السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام، أهلاً وسهلاً ومرحباً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد؛ أيها الإخوة، فهذا لقاؤنا الرابع مع بردة كعب بن زهير رضي الله عنه، أو قصيدة البردة نسبة إلى البردة التي خلعها النبي ﷺ على كعب. وقيل إنه فعل ذلك ﷺ حين بلغ إلى قوله: «إن الرسول لسيف يستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول». فقيل هنا خلع النبي ﷺ بردته عليه رضي الله عنه، فشهرت القصيدة بالبردة، فيقال قصيدة البردة ويقال البردة.
يقال قصيدة البردة ويقال البردة من باب تسميتها لا من باب أنها بردة، وقد نتكلف شيئاً نقول هي البردة إذ كانت سبباً في البردة فصارت القصيدة كأنها البردة. وبعضهم يقول هذه القصيدة كما قلت لكم هي التي يقال فيها البردة، وأما قصيدة البصيري فيقال فيها البراعة؛ لأنه أبرأ بها، كما ذكروا ذلك أنه أصيب بالفالج وأبرأ بسببها أو توسل بها، توسل بها ومدح النبي ﷺ فكان من الكرامة في ذلك ومن استجابة الله لعبده أن شفاه وأبرأه، فسميت البراعة. هذا قاله بعض العلماء منهم شيخ الأزهر الباجوري؛ قال هذه يقال فيها البراعة، أما كعب بن زهير يقال البردة أو قصيدة البردة.
وتعلمون قصتها، وطبعاً نحن نشرح شرحاً متوسطاً يا إخوة، لكن بلغنا إلى المجلس الرابع مع أن القصيدة في سبعة وخمسين بيتاً فقط. السبب في ذلك هو اختلاف نسيج الشعر القديم عن الشعر المتأخر؛ يعني ربما نشرح قصيدة طويلة للبحتري في مجلسين فقط، أو تكون قصيدة في الأربعينيات من الأبيات فنقسمها على قسمين عشرين وعشرين أو عشرين وأكثر، مراعاة للمقدمة والتعريف وكذا والحديث عن القصيدة إجمالاً في المحاضرة الأولى. لكن مع كعب بن زهير لم نستطع ذلك كما رأيتم؛ يعني أكثر مجلس أمس أو القدر الأعظم من الشرح أمس كان في بيت واحد أو كان في بيتين، والسبب في ذلك هو اختلاف النسيج وكثرة ما يعرف بالغريب. والغريب ليس غريباً، هو من كلامهم لكن بالنسبة إلينا نحن.
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، متيم أثرها لم يفد مقبول. وما سعاد غداه البين إذ رحلوا إلا أغن غضيد الطرف مكحول. تجلو عوارض ذي ظمأ إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول. شجت بذي شَبَمٍ من ماء محنية صافح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح القذا عنه وأفرطه من ثوب ساريه.
بيض يعاليل أكرم بها خلة، أكرم بها خلة لو أنها صدقت موعودها أو لو أن النصح مقبول، لكنها خلة قد سيط من دمها فجع وولع وإخلاف وتبديل. فما تدوم على حال تكون بها كما تلون في أثوابها الغول، ولا تمسك بالوعد الذي زعمت إلا كما يمسك الماء الغرابيل، فلا يغرن كما منت وما وعدت أن الأماني والأحلام تضليل. كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً وما مواعيدها إلا الأباطيل. أرجو وآمل أن تدنو مودتها وما أخال لدينا منك تنويل.
أمست سعاد بأرض لا يبلغها إلا العتاق النجيبات المراسيل، ولن يبلغها إلا عذافرة لها على الأين أرقال وتبغيل من كل نضاخة الذفرة، إذا عرقت عرضتها طامس الأعلام مجهول ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق إذا توقدت الأحزان والميل.
ضخم مقلدها، عبل مقيدها، في خلقها عن بنات الفحل تفضيل. غلباء وجناء علكوم مذكرة، في دفها سعة قدامها ميل، وجلدها من أطوم. هناك قول آخر أنه الأطم، لكن مضاعف، يعني وجلدها من أطوم ما يؤيسه طلع بضاحية المتنين مهزول.
ثم يقول: حرف أخوها أبوها من مهجنة، وعمها خالها قوداء شمليل.
أنا أقرأ هذا البيت بطريقة والشرخ يقتضي، يعني ما الشرح المشهور فيها، وأقرأه لكم إن شاء الله: حرف أخوها أبوها من مهجنة، وعمها خالها قوداء شمليل.
طيب، بين المفردات أولاً: الحرف هي القطعة من الجبل يا إخوة، الحرف هو القطعة من الجبل، يعني كما نقول حرف، طبعاً الحرف هو حدود الأشياء، ومن حرف منها وما برز يقال حرف الشيء، حرف الترابيزة، حرف الجبل، فحرف كأنها قطعة صخرة هكذا، حرفت من جبل فهي قطعة صماء، وهذه القطعة التي تحرف ترونها صغيرة ملمومة، يعني كأنها قطعة صماء شديدة من جبل محرفة منه أو عنه.
والقوداء هي الطويلة الظهر والعنق، يقال قوداء يعني طويلة الظهر والعنق أفقياً هكذا، والشمليل الخفيفة السريعة، ومنه شمل فلان، يعني بطل بقى ينفذ ويعمل.
طيب نرى الشرح المشهور في ذلك، وهو الشرح السائد المعروف، طبعاً هو يستفيضون أحياناً في شرح المفردة ويأتون باحتمالات ولو بعيدة كقولهم مثلاً يحتمل حرف الخط لأنه نحيف، لكن يستبعد. طبعاً المعنى هنا على التشبيه يا إخوة؛ يعني حرف هي حرف، أو أخوها حرف، أو هي حرف، تشبه الحرف. والمراد بالحرف هنا حرف الجبل وهو القطعة الخارجة منه، وتشبيهها به في القوة والصلابة، أما احتمال إرادة حرف الخط وتشبيهها...
به في الضمور والدقة، نافية ما تقدم من وصفها بعظم الخلقة وسعة الجنبين وغير ذلك. أصلاً قول ما ينبغي أن يؤتى به لغو؛ لغو صرف، لا يؤتى به في التشبيه.
قالوا تشبه حرف النون، يعني كعب بن زهير سيقول حرفًا، بمعنى الحروف الهجائية المكتوبة. يقول في قوله: «أخوها أبوها من مهجنه وعمها خالها». لما صدر البيت بقوله حرف، وتقدم أن المراد تشبيهها به في القوة والصلابة، أتبعه بذكر خلوص نسبها بقوله: «أخوها أبوها وعمها خالها».
وهو محتمل أن يكون المراد أن أخاها يشبه أباها في الكرم، وأن عمها يشبه خالها في ذلك؛ وعلى هذا فيكون في ذلك إشارة إلى أنها موصوفة بكرم النسب وجودة الأصل. ويحتمل أيضًا أن يكون المراد أن أخاها أبوها حقيقة، وأن عمها خالها.
وصور أبو علي الفارسي قوله: «أخوها أبوها» بأن ناقة أتت بفحل فضرَبها، أي أتت بفحل فتزوجها، فإذا أتت بهذه الناقة فأخوها هو ذلك الفحل، وهو أبوها. وصور قوله: «وعمها خالها» بأن يضرب أبو أبيها أمها فتأتي ببعير، فعمها وهو ذلك البعير خالها. وصورتهما معًا أن يضرب فحل بنته فتأتي ببعيرين، فيضرب أحدهما أمه فتأتي بناقة، فأحد البعيرين أخوها وأبوها وهو الذي ضرب أمه فأتت بتلك الناقة فهو أخوها من أمها وأبوها، والبعير الثاني عمها لأنه أخو أبيها لأبيه وخالها لأنه أخو أمها لأبيها.
وعلى هذا يكون في ذلك إشارة إلى كمال قوتها وصلابتها، وغاية كرمها ونجابتها؛ لأن البهائم إلى قراباتها أشهى منها إلى غيرها، ومتى كانت الشهوة أكمل كان الولد أقوى وأنجب. فتقارب الأنساب مدح في الإبل؛ لأنه فيها سبب للقوة والنجابة بواسطة كثرة الشهوة في القرابات، بخلافه في الآدميين؛ فإن شهوة الإنسان إنما تتحرك وتثور بالنظر واللمس للأمر الجديد الغريب، أما المعهود الذي دام النظر إليه فلا تتحرك الشهوة ولا تثور بالنظر واللمس له.
هذا تشجيع على التعدد والزواج، كلما قدم زواجك لا يخشى أن يضعف نسلك؛ فهذا كلام العلماء، فيقول لك تقوى شهوتك للجديد فيأتي النسل أقوى وأنجب. أما أن تبقى مع واحدة أربعين سنة، فإذا زهقت وتزوجت ثانيًا يأتي لك ولد نجيب أخذ من شهوتك الجديدة، ويكون في نجابة. فهمتم؟ هذه نصيحة بتجديد الزواج والتعدد لإنجاب الولد النجاب.
قال بعضهم: «إن أردت الإنجاب فإنكح غريبًا، وإلى الأقربين لا تتوصلوا»؛ ليكون انتقاء الثمار طيبًا وحسنًا. وفي الحديث هناك حديث يروى: «اغتربوا ولا تضووا»، والضوي هو الضعف والهزال في الولد وذلك بتزويج القرابات. والعرب تمدح بضد ذلك، قال الشاعر: فَتًى لَمْ تَلِدْهُ بِنْتُ عَمٍّ قَرِيبَةٍ ... فَيُضْوَى، وَقَدْ يُضْوَى رَذِيلُ الْأَقَارِبِ
وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويًا». أورده الشوكاني في الفوائد المجموعة، والضاوي هو الشديد النحافة. أما في البهائم وفي الإبل، فكلما صفي النسب كان أجود في الحيوان، فسبحان من فرق الإنسان عن الحيوان؛ فالحيوان منضوٍ على نفسه، وبنى حركة الإنسان على التوسع والتجديد، وأن يتزوج هذا من هنا وهذا من كذا ويمتزجون، وهذا حسن في الإنسان جدًا أن يبتعد.
قوداء، وكما قلنا طويلة الظهر، شمليل، خفيفة، سريعة. والله هذا الذي قرأت لكم هو الشرح المشهور الذي خلاصته صفاء النسب بها، وما سأقوله أيضًا خلاصة صفاء نسبها. ولكن أنا من قديم أقرأها هكذا: «حرفٌ أخوها»، مدح أخاها فدل بذلك إذا كان أخوها على هذه الصفة أنها ليست استثناء، بل نسل أبيها كله كذلك. ولهذا قال بعدها: «أبوها»، كأنه يعلل لماذا أخوها من مهجنه، أي من كريمة.
أيُّ أخٍ لها؟ يعني ليس لها أخ إلا حرف، وذلك على صفاء النسب؛ لأنه لو كانت هي كذلك وكان بعض إخوتها ليسوا كذلك، فدل ذلك على وجود عرق ليس على ذات الكرم، كأن ناقة أنجبت مرات، بعض نتاجها كرام وبعض النتاج ليسوا كذلك، فذلك يدل على اختلاط في الأمشاج في الوراثة والنسب. لكن «حرف أخوها» أي أن كل أخ لها هو على هذه الصفة التي هي خلاصة ما قاله من قبل فيها أصلاً.
ولما كان أخوها كذلك ذكر أباها، كأنه قال لأن أباها من مهجنه. وهذا مطلق، «عمها خالها» ليس شرطًا على هذا الشرح الذي ذكره، يعني ليس شرطًا أن يكون أبوها وأمها من نفس الفحل، بل هو كطرفه، طرفه كريم الأبوين لكن من نفس الفحل، فعمها خالها. نحن مثلاً عندنا في مصر لما يكون أحد قريب من أهل أمك، حتى لو لم يكن أخ أمك، ابن...
أي شخص من طرف أمك تقول له ماذا؟ يا خالة، يا خال، أو يا خالة، صح؟ لو من جهة أبيك كانت مكانة القرابة تقول له: يا عم. هنا يا خال، وهنا يا عم.
صح، كل من يكون قريباً من جهة الأم تقول له: يا خال، إنزالاً لهم منزلة الخال الذي هو أخ الأم. وكل من كانت قرابته من جهة الأب تقول له: يا عم، إنزالاً له منزلة أخي الأب، العم. فهؤلاء أخوال، وهؤلاء أعمام. فقوله «عمها خالها» جنس؛ من يقال فيهم أعمامها؟ ومن يقال فيهم أخوالها؟ فهم الأقرباء، تقولون أعمام وأخوال. هذا عمها، وهذا خالها؛ والله هذا قريبها من جهة الأب والأم، تقول له يا عم صواب، تقول له يا خال صواب. فهمتم يا إخوة؟ معنى «عمها خالها» وصلت إليكم؟
رضي الله عنكم. فيكون قوله «وعمها خالها» ذكراً لأمها، لأنك ربما تقول: يا شيخ خالد، الله يرضى عليك، يقول بشرحكم إضاءة المعاني، الله يرضى عنك مولانا. لأنك ربما تقول: هو قال أخوها وأبوها من مهجنه، تمام، ربما تقول: وما شأن أمها؟ ما هو أنت ذكرت الأب، وقد يكون هناك اختلاط أنساب أو ضعف بعض الأنساب بسبب الأم.
«وعمها خالها»؛ رأيتم التدرج؟ لذلك أنا من قديم أقرأها هكذا، وهم يقرؤونها هكذا: «حرف أخوها، أبوها من مهجنه، وعمها خالها قوداء شمليل». فلما قرأتها هكذا على طريقتي في الأول، قال البعض: يا أبا قيس، هل قصدت هذا الأداء؟ لأن الشرح الذي قرأناه يخالف هذا الأداء. قلت: أدائي يخالف الشرح الذي في نفسي وسأوضحه في المجالس إن شاء الله، وقد جاء بحمد الله. ها هو الآن أنا أقرأ هكذا يا إخوة، وترون ذلك في التسجيل: «حرف أخوها، أبوها من مهجنه».
لم تُغلق العلة بعد؛ لأن الأم تؤثر في النسب، «وعمها خالها»؛ يعني هي أبوها وأمها من عشيرة واحدة، أو من فحل واحد من نسب واحد. «وعمها خالها»؛ «قوداء شمليل» مسرعة. فهذا ثمر عن هذا المعنى.
«ترمِي الغيوبَ بعينيْ مُفْرَدٍ لَهَقِ ... إذا توقَّدتِ الأحزانُ والمَيْلُ» «ضَخْمٌ مُقَلَّدُها في خَلْقِها ... عَنْ بَنَاتِ الفَحْلِ تَفْضِيلُ» «غَلْبَاءُ وَجْنَاءُ عَلْكُومٌ مُذَكَّرَةٌ ... في دَفِّهَا سَعَةٌ قُدَّامُهَا مَيْلُ» «وَجِلْدُهَا مِنْ أَطُومٍ مَا يُؤَيِّسُهُ ... وَأَنَا لَمْ أَعْرِفْ هَذَا البَيْتَ»
كما قلت أمس، ولا أقنع بما قالوه فيه، وأراه لغطاً، بل أراه لغواً من القوم. «ما يؤيسه طَلْحٌ بضاحيةِ ... المتنينِ مهزولُ».
«حرف أخوها»، يعني أخوتها كلها كذا، هو لم يحدد لك أي أخ، أي أخ لها؟ «حرف أخوها، أبوها من مهجنه، وعمها خالها قوداء شمليل». «يمشي القُرادُ عليها ثم يزلقُه ... منها لُبانٌ وأقرابٌ زَهاليلُ».
يقول يمشي القراد عليها، ثم يزلقه منها لبان وأقراب زهاليل. بالمناسبة، نحن شرحنا هذا، يا إخوة، أنا نبهتكم في شرح بيت أو شرح تعليل البياض: «بعيني مفرد لها»، ذكرت لكم بعض ما قيل مما لا يُعَلَّل به بأن العين التي في البياض وكذا، شرحتها لكم. وإنني ذكرت شيئاً هو الشائع الموجود في الشعر الجاهلي كله في وصف الثور بشدة البياض ونصاعة البياض، الثور الذي يشبهون به الناقة في فصل الرحلة. أنا شرحت لكم هذا القول الباطل، لأنني كنت حريصاً على أن أقول لكم: ليس كل ما في الشروح يؤخذ. بعض الشراح يريد أن يتم شرح القصيدة، فإذا أغلق عليه باب أو بيت تراه يشرح ظاهر القول وخلاص، ويقنع نفسه.
«ما يؤيسه طلح بضاحية المتنين مهزول»، قلت لكم أنا أجزم أن الشارح الذي كتب هذا غير مقتنع بهذا الكلام، غير مقتنع بما كتب. أن القراد مهزول، وهل هزَال القراد من الظهور بحيث يُعتد به في صفة؟ أنه إذا كان مهزولاً سيؤثر؟ عندما تقول لي خرج عليه زومبي أو خرج عليه أناس من مجاعة ووجدوه سميناً أبيضاً، هكذا أقول لك ممكن، لكن تقول قراد الطلح قراد مهزول لا يؤيسه، يعني لا يؤثر فيه في الشمس، فأولى ألا يؤثر في الظل؟ هذا كلام لا يقوله إلا من يقنع نفسه بهذا، حتى لو كان من كبار العلماء. عادي، من قال إن العالم في باب سيكون عالماً في كل باب؟
في علم الشعر والبيان والنقد، قد ينقد القرطاجني وصف علماء الكلام، أو كثيراً من علماء الكلام، بأنهم عوام. القاضي الجرجاني، صاحب الوساطة في القرن الرابع، قال بأن بعض النحاة واللغويين -النحاة من أهل النحو ومن أهل اللغة- إذا نقضوا بعض الأبيات وكذا، نادوا على أنفسهم بالجهل وبعدم البصر بالشعر. وصفهم بالنحاة! القاضي الجرجاني، العالم الكبير، يصفهم بالنحاة واللغويين في القرن الرابع، يعني كانوا أئمة حقيقيين. فلما يقول ينادون على أنفسهم أو يكشفون عن جهلهم بالنقد والبيان، فكيف بمن دونهم؟
فالقاضي يتكلم عن نحاة لغويين، وكذلك تكلم عنهم ابن الأثير، والقرطاجني وهو الناقد المعروف يتكلم عن بعض المتكلمين من علماء علم الكلام، سواء المعتزلة أو الأشاعرة. علماء الكلام في الإسلام، المعتزلة والأشاعرة، هم فحول الكلام في الإسلام، ما دونهم ليس بشيء، لديهم آراء لكن ليس عندهم علم الكلام، علم الجدل العقدي. فلما يذكر بعض علماء الكلام بأنهم عامة، يعني صفتهم الجهل فيما يتكلمون به، وهم علماء وصفهم بعلماء الكلام، فإنكم لا تستغربوا إذا وجدتم فلاناً.
الفقيه أو فلان المحدث، أو فلان كذا، أعجبته قصيدة فأتلف كتاباً في شرحها. يحصل لفلان من علماء الأزهر، أو فلان من علماء القيروان أو المغرب، أو فلان من علماء الهند، أو فلان ديوبند، يشبه كذا، أن تعجبه قصيدة فيتجاسر على شرحها، فتتوقع أن تجد عجيباً من الكلام كالذي يقال هنا بقطع النظر عن القائلين.
فأنت تفزع، أنا لا أنسى الشيخ الأزهري الذي ألف شرحاً على ديوان البارودي، وكنت أقرأ أحياناً في هذا الشرح، حتى بعد أن علمت بكلام الرافعي عنه نسيت أنه هو، أو لم أنتبه، لا أذكر، المهم أجد عجباً. فإذا بالرافعي يقول: لقد ابتلي البارودي -محمود سامي البارودي الشاعر- مرتين؛ مرة في حياته بالنفي الذي عُمي فيه من الحزن ومرض، لا أدري إذا كان قد عُمي من المرض أم هو من الحزن والبكاء، ماتت ابنته في المنفى وحصل المهم، لا نستبعد ذلك لكن لا أعلم التفصيل. قال: مرة في حياته بالنفي عن بلاده، ومرة في مماته بشارح ديوانه الذي زهد الناس فيه.
يقول: ومر في حياته بهذا الشيخ الأزهري الذي شرح ديوانه، ويا ريته ما شرحه، ويا ريت ما شرحوا. كثير يتكلمون، وهو في الأخير، وللأسف أنا أقول شيئاً الآن -لا يقال أنا كلامي هنا عن العلماء- الآن لا يوجد علماء. واجهوا أنفسكم، أنتم كذابون، الآن لا يوجد علماء. يوجد الآن طالب أزهري، الطالب الأزهري المؤسس من داخل الأزهر تأسيساً حقيقياً، هل يوجد هذا المؤسس الحقيقي؟ لا طبعاً.
يوجد الآن واحد درس قُمشة من هنا ومن هنا، وأخذ الشهادة وهي شهادة زور غالباً، وذهب يناظر هذا ويحارب السلفي، والسلفي يحارب الأزهري، فالتنتنون على تنتن، والاثنين أنتنان، والاثنين معوقان. هذا يلحن، كل ما جاء أخونا الأزهري يريد أن يعمل نفسه عالماً وشيخاً، فيقوم متكلماً باللهجة، إذا أراد أن يقيم عبارة لحل؛ لأنه غير متعلم هو كذاب، هو شيخ كذاب، غير متعلم، أزهري بشهادة الزور.
والآخر ماسك لك الآية، الدفاع عن العقيدة، والنووي الضال وابن حجر الضال ومش عارف ماذا، وعامل لي زي الجدي، هو لا يفهم شيئاً، لا يدري ولا يفهمه. فلا يوجد، أنا لا أتكلم عن المعاصرين، المعاصرون دون مستوى الرؤية في الكلام، دون مستوى الرؤية. الأزهريون الآن، استحوا وواجهوا أنفسكم، لا يستطيعون إقامة عبارة، لا يستطيعون ارتجال الحديث بالعربية. لا أقول يقعون في اللحن، كلنا يقع في اللحن، هذا أمر مقضي به منذ العصر العباسي، مذ كان ما يعرف بالمولدين والمحدثين، ويقع اللحن في كلام الناس، بل ويقع الخطأ واللحن في كلام الشعراء، ولهذا أخرجوهم من الاحتجاج، ونصوا على ذلك، قالوا اللحن شاع حتى ما من شاعر إلا ويخطئ.
لا أتكلم عن اللحن، أتكلم عن ارتجال الحديث بالعربية السوية، وإن كان فيها اللحن، لا يستطيعون، فينحرفون إلى العامية. يقول لك: «بص بقى يا مولانا»، تجد الأخ الأزهري يقول: «بص يا مولانا المسألة دي يا مولانا وضعها كذا وكذا، أصل أنا نظرت فيها يا مولانا». خذ عندك الملبسة الحلوة هذه، ويعمل لك هكذا، وهذا سخيف.
إقامة لسانك أولى من إقامة عمامتك، وأنت مهتم بعمامتك، وذهبت إلى من لا يسوى في الأزهر، لكي يعمل لك العمامة والجبهة، وضرب لك كم ألفاً حتى تخرج هذه الجبهة الإنجليزية على حسب مالك، أو عملت جمعية أو اقترضت. إقامة لسانك أولى يا صاحب الزي الأزهري، أن تتحدث العربية، وأن ترتجل العربية لغة دينك وقرآنك ونبيك ﷺ، أولى يا أزهري.
يا حامي حمى الشريعة، يا حامي حمى العقيدة الصحيحة، يا منافح عن جماهير الأمة التي ظللها هؤلاء النابتة الموتورة، يا عنتري يا كذاب! اعلم أن الكلام جارح، لكن لابد من إنسان يصارحك بحقيقتك التي أنت تعلمها، وأنا أخاطبك الآن أنها فيك. وإن استحللت وجدت مخرجاً شرعياً لنفسك، ألا تبديها ولو من باب ﴿إِذَا بُلِّيتُمْ فَاسْتَتِرُوا﴾، ولو من باب عدم الجهر بالمعصية وعدم الجهر بالسوء، أوافق، لكنك تعلم أن كلامي صادق فيك، وأنك تهتم بأمور غيرها أولى بها، وأنك فاقد أركاناً، وأول ركن أنت فاقده هو لسانك.
يا شيخ أزهري، خريج في كلية الشريعة، تقول العلماء وحلقات العلم وتلتقط الصور مع المشايخ، ثم لا تستطيع ارتجال الحديث بالعربية؟ يا رجل، لا تستطيع ارتجال الحديث بالعربية، تتحدث بالعامية، ثم تحاكي كلام بعض العلماء من أهل الريف حتى توحي بأنك متأثر بهم، أنت لست متأثراً، أنت أعجمي، وأنت تعلم أنك أعجمي، وأنك لا تستطيع الاستمرار في الحديث نصف ساعة بالعربية، بل عشر دقائق لا تستطيع أن ترتجل هذا الحديث. ضعيف، كذاب، تافه، وأنت تعلم أن الثلاثة صادقة عليك، فراجع نفسك. فكلامي ليس في أهل العصر، كلامي ككلام القاضي الرجاجي، وكلام ابن الأثير، وكلام القرطاجني في العلماء.
يقول: يمشي القراد عليها، خلاص عرفناها، يمشي القراد عليها ثم يزلقه؛ يعني يمشي في الموضع الذي فيه الوبر ثم يزلقه منها لبان الصدر. وأقراب زهاليل ملساء، والأقراب الخواصر. لو ركزتم في الناقة، لو دققتم وأنعمتم النظر في الناقة، وجدتم أن الناقة الجيدة المفتولة المقذفة باللحم، رأيتم أنها في أكتافها وصدرها ملساء، شعرها صغير ملساء، فلا يستطيع القراد على وجه المبالغة أن يتعلق فيه في هذا الجلد أو في هذا الوبر.
قال: يمشي القراد عليها، يمشي في وسطها الذي في سنامها الذي فيه الوبر، ثم يزلقه منها لبان، اللبان بان الصدر، إذا خرج إلى صدرها انزلق. وأقراب الخواصر، بين البطن والأوراك، هذه الأقراب أيضاً تكون ناعمة جداً مسقولة، هكذا: «وأقراب زهاليل ملساء»، فوصف لك بحركة القراد في انزلاقه بعد مشيه، عن اللبان يعني الصدر، وعن الأقراب يعني الخواصر، صور لك صورتها وهيئتها وكمال خلقتها وكونها ملساء في صدرها وفي خواصرها.
«وآخر من يزلق القراد». نعم، حرف أخوها أبوها من مهجنه وعمها خالها؛ قوداء شمليل. هذا الشرح الذي قلته في هذا البيت هو أولى من التدقيقات التي ذكروها هناك. إذا قلنا: «حرف أخوها أبوها» إلى آخر ما ذكروه، لأن هذا حتى لا يحتاج إليه لإثبات قوة نسبها في الأخير.
«يمشي القراد عليها ثم يزلقه منها لبان، وأقراب زهاليل عيرانه؛ قذفت بالنحض عن عرض، مرفقها عن بنات الزور مفتول». قال: عيرانه، يعني كعير الوحش. وعير الوحش يا إخوة هو الحمار الوحشي، والحمار الوحشي عند العرب معروف بالاجتناز والقوة والغضب والعصبية والنشاط، حتى هناك من يلقب بالحمار لثباته وعناده. دعوكم من الحمار الأهلي الذي استُذل وركب فمه في الأرض وهكذا وأذنه ساقطة، الحمار الوحشي عند العرب ليس كذلك، بل توصف الناقة في شدتها وقوتها واكتنازها وغضبها ونشاطها. لا أقول بكونها كالعير، بأنها عيرانه في اجتنازها وقوتها.
«قذفت بالنحض»، النحض هو اللحم، «عن عرض» يعني من كل جانب. كأنها قذفت بالنحض، وليس أنه خرج من داخلها أو نبت من داخلها نباتًا هادئًا شيئًا فشيئًا، بل قذفت بالنحض، أو كأنها قذفت بالنحض. عيرانه قذفت بالنحض عن عرض، يعني من كل جانب، ولهذا قال بعدها: «مرفقها عن بنات الزور مفتول».
بنات الزور مواضع التقاء عظام الصدر والمنطقة، أو الموضع ما بين الذراعين. تذكرون لما قال البحري: «وأطلس ملء العين يحمل زوره، وأضلاعه من جانبيه شوى النهد»، يعني أضلاعه وزوره ملتقى الأضلاع. فتخيلت هكذا أن صدره وزوره مصباح يتدلى بين أصلي عضديه، فالنهد البارز كتفان عريضان وصدره بينهما يتأرجح هكذا. أخي الشعراء مصورون عجيبون جدًا. كذلك يقول هنا: «بنات الزور»، يعني هذا المكان وما حوله يقال له بنات الزور. عيرانه قذفت بالنحض عن عرض مرفقها عن بنات الزور، يعني التقاء الأضلاع أو التقاء الصدر وما حوله بعيد عن ذلك.
«مفتول» يعني بعيد، والمقصود بالفتل هنا مفتول، يعني كأنه فتل بعيدًا، أي أبعد وصرف، ومنه الفتل، أنت تفتل هكذا تبعد بالشيء الذي تفتله. عيرانه قذفت بالنحض عن عرض مرفقها عن بنات الزور مفتول، لها صورة يا إخوة، أنا رأيت بعض... تعرفون كيف تُرى لو وقفت أمام الفحل أو الناقة أو كذا، طبعًا هي هنا مذكرة، الذراعين مبتعدين جدًا عن الوسط. انظروا إلى هذا الفحل يا إخوة كلما رأيته أظل أتأمله، أحاول أن أجد ناقة واقفة أمامي عليه، لكن حتى أجدها لابد أن تكون مفتولة كما قال، ولسنا جميعًا كذلك. المهم أنك تصورتها.
«كأنما فات عينيها ومذبحها، من خطمها ومن اللحيين برطيل». قالوا في شرح هذا البيت: «كأنما فات» يعني ما عداه، ما استثنيته خلاص. يعني كان ما يستثنى إذا استثنيت عينيها ومذبحها من خطمها، من عند أنفها. «ومن اللحيين برطيل» يعني معول الحديد. كأنه هنا يشبه رأسها فيما عدا عينيها ومذبحها بالبرطيل.
ومع ذلك نقرأ ما قاله ابن هشام مثلا، حب التوسع في مثل هذا. قال: «فات» معناه تقدم هذا على مذهب أبي عمرو. وقال الأصمعي: «الوجه كله فائت العينين إلا الجبهة»، يعني كان كل الوجه فائتًا باستثناء العينين والجبهة. وقال: «هو من قطع عن المذبح»، المذبح أو المذبح، خلاص هنا ضبطت؛ مرة مذبح ومرة مذبح، المهم يقول. طبعًا المذبح أو المذبح معطوف على العينين، وقال: «والمذبح والمنحر واحد».
والخطم، هناك ضبط بالخطم والخطم، حتى في نفس الكتاب؛ هو الأنف. قال هذا أبو عبيد يقول هو الأنف، ورد عليه ذلك فإنه لا يختص بالأنف، بل هو الموضع الذي يقع عليه الخطام، فيشمل الأنف وغيره، ونظيره تسميتهم الموضع الذي يقع عليه الرسن مرسًا، وقد يستعمل في الآدمي واستشهد عليه بكلام العجاج يصف امرأة.
المذبح خلاص مفهوم، والعينين والخطم الذي هو الأنف، واللحيان العظمان اللذان تنبت عليهما اللحية من الإنسان، يعني صفحة الوجه هكذا، ونظير ذلك من بقية الحيوان. والبرطيل معول من حديد، وأيضًا حجر مستطيل. وصفها بكبر الرأس وعظمه، يعني من ضخامة أنفها من ضخامة رأسها واتساع هذه الصفحة. يقول: «كأنما فات عينيها ومذبحها أو مذبحها من خطمها أو خطمها ومن اللحيين برطيل»، يعني صفحة كتلة حجر أو معول من حديد.
سبحان الله، حتى في الشرح الموسع الذي هو شرح ابن هشام، وهو أوسع شرح فيما أعلم، حتى في هذا الشرح الموسع اختصر الشرح جدًا ولم يبين شيئًا بعيدًا. ننظر فيما قاله الشيخ الباجوري؛ قال: وحاصل المعنى هو شرح نفس الكلام. قال الأصمعي: الوجه كله فائت العينين إلا الجبهة فإنها تكون فوقهما، والمذبح والمناحر واحد، والخطم بفتح الخاء المعجمة هو الأنف. وقد نقل كلام ابن هشام بالضبط، واللحيان العظمان اللذان عليهما الأسنان السفلى من الإنسان وغيره من بقية الحيوان، والبرطيل معول من حديد أو حجر مستطيل، والتشبيه بالبرطيل في القوة والصلابة، وبالحجر المستطيل في الاستطالة والصورة.
ثم قال: اسمعوا يا إخوة، نقل كلام ابن هشام تقريبًا، ثم قال: وحاصل المعنى بعد أن نقل كلام ابن هشام، أن وجهها الذي بين عينيها ومذبحها، وقد بينه بقوله من خطمها ومن اللحيين، يشبه المعول من الحديد في القوة والصلابة، أو الحجر المستطيل في الاستطالة والصورة. يعني أراد أن يقول: إذا استثنيت العينين والمذبح، ما بينهما إلى الأنف يشبه معولًا من حديد من صلابته وغلظته، أو كأنه معول من حجارة تستعمل للدق.
الله تعالى أعلم، وهذا ما نستطيع تصوره في البيت، والنظر إلى وجه ناقة ممدوحه. القوة على الذي يتحقق به شرف المعنى الشعري هو الذي يحكم لنا في ذلك إن شاء الله، أو يصور المعنى تصويرًا كاملاً. عيرانه قذفت بالنحض.
عن عرض مرفقها عن بنات الزور، مفتول كأنما فات عينيها، ومذبحها أو مذبحها من خطمها، ومن اللحيين برطيل. تمر مثل عسيب النخل ذا خصل في غارز، لم تخنه الاحاليل.
تمر مثل عسيب النخل، والعسيب هو الجريد، وأراد هنا مثل عسيب النخل ذا خصل، أي له خصل الشعر حوله، في غارز؛ والغارز هنا هو الضرع الضامر. يذكرني هذا بـ «كان قتودي فوق جاب الشماخ ابن ضرار، كان قتودي فوق جاب مطرد من الحطب، لاحته الجداد الغوارز».
الغوارز، تعرف هذا بالشعر، ويمكنك أن تراجع المعجم في ذلك، الغوارز هنا هي التي غرزت ضروعها وضمرت وصارت شديدة يابسة ليس فيها لبن. وهو هنا وصفها بأنها لا تحمل، لأن الحامل يمتلئ ضرعها، فإذا أنجبت وتوقفت يظل فترة ماذا؟ يظل متهدلاً، لأنه كان فيه لبن ثم جف، لكن لا يذهب ويرتفع ويكون غارزاً. يقال في نوقه: من الغوارز، إلا إذا مر عليه زمن كذلك لم يمتلئ. أما بعد الامتلاء الأخير يظل فترة مده هكذا، لأنه كان فيه خير، الآن ارتفع ليست له وظيفة فضمر شديدة.
«تمر مثل عسيب النخل ذا خصل في غارز، لم تخنه الاحاليل». الشيخ خالد يقيّس على الكلام في الأنساب في الإبل مقارنة بالإنسان؛ فيمدح قرب الأنساب في الإبل بخلاف الإنسان، فيقول لك هنا يضمر إذا لم تحب، بخلاف النساء، قصده أنه يتهدل أيضاً. الشيخ يقول: «أنا ناقص الحتة دي يا مولانا»، يعني هم لوحدهم.
«تمر مثل عسيب النخل ذا خصل في غارز، لم تخنه الاحاليل». تخونه يا إخوة؛ أي لم تتنقصه، والتخُنُّص وهذا أصل في العربية لا نعرفه الآن، نستعمله في صورة من صوره الدلالية وهي الخيانة؛ لأن الذي يخونك يأتيك وينتقصك من حيث لا تحتسب.
والأحالي ج أراد بها أنابيب الحلب، يسمى الأحليل في البول وفي الضرع أيضاً، وهو الذي يخرج منه اللبن. وقوله: «لم تخنه الأحاليل» يعني لم تتنقصه الأحاليل حينما تحلب، كأنه جعل الأحاليل هي التي تتنقص منه بالحلب.
يجب أن نقرأ الكلام حتى نفهم، حتى لا نظن أن هناك قلباً في الصفة، أو نقرأه من كلام ابن هشام لعله يكون أجود. يقول طبعاً: الغارز المراد به الضرع. قال: «وجعل التبريزي أصله من قولهم غرزت الناقة بالفتح تغرز بالضم إذا قلب بنها»، ويقول ابن هشام: «ولا أدري ما معنى هذا الأصل»، وشاهد أن عالماً كبيراً لا يشعر بالنقص كبعضهم.
«وتخونه» أو «تخونه» أصلها «تتخونه» أي تتنقصه، يقال: خابني فلان حقي إذا تنقصه، ومنه قول لبيد: «عذافره تقمص بالرداف، تخونها نزولي وارتحالي»، أي تنقص شحم هذه الناقة ولحمها. وقال: ويأتي التخوف بالفاء بمعنى التخون، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ [الأنفال: 48] أي تنقص.
وقال: والأحالي ج جمع أحليل، وهو مخرج البول ومخرج اللبن من الثدي، ومخرجه اللبن من الضرع، وهذا المقصود هنا، يعني أنها حائل لا تحلب، وذلك أقوى لها على السير، ونفي الضعف عن الناقة بنفيه عن ضرعها. «لم تخنه» يعني كأنه يقول: أصل أنت ممكن تقول طب ما هو عند الحلب يكون الضرع أكبر، فما معنى تنقصه؟ فأجمل الكلام في هذا فقوله: «لم تخنه الأحاليل» يعني لم تتنقص قوته ولم تضعفه، والله تعالى أعلم، بحيث تجعله متهدلاً يبدو ضعيفاً رخواً.
والله أعلم حتى تتم لنا الصورة، وحتى أكون أميناً معك؛ «تمر مثل عسيب النخل ذا خصل»، طبعاً أنا في معاني الشاعر الجاهلي أحتاط جداً، وكان من السهل أن أجزم وأقول هذا هو، لكني أرى كثيراً من الشباب الصغار للأسف يقول: معناه كذا، ويجزم، لا والله، إذا بقيت على ما أنت فيه بعد عشرين عاماً أو خمسة عشر عاماً ستكون حريصاً وستذكر ما أقول لك، سترى أن التسرع سفاهة.
ولا يضرك أن تأتي في أبيات وتقول لا أعرف معناها؛ إذا لم تقنع بما قيل، كما فعلت أنا في «وجلدها من أطوم...»، وأنا أقول لا أعرف معناه والذي قالوه فيه لا يلفتني، ليس قيد أنملة، لغط وغلط ولغو، لكن لا يدفعني هذا إلى اختراع معنى. فكذلك ينبغي أن تنزل المعاني على مراتبها، بعض الكلام تقول والله أعلم، يعني هكذا يبدو.
«تمر مثل عسيب النخل ذا خصل»، لاحظ أن هذا وصف إبل، وليس حتى كل العرب أحسنوا وصف الإبل؛ هناك من كان من أهل الخيل، وهناك من كان من أهل الإبل. ونعم الوصف الأساسي، لكن هناك تفاوت. لا أقبل أن يقال وصف الإبل بعكس ما هي عليه لأنه ليس من أهل الإبل، والعرب هنا كلها أهل إبل، لكن هناك تفاوت.
مثلاً يصفونك كلهم، رأى تقريباً حمار الوحش، لكن الشماخ ابن ضرار -وقد قال عبد الملك بن مروان: حسبت أن أحد أبويه كان حماراً- من أين أتى بهذه المعرفة بحمر الوحش؟ يصفها وصفاً دقيقاً، ويصف خواطرها وخوالج نفسها وكيف تفكر، ويجعلها تتكلم، يجعلها تخاطب نفسها وتفكر، ويعبر عما في ذهن الحمار فيما يتخيله وهو يحاول أن ينزل ويذهب، ويدفي عليه مشاعر إنسانية عجيبة، فيقول: «حسبت أن أحد أبويه كان حماراً»، من أين أتى بهذا الوصف؟ ومع ذلك العرب كلهم يستطيعون وصف الإبل أو لحمر الوحش لأنهم رأوها.
سرني وأعاد لي حديثاً أن أراك في البث، أستاذ قويس. طيب، الحمد لله، رضي الله عنك، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أشعر بالخجل، قدر الحنين لأقصار الشديد، ارجع إليه شيئاً فشيئاً، لا تشدد على نفسك، الشعر كالدين، عُلفيه برفق، ولن يشاد الشعر أحد إلا غلبه، وهو كالدين في هذا.
«تمر مثل عسيب النخل ذا خصل في غارز لم تخنه الأحاليل»، يعني لم تضعفه، والعلاقة بين تضعفه وتتنقصه هي التي جعلت عندي هذا، أو ما شعرتم من عدم الاطمئنان الكامل مئة بالمئة.
كما يقال هذا التأكيد، هذا الاطمئنان إلى القول، ترى في اللهجة شيء أو شيئًا في غارز لم تخنه الأحاليل، يعني لم تتنقص قوته كما قال ابن هشام. ابن هشام أجمل أيضًا ومر من عليها:
قنواء في حرتيها للبصير بها .. عتق مبين وفي الخدين تسهيل
قنواء محدبة الأنف يا إخوة، وهذا في الإبل محمود حتى ترون إبلاً عجيبة. ونحن ربما لا نحبها بهذه الهيئة لكن هي عند العرب هي المطلوبة، يدل على عتقها وكرمها.
واعلم مخروط من الأنف مارن. قال طرفة بن العبد: «واعلم مخروط من الأنف مارن .. عتيق متى ترجم به الأرض تزددي».
انظروا إلى رأسه يا إخوة، وانظروا إلى مشافره. هذا قنواء، أو هذه الأنف القنواء، انظر: «واعلم مخروط من الأنف مارن .. عتيق متى ترجم به الأرض تزددي». انظروا، يرمى به الأرض، هذا الأبيض يا إخوة رغوة من زبد من فمه. انظروا إلى أنف هذا البعير، هذا عتق يا إخوة يدل على أصالة النسب. هذا عتق في الإبل، عتق يعني كرم. رأيتم الأنف واضح، انظروا إلى أنفه كيف هو، مشافره واضحة. انظروا إلى هذا، عجيب عجيب! انظروا إلى مدى الارتخاء في مشافر مشافره وأنفه وشفته، والمشافر طبعًا الشفة في الإبل يقال لها مشافر.
قنواء يعني محدبة الأنف، في حرتيها في أذنيها للبصير بها، البصير العالم بها الخبير. قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين، يعني كرم مبين. أنا أستشهد بهذا البيت في الشعر، قال: «وفي الخدين تسهيل»، يعني انحدار ناعم. يقول: قنواء في حرتيها في أذنيها، للبصير بها عتق.
ماذا؟ أريد أن أعلم أنكم منتبهون متيقظون، عتق ماذا؟ عتق مبين، من الإبانة من الظهور من الوضوح. ومع ذلك قال للبصير بها؛ لأن البعض يقول -وهو جاهل بحقيقة الأمر- يقول: ما هو إذا كان الشعر بهذه الدقة والرهافة وهذا العمق في المعاني وهذا البعد في المرامي، فهو شعر إذاً غير مبين؟ ينبغي أن يكون قريبًا للناس وكذا. نقول: لا يحاسب على ذلك، لا يوزن الشعر بغير البصير، لا يحاسب الشعر بغير البصير.
قال للبصير، عتق مبين، وكذلك في الشعر، يرى البصير دلالة مبينة، غير البصير لن يرى. خير الكلام ما فهمته العامة، وعرفت فضله الخاصة. فأنت لما تقول هذا الشعر فيه بيان عظيم، ليس معناه أنه قريب لكل أحد، لا، ولكن للبصير به بيان عظيم.
هناك مقولتان قديمتان، خير الشعر كلمة الوزير، أما التي أخذها من المتأخرين فهو ابن الأثير، قال: خير الكلام أخذها من الوزير أبو عبيد. ذكرت هذا مرارًا في ابن رشيق في العمدة، فيقول: قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين، فكذلك الشأن للبصير به، دلالة عظيمة مبينة كاشفة.
والشخص العادي لن يعرف هذا إلا أن يفهم المعنى العام فقط، لكن يعرف فضله وأنه فيه دلالة قوية مبينة. البصير، فلا تعارض بين الحاجة إلى البصير في عمق الدلالات وبين تحقق الإبانة والقوة الدلالية، لأن القوة الدلالية تخفى على غير البصير. القوة الدلالية التي هي من شأن الخاصة، تخفى على غير البصير؛ الخاصة هم الذين يعرفون دلالات الكلام على مستويات بعيدة.
لذلك حتى بالمناسبة، حتى الشعراء في الجاهلية ما كانت مجالسهم مجالس العامة كما تحسبون. يدخل المهلهل بن ربيعة ويجلس وحواليه القوم والنساء والخمر وهي ننشد الشعر، وكله حلو، ده شغل سينما يا حبيبي! هذا عمل سينما. الشعر له خاصته حتى في الجاهلية وله علماؤه، وزهير تلمذ لأوس بن حجر، وأوس بن حجر تلمذ للطفيل الغنوي.
فالموضوع ليس كما تحسب، أي أحد مع أي أحد، ولا تلمذة وأستاذية. زهير وأوس وطفيل يعلمون هذا، هؤلاء الشعراء الكبار الذين تلمذ بعضهم لبعض يعلمون أنهم ينفردون عن العامة. زهير يعلم أنه يجد عند أوس بن حجر ما لا يجده عند العامة، وأوس يجد عند طفيل ما لا يجده عند العامة، وهكذا. يقول فلان بيت شعر، أي قول شعر، وعلم بالشعر، فليس الموضوع مفتوحًا في الجاهلية كما نحسب، لا خالص، الشعر قول علم وقول خاصة من قديم حتى في الجاهلية. أوتظن أن كل الجاهليين كان يعرف حيثية امرئ القيس؟ لا طبعًا، لا طبعًا، أهل العلم بالشعر والشعراء الكبار.
قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين، وفي الخدين تسهيل. نكتفي يا إخوة، نلتقي غدًا إن شاء الله. شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعمتم صباحًا ومساء.
نعم بالضبط، لو كانوا يعرفون ما سأله، أحسنت، أحسنت يا محمود.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد