحية المتنين مهزول»، نظروا أولا إلى أن الطلح وصف بالمهزول، وإلى أنه بضاحية المتنين، فعلقوا الجار والمجرور على الأصل؛ أي طلح كائن بضاحية المتنين.
وثانيا، شجعهم على ذلك أنهم رأوا بعد ذلك ببيتين قول الشاعر: «يمشي القراد عليها ثم يزلقه منها لبان وأقراب زهاليل». فلما رأوا القراد مذكورا، ورأوا من معاني الطلح القراد، ورأوا «بضاحية المتنين» والقراد يكون على المتون كذلك، قالوا -أو تكلفوا- هذا التفسير الذي لا يعدو أن يكون لغوا، وهو أن الطلح هو المهزول، وأنه لا يؤثر في ظهرها؛ قراد مهزول من الجوع، فنظروا إلى صفة الهزال في القراد على أنها صفة ظاهرة تجعله أشد عليها، ثم قالوا وهو يشتد في الشمس فكيف إذا كان لا يؤثر فيها إذا كانت في الشمس وهو مشتد، فكيف إذا كان في الليل؟
وهذا كله لغط وغلط ولغو في الشعر لا يخطئ ذلك صاحب ذوق سليم، وإنما كما قلت قسرهم إلى ذلك؛ لأنهم رأوا ذكر القراد، ورأوا أن الطلح من معانيه القراد، ورأوا أن الطلح يكون على المتنين فغرهم ذلك.
هناك تفسير آخر قلت به، وأطرحه معكم إن شاء الله. لقد وعدت الأخ الصديق الحبيب من الإمارات، الأستاذ الإعلامي محمد العزب، وهو رجل إعلامي موفق، بأن أقرأ هذا الرأي في المجلس حينما أعرض للبيت ثم أعرض رأيي في الأخير.
يقول أخونا الكريم الأستاذ محمد العزب: «على قولي إن الطلح هو الراعي المعيي، وهذا صواب موجود من معاني الطلح».
قول إن الطلح -أو أن الطلح- يجوز هو الراعي المعيي، لعل المراد أن جلد هذه الناقة غليظ أملس كدرع السلحفاة لا تنال منه. متلازمة راعٍ، أو ملازمة معذرة لا تنال منه، ملازمة راعٍ أنهكه السير حتى هزل. يركبها ويخالط ظهرها من جانبيها فلا يترك فيها أثراً، هذا هو الذي أقف عنده، ما معنى لا يترك فيها أثراً؟
يعني ألا يترك أثراً في الظهر، هذا هو، بل يرتد الأثر عليه تعباً ووهناً وتبقى هي على صلابتها لا تتأثر. هنا نقف، كيف لم يترك فيها أثراً؟ نحن كل هذا نحاول التفسير. وقد فعلوا هذا القول اللغو الذي أتى به بعض الشراح، قالوا فيه هذا، وتبقى هي على صلابتها لا تتأثر، وقد توهم بعض المفسرين أن المراد بالبيت القراد؛ متأثرين بما يرد في البيت الذي يليه، أحسنت، يمشي القراد عليها.
غير أن تتابع الوصف -رضي الله عنه-، حبيبنا محمد العزب معنا، ما حسبتك موجوداً، مولاي الله يرضى عليك، غير أن يقول الأستاذ محمد العزب، غير أن تتابع الوصف على هذا النحو لا يقتضي بالضرورة تكرار الصورة نفسها، صحيح؟ أحسنت، بل الأقرب أنه انتقال من أثر الإنسان إلى غيره، لا إعادة للمعنى بعينه.
هكذا قال أخونا، ووقفت فيما تجاوزته وهو: كيف لا يؤثر "طلح بضاحيه المتنين" مهزول؟ يعني لا يؤثر أثراً في جلدها، كيف يؤثر؟ هي عليها الركاب أو عليها الغبيط والفرش وكذا إلى آخره، أو ضاحية المتنين المكشوف؛ كيف لا تؤثر الشمس ويؤثر؟ هو كيف يؤثر؟ والذي يركب لن يتعلق على جانب "طلح بضاحيه المتنين"، سيركب هنا وهنا، كيف لم يؤثر إذا ركب؟ إذا ركب عليها هو المتأثر.
ولكن القول في ذلك عندي، وهو ما أطمئن إليه بالظن المطمئن جداً والحمد لله، أن الطلح هنا هو الناقة، وأن الطلح يقال في الذكر والأنثى من الناقة الهزيلة التي أعيت من الأسفار، وأن "مهزول" هو صفة أيضاً لهذا الطلح أو لهذه الطلح. ويتعلق كذلك قوله "بضاحيه المتنين" بقوله "مهزول"، أي طلح مهزول بضاحيه المتنين.
لكن قبل ذلك ينبغي أن نرجع إلى اللغة، وأن نرى هل يقال في الطلح إنه الناقة التي أعيت أو لا؟ نرجع إلى لسان العرب على الأقل، ونرى في مادة (ط، ل، ح)، ونرى في ذلك الجوهري اللغوي يقول: «والطلح بالكسر المعيي من الإبل وغيرها، يستوي فيه الذكر والأنثى والجمع إطلاحاً»، وأنشد في ذلك قول الحطيئة: يذكر إبلاً وراعيها إذا نام ... طلحٌ أشعثُ الرأسِ
ففسر بيت الحطيئة بأن الطلح هنا هو الناقة أو البعير المهزول المعيي المتعب. وفي حديث أسلم عمر: «فما برح يقاتلهم حتى طَلِحَ»، أي أعيا. ومنه حديث سطيح على جمل طليح، أي معيي. إذاً كما يطلق الطلح على القراد، يطلق الطلح على الجمل المعيي، ونص الجوهري على أنه يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ فيقال في الناقة هذه طلح، وفي الجمل المعي هذا طلح.
فإذا صح كان قوله: "وجلدها من أطوم"، أي وجلدها كأنه من جلد سلحفاة بحرية مسقول ما يؤيسه، ما يضعفه، ما يترهل به. "طلح" أي الناقة نفسها طلح مهزول بضاحيه المتنين، أي أن جلدها صار مشدوداً حتى بعد أن ذاب سنامها الذي تقتات عليه في السفر. وهذا مما يمدحون به الناقة في السفر؛ أن يذوب سنامها ويظل جلدها مشدوداً ويظل جسمها شديداً، ويقال فيها طلح.
ويذكر أنها تبرك على الأرض وفي الخبت فتصدر صوتاً كالنازل على الهشيم، على الحطب الجاف، يكسره من قوتها. هذا كله يؤيد أن قوله "طلح" أي لا يؤثر في جلدها؛ "طلح مهزول بضاحيه المتنين"، يعني ما تعرض للشمس من جانبيه هزل حتى استوى، ومع ذلك ظل جلدها من أطوم، كأنه على سلحفاة بحرية مشدود. أي لما هزل ذهب سنامها من عتقها وكرمها وقوتها، ظلت حتى وهي نحيفة مشدودة الجلد قوية، لم يرتخي ولم يترهل جلدها.
فالجار والمجرور مقدمان وهما المعمولان مقدمان على العامل: "بضاحيه المتنين مهزول" أي طلح مهزول بضاحيه المتنين، فلم يرتخي الجلد فيها وظل من أطوم، وهذا إشارة إلى قوة الناقة في سائر بدنها. ولهذا قال بعد ذلك: "يمشي القراد عليها ثم يزلقه منها لبان"، أي أيضاً جلدها من أمام عند اللبان ناعم أملس يسقط من عليه القراد.
فناقة مشدودة الجلد تظل كذلك وإن نحفت، لا تتهدل ولا تضعف، وهذا أقرب شيء. انظر في معنى الطلح، وقد رأيتم في لسان العرب أن الطلح المهزول المعيي من الإبل يستوي فيه الذكر والأنثى بنص الجوهري الذي نقله عنه ابن منظور. ما الذي جعل الشراح يفسرون هذا التفسير بأن المهزول هو القراد؟ طبعاً تكلف شديد ولغط ولغو بعيد. ما الذي جعلهم يفعلون هذا؟ أنهم رأوا في المعجم كلمة طلح من معانيها القراد، ومن معانيها النقل، ومن معانيها الرجل المهزول أيضاً. ولذلك قال أخونا محمد العزب إنهم رأوا الطلح...
بمعنى القراد، ثم رأوا ذكرى القراد بعدها ببيتين يمشي القراد عليها، ثم إنهم علقوا بضاحية المتنين على الطلح أو علقوه بالطلح، فقالوا: الطلح بضاحية المتنين؛ ففسروا الباء للمصاحبة أو للظرفية أو نحو ذلك، فقالوا: الطلح هنا هو القراد وأنه يكون بضاحية المتنين.
ولو أنهم نظروا فوجدوا أن الطلح يطلق على الناقة المهزولة كذلك، ويستوي فيه الذكر والأنثى في هذا الحرف، ونظروا إلى احتمال تعليق الجار والمجرور والمضاف بضاحية المتنين بتعليقه بما بعده على تقديم بضاحية المتنين، لوجدوا أن المعنى يستقيم وأنه يبعد عن اللغو واللغط الذي قالوه في ذلك، والله تعالى أعلم.
نعم، حبيبنا الشيخ خالد الدبيخي، يا مرحبا يا مرحبا يا سيدي. وجلدها من أطوم ما يؤيسه... البيت الحمد لله، تقريبًا عندي استنار، قلت بغلبة الظن والظن المطمئن: «وجلدها من أطوم». والذي قصر عنك كما قلت في السنين الماضية، زمان بعيد عن اتخاذ رأيي فيها، حتى إنني في آخر مرة، أظن في المجلس الماضي، قلت لكم: ليس مما أقول فيه الذي قصرني ما رأيته من اتفاقهم.
لكن لما راجعت معنى الطلح وأنه يطلق على الناقة كذلك، ثم تأملت السبب الذي ساقهم إلى ذلك، هنا كان هناك اطمئنان إلى كسر هذا المعهود في هذه الشروح، فنكون بذلك قد جمعنا بين الحيطة واحترام العلماء، وبين قول الحق فيما نراه وقول الصواب ونصرة الشعر من حيث كونه شعرًا، والحمد لله. الشيخ خالد الدبيخي شرح فوق هام السحاب، الله يرضى عنكم مولانا، الحمد لله رب العالمين، هذا فضل وتوفيق من الله سبحانه وتعالى.
«وجلدها من أطوم ما يؤيسه». أخونا الأستاذ محمد العزبي يقول: ما جعلني أميل إلى تفسير الطلح بالراعي المهزول أن العرب كانت حتى وقت قريب تروض الإبل بالراكب القليل الوزن أو الطفل، إلى أن استبدلوا به الراكب الآلي. أنا أعلم هذا، لكن هذه في الرياضة شيء، وفي... أنا أفهم طبعًا، وبالمناسبة هذه المحاولة جيدة، ولهذا اعتبرتها لما قلت لك سأقرأها، كان ذلك لاعتبارها وإن كنت لم أرجحها، فأنا أفهم وأنت تحاول تفسير ذلك، لكن لو دققتها ستجد أن المقام ليس كذلك، هذا مقام سفر وهذا راكب، وهكذا، والله تعالى أعلم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً أستاذتنا الكريمة. «وجلدها من أطوم ما يؤيسه، طلح بضاحية المتنين مهزول». يعني هزل من ضاحية المتنين، يعني هزل متناهٍ المعرضان للشمس، ولكن تفسيرك أستاذنا مرجح بشدة والله أعلم.
أخونا محمد العزبي، الحمد لله، الحمد لله، هذا فضل الله. أنا لست نادمًا على التأخير في إبداء هذا؛ لأنني احترم العلماء ولا أقول الكلمة التي قلتها بأن هذا لغو وغلط إلا بعد بحث وزمان، وقد يستمر إلى سنين، ثم إذا اطمأننت هنا حق الشعر انتهى خلاص، كان من كان القائل بخلافه، فلست متضايقًا بهذا لأنني أرضيت ضميري في الاحتياط وفي اعتبار تقريبًا كل الشروح على هذا، فحتى أخالفه أحتاج إلى هذا الزمان، فأرضيت ضميري بذلك والحمد لله، والآن أقمت حق الشعر والحمد لله.
«وجلدها من أطوم ما يؤيسه، طلح بضاحية المتنين مهزول، أبوها من مهجنه وعمها خالها قوداء شمليل، يمشي القراد عليها ثم يزلقه منها لبان وأقراب زهاليل، عيرانه قذفت بالنهض عن عرض مرفقها، عن بنات الزور مفتول، كأنما فات عينيها ومذبحها من خطمها ومن اللحيين برطيل، تمر مثل عسيب النخل ذا خصل في غارز لم تخونه الأحاليل، قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين، وفي الخدين تسهيل تخدي على يسارات، وهي لاحقة ذوابل مسهن الأرض تحليل».
تخدي على يسارات، واليسارات أصلها من اليسر وهي الخفة والسهولة، فعلى يسارات يريد القوائم الخفاف السريعة. يعلو به نهش المشاشي، هذا يشبهه الفرس يعدو في عينيه أبي ذؤيب، فيقول: تخدي، يعني تسير هذا السير السريع، على قوائم خفاف، تخدي على يسارات.
وهي لاحقة، يعني وهي ضامرة، ذوابل يعني وهي لاحقة ضامرة، هذا على التشبيه بالرماح الذوابل التي تكون صلبة يابسة مع المرونة التي فيها. أخونا محمد العزبي يقول: تفسيرك أستاذنا أيضًا يحافظ على السياق نفسه في استكمال وصف الراحلة دون التفات عنها إلى غيرها، نعم الحمد لله، الحمد لله، الله يرضى عليكم.
تخدي على يسارات وهي لاحقة، يعني وهي ضامرة جافة، ذوابل يعني شبهها بالرماح الذوابل وهي اليابسة الضامرة لكن مع لين فيها وشدة، يعني كأنها تخدي على رماح. ماذا أتخيل لما قال ذوابل؟ أنتم ربما ترون ما الذوابل؟ هي الضامرة اللاحقة، أنا لما رأيتها رأيت هذه اللدانة، هذه المرونة، لأن الرماح توصف بأنها الذوابل، حتى الشروح قالوا هنا على التشبيه بالرماح الذوابل، والرماح الذوابل التي فيها مرونة وشدة واستقامة في نفس الوقت ثقفت بالثقاف.
هذه الرماح توصف بأنها أشطان البئر. تذكرون المهلهل بن ربيعة يا إخوة؟ ما الشعر يفسر بالشعر، لغة العرب تفسر بلغة العرب. ماذا قال المهلهل بن ربيعة: «فدا لبني الشقيقة يوم جاؤوا، كأَسد الغاب لجّت في زئيره، كان رماحهم أشطان بئر، بعيد بين جاليها جروري».
ما معنى أشطان بئر؟ حبال البئر بثقل الدلو تمتد تكون مستقيمة إلى أسفل بثقل الدلو والجاذبية، تمتد ولكن لطولها تهتز وتذهب، تختلج يمين وشمال، ولكن تستقر في الوسط بعد ذلك لأنها مجذوبة فيها ثقل إلى أسفل، فيقول رماحهم طويلة، يمشون بها تظهر فيها هذه التي نسميها في مصر "اللبة"، كثير في كلام الشعراء. أنا فقط ذكرت الذوابل لأن فيه الوصف بهذه الصفة، صفة الاهتزاز، كان في صريح قوله: «كان رماحهم أشطان بئر».
تذكرون أيضًا البحتري لما أراد أن يصف ذنب الذئب ماذا قال؟ قال: «وأطلس ملء العين يحمل زوره، وأضلاعه من جانبيه شنه...».
له ذنب مثل الرشاء يجره، ومتن كمتن القوس أعوج.
هنا يقول: «ذوابل»، تعرفون ماذا تخيلت؟ في مرونتها مع اليبس؛ لأنه قال في الأول: «ربما يأتي شخص ويقول أبو قيس الذي يفعلونها»، تأتيني الرسائل. الله يرضى عليكم يا رب. أبو قيس الذي يتعصب للشعر الجاهلي، والشعر الجاهلي فيه حشو كثير، فيأتي مثلاً إلى هذا ويقول: «أنا أعرف من يفعل هذا»، يعني لا يفهم، هو يقرأ الكلمة بالمراد ولا يفهم أثرها في الشعر.
يقول: ما هو ذوابل؟ فسرت أيضاً بأنها ضامرة، ولواحق فسرت بأنها ضامرة لا لواحق، ضامرة. «ذوابل» على التشبيه، الشراح نفسهم قادروا لك على التشبيه، «ذوابل» على التشبيه بالرماح. الرماح ذكرت لك الآن صفتها، الذوابل التي تهتز ويشبهونها بالرشاء. كان رماحهم أشطان بئر، بعيد بين جاليها جروري؛ يعني بعيد، فلذلك الرماح تهتز شديداً.
فتعرفون ماذا تخيلت أنا في هذا؟ هو لا يصف أنها لينة، هو يصف ما توحيه العين. هذا ما أقول لكم، ما تخيلته هنا يصف ما توحيه لكم العين لما ترى الناقة وهي تخدّ على الذوابل تلك، فتتداخل فتشعر أنها كأشطان البئر من مرونتها ويبسها؛ تريد أن تتخيل هذا.
هناك لعبة كان أبي يلاعبني إياها وفعلته مع الطلبة وساعدوا بها: انظروا إلى هذا القلم، سأعطيه حركة مرنة وسيكون ليناً في نظرك، وأرجو أن يكون التصوير صالحاً لهذا. انظر، خلي لك أبيض، البس قفازاً أسود أفضل. أنا أداري انعكاس الضوء هنا. لاحظتم إيهام المرونة في هذا الصلب وهو جاف شاد، يعني صلب.
«كان رماحهم أشطان بئر بعيد بين جاليها جروري». تخيلتم معنى الذوابل؟ هتقول لي الذوابل صفة؟ هل الذوابل الآن صفة للأقدام؟ لا، الذوابل مقصود بها هنا الرماح، والرماح توصف بأنها كأشطان البئر لأنها ذوابل، يعني جافة مع مرونة. «ذابلة» كأنها في الأصل فيها ماء وذبلت، فيقال ذابلة، وهذا ما صرحوا به.
نقرا مثلاً ما قال باجوري: «والذوابل جمع ذابل، وهي الرمح الصلب اليابس، والمعنى على التشبيه والتقدير: وتلك اليسرات كالذوابل، أي كالرماح الصلبة اليابسة». فكلمة ذوابل ليست صفة مباشرة للأقدام، بل هي على التشبيه، تشبيه القوائم بالذوابل، أي الرماح.
الذوابل كما نعرفها في الشعر «أشطان بئر»، فهو يصف أنها تجري أمامك هكذا ذوابل كرماح ذوابل كما نصه: «كأنها الرماح الذوابل». هكذا، إذاً الرماح الذوابل ليست هي اللاحقة، اللاحقة ضامرة، ذوابل هكذا. ولهذا قال لمن يفهم الشعر ويربط علاقات المعاني ببعضها: «مسهن الأرض تحليله».
شوف لياقة المعنى بالمعنى: «تخدّ على يسرات خفيفة وهي لاحقة ضامرة ذوابل مسهن الأرض تحليله»، من سرعتها وخفتها وحملها، الناقة صار مسها الأرض مساً خفيفاً كأنه تحلّ يمين. صار مسها الأرض تحله يمين.
وطبعاً أنا سيء الرأي إلى حد بعيد بكثير من كلام أبي هلال العسكري رحمه الله، وأرى أن أبا هلال تأثر شديداً بأشعار المتأخرين ولم يغرق في أشعار الجاهلية، وله تفسير عجيب، غلط محض، بسبب انتصاره الشديد وميله إلى المتأخرين، فتسطح فهمه جداً.
نعم، أي لكلام الجاهليين حتى أخذ على النابغة وفسر تفسيرات من شعر القدماء، تقول ليته ما فعل لعصم نفسه عن مثل هذا الكلام أو الذي يعلق به عليه هنا مثلاً في كتابه «الصناعتين». وأنا أقولها واضح: أنا سيء الرأي إلى حد بعيد بأبي هلال العسكري في تذوق الشعر وتفسيره.
هنا مثلاً يقول في قول عبده بن الطبيب في قصيدة في المفضليات: «يخفي التراب بأظلاف ثمانية في أربع مسهن الأرض تحليلاً». اسمع يا أسامة الحمادي، نعم، متحامل جداً على القدماء ولم يفهمهم أصلاً أبو هلال العسكري. طبعاً أنا أقدم أبا قيس على طبق من ذهب وماس لمن يريد الهجوم عليه والطعن فيه.
يقول في أبي هلال، وأنت منتصر مع أبو هلال العسكري، توفي عام ٣٩٥، براحتك، لكن الفاهمون يعلمون أنك هياس وجعجاع، ونسمع طحيناً ولا نرى سويقة، أو نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً. فها أنا أقول: أبو قيس سيء الرأي في أبي هلال العسكري في نظره في الشعر الجاهلي. أنا أعطيك الفرصة للكلام إذا كنت شائناً حاقداً.
أبو هلال لم يفهم الظواهر من تفسيرات القدماء، فلا يبلغ أن يرى غبار صاحب الوساطة أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، وهو معاصره مات بعده بعام، ولا أن يرى غبار الآمدي، ولا أن يرى بلدة أبي بكر الصولي؛ الناقد العظيم من أعظم الأسماء التي جاءت، لم تكن أعظمها هو والآمدي حقيقة.
أبو هلال لم يقرأ ولم يعرف المشهورات من كلام الجاهلية. فيقول مثلاً هنا: «وأجود ما قيل في العدو قول عبده بن الطبيب: يخفي التراب بأظلاف ثمانية في أربع مسهن الأرض تحليلاً»، يقول: والتحليل من تحله اليمين. يعني كأنه حلف أن يمس، والله لأمس. لكن الأصل ألا يمس، يمس تحله يمين. تعرفون معنى «أكل يمينك»؟ يعني خلاص، فهذا معنى «مسهن الأرض تحليلاً».
عند كعب بن زهير وعند عبد بن الطبيب جملة مكررة في الشعر، معروف القصد منها، مشهور لا تخفى على عارف عادي بالشعر. يقول أبو هلال: والتحليل من تحله اليمين، وهو أن يقول: «إن شاء الله»، فقول الحالف «إن شاء الله» لا يكون إلا موصولاً باليمين. يقول: «إن مواصلة هذا الثور بين خطواته كمواصلة الحالف بالتحلة يمينه من غير تراخ»، يصف سرعة أقدامها.
بالحالف والله إن شاء الله تحله يمين، هيقول: إن شاء الله والله سأفعل، إن شاء الله. يا حلاوة! يا سلام! هذا تشبيه يستقيم؟ فضلاً عن أنه ضد المعرفة المشهورة عن الجاهليين، في هذا الشراح قاطبة قالوا لا، ليس شيئاً غريباً، بل شيء غريب جداً جداً. وله أشياء عجيبة. يقول إن النابغة الذبياني، أبو هلال يقول هذا... معليش، يقول إن النابغة الذبياني حينما قال...
عفى ذو حسن من فرتنا فالفوارع، فجنب أريك فالتلاع الدوافع، فمجتمع الأشراج غير رسمها مصايف مرت بعدنا ومرابع.
تذكرت، أو توهمت آيات لها فعرفتها، لستة أعوام وذا العام سابعه. تعرفون ماذا قال؟ أتى بسابعه لأجل العين؛ فحشا: "ستة أعوام وذا العام سابعه"، لم يستطع أن يأتي برقم آخر فقال "سابعه" لأجل العين، وحشا ستة أعوام وذا العام سابعه. هذا النابغ الذبياني.
وخطأ الشعراء الذين وصفوا الأطلالة بالخرس وآثار الديار بالخرساء، تعرفون لماذا؟ قال لأنها أصلاً خرساء، فيقول كأنه قال: كلمت الحجر فلم يجبني، كأنه حجر وهو أصلاً حجر فعلاً، فيقول هذا غلط في المعنى؛ أن تقول كلمت الحجر فلم يجبني لأنه حجر. لا، هم لما قالوا خرس، كأني أنادي أو أكلم أخراً، أراد أنه إنسان وكان كالإنسان فيه روح، وكان ينبغي أن يجيبه فلم يجبه.
الم على الربع القديم بعسعسه، كأني أنادي أو أكلم أخراً، ثم هناك درجات: خلاص يا دار عبلة بالجواء تكلمي، هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار؟ بعد توهم أعياك رسم الدار، لم يتكلم حتى تكلم كالأصم الأعجم؛ هل هو أصم أعجم؟ لا، كالأصم الأعجم، هو يرفض إلا أن يجعله كالإنسان يتكلم، فوصل وصفه، قال له أنت أخرس، فجعله أيضاً كائناً ناطقاً لابد أن ينطق. فاستعجمت الدار، نعم، ما تكلمت الدار، ولو كلمتنا لكانت ذات أخبار بالضبط، فاستعجمت الدار؛ عملت عجماء، تصنعت العجمة، هي عجماء، هو لا يقتنع أنها عجماء. وهذا استطراد، أو كما نقول ترشيح للاستعارة، تقوية، هو يستمر في وصفها بالمعنى المستعار.
فهمتم؟ الله يرضى عليك يا مولانا.
أنا من الوقائع ومن الأدلة على طول الكتاب، طول كتاب "الصناعتين"، سيء الرأي في صاحبه. هناك من أثنى عليه، لكن الرافعي قال شيئاً لا يقال بعده، لا يستدرك، لا يخطئ، رأي الرافعي في "الصناعتين" غير دقيق إذا أردنا الاستفاضة والاستغراق. إنما هو كتاب مفيد، ما أنا درسته في "رواد القصيدة" هو يدرس في "رواد القصيدة" ويلزم به الطلبة، عادي لا أقول غير مفيد، لكن بمقارنته بالنقاط، لا طبعاً لا يثنى عليه استغراقاً، وأنه كتاب لا يبلغ غبار أبي بكر الصولي، أو الآمدي في "الموازنة"، أو الجرجاني في "الوساطة"؛ بعيد جداً.
فإذا جاءت تقول ما أثنى عليه علماء، ماشي، أثنى عليه للعامة، العام سيستفيد. هو الرافعي كان يكلم نقاداً، من كان يسأله في وقته. وهذا على شرط لست أقول لابد أن يكون الرافعي رأى كل شيء فيه، عادي ممكن لم يرَ، لم ينتبه، عادي ما المشكلة؟ المشكلة أن تواجه كلاماً بكلام دون المستند، كله عندما أعرض لك بالأدلة والبراهين من الكتاب، وهذه أقوال انظر كيف سقوطها وكثرتها في كتابه ودلت على المستوى. فأنت تأتي وتقول ولكن فلان أثنى عليه، ماذا أفعل؟ أرمي البراهين في البحر عشان فلان قال الرافعي أو غيره قال؟ خلاص لم أكن أعلم فأخاف فاتراجع عما قلت؟ لا يا حبيبي، هذا كلام الخصياء، ليس كلام الرجال وليس فعال الدارسين.
فأنا سيء الرأي في الرافعي جداً، واستغفر الله، وسيئ الرأي في أبي هلال العسكري جداً. اختياراته في "ديوان المعاني" جيدة إلى حد بعيد، لكن عمله وتعليقاته ومحاولاته في فهم الشعر الجاهلي وتفسيره في "الصناعتين" من جنس ما رأيت، وهذا الكتاب مليء بهذا.
ونرجع إلى سياقنا: "تخدي على يسارات وهي لاحقة، ذوابل مسهن الأرض تحليله". تحلت يمين، خلاص يعني مسها الأرض ليس بشيء. انظر في التحليل، يقول مسهن الأرض وهو الطبيعي، وفي نسخة "وقعهن" بدل "مسهن"، أي مس تلك اليسارات للأرض أو وقعهن على الأرض شيء قليل غير مبالغ فيه لسرعة رفع قوائمها عن الأرض، فلا تمس الأرض إلا تحله القسم، كما يحلف الإنسان ليفعلن هذا الشيء فيفعل منه اليسير ليتحلل به من القسم.
لكن يقول هذا بحسب الأصل ثم كثر حتى قيل لكل شيء لم يبالغ فيه، يعني أبو هلال ذهب عن شيء مشهور متعارف صارت كالدلالة اللغوية، يقول الباجوري: لكن هذا الشرح الأول يعني بحسب الأصل ثم كثر حتى قيل لكل شيء لم يبالغ فيه. أنا فعلت هكذا، كلما صنعت لي مثلاً كأساً من الشاي، فعلته ثم تركت، تحله يمين! أي شيء قليل تحله يمين، أمسكت القلم، اشتريت القلم، كلمة وخلاص، أنت تحله يمين، والله لأكتبن، فـ تحلت يمين. يا مولاي تفضل، تعال تفضل على الغداء، لا والله لأكلن، طيب تحله يمين، سلام عليكم. كل هذا تحله يمين.
"تخدي على يسارات وهي لاحقة، ذوابل مسهن الأرض تحليله، سمر العجايات يتركن الحصى زيما". العجايات جمع عجاية، سمر العجايات يتركن الحصى زيما، أي قطعاً متفرقة. "لم يقهن رؤوس الأكم تنعيلا"، يعني لم تضرب لها النعال. طبعاً عرفنا من قبل في بعض القصائد وفي بعض الشرح أن الإبل يطرق لها، أي يعمل لها خف إذا مشت كثيراً، وطبعاً يا إخوة الخف، خف الناقة أو البعير ليس كالحصان، وليس كالأظلاف من ذوات الأظلاف، إنها عظام كالقرون، لا، هي جلد لين لكن سميك، فمع السير الكثير والحرارة يتشقق ويدمع، يتشقق قوي ويدمع، فيقال هذا الوجع. وهنا قوله "لم يقهن" أي لم تتاثر قدمها فتدمى، فتحتاج في رؤوس الأكم والصخور والحجارة والحصى إلى أن توقى بالتنعيل.
نعم، ونقرأ ربما كذلك ما قيل في هذا يكون مفيداً. طبعاً بالنسبة للعجايات، هذا شرح كتاب "الإسعاد" بشرح قصيدة بني السعاد لكعب بن زهير للشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الأزهر، أنا اعتمدته لأنه...
«أخسر» هو مختصر من شرح ابن هشام الكبير، هذا الذي عليه بعد ذلك حاشية في ثلاثة مجلدات، حاشية عبد القادر البغدادي صاحب «خزانة الأدب» التي شرح فيها شواهد رضي الدين، شرح رضي الدين على كفاية ابن الحاجب. وأيضاً شارح عمل على شواهد الشافية في ثلاثة مجلدات، لكن هذا الكتاب كبير، ثلاثة عشر مجلداً، «خزانة الأدب».
له حاشية على شرح ابن هشام هذا للشيخ الباجوري، ابن هشام نحوي، فاستفاض الشيخ الباجوري واختصر حتى بألفاظه وعباراته؛ فلذلك اعتمد معكم على هذا، لأن الرجوع إلى شرح ابن هشام نفسه سيحتاج إلى وقت أطول لاستخلاص الشواهد أو الموضع الذي يستشهد به أو يقرأ لك، لكن «أخسر» الوصول إليه أسرع، وهو شرح ابن هشام تقريباً مختصراً. لذلك اعتمدت على شرح الشيخ إبراهيم الباجوري، شيخ الأزهر، «الإسعاد بشرح قصيدة بني السعاد».
يقول في العجايات، جمع عجاية أو العجاوات، جمع عجاوه: هي الأعصاب المتصلة بالحافر، وقيل اللحمة المتصلة، وقيل اللحمة المتصلة بالعصب المنحدر من ركبة البعير إلى الفرس؛ يقولون الفرس للبعير كالحافر للفرس وكالقدم للإنسان. فشبه عصبها أو لحم قوائمها بالرماح السمر لقوته وصلابته، سمر العجايات؛ فالسمر هنا يعني الرماح السمر.
ماذا يقول شوقي في «نهج البردة»: بيني وبينك من سمر القنا حجب ... ومثلها عفة عذرية العصم
فشبهها بسمر القنا، يقول: سمر العجايات، يعني اللحم إذا نظرت إلى سيقانها في قوائمها فهي كالرماح السمر، يتركن الحصى زيما.
يقول هنا: لم يقهن رؤوس الأكم تنعيلاً؛ أي لم يقي تلك اليسرات رؤوس الرواب المرتفعة من الأرض، شد النعل خفها؛ لأنها صلبة شديدة جديدة، لا تحفى في سيرها ولا ترق قدمها، فلا تحتاج للتنعيل الذي يقيها رؤوس الأكم. وقد كانوا يشدون تحت خفافها قطعاً من جلود لتقيها الحجارة تحت الخفاف ويربطونها إلى ما فوق الخف هكذا. فالضمير في «لم يقهن» لليسرات، والجملة صفة لهن، و«يقي» مضارع وقع من الوقاية وهي الحفظ. وفي بعض الروايات «لم يبقهن» من الإبقاء.
سمر العجايات يتركن الحصى زيما، يعني قطعا متفرقة، الزيمة هي القطع المتفرقة. سمر العجايات يتركن الحصى زيما، يعني تترك الحصى وراءها قطعاً مفرقة. هذا يشبه ماذا يا إخوة؟ تطاير ذرآن الحصى بمناسبة العجا... ملثومها غير ممول. هذا هو نفس البيت، ليس نفس البيت طبعاً، لكن نفس المعنى، قال: نفس التصوير، نفس المعنى الذي أراده أصل المعنى: تطاير ذرآن الحصى بمناسبة ... العجا ملثومها غير ممول تخدي على يسارات وهي لاحقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل
هذه اليسارات سمر العجايات يتركن الحصى زيما. لم يقهن رؤوس الأكم تنعيلاً. كان أوب ذراعيها، والأوب هو الرجع والتقلب، كان أوب ذراعيها؛ أي رجع ذراعيها وتقلبها. إذا عرقت، يعني وصلت في العدو إلى مرحلة العرق؛ كان أوب ذراعيها إذا عرقت، وقد تلفع بالقور العساقيل.
هنا أبيات مضمنة، يقال مضمنة متصلة، يعني يرتبط أصل معناها ببعضها. قال: كان أوب ذراعيها، الأوب هو عودة الذراع ورجع الذراع، إذا عرقت، وقد تلفع، يعني التف والتحف، بالقور، والقور هي الجبال الصغيرة. كان أوب ذراعيها إذا عرقت وقد تلفع بالقور العساقيل؛ والعساقيل قالوا هي السراب.
والقور هي الجبال الصغيرة، وتلفع يعني التحف، وقد التفت العساقيل (السراب) بالقور (الجبال الصغيرة)؛ يعني وصلت الحال إلى أن تنظر فترى السراب من ارتفاعه، تلفع الجبال الصغيرة والأكام الصغيرة. طبعاً لن يغطي الجبل السراب أصلاً في الأرض، لكن وصل إلى أن التحف ولفع الجبال الصغيرة.
كان أوب ذراعيها، راجع ذراعيها وهي تجري، متى أيها الشاعر كان أوب ذراعيها؟ إذا عرقت، وصلت إلى أن عرقت، وقد تلفع بالقور العساقيل، يوماً يظل به الحرباء مستخداً؛ يعني محترقاً بحر الشمس. الاستخاد هو الاحتراق والاشتعاء. كان ضاحية، يعني المكشوف منه، رأى رجلاً كما يقول عمر بن أبي ربيعة: «رأت رجلاً»، أما إذا الشمس عارضت فيضحى، وأما بالعشي فيخسر. يضحى يعني يكون عرضه أو متعرضاً للشمس.
قال: كان أوب ذراعيها إذا عرقت، وقد تلفع بالقور العساقيل، يوماً يظل به الحرباء مستخداً، كان ضاحية، أي البارز للشمس، بالشمس مملول، أي مشوي مخبوز.
نقرأ هنا ما قال الباجوري في الملح: هذه فائدة مهمة وجميلة. يقول: خبز معمول بالمّ بفتح الميم؛ يقول: كان الضاحي من الحرباء بمعنى البارز للشمس منه خبز معمول بالمّ بفتح الميم، أي أنضجته النار بشدة حرها، فالضاحي بمعنى البارز للشمس كما تقدم. ورأى عمر ورأى ابن عمر رجلاً محرماً قد استظل فقال: «أضحى لمن أحرمت»، أضحى كما ذكره الأصمعي وغيره، بكسر الهمزة وفتح الحاء كما ذكره الأصمعي وغيره، والصواب لأنه من ضحى، وإن رواه المحدثون بفتح الهاء وكسر الحاء.
قال الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف وقد ضحى للشمس وهي شديدة الحر، فقلت له: هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة... فمعنى مملول يعني كأنه دخل الملة، مخبوز معمول بالمّ، الملة يعني كأنه يشتوي، تعرفون هذه الاحتراق الخفيف في الجلد؟ كأنه كما نقول مفافأ أو ملسوع، هذا معنى مملول، يعني كما يحصل للرغيف على النار غير المباشرة.
يوماً كان أوب ذراعيها إذا عرقت، والأوب هو الرجع، كان أوب ذراعيها دورانها وتقلبها، تذكرون لما قال: ذوابل؟ كان أوب ذراعيها إذا عرقت، وقد تلفع بالقور العساقيل، يوماً يظل به الحرباء مستخداً، مشوياً محترقاً بحر الشمس، كان ضاحية يعني ما ظهر منه للشمس، بالشمس مملول، يعني كالخبز الذي دخل في الملة، لكن هذا بالشمس مملول، وقال للقوم حاديهم، الذي يحدوهم ويسوقهم وينادي فيهم ويغني لهم.
وقد جعلت ورق الجنادب، والجنادب هي الجراد الصغير، نوع من الجراد الصغير ضرب من الجراد الصغير. وقالوا إنها تتحمل الشمس جداً، لكنها صارت تركض من حر الأرض والحصباء والرمال.
«يوماً يظل به الحرباء مستقداً، كان ضاحيه بالشمس مملول، وقال للقوم حاديهم، وقد جعلت ورق الجنادب يركضن الحصى، قيلوا شد النهار».
في قول الشاعر: «وقال للقوم حاديهم» جملة اعتراضية، ثم «وقد جعلت ورق الجنادب يركضن الحصى» انتهت الجملة الاعتراضية، ثم «قيلوا». ومعنى «قيلوا شد النهار» أي في ذروة الهجير.
«كان أوب ذراعيها إذا عرقت، وقد تلفع بالقور العساقيل، يوماً يظل به الحرباء مستقداً، كان ضاحيه بالشمس مملول، وقال للقوم حاديهم، وقد جعلت ورق الجنادب يركضن الحصى، قيلوا شد النهار، ذراع عيطل نصف».
ومنهم صاحب الصناعتين أبو هلال، يقول لك وهذا التضمين عجز، لأنه لم يستطع أن يضع المعنى كله في بيت واحد. قالوا في مثل هذه الأبيات، ليس بعينها في مثلها، يقولون هذا، كان الأجود أن يضع المعنى كله في بيت واحد لكن عجزوا عن ذلك؛ أربعة أبيات اضطر إليها كعب بن زهير عجزا.
ولهذا محمود شاكر في حاشيته على «طبقات فحول الشعراء» علق على أبيات مضمنة كهذه الأبيات وقال: «وفيها التضمين الذي يعي، وهو الشائع في كلام العرب ويعيبه من لا ذوق له». قال: «ويعيبه بعض من لا ذوق له».
«وقال للقوم حاديهم، وقد جعلت ورق الجنادب يركضن الحصى»، أي تدفع الحصى بقدميها من شدة الحرارة، ورق الجنادب التي تعيش في الحرارة أصلاً. و«ذراع عيطل نصف»؛ والمرأة العيطل هي المرأة الطويلة، والنصف يعني في منتصف العمر، تامة الخلق رخوة فيها ارتخاء، ثم في منتصف العمر لا تطمع أن تنجب بعد ذلك.
عرفتم لماذا قال: «شد النهار ذراع عيطل نصف قامت»؟ يعني كنا جلوساً هكذا فجأة قامت امرأة في منتصف العمر طويلة، وأخذت تطرق، فجاءه الخبر. لا تنسى أنه يشبه ناقته، فقال: «فجاوبها نكد مثاكيل».
النكد جمع نكداء، وهي التي لا يعيش لها ولد. والمثاكيل جمع مثكولة، والمثكولة هي التي أصابها الثكل، وهي التي فقدت ولداً، وفي الغالب المشهور هو أن تكون فقدت ولدها. أنا أحاول أن أبين عادة المعنى، وإذا أدركني الانتباه في الشرح المختصر، بينت المفرد حتى تعلمه، كالنكد نكداء والمثاكيل ثكلة، من باب زيادة الفائدة لمن أراد أن ينتظم في برنامج الحفظ.
«شد النهار ذراع عيطل نصف قامت، فجاوبها نكد مثاكيل». هو يصف ماذا حدث عندما قامت، نحن لم نرَ الخبر، نحن تفاجأنا أنها قامت، ليقول لك إن ناقته أنت تراها هكذا ولا تعرف بماذا أخبرت. فلما قال: «قامت فجاوبها نكد مثاكيل» ليس اعتباطاً هكذا وليس تشبيهاً مستقلاً، هو يستحضر ناقته التي أنت تراها وتتفاجأ بها.
«قامت فجاوبها نكد مثاكيل»، استجاب لها، هي قامت فجاوبها النكد؛ أي الحزينات، فالنكد صفة لما يحصل لهن، والمثاكيل صفة لمشاعرهن ولحالهن وعواطفهن.
«نواحة رخوة الضبعين، ليس لها لما نعى بكرة الناعون معقول». الضبعين هما العضودين، والناقة نواحة رخوة الضبعين، ليس لها عقل عندما نعى الناعون خبر الموت. و«معقول» هنا بمعنى العقل.
«تفري اللبان بكفيها، ومدرعها قميصها مشق عن تراقيها، رعابيل». تفري اللبان أي تقطع صدرها بكفيها، واللبان هو الصدر، والمدرع هو القميص أو الدرع، مشق عن تراقيها أي من عند التراقي، والتراقي هي العظمتان فوق أصل الثديين وتحت العنق. ورعابيل أي قطع وشرائح.
يسعى الوشاة المزينون، يسعى الوشاة جنابيها وقولهم: «إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول»، عرفتم لماذا الناقة تعمل هكذا؟ وشبه هذا التشبيه لو ضخ الحداثي، هذا المعوق الذهني، تخيل الحداثي هذا من أصحاب الاحتياجات الخاصة، يقول على أبيات كعب عفى عليها الزمن ولغة متجذرة! تخيل هذا المعوق، هذا صاحب الاحتياجات الذهنية الخاصة من ذوي الهمم، يقول عن هذا: لغة متجذرة! هذا المعجز يقول عنه لغة متجذرة!
أنتم متخيلين أنا غضب ليه؟ لأني أرى هذا المعوق الذهني المتخلف عقليا، رسمياً متخلف، يقول لك الحداثي: هذا جامد، هذه لغة قديمة متحجرة، جامدة، عفى عليها الزمن. دماغك هي اللي جامدة، دماغك هي اللي جامدة.
يسعى الوشاة جنابيها وقولهم، هذه الواو واو الحال يا إخوة، هذه الواو واو الحال، والحال أن قولهم، والوشاة هم الذين يزينون الحديث، هذا معنى الوشاة، وهي كلمة واسعة جدا عند العرب. يسعى الوشاة جنابيها وقولهم: «إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول»، أين تذهب بهذه الناقة التي تلطم، ترمي الغيوب وتعمل؟
وقال: «كل خليل كنت آمله، لا ألهينك إني عنك مشغول». شوف، دخلنا في سكة ثانية، طريق ثاني، وادي آخر. «لا ألهينك»؛ لا تضيع وقتك معي، سألهيك، لن أقدم لك فائدة، فما أفعله معك هو ما تراه مفيداً وصواباً ليس عندي ما يفيدك. «كل خليل كنت آمله، لا ألهينك إني عنك مشغول».
«فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم». هذه عند العرب تقال في الذم والدفع، «لا أبا لك» يعني كالدعاء عليه أو كذمه. وانظروا إلى أهمية الأنساب عند العرب والشرف بالنسب والحسب. «فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم، فكل ما قدر الرحمن مفعوله. كل ابن أنثى وإن طالت سلامته، يوماً على آلة حدباء محموله».
هذا شأن الإنسان: «كل ابن أنثى وإن طالت سلامته، يوماً على آلة حدباء محموله». طيب، أنا أريد أن أقرأ معكم ما قاله ابن هشام هنا، لأني تفاجأت بالبعض يستنكر أنني حملت الآلة على الحالة، بمعنى الحالة، على آلة حدب، أي على حالة شديدة.
قال ابن هشام في كتابه (شرح ابن عقيل) ص 300، دار سعد الدين بسوريا: «وللآلة ثلاثة معان؛ أحدها النعش، ذكره الجوهري وأنشد هذا البيت. الثاني: الحالة، وعليه حمل التبريزي وغيره هذا البيت، وما هذا ما أقول به، أنه الحالة، والآلة والحالة متقاربان أحرفاً، متماثلان وزناً ومعنى».
قال الشاعر: قد أُركب الآلة بعد الآلة ... وأترك العاجز بالجدال وهذا من الرجز، ونسبه ابن الأنباري في الزاهر، وليس في ديوانه، وفي التاج في أراجيز الأعرابي، أي نُسب لأعرابي لا يعرف قائله على وجه التحديد. والثالث: الأداة التي يعمل بها الآلة.
وأنا أحملها على الحال لا على النعش؛ لأنه كان عنده أمل، فلو قال إن الآلة هي النعش: «يوماً على آلة حدباء»، يعني شديدة وصعبة وهي النعش، فهذا ذاهب يائس، أنا كذا كذا ميت، خلوني أروح، ثم وصف النعش بأنه أحدب، آلة حدباء، صعبة. إنما آلة حدباء بمعنى حالة حدباء، يعني شديدة، وهذا معروف عند العرب؛ كلمة حدباء بمعنى شديدة، آلة حدباء يعني حالة حدباء، هذا كثير في كلام العرب.
لذلك، وهو في هذا السياق، زهير بن كعب، يعني يخاطر بالذهاب في حالة من الحالات، هذا يشبه قول امرئ القيس: «وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آلة». فهو كأنه يقول: أجرب، كل ابن أنثى وإن طالت سلامته... هذا مرجح ثالث، سلامته يوماً على آلة حدباء.
الإنسان لا يمرض، يعني الإنسان طبيعي يمرض، لا يسلم من المرض، لكن وإن طالت سلامته سيصاب. لا نقول وإن طالت سلامته سيموت؛ لأن الإنسان في العادي يمرض، لا يسلم طوال الوقت. فهمتم؟ يعني لا نقول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته سيحمل في النعش، يقال: كل ابن أنثى وإن طالت حياته. لكن إن قلت إن طالت سلامته، تقول سيصاب، وليس إن طالت سلامته سيموت، بل يقال إن طالت حياته سيموت. فهمتم يا إخوة؟ وضحت الفكرة؟
أحسنت يا جمال، صحيح؛ هي إن طالت سلامته، وإن لم تطل سيموت، بالضبط، طالت أو لم تطل سلامته سيموت، هو أصلاً لا يسلم أصلاً يا مولانا. فهمتم يا إخوة؟ الإنسان لا يسلم أصلاً، كل ابن أنثى وإن طالت سلامته سيأتي ما يخالف السلامة وهو الإصابة، الحالة الحدباء الشديدة. لكن لا يقال إن طالت سلامته سيموت، ليس الأصل أن تطول السلامة حتى ننتقل إلى طول السلامة مرة أخرى، ليس الأصل أن يسلم الإنسان.
«فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم، فكل ما قدر الرحمن مفعوله. كل ابن أنثى وإن طالت سلامته، يوماً على آلة حدباء محموله. أنبئتُ أن رسول الله أوعدني، والعفو عند رسول الله مأمول». التضمين واضح، يسمى التضمين هنا، وهو اصطلاح آخر كالاقتباس، يعني: «أنبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول». البيت واضح المعنى.
مهلاً، هداك الذي أعطاك، نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل. كلمة «هداك» هنا وقف الشراح عندها وقفة، نطلع على ما لخصه فيها الباجوري، شيخ الأزهر رحمه الله، وجزاه خيراً عن الأزهر وعن مصر وعن المسلمين جميعاً، آمين. في كلمة «هداك الله»، يعني هداك الذي... ما معنى هداك؟ يعني شخص لم يسلم بعده يقول للنبي ﷺ: «هداك الذي أعطاك». نافلة القرآن فيها أقوال تقبل، وأقوال فيها ترى فيها التكلف. يقول ومعنى هداك...
يقول: ومعنى «هداك» زادك هدى، فاقتضى ذلك هدى سابقًا وهدى لاحقًا؛ مهلا هداك يعني زادك هدى. وقيل المراد هداك الله للصفح والعفو عني، فيكون في الحقيقة داعيًا لنفسه. وعلى كل فالجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى، وهو أبلغ من صيغة الطلب.
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل. هناك الكلمة تحتمل الاثنين، وربما تنظر إلى معلقة النابغة الذبياني وتقول: ما هو؟ قال له: احكم كحكم فتاه الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد، فطلب منه العدل والتأمل والنظر. وقد يكون أخذ هذا لأننا قطعنا بأنه كان ينظر إلى معلقة النابغة الذبياني لما صنع هذه القصيدة، ولكن السياق الخاص مقدم.
يقول له: هداك الذي أعطاك نافلة القرآن، أعطاك فضل القرآن؛ والنافلة الفضل فوق الفضل، فيها مواعظ وتفصيل، فالقرآن هديه فوق الهداية. فهذا إيحاء بأن هداك يعني زادك هداية كما زادك القرآن، وليس هداك للحكم والعدل، فهمتم؟
«مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم أذنب وإن كثرت في الأقاويل»
الوشاة هم المزينون، ويدخل فيها النمامون من ضمنهم. يقول: «لم أذنب وإن كثرت في الأقاويل»، لقد يكون لك أن تقول هكذا مباشرة، لكن هذا كذب؛ لأنه أذنب. والنبي ﷺ أباح دمه لأنه أذنب، والذي تواتر فيهم جميعًا أنه أساء إلى النبي ﷺ بشعره وأنه أذنب، وأنه كان من ضمن جماعة الشعراء الذين أمر النبي ﷺ بقتلهم، ولو كانوا معلقين بأستار الكعبة لتعرضهم لعرض النبي ﷺ، فكيف يقبل منه هذا؟
هذا فقه يا إخوة. والنبي ﷺ جرى فيه على عادة العرب الذين يقبلون من المعتذر أن يقول لم أفعل وهو يعلم أنه فعل، ويعلم أن المعتذر إليه يعلم أنه فعل، ويعلم أن المعتذر إليه يعلم أنه يعلم أنه فعل. وهذا عرف في العرب: أن الذي ينكر كلاك ما يعلم، ومن المروءة التمرير. لا تحصره، لا تقل له أنت كاذب.
طبعًا مثل هذا لو قيل في زماننا هذا: «يا كذاب»، لعنفهم العفن الدماغي في الفيسبوك والعفن الأخلاقي. نحن فقدنا هذه كما فقدنا القدرة الذهنية الطويلة بسبب المواد التافهة القصيرة في مواقع التواصل. فقدنا كذلك بسبب الأخلاق؛ الجميع يتكلم عن التعفن الدماغي وضعف العقل والغباء بسبب المقاطع القصيرة التافهة التي يضيع فيها عمر الشباب على الفيسبوك وتويتر واليوتيوب، ولا يتكلمون عن قصر الأخلاق بسبب سهولة تداول الأخبار وفضائح فلان وفلانة؛ تزوج فلان ولا يعلمون، أو لا يستوعبون أن كل كبيرة وصغيرة فيما يأتون فيها شريعة.
انشغالك بفلان تزوج فلانة، وفلان طلق فلانة، هذا مذموم شرعًا، وتسقط به مروءتك وترد به شهادتك وتعد فيه من فاقد المروءة. منشغل بفلان اشترى كذا وفلان سافر، أشياء صارت عادية، لكن لا تنتبه إلى أنها في الشريعة ليست عادية، وفي الأخلاق الرجولية العربية ليست عادية. هذه تسقط مروءتك وتجعلك من أصحاب التفاهة ومن فاقد المروءة بين العرب، وفي الشريعة مذمومة جدًا.
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. من الإسلام أن تترك ما لا يعنيك، مالك أنت؟ فلان تزوج وطلق، واشترى ماذا وما اشترى ماذا؟ الكلام في الناس وسهولة تداول ما فعله فلان، وكأن هذه ليست لها قوانين حادة وجادة في الشريعة، وهي أعراض وكذا وكذا، فالأخلاق ذهبت كذلك. مثل هؤلاء أصحاب التعفن الأخلاقي الآن من مواليد السوشيال ميديا، أسميهم مواليد السوشيال ميديا؛ ولدوا للفيس بوك وهو داخل عندهم حساب. أصحاب هذه عندهم تعفن دماغي وتعفن أخلاقي، في مثل هذا يتعامل كطفل يقول: لا كذاب، كذاب! هناك مروءة.
تعالوا اسمعوا ما قاله البيجوري في هذا، وفيها شعر وأشياء جميلة. يقول: لما أنكر ذلك أنه فعل ذنبًا، وغرضه بذلك التبرؤ من الذنب والتنصل منه؛ لأن عدم الاعتراف بالذنب —وهو ذنب معروف أنه وقع— يدل على الرهبة والخوف من ظهوره، فإنه إذا ظهر عظم خطره وكدر الخواطر. فيأخذ المسيء في ستر الذنب والتنصل منه والاعتذار عنه، والطرفان يعلمان أنه وقع، ويعلم كل واحد منهما أن الآخر يعلم. فيأخذ المسيء في ستر الذنب والتنصل منه والاعتذار عنه ويظهر الخوف من الاطلاع عليه، وهو حصل، لكن يقول لم أفعل، فيظهر الخوف من الاطلاع عليه.
وحينئذ اسمع الجمال: «وحينئذ فيجب قبول عذره، والإغضاء عن ذنبه، ولا يكشف عن باطن عذره، ولا يعنف بظاهر إساءته حتى تبين خجلته». لا تواجهه بما يكسره، هو قد انكسر، قال لك أنا لم أفعل، وأنتما تعلمان أن كل واحد منكما يعلم أنه حصل. ولذلك لم يوبخ النبي ﷺ كعبًا رضي الله عنه لما قال: «لم أذنب وإن كثرت في الأقاويل». مفهوم في عرف الشعر والعرب؛ اعتذر، قال لم أفعل في شيء جميعنا يعلم أنه فعله، هذا اعتذار.
ولذلك لم يوبخ النبي ﷺ كعبًا رضي الله عنه. اسمع الجمال، هذا منسوب إلى الإمام الشافعي، وما أحسن قول القائل:
أقبل معاذير من يأتيك معتذرا إن بر عنك فيما قال أو فجر أقبل معاذير من يأتيك معتذرا إن بر عنك فيما قال أو فجر فقد أطاعك من يرضيك ظاهره
«أقبل معاذير من يأتيك معتذرا، إن بر عندك فيما قال أو فجر، فقد أطاعك من يرضيك ظاهره، وقد أجلك من يعصيك مستترا».
الشطر الثاني من البيت الأول فيه شيء، نرى لو كان ذلك موجودًا هنا، ابن هشام ليس هنا، بالعكس كلام الباجوري هنا أكثر من كلام ابن هشام؛ فابن هشام في البيت صفحة واحدة تقريبًا. الشطر الثاني فيه شيء يا أخوه، هو يقول: أقبل معاذير، بحر البسيط، تعالوا نقطع: أقبل مع (مستفعلن) ذيما (فاعلن)، أيوه، إن بر عندك فيما قال أو فجر، هكذا انضبط.
هكذا وجدتها، تقول أختنا هكذا وجدتها، هذا الصواب للأسف؛ الذي حقق نسخة الإسعاد دار كشيدة عندنا في الأزهر للأسف الشديد أفسد كثيرًا في الضبط في هذه النسخة. يقول: وما أحسن قول القائل، فهو جعلها: "أن عنك"، فطبعًا هذا مختل، هذا بحر البسيط: إن عندك. أختنا أوراق الخريج من العراق تقول هكذا، وجدتها: إن بر عندك، أحسنتِ في هذا، جزاكِ الله خيرًا.
طبعًا أنا هذه حكمة ليست شعرًا، وما ينسب إلى الشافعي رضي الله عنه جملته حكمة منظومة وليس شعرًا، وهو ينسب إليه، لا أظنه له. «أقبل معاذير من يأتيك معتذرا، إن بر عندك فيما قال أو فجر، فقد أطاعك من يرضيك ظاهره، وقد أجلك من يعصيك مستترا».
«وقد أجلك من يعصيك مستترا»، هذا الشطر الثاني خطير. كنت قديمًا قبل سنين أرى مثلاً أحدهم يشتمني في منشور أو تعليق، يعلق يسبني، ثم ربما قابلني الله في الطريق، صادفني في شوارع القاهرة: "أستاذ أبو قيس، أستاذنا وحبيبنا، والله ممكن آخذ صورة معك وسيلفي". وأنا رأيته يشتمني، فكنت قديمًا ربما أقول له: "ألسْتَ الذي علق على منشور كذا وقلت في كذا؟ لماذا تقابلني هكذا؟ كن على موقفك، أنا لو كنت مكانك وكتبت ما كتبته لكرهت أنني رأيته، وسأمشي من مكان آخر ولن أحب أن أراك". فيقول لي: "كيف بس يا أستاذنا؟ والله ممكن غير مقصود، ده حاجة تانية، كان ممكن تعليق عند واحد تاني بس الموضوع جه هنا غصب عني". فكنت أواجه.
بعد ذلك تنبهت: «وقد أجلك من يعصيك مستترا، فقد أطاعك من يرضيك ظاهره، وقد أجلك من يعصيك مستترا». أنا لا أستطيع إخفاء كرهي لمثلها، لكن فكرت فيها من ناحية أخرى: لماذا تضيق عليه؟ هو يرى أنه صغير لدرجة أنك لم تره، لماذا تنبهه إلى أنك رأيته؟ فهمتم؟ هو مطمئن إلى صغر حجم نفسه، حتى إنه متأكد من أنه سيسلم عليك وسترحب به؛ لأنه لصغر حجمه لم ترَ كلامه، فهمتم؟ فهو لماذا تشعره بأنك وصلت إليه أو رأيته؟
وطبعًا أنا في الحقيقة كيف أراه؟ بعض الإخوة يقص، تعرف هذا، لا خلاص، لكن مشكلة ذاكرتي قوية، فأتذكر، ما أراه أتذكره. لكن يأتيني بعض الإخوة يقول لي: "تعرف هذا؟ لماذا يتكلم هكذا؟" من باب التعاطف أو الخوف عليك، احذر حتى إذا كان قريبًا منك. فسبحان الله، الحكماء لم يتركوا شيئًا؛ «وقد أجلك من يعصيك مستترا»، خلاص أنت استترت وضربتني في ظهري، إذًا لا تستطيع مواجهتي، لماذا أواجهك؟
«لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم أذنب وإن كثرت في الأقاويل». نكمل غدًا القصيدة بالكامل إن شاء الله وننتهي منها بإذن الله. نكمل غدًا إن شاء الله، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم.
الأبيات الأخيرة هذا شرح الباجوري شيخ الأزهر، شرح الباجوري المحقق نسبها للشافعي، فتجدها في ديوانه المجموع، أو الذي يزعم أنه ديوانه. تصبحون على خير، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنكم.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد