دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً بالإخوة الكرام، مرحباً بالكرام. أرجو أيها الكرام طمأنني إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم، أرجو طمأنني إلى سلامة البث صوتاً وصورة لو سمحتم.

تمام، الحمد لله. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لكل من ألقى السلام، وكل من حيا، حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا اللقاء، أو هذه اللقاءات، أو هذان اللقاءان ينسلكان في سلسلة الشروح المختصرة للحفظ، وهو مشروع حفظ المئة قصيدة. وتعلمون أن من هذه القصائد بردة كعب بن زهير رضي الله عنه، وهي تلك القصيدة الاعتذارية القديمة التي اعتذر بها إلى النبي ﷺ وأتى إليه بها تائباً، فيقولون في ذلك: خلع النبي ﷺ عليه بردة، فسميت بقصيدة البردة، وكانت تلك القصيدة فاتحة البرد.

أنا نسيت أن أرسل الرابط، حاضر والله نسيته، المعذرة، كنت أحسب أني أرسلتها على المجموعات. سأرسلها أيضاً في مجموعة قناة الفيسبوك. فهذا الشرح أيها الإخوة هو لهذه القصيدة القديمة، التي سيتضح الآن أيضاً من الحديث عنها، وسأعيد ما قلته عنها حينما أنشدتها فقط إنشاداً في الأيام الماضية؛ سأتحدث عن فنيتها، وعن تاريخها، وعن الوصف الصحيح لها إن شاء الله تعالى.

لكن أنبه إلى أن هذا الشرح إنما هو شرح مختصر للحفظ، وليس شرحاً موسعاً. ربما أتوسع في نقاط، وربما أتحدث عن بناء القصيدة حتى نفهم مذهبه فيها، الذي هو مذهب أبيه زهير بن أبي سلمى في كثير من شعره، لكن يظل شرحاً مختصراً، وأظل غير ملزم بالتوسع فيه؛ إذ هو ليس شرحاً موسعاً وإنما هو للحفظ. هذا ما يقيدنا أيها الإخوة، شرح مختصر للحفظ.

رضي الله عنكم أيها الإخوة ورفع الله قدركم. وكل من قال إنه يحبني، أنا كذلك أحبك، وإن قلت في فاقول أحبك الذي أحببتني فيه. وكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا، حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً.

فنحن مع قصيدة جاهلية أيها الإخوة؛ هذه القصيدة التي أتى بها يعتذر كعب بن زهير رضي الله عنه إلى النبي ﷺ. وربما لا يعلم الكثير أن كعب بن زهير كان من الشعراء الذين تولوا الإساءة إلى النبي ﷺ، لأنه كانت هناك حركة أدبية وحركة شعرية، وهذا شيء مفهوم ومعروف؛ لأن النبي ﷺ جاء بدعوة تنقلب على حياتهم، فاستعمال الشعر ضده أو ضد أي أحد يأتي كذلك، كما كان مستعملاً عندهم في الحروب في النقائض، كذا أمر طبيعي معروف.

ولذلك لما فتح النبي ﷺ مكة، أمر بأن يقتل كل شاعر أساء إلى النبي ﷺ ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، قال: «اقتلوا الشعراء الذين أساءوا ولو كانوا معلقين بأستار الكعبة»، فقتل بعضهم وهرب بعضهم. ومن هؤلاء ابن الزبعرى، الشاعر الكبير المكي، وكان ممن أساء إلى النبي ﷺ كعب بن زهير.

وربما يحسن أن تعرفوا القصة في هذا؛ لأن البعض يحلو له أن يقول هذه قصيدة إسلامية وعليها صبغة الكذا ومسحة الكذا، هذه قصيدة جاهلية، وليس عليها إلا صبغة الاعتذاريات الجاهلية. وإذا كان من أحد له على كعب بن زهير فضل في هذه القصيدة فهو النابغة الذبياني. فهي كما أقول منذ سنين بعيدة، هذه القصيدة ابنة شرعية لمعلقة النابغة الذبياني الدالية.

بل إن كعباً لم يكتفِ فقط بأن جعلها على قافيتها وعلى وزنها العروضي -وهو بحر البسيط- ولم يكتفِ بأن يجعلها على طريقتها وعناصرها الموضوعية، لا بل كذلك ضمنها من الوزن والألفاظ. فلما قال النابغة الذبياني: «أَنبِئتُ أَنَّ أبا قابوسٍ وَعَدَني ... وَلا قَرارَ عَلى زارٍ مِنَ الأَسَدِ مَهلاً فِداءً لَكَ الأَقوامُ كُلُّهُمُ ... وَما اِثمَرَت مِن مالٍ وَمِن وَلَدِ لا تَقفِذَنِّي بِرُكنٍ لا كفاءَ لَهُ ... وَإِن تَأثَّكَ الأَعداءُ بِالرَفَدِ»

قال كعب بن زهير: «أَنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني ... وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاك نافِلَةً ... القُرآنَ فيها مَواعِيظٌ وَتَفصِيلُ لا تَأخُذَنَّ بِأَقوالِ الوُشاةِ وَلَم أَذُنِب ... وَإِن كَثُرَت فِي الأَقاوِيلِ»

بالضبط، قال بالكلام والوزن والمعنى، والوزن بمعنى البناء النحوي والمعنى، وبحر البسيط ونفس البناء؛ هذه ابنة شرعية للنابغة الذبياني، هذه قصيدة جاهلية.

والإخوة الكرام الأحباب الصوفية الذين يروق لهم أن يتخيلوا أشياء، وإن يقولوا: بل وهو في الطريق ألقيت فيه! والله إن كنت موجوداً في الطريق فأنت حر، أنا عندي ما بلغني؛ بعد الطريق القصيدة هذه قصيدة جاهلية، وما قالها إيماناً، وما قالها إلا خوفاً.

بعد ذلك -رضي الله عنه- حسن إسلامه كما جاء في السير، حسن إسلامه وحسن بلاؤه، هذا شيء آخر. أما حين قال هذه القصيدة فما قالها إلا خوفاً وفرقاً، وقد حاول قبل أن يأتي إلى النبي ﷺ بالقصيدة أن يضرب في الأرض، وأن يستغيث بغطفان، وأن يستجير بها فلم تجره، فلو كان وجد ملجأ ما قال القصيدة.

وما جاء في القصيدة اعتذارية جاهلية، قالها كعب وليس متأثراً بالإسلام، ولم يعش بين المسلمين، وهو مولود في الجاهلية وعاش في الجاهلية، فهذه قصيدة جاهلية بعينها، لا تفترق شيئاً عن قصيدة قالها الأعشى بعد الإسلام وظل على حاله فنياً وحياتياً ولم يسلم.

أما ما روي فيها، فيقول ابن هشام -وطبعاً يا إخوة أوسع الشروح على هذه القصيدة شرح ابن هشام الأنصاري-: قال ابن هشام: كان من خبر قول كعب رضي الله عنه هذه القصيدة فيما روى محمد بن إسحاق، وعبد الملك بن هشام -وهذا في السير-، وأبو بكر بن محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري، وأبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي شعيب الأنباري؛ دخل حديث بعضهم في حديث بعض، أي هو جمع أحاديثهم.

ما رواه في ذلك أن كعباً وبجيراً ابني زهير خرجا إلى أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: «اثبت في الغنم حتى آتي هذا الرجل -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- فأسلم كلامه وأعرف ما عنده». فأقام كعب ومضى بجير، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع كلامه فآمن به. وذلك أن زهيراً -فيما زعموا- كان يجالس أهل الكتاب وسمع منهم أنه قد أُمِثَّ، ورأى زهير في منامه أنه قد مُدَّ بسبب -يعني بحبل- من السماء، وأنه مد يده ليتناوله ففاته لم يمسكه، فأوَّله النبي ﷺ الذي يبعث في آخر الزمان، وأنه لا يدركه. وأخبر بنيه، أبناءه بجيرا وكعباً، وأوصاهم إن أدركوا النبي أن يسلموا.

واتصل خبر إسلام بجير بأخيه كعب، فعلم كعب بإسلام بجير فأغضبه ذلك، فقال:

ألا أبلغنَّ عني بجير رسالة *** فهل لك فيما قلت ويحك هلك؟ سقاك بها المأمون كأساً رويةً *** فاهلك المأمون منها وعلق

ففارقت أسباب الهدى واتبعته *** على أي شيء ويبغير دلك؟ على مذهب لم تلف أمًا ولا أبا *** عليه ولم تعرف عليه أخا لك فإن أنت لم تفعل فلست بأَسِفٍ *** ولا قائل أم عثرت لعلك

وأرسل بها إلى بجير، فلما وقف عليها بجير أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «سقاك بها المأمون»، قال: «مأمون والله»، وذلك أنهم كانوا يسمون رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمون، لكن كان الأمر تهكماً. ولما سمع قوله: «على مذهبٍ -ويروى على خلقٍ- لم تلف أمًا ولا أبا»، قال: «أجل، لم يلف عليه أباه ولا أمه». ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله»، وذلك عند انصرافه صلى الله عليه وسلم من الطائف.

فكتب إليه أخوه بجير بهذه الأبيات: «من مبلغ كعباً؟ فهل لك فيما تلوم عليه باطلاً؟ وهي أحزم إلى الله للعزة ولاتَّ وحده، فتنجو إذا كان النجاة وتسلم، لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت من الناس إلا طاهر القلب مسلم». فدين زهير وهو لا شيء، دينه ودين أبي سلمى عليٌّ محرمه.

وكتب بعد هذه الأبيات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه، وأنه قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش كابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، وما أحسبك ناجياً، فإن كان لك في نفسك حاجة فطر إليه، فإنه يقبل من أتاه تائباً، ولا يطالبه بما كان قبل الإسلام، يطالبه بما كان قبل الإسلام.

فلما بلغ كعباً الكتاب، أتى إلى مزينة لتجيره من النبي صلى الله عليه وسلم، فأبت ذلك عليه، أبت أن تجيره، خلاص استقرت له الأرض والقوة، فحينئذ ضاقت عليه الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان من عدوه، فقالوا: هو مقتول.

فقال هذه القصيدة يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل من جهينة بينه وبينه معرفة، فأتى به إلى المسجد ثم أشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا رسول الله، فقم إليه واستأمنه»، وعرف كعب رسول الله بالصفة التي وصفه الناس.

وكان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه مثل موضع المائدة من القوم، يتحلقون حوله حلقة، فيقبل على هؤلاء فيحدثهم، ثم يقبل على هؤلاء فيحدثهم. فقام إليه حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده في يده ثم قال: «يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه أن أنا جئتك به؟» قال: «نعم». قال: «أنا يا رسول الله كعب بن زهير».

فقال الذي يقول ما يقول، ثم أقبل على أبي بكر رضي الله عنه فاستنشده الشعر، فأنشده أبو بكر: «سقاك بها المأمون كأساً روية»، فقال كعب: لم أقل هكذا، وإنما قلت: «سقاك أبو بكر بكأس روية، وإن هلك المأمون». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مأمون والله». ووثب عليه رجل من الأنصار فقال: «يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه»، فقال: «دعه عنك، فإنه قد جاء تائباً نازعاً».

قال وفي رواية أبي بكر بن الأنباري أنه لما وصل إلى قوله: «إن الرسول لسيف»، لماذا سميت البردة؟ لما وصل إلى قوله: «إن الرسول لسيف يستضاء به»، مهند من سيوف الله مسلول، رمى عليه النبي ﷺ برده، كانت عليه رماها عليه، ومن هنا كانت فاتحة البردة كما قلت وذكرت.

يا إخوة، هذه القصيدة ثابتة، وهناك بعض المصنفات والبحوث المعاصرة التي كتبت في إثباتها، والحق أن حادثتها ووجود القصيدة في جملتها هذا متواتر. هذه القصيدة شأنها وشأن حادثتها متواتر في المصنفات وفي الأمة عموما، خبرها متواتر. يعني كعب بن زهير ألقى قصيدة، وكان ممن هجا النبي ﷺ، فجاء إليه يعتذر وألقى هذه القصيدة الاعتذارية، كل هذا متواتر وشائع في الأمة ولا يقبل التشكيك فيه.

فهذا بعض التقديم حول هذه القصيدة، وكما قلت هي قصيدة جاهلية. دعونا ننشد القصيدة أولاً، ثم نتكلم عن بنائها من حيث كونها اعتذارية، ثم نخوض في شيء من شرحها على المستوى المناسب لهذا المقام إن شاء الله، وهذا كله قدر يكفي جداً لحفظها.

قال كعب بن زهير: بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ ... متيمٌ أثرها لم يفدِ مقبولُ وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغنُّ غضُّ الطرف مكحولُ تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلولُ شجت بذي شبم من ماء محنيةٍ ... أضحى وهو مشمولُ

تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه ... من صوب سارية بيض يعاليلُ أكرم بها خلةً لو أنها صدقت ... موعودها أو لو أن النصح مقبولُ لكنها خلةٌ قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديلُ فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغولُ ولا تمسك بالوعد الذي وعدت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيلُ فلا يغرنّ كما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليلُ كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً ... وما مواعيدها إلا الأباطيلُ أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما أُخال لدينا منك تنويلُ

أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيلُ لها على الأين أرقال وتبغيل ... من كل نضاخة الذفر إذا عرقت عرضتها طامس الأعلام مجهولُ ... ترمي الغيوب بعيني مفردٍ لهقٍ إذا توقدت الحزان والميلُ ضخم مقلدها عبل مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيلُ غلباء وجناء علكوم مذكرة ... في دفها سعة قدامها ميلُ جلدها من أطوم ما يؤيسه ... طلع بضاحية المتنين مهزولُ

حرف أخوها أبوها من مهجنه ... وعمها خالها قوداء شمليلُ يمشي القراد عليها ثم يزلقه ... منها لبان وأقراب زهاليلُ عيرانة قذفت باللحم عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتولُ كأنما فات عينيها ومذبحها ... من خمها ومن اللحيين برطيلُ تمر مثل عسيب النخل ذا خصلٍ ... في غارز لم تخنه الأحاليلُ قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيلُ

تخدي على يسرات وهي لاحقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليلُ سمر العجايات يتركن الحصازيما ... لم يقهن رؤوس الأكم تنعيلُ كان أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيلُ يوماً يظل به الحرباء مستخداً ... كان ضاحية بالشمس مملولُ وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا شد النهار ذراع عيطلٍ ... نصف قامت فجاوبها نكد مثاكيلُ

نواحه رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرة الناعون تنويلُ تفري اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيلُ يسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتولُ وقال كل خليل كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغولُ فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعولُ

قل لابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على الأهل حد باء محمودُ أُنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمولُ مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيها مواعيظ وتفصيلُ لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم أذنب ... وإن كثرت في الأقاويلُ لقد أقوم مقاماً لو يقوم به أرى ... وأسمع ما لو يسمع الفيلُ لظل يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول بإذن الله تنويلُ حتى وضعت يميني لا أنازعه ... في كف ذي نقمات قيلة القيلُ

أُنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمولُ مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيها مواعيظ وتفصيلُ لا تأخذن...

لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم أذنب وإن كثرت في الأقاويل. لقد أقوم مقاماً لو يقوم به أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد، إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تنوي.

حتى وضعت يميني لا أنازعه في كف ذي نقمات، قيله القيل لذاك أهيب عندي إذ أكلمه، وقيل إنك منسوب ومسؤول. من خادر من ليوث الأسد، مسكنه من بطن عثر، غيل دونه غيل. لذاك أهيب عندي إذ أكلمه، وقيل إنك منسوب ومسؤول.

من خادر من ليوث الأسد، مسكنه من بطن عثر، غيل دونه غيل، يغدو فيلحم درغامين عيشهما لحم من القوم معفور خراديل. إذا يساور قرناً لا يحل له أن يترك القرن، إلا هو مجدول منه، تظل سباع الجو ضامزه، ولا تمشى بواديه الأراجيل.

ولا يزال بواديه أخو ثقة، مطرح البز والدرسان مأكول. إن الرسول لسيف يستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول، في فتية من قريش. قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا: زالوا فما زال إنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل.

شم العرانين أبطال، لبوسهم من نسج داوود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ، قد شكت لها حلق كأنها حلق القفعاء مجدول. لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوماً، وليسوا مع مجازيعاً إذا نيلوا. يمشون مشي الجمال الزهر، يعصمهم ضرب إذا عرض السود التنابيل، لا يقع الطعن إلا في نحورهم، وما لهم عن حياض الموت تهليل.

هذه القصيدة يا إخوة في سبعة وخمسين بيتاً بحمد الله تعالى، وهي كما ترون أعلى المدح النبوي، أو أعلى قصيدة في الباب. يعني أما المدح المعهود النبوي فهو البردة، بردة البصيري، لكن هذه القصيدة أعلى، تسمى البردة قيلت في النبي ﷺ، هذا لا جدال فيه، ألقى كم تصوير للكلام.

الحمد لله، أعيش من سنين مع الشعر ومع كل كلمة، وأتخلل دلالاته لأجريها على نفسي، فلذلك جاء كذلك. لا يؤدى الشعر إلا بهذا، ليس بتحزن، ليس بسرد سريع، ليس ببطء، ليس بعيد عن المعنى، لا يوجد هكذا، هذا غلط.

إذا نظرنا يا إخوة في هذه القصيدة التي تقع في سبعة وخمسين، أتكلم لكم كلمة عن بنائها أولاً. ترون هذه القصيدة على طريقة زهير بن أبي سلمى وعلى طريقة النابغة الذبياني. الشاعر في هذا يستعمل أنواعاً من الدلالة. الباعث في هذه القصيدة هو الاعتذار إلى النبي ﷺ، ولكن الشاعر يبني طريقة مختلفة.

عندك مثلاً زهير بن أبي سلمى، أبوه كبير الذي علمه الشعر في معلقته: ﴿بَانَ الْخَلِيطُ وَلَوْ طُوِّعْتُ مَا ارْتَحَلُوا﴾. كان موضوع القصيدة أو باعث القصيدة -أسميها أنا الباعث- أن بعضهم أخذ إبله وأراد أن يسترجعها، فكلمه بدبلوماسية، وأنه هذا لا يليق.

جعل الصورة في محبين، ومعشوقة، وقوم يذهبون ويفترقون، تراها غريبة. وهو كأنه يمثل بذلك، يعمل شيئاً من التمثيل أو الإشارة من بعيد، يحدث صورة موازية. لا نقول هنا إن الخليط الذين يرحلون هم أنفسهم الذين أخذوا إبله، ليس هذا، وإنما الشاعر يوازي، وكأنه ضرب تمثيلاً وتشبيهاً تمثيلياً. هذا يفعله زهير.

أنا أحب أن تحفظ القصيدة، أن تفهم حتى بنائها، لازم حتى لو شرح مختصر بقدر الإمكان تفهم البناء. فعلت هذا تقريباً مع كل القصائد متعددة الموضوع التي شرحتها شرحاً مختصراً. فعل هذا في معلقة زهير: ﴿أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ * بِحَوْمَانَةِ الدَّرَّاجِ فَالْمُتَثَلَّمِ﴾. ﴿وَدَارٌ لَهَا بِالرَّقْمَتَيْنِ كَأَنَّهَا * مَرَاجِعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَمِ﴾. ﴿بِهَا الْعَيْنُ وَالْأَرَّامُ يَمْشِينَ خَلْفَهُ * وَأَطْلَاءٌ يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ﴾. ﴿وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجَّةً * فَلَا هِيَ عَرَفَتْ دَارِي بَعْدَ التَّوَهُّمِ﴾. ﴿أَثَافِيٌّ سُفْعٌ فِي مَعْرِسٍ مُرْجَلٍ * وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّمِ﴾. ﴿فَلَمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرَبْعِهَا * أَلَا عِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الرَّبْعُ وَاسْلَمِي﴾. ﴿تَبَصَّرْ خَلِيلِي هَلْ تَرَى مِنْ ضَعَائِنٍ * تَحَمَّلْنَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِ﴾. ﴿ثُمَّ عُلُوْنَ بِأَنْمَاطٍ عِتَاقٍ وَكَلِّلٍ * وَرَادٍ حَوَاشِيِهَا مُشَاكِكِ الدَّمِ﴾. ﴿فِيهِنَّ مَلْحٌ لِلصَّدِيقِ وَمَنْظَرٌ * أَنِيقٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ الْمُتَوَسِّمِ﴾. ﴿بَكَرْنَ بُكُوراً وَاسْتَحَرَّنَ بِسَحَرٍ * فَهُنَّ لِوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ﴾. ﴿جَعَلْنَا الْقِنَانَ عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنِهِ * وَمَنْ بِالْقِنَانِ مِنْ مَحِلِّ وَمُحْرِمِ﴾. ﴿ظَهَرْنَ مِنَ السَّوْبَانِ ثُمَّ جَزَعْنَهُ * عَلَى كُلِّ قَيْنٍ قَشِيبٍ مُفَائِمِ﴾. ﴿كَأَنَّ فَتَاةَ الْعَهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ * نَزَلْنَ بِهِ حَبَّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ﴾. ﴿فَلَمَّا وَرَدْنَا الْمَاءَ زُرْقاً جَمَامَةً * وَضَعْنَا عَصِيَّ الْحَاضِرِ الْمُتَخَيِّمِ﴾.

فصورة التمثيل أنه قال بعد ذلك مباشرة: سعى ساعياً غيظ ابن مرة بعدما تبذل ما بين العشيرة بالدم. هذه الطريقة عند زهير وعند عنتر إلى حد، وليست عند امرئ القيس، ليست المشهورة عند امرئ القيس، تفهمون هذا.

وعند النابغة طريقة أخرى في صحيح شعره الموثوق المتفق عليه. لكن طريقة التمثيل أو التشبيه التمثيلي، دخول التشبيه التمثيلي في الضمني مسألة معقدة بعض الشيء ليس مجال شرحها.

هذه طريقة زهير وابنه. هو أراد أن يذهب إلى النبي ﷺ، قال لك بنت سعاد، وغدرت سعاد، والدنيا وكذا، وأمست سعاد بأرض لا يبلغها إلا كذا، وهذه الناقة القوية التي تمشي ترمي الغيوب، يعني ما خلف الأكام، الأشياء التي غابت عن النظر، لأنه هو الذي يخشى أن يظهر منه وحش أو سبع أو صياد، فقال ترمي الغيوب، ثم هي تجري في الحر لا تني ولا تتعب ولا تقف. وكان كأو ذراعيها إذا عرقت وقد تلفع بالقور العساقيل يوماً، كان يوماً يظل به الحرباء مستخداً، يعني على صخرة أو فرع أو جذع شجرة، ويشم في الشمس الحرباء، الكائن الوحيد الذي يخرج في الشمس ويظل كأنه يشرب الشمس في ذروة الهجير، ترى الحرباء على الصخرة أو على خشبة للشمس، هذا معنى مستخداً، كان ضاحية جلده بالـ.

كان ضاحية بالشمس مملول، كأنه مخبوز محروق، خلاص كان ضاحية بالشمس مملول. وقال للقوم حاديهم في هذا الوقت، قال للقوم حاديهم وقد جعلت ورك الجنادب يركدن الحصى، قيلوا. شد النهار، كأنه بذراعيها، بعد كل هذا في كل هذا الظرف، ذراع عيطل نصف، شد النهار ذراع عيطل نصف، قامت فجاوبها نكد مثاكيل.

نواحه بتنوح رخوة، كل هذا يشبه ناقته؛ نواحه رخوة الضبعين. ليس لها لما نعى الناعون، لما نعى بكره الناعون، معقول تفري اللبانة بكفيها؟ ومدرعها مشق عن تراقيها رعابيله، هكذا أو بذراعيها إذا عرق في هذا الظرف الشمس، دي إنها خائفة مرتع.

ثم يسعى الوشاة جنابيها وقولهم: «إنك يا ابن أبي سلمى»، ما هو سمي له وقيل إنه منسوب ومسؤول من ابن أبي سلمى هذا الذي قال اقتلوه. «إنك يا ابن أبي سلمى يسعى الوشاة جنابيها»، وإلى الآن الكلام في سعاد: «يسعى الوشاة جنابيها وقولهم»، وهو ذهب إلى سعاد، كل هذا سعاد، «إنك يا ابن أبي سلمى» لمقتول.

وقال: كل خليل كنت آمله .. لا تهنينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم .. فكل ما قدر الرحمن مفعول

هو ما زال في سعاد بس لحن قول: «فكل ما قدر الرحمن مفعول»، قول: «كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على الآل حدب محمول». بعد ذلك انبئت أن رسول الله أوعدني، هذا البيت: «انبئت أن رسول الله أوعدني»، هو يقابل عند أبيه زهير في المعلقة: «سعى ساعياً غيظ بن مرة».

بعد أن مثل دخل، خلاص بعد أن مثل دخل، بدأ هنا مباشرة في الباعث. بدأ مباشرة في الموضوع. الباعث هنا تفهم عبقرية الشاعر القديم في بناء القصيدة، هي مش جهونية، هي مش جهونية، مش كده بالضبط، الانتقال الصريح. هي القصيدة مش كده يلا تراكيب وخلاص. هناك علاقة بين ما يسمى المطلع أو الفصل الأول (فصل الطلل، فصل الضعن) وفصل الرحلة وهو الثاني، هناك علاقة بين هذا وبين الباعث في الفصل الثالث.

غالباً هناك عندك ضعنة أو طلل، ثم رحلة، ثم الفصل الثالث غالباً -أقول غالباً لأن الشاعر أحياناً، كما فعل زهير في المعلقة، لا يأتي بفصل رحلة، ينتقل من الطلل والضعن إلى الباعث- هذا ما فعله زهير في المعلقة، ليس فيها فصل رحلة لكن يكون الفصل الثالث غالباً. فأنت تحتاج إلى أن تفهم بناء القصيدة. وهذا بالمناسبة عندي أضعه في برنامج للشعراء: كيف تبني القصيدة؟ هذه قصة طويلة، قصة دقيقة، كيف تبني القصيدة، كيف تصل، مش جهونية.

جهونية يعني فوضوية اعتباطية. أنا لماذا قلت إن قصيدة أخينا الشاعر الكويتي بدر الدريع «أحاديث وجدي» أجود شعره؟ لماذا قلت إنها أجود شعره؟ من أسباب ذلك أن الشاعر أجاد فيها هذا الباب الذي عند كعب وزهير، أجاده. هم يحتفون شديداً بسطي حسناً فأذعنت، وأنا أقول هذه لا تبلغ كعبها، لا تبلغ، ممنوع، يعني إيه سؤال اللي خارج الملعب؟ هذه لا تبلغ كعبها.

أي قصيدة عند بدر لا تقارب هذه الرائية، لا تقارب هذه الرائية. أي قصيدة عند بدر؟ «أحاديث وجدي» هذه من عيوني، ليس من عيوني فقط، شعر بدر من عيون هذا العصر. هذه القصيدة، وأنا أقول هذا وأكرره، لينتبه الشاعر إلى أسباب الحسن، أسباب الإجادة الفنية، هذا البناء لأنه أحسن التمثيل للموضوع، وإن كان ليس يقصد هذا دلالة رمزية كالغربيين يقولون هذا يعني به هذا، هوس الغرب، ده لا.

لما قال: أحاديث وجدي للمحبين سامرُ .. تفت لها بالنادبين مرائرُ وقد يأنَسُ المهمومُ في باعثِ الرجا .. ولكن همي لا يرى فيه آخرُ إذا سعرت نارٌ وناحت ربابةٌ .. تسعر بي شجوٌ وناحت سرائرُ وما الهذي من دابي ولكن إذا .. اختلى غريبُ الهوى ناجاه طيفٌ يزاورُ ومثلي من يعزى له العقل إنما .. على القدر المعقول ترجى المقدرُ فإن أنسى لا أنسى على الخيف وقفتي .. وجيبي مقدودٌ ورأسي حاسرُ عشية قد مالوا فأجمعت للنوى .. جحافل شوق عزرتها شواجرُ فما كان إلا أن أذاتني بنظرةٍ .. تسمر عنها في زماني حاضرُ فالويت لا أقوى على رد مدمعٍ .. والويت بلا حول على ما تخامرُ إذا ما نهيت الطرف عنها التفاته .. تلفت قلب بالسماع يناظرُ وقد كنت ظني أن في بقيةٍ .. يشد بها أزري ويقتات صابرُ فلما فصلنا العير أدركت أنني .. بكلي مذكول على من يغادرُ فيا قلب هلا قد وعظت بما أتت .. عليك به الأيام إن فات زاجرُ وقد كنت تدعى قبل ذاك لوصلها .. فيأبى وقار فيك كان يكابرُ أم النفس إن شابت يشب بها الهوى .. ويحي مناها في الغرام التذاكرُ فيا لك محروماً ويا لك حارماً .. ويا لك مقهوراً له أنت قاهرُ ويا لك من ضد تقمص ضده .. تجاذبه إن استحال تنافروا فلا بعضه ينصاع قسراً لبعضه .. ولا هو عن جمع النقيضين قادرُ كحال بني الإسلام حين تخالهم .. جميعاً وهم شتى ولكن تجاوروا تكاد تضيق الأرض منهم وإنما .. تضيق بأموات قالتها المقابرُ

رأيت ودخل في حديث الشيعي الذي يشعر بالغربة بين السنة وكذا، وكأني موتور تبناه وأتروا وكذا، أداري لجمع الصف غيضي إزاءهم: «كأني موتور تبناه وأتروا».

نعم، هو أحسن هذا في القصيدة، أحسن هذا وهذا يعني أكثر قصيدة أحسن فيها هذا الاتجاه في الحقيقة، وهذا من أسباب إحسانه في القصيدة الذي ينبغي أن يركز عليه. فهذه الطريقة طريقة قديمة، يمكنك أن تدرجها في التمثيل أو التشبيه التمثيلي الضمني. التشبيه التمثيلي الضمني وكأنه بنى مثالاً على هذا المعنى. هذه الطريقة شائعة عند كعب وعند زهير، يعني هي طريقة زهيرية بالمقام الكبير. النابغة طريقته ليست كذلك، النابغة طريقته ليست تمثيلية على التوازي وإنما ابتنائية، هناك طريقة تمثيلية على التوازي وهنا هناك طريقة على التوالي، طريقة ابتنائية على التوالي. التفصيل ليس هذا مجاله، تفصيل علمي واسع ليس هذا مجاله.

فأنت ترى كيف قال: «يسعى الوشاة ثم انبئت أن رسول الله أوعدني». إذا درست هناك كتاب ربما يحصل أن تدرسوه في المدائح والاعتذاريات للدكتور السوري وهب رومية، الدكتور وهب عنده الكتاب لكن أخبركم به وخلاص، مطبوع في دار سعد الدين، أظن دار سورية اسمها دار سعد الدين. الدكتور وهب رومية دكتور بلاغة سوري له كتاب اسمه: «بنية قصيدة المدح أو بنية المدحة الجاهلية». لحظة.

ربما آتيكم به، هذا كتاب مفيد عموماً. هذا الكتاب يا إخوة: «بنية القصيدة العربية حتى نهاية العصر الأموي: قصيدة المدح أنموذجاً»، توفي في 2025 نعم، اذكر رحمه الله، رحمه الله. اسم الكتاب: «بنية القصيدة العربية حتى نهاية العصر الأموي: قصيدة المدح أنموذجاً»، تأليف الدكتور وهب رومية، طبعة دار سعد الدين، مجلد كبير كما ترون.

هذا الكتاب درس بنية القصيدة الاعتذارية، التي منها قصيدة كعب. هذه نظم دقيقة جداً يا إخوة، ليست اعتباطية، هكذا الاعتذارية لها مكونات. خلاص، القصيدة الاعتذارية لها مكونات؛ فيها مكون المدح، ومكون التبرؤ، ومكون الاستعطاف. المدح والتبرؤ والاستعطاف.

عندك النابغة الذبياني في قصيدته المعلقة ستراه تبرأ، ثم تراه مدح، مدح أولاً ثم تبرأ ثم استعطف. هذا نظام دقيق على فكرة، قد يغير الشاعر لأسباب؛ قد يقدم الاستعطاف على التبرؤ مثلاً، أو يقدم شيئاً على شيء، أو يقدم التبرؤ على المديح، لكن هذه العناصر لابد موجودة.

عند كعب هنا: «أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي... وَلَا قَرَارَ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ». هذا أول كلام لكعب. النابغة ماذا كان أول كلام له؟ ماذا قال؟ مدح.

«فَتِلْكَ تُبَلِّغُنِي النُّعْمَانَ أَنَّ لَهُ... فَضْلًا عَلَى النَّاسِ فِي الْأَدْنَى وَفِي الْبُعْدِ... وَلَا أَرَى فَاعِلًا فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ... وَلَا أَحَاشِيَ مِنَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَحَدِ...»

«إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْإِلَهُ قُم... فِي الْبَرِيَّةِ فَحَدِّدْهَا عَنِ الْفَنْدِ... وَخَيَّسَ الْجِنَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصَّفَاحِ وَالْعَمَلِ... فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانْفَعْهُ بِطَاعَتِهِ... كَمَا أَطَاعَكَ وَأَدْلِلْهُ عَلَى الرُّشْدِ... وَمَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً... تَنْهَى الظَّلُومَ وَلَا تَقْعُدْ عَلَى ضَيْمٍ...»

«أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ سَبْقَ الْجَوَادِ... إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ... الْوَاهِبُ الْمِئَةَ الْمُعْكَاءَ زَيَّنَهَا... سَعْدَانُ تُوَضِّحُ فِي أَوْبَارِهَا اللَّبَدَ... وَالْأَدَمَةَ قَدْ خُيِّسَتْ فَتَلَا مَرَافِقُهَا... مَشْدُودَةً بِرِحَالِ الْحَيْرَةِ الْجُدُدِ... وَالرَّاقِضَاتِ ذُيُولَ الرَّيْتِ... فَانْقَهَا بَرَدَ الْهَوَاجِرِ كَالْغِزْلَانِ... بِالْجُرْدِ وَالْخَيْلِ، وَالْخَيْلُ تَمْزَعُ غَرْبًا فِي أَعِنَّتِهَا... كَالطَّيْرِ تَنْجُو مِنَ الشُّؤْبِ الْبَرْدِ...»

«أَحْكَمُ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ... إِلَى حَمَامٍ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ... يَحُفُّهُ جَانِبٌ نِيقٌ وَتَتْبَعُهُ... مِثْلُ الزَّجَاجَةِ لَمْ تُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ...»

ماذا فعل كعب أول ما انتهى من الرحلة والناقة والطلل أو الفراق والنسيب؟ «أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي... وَلَا قَرَارَ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ». لأنه كان مخطئاً، هذا الإسراع الخائف جداً، إسراع المخطئ المعتذر، المقدم للتبرئة.

«إِنَّ بَغَّ الذَّبَانِ لَمْ يُعْجِلْ...» مدح، ثم: «أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ...» ثم: «أَحْكَمُ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ أَحْكَمَ...». انظر إلى قوة كلام النابغة للنعمان وثقته بنفسه، وانظر إلى ضعف كعب.

شوف، مدح مدح مدح، ثم «أَحْكَمُ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ»، وهنا «أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ». مهلاً، هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل، لا تأخذن بأقوال الوشاة، ولم أذنب وإن كثرت في الأقاويل.

ماذا؟ متى قال النابغة هذا؟ لا، هذا بعد ما مدح، قال: «أَحْكَمُ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ... إِلَى حَمَامٍ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ... يَحُفُّهُ جَانِبٌ نِيقٌ وَتَتْبَعُهُ... مِثْلُ الزَّجَاجَةِ لَمْ تُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ... قَالَتْ أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الْحَمَامَ لَنَا... إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ فَقَدِي... فَحَسَبُوهُ فَأَلْفَوْهُ كَمَا حَسَبَتْ... تِسْعًا وَتِسْعِينَ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدْ... فَكَمَّلَتْ مِئَةً فِيهَا حَمَامَتُهَا... وَأَسْرَعَتْ حَسْبَهُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ».

ماذا بعدها؟ «أُنْبِئْتُ أَنَّ أَبَا قَابُوسٍ أَوْعَدَنِي... وَلَا قَرَارَ عَلَى زَائِرٍ مِنَ الْأَسَدِ». صح، هذا ما بعدها في القصيدة. «فَلَا لَعَمْرِ الَّذِي...» استعطاف. فلا لعمر الذي ماذا فعل النابغة هنا؟ مدح، مدح، ثم تبرأ، ما زال التبرؤ سارياً.

«أَحْكَمُ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ... فَلَا لَعَمْرِ الَّذِي مَسَحَتْ كَعْبَتَهُ... وَمَا هُرِيقَ عَلَى الْأَنْصَابِ مِنْ جَسَدِي... وَالْمُؤْمِنُ الْعَائِدَاتِ الطَّيْرُ يَمْسَحُهَا... رُكْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الْغَيْلِ وَالسَّعْدِ... مَا قُلْتُ مِنْ سَيِّئٍ مِمَّا أُوتِيتُ بِهِ إِذًا... فَلَا رُفِعَتْ صَوْتِي إِلَيَّ يَدِي إِلَّا مَقَالَةَ أَقْوَامٍ شُقِيَتْ بِهَا... كَانَتْ مَقَالَتُهُمْ قَرْعًا عَلَى الْكَبِدِ...»

«أُنْبِئْتُ أَنَّ أَبَا قَابُوسٍ أَوْعَدَنِي... وَلَا قَرَارَ عَلَى زَائِرٍ مِنَ الْأَسَدِ». مدح، تبرأ، استعطف. ماذا فعل كعب؟ ماذا فعل كعب؟ استعطف، تبرأ، مدح. عكس. لماذا؟ لأن كعباً كان مخطئاً، فبدأ بالاستعطاف ولم يطل في المحاججة على أنه لم يفعل؛ هو بيت واحد وكذب فيه: «لَا تَأْخُذَنَّ بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ أَذْنَبْ وَإِنْ كَثُرَتْ فِي الْأَقَاوِيلِ». بيت كاذب واحد.

ماذا؟ فتبرأ النابغة من أول قوله «أَحْكَمُ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ» إلى «إِلَّا مَقَالَةَ أَقْوَامٍ شُقِيَتْ بِهَا كَانَتْ مَقَالَتُهُمْ قَرْعًا عَلَى الْكَبِدِ». كل هذا الفصل تبرأ، محاججة، رفض للتهمة. هل استطاع كعب بن زهير رضي الله عنه أن يرفض التهمة؟ لا، لأن الذي توعده معصوم من الخطأ، فهو أخطأ، ولأن هجاءه النبي ﷺ مشهور ومعروف، حادثة الهجاء شاعت ومعروفة، فهو مخطئ. هو بيت واحد: «لَا تَأْخُذَنَّ بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ أَذْنَبْ وَإِنْ كَثُرَتْ فِي الْأَقَاوِيلِ»، بس هذا البيت هو الوحيد.

التبرؤ يقابل عند النابغة الذبياني: «أَحْكَمُ كَحُكْمِ...». انظر، هذا واحد معه الحق، هذا كلام شخص معه الحق. «أَحْكَمُ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ... إِلَى حَمَامٍ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ... يَحُفُّهُ جَانِبٌ نِيقٌ وَتَتْبَعُهُ... مِثْلُ الزَّجَاجَةِ لَمْ تُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ...». شوف كم بيت، واللهجة «أَحْكَمُ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ... إِلَى حَمَامٍ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ... يَحُفُّهُ جَانِبٌ نِيقٌ وَتَتْبَعُهُ... مِثْلُ الزَّجَاجَةِ لَمْ تُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ... قَالَتْ أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الْحَمَامَ لَنَا... إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ فَقَدِي... فَحَسَبُوهُ فَأَلْفَوْهُ كَمَا حَسَبَتْ... تِسْعًا وَتِسْعِينَ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدْ... فَكَمَّلَتْ مِئَةً فِيهَا حَمَامَتُهَا... وَأَسْرَعَتْ حَسْبَهُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ... فَلَا لَعَمْرِ الَّذِي مَسَحَتْ كَعْبَتَهُ... وَمَا هُرِيقَ عَلَى الْأَنْصَابِ مِنْ جَسَدِي... مَا قُلْتُ مِنْ سَيِّئٍ مِمَّا أُوتِيتُ بِهِ إِذًا... فَلَا رُفِعَتْ صَوْتِي إِلَيَّ يَدِي...»

مقالة أقوام شقيت بها، كانت مقالتهم قرعًا على الكبدين، ثم أنبأته تسعة أبيات محاججة، مستطيلة، مستفيضة. تسعة أبيات ليس ثمانية، تسعة أبيات محاججة مستطيلة مستفيضة في التبرؤ وأنه لم يفعل، وفيها لغة الواثق تقابل بيتاً واحداً عند النابغة، عند كعب بن زهير في التبرؤ مكسور.

مكسور؛ يعني شخصية شخص مكسور لأنه مذنب: «لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم أذنب وإن كثرت الأقاويل». لقد أقوم مقاماً لو يقوم به مدح، ماذا فعل زهير؟ مدح على رسله، عادي خالص، رجل واثق ليس فيه أي مشكلة، يخطئ ثم مدح، مدح ثم تبرأ أحكم كحكم فتاه الحي ثقة. تسعة أبيات مديح طويل، ثم تسعة أبيات تبرؤ، ثم استعطاف. أنبئت أن أبا قابوسة أو عدني مديح، تبرؤ، استعطاف. ماذا فعل كعب؟ العكس؛ استعطاف، تبرؤ ضئيل، واحد مديح طويل، لكن بدأ بالاستعطاف لأنه كان مذنباً.

هذه بنية القصيدة أو مكونات القصيدة الاعتذارية: مدح، وتبرؤ، واستعطاف. كيف يرتبها الشاعر على حسب حالته؟ خلاص كما رأيتم، الاختلاف المعكوس تماماً بين النابغة وكعب، مع أن كعباً أتى بنفس عناصر النابغة بل اقتبس منها، يعني ليجي واحد يقول لي كعب لم يكن يعرف قصيدة النابغة؛ كعب عينه على قصيدة النابغة، كعب أخذ منها ثلاثة أبيات هكذا، ونفس المكونات. فالقصيدة الاعتذارية كما رأيتم فيها المديح، وفيها التبرؤ والاعتذار، كان فيها التبرؤ والاستعطاف، كانت الاعتذارية فرعاً من فروع قصيدة المديح.

أظن اتضحت بنية القصيدة. تعالوا نذهب إلى أبيات من أولها، الله يرضى عليكم، طبعاً نحن أطلنا في المقدمة، لكن هذه مفيدة ومهمة جداً، ربما أكثر أهمية من شرح القصيدة نفسها، أنت تحتاج إلى هذا.

قال: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيم أثرها لم يفدَ مكبول

زهير بن أبي سلمى وكعب بن زهير بن أبي سلمى، قصائدهم تثبت لك أن اختيار الأسماء مقصود، ويثبت ما أذهب إليه أن مقدماتهم تمثيلية فيها التشبيه الضمني. لأن زهيراً هناك قال: «أمن أم أوفى دمنة لم تكلمي»، ولست الوحيد الذي نظر إلى العلاقة، كلمة أم أوفى وكذا، لكن أؤيد بهذا ما أذهب إليه في بناء القصيدة، لا أقول إن أوفى هو الوفاء وهم كذا، لا هي امرأة، ولكن كما قلت تمثيل، واستعمال اسمها نوع من التورية التمثيلية أيضاً.

طبعاً تتداخل الأبواب في الشعر. معنى بانت يعني فارقت، والبينون المفارقة.

وسعاد غداة البين إذ رحلوا *** إلا أغنَّ غضيد الطرف مكحول

حصلت بينونة، بانت وسعاد، فقلبي اليوم متبول. طبعاً متبول يعني ليس في التوابل، متبول من التبل وهو السقم والمرض، فقلبي سقيم مضنى. متيم يعني مستعبد لا خيار له، ولهذا قال متيم أثرها، يعني مستعبد في أثرها مقيد، ولهذا قال لم يفدَ مكبول، يعني مقيد، مكبول كأنه قيد بالكبل وهو الحبل، ومنه الكبل كابل الكهرباء عندنا الآن ومنه الكبل بالإنجليزية، معنى الحبل، فالمكبول يعني مقيد.

بانت سعاد، فقلبي اليوم متبول، سقيم مريض مضنى، متيم مستعبد، أثرها لم يفدَ أحد، لم يخلصه أحد، مكبول مقيد من التكبيل. وما سعاد؟ غداة البين؛ غداة الفراق، والبين الفراق، والغداة الصباح، يعني صباح البين. وما سعاد غداة البين إذ رحلوا؟ في لحظة الرحيل. إلا أغنَّ، غضيد الطرف، مكحول؛ ينظر إليها وهي تفارق.

وهنا كثير من الناس يقول: كيف يفارق وينظر إلى الجمال ويصف الجمال؟ يا رجل، وهل شيء فوق أن ترى الجمال حين يفارق؟ وهل تميز الجمال عن حبيبتك في وقت التقائك بها وإذا نظرت إليك وقالت أحبك بصوت فيه بحة؟ هل تفرق بين صوتها وهي تقول أحبك وبين نظرة عينيها الجميلتين وجنتيها الموردتين وهي تقول أحبك؟ وهل أحبك من مثلها كأحبك من امرأة لم ترزق هذا الجمال؟ لا تكذب على نفسك، قلبك يوجع من الجمال المحبوب، الجمال الذي يحبك وتحبه أكثر مما يفزع من غيره. إذا أحبتك غير الجميلة ستعتذر إليها، أما إذا أحبتك الجميلة فستكون تحت قدميها، لا تكابر نفسك ولا تخادع، ولهذا كانت العرب يذكرون الجمال الراحل عنهم.

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا *** إلا أغنَّ غضيد الطرف مكحول

أغن يعني ظبي أغن، يعني في صوته غنة، صبية صغيرة، غضيد الطرف؛ غضيد لا يستطيع، ما زال غراً خرج من بيته للتوه، لا يستطيع مجابهة الناس بالنظر وبحدة العين والنظر، إلا أغنَّ غضيد الطرف مكحول.

تجلو عوارض ذي ظَلْمٍ إذا ابتسمت *** كأنه منهل بالراح معلول

تجلو يعني تظهر وتكشف عن عوارض، والعوارض هي الأسنان التي تعرض أو تظهر عند الضحك، قيل هي الضواحك المقدمة وقيل هي الضواحك إلى الأنياب، ولكن على كل هو ما يظهر عند الابتسام، تكون عوارض لأنه قيل من الناب إلى الناب أو ما يليه، أو ما يظهر في الضحك، فكل هذا يمكننا أن نلخصه بسياق الشاعر: تجلو عوارضه، أي كل ما سيظهر من الابتسام، لا معنى أن تكشف عن جزء وتتجاهل الآخر.

تجلو عوارض ذي ظَلْمٍ، الظلم هو ماء الأسنان وبريقها، إذا ابتسمت المرأة إذا ظهرت الأسنان مسقولة وعليها بريق، وكأنها عليها طبقة من الريق الذي فيه نوع من السمك، ليس رقيقاً بحيث يسقط وتكون الأسنان جافة كأسنَان الشتاء المشرخة، وإنما عليه هذا الريق الذي يسقلها ويغطيها بماء لامع، مبللة بالضبط من كثرة الريق.

«فم ذي ظلم»؛ هذا وصف لمحذوف استُغني فيه بالصفة عن الموصوف، يعني فم أو ثغر ذي ظلم، «تجلو عوارض ذي ظلم»؛ أي أسنانه لها هذا البريق وهذا الريق.

«تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت»؛ كأن هذا الثغر منهل سقي مرة بالراح (والراح هي الخمر)، «معلول»؛ أي السقي بعد السقي مرة ثانية وثالثة. وكان الشاعر عاد وخطأ نفسه؛ لأن قوله «كأنه منهل بالراح»؛ «منهل» خبر «كأن»، والضمير اسمه، «ثم قال معلول»؛ خبر ثانٍ لـ«كأن» مع أنه يتزاحم معه، يعني النهل السقي مرة، والعلل ثانية وثالثة، فهو إما منهل وإما معلول، ولذلك الخبر الثاني جاء كالضارب على الأول.

وكأنك تقدر لفظًا، يا إخوة، الشعر ليس يلقى هكذا، الشعر يُفهم، والشعر إذا أديته لابد أن يظهر في أدائك أنك تفهم التقديرات. «تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح» ثم «معلول»؛ كأنه يصحح: «كأنه منهل بالراح، معلول».

الراح هي الخمر، والخمر عند العرب طبعًا طيبة ولها طعم ولها ريح طيبة، هي طبعًا محرمة فهي من الخبائث، لكن للأسف من الأشياء التي لا تدخل في الحسن بل تدخل في القبح، لكن يحبها العرب ولها ريح إذا فُتق الدن، إذا فُضت بكارة المزاده أو الأدكن؛ هذه المخازن إذا فُضت بكارتها خرج ريح الخمر، استغفر الله، شيء سيء جداً.

ويشبهون به الفم بالمناسبة، ويشبهونها كذلك بفارة المسك إذا فُتحت أو كُسرت، وكما يقول عنترة: «وكان فارة تاجر بقسيمة.. سبقت عوارضها إليك من الفم»، أي سبقت الرائحة من فمها إليك رائحة المسك.

ويمج ذكي المسك منها مقبل، فالعرب تكلموا عن هذا الشذى الثقاف في العود الهندي، العرب لهم شغف بريق المرأة، والريق محبوب وليس مستقدراً ما دام في معدنه، إذا خرج صار بساقاً أو بذاق، لكن هو مستحسن، فيشبهونه بأنه كأنه مزج بالخمر أو كأنه مزج بالمسك.

يقول: «تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول»، من كثرة الخمر، أصلاً ريقها كالخمر. ثم أخذ يصف هذه الراح، قال: «شجت بذي شبم من ماء محنية»، ثم أخذ يصف هذه الراح.

العرب لهم طرق في شرب الخمر: عندهم الصرفة، والممزوجة، والمشعشعة، والمشجوجة، والمقتولة؛ إذا عددت معي هذا واحفظوه حتى تفهموا المسألة.

«الصرفة» هي الخمر إذا جيء بها من الدن، وغالبًا لا تشربها العرب، لأنك إذا أتيت بها من الدن تكون طينةً أصلاً ولن تستطيع تحملها، فإذا مزجوها بقليل من الماء مع بقاء صفاتها وثورتها تسمى «الممزوجه»، خففت شيئًا ما فقط لتبطئ من عمل السكر لكن ستسكر وستقع، فهي قريبة من الصرفة.

أما «المشعشعة»، فهي التي يُزاد فيها المزج حتى ترق وتذهب بعض صفاتها لكن لم تنكسر ثورتها (ثورتها هي التأثير بالسكر)، كما عند عمرو بن كلثوم: ﴿مُشَعْشَعَةٌ كَأَنَّ الْحُصَّ فِيهَا إِذَا مَا الْمَاءُ خَالَطَهَا سَخِينَةٌ﴾، فخفت إلى حد وذهبت بعض صفاتها لكن قوتها لم تذهب.

فإذا زيد الماء جداً حتى انكسرت الثورة، أي صارت تمتع وليس لها قوة تأثير مباشر، وإنما تسكر وتعمل لذة على مدد وفترات، هذه تسمى «المشجوجه»، والشج هو الكسر، وتسمى مشجوجه لأن ثورتها وقوتها كُسرت.

وإذا زدت الماء جداً حتى ذهب كل أثر وصارت لا تُذكر أو لا تكاد تُسكر، فتسمى «مقتولة»، وهذه التي قال فيها حسان بن ثابت رضي الله عنه: «إن التي ناولتني فرددتها.. قتلت، فها تهن لم تقتلي».

إذن عندك الصرفة من الدن، وعندك الممزوجه التي تُخفف قليلاً مع الإبقاء على الصفات، وعندك المشعشعة التي مُزجت حتى رقت لكن لم تنكسر ثورتها، وعندك المشجوجه التي كُسرت ثورتها وهي تمتع، أما المقتولة التي زِيْد فيها الماء حتى قُتلت، فهذه أثرها في حكم العذوبة.

قال بعض الشراح: لماذا ذكر الشج هنا؟ قالوا ذكر الشج لأنه أعدل الحالات للمزاج، لأن المشعشعة لا تكسر الثورة، بخلاف المشجوجه التي تكسر الثورة وتمتع، أما المقتولة فلا بقية فيها.

فإذا أردنا أن نستمتع ونطيل، نختار المشجوجه، وأنا أرى أن ذلك حسب المقام؛ أنت في مقام الريق فلا يصح أن تكون مشعشعة، ينبغي أن تكون مقتولة أو تكون مشجوجه، أي مكسورة الثورة، وهذا هو السبب في أنه اختار المشجوجه هنا لأنه يصف الريق ولا يتكلم عن الشرب، فالثغر كأنه منهل بالراح سُقي بالخمر، لكنها خمر مشجوجه ليست موضع السكر الآن.

قال: «شجت بذي شبم»، والشبم هو البرد، يعني بماء بارد، والشبم الذي هو الأصل هو البرود.

البرد أو البرودة فذي شبم كما قال هنا، يعني بذي برد كما نقول، لطافة حلوة بماء بارد: ﴿شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءٍ مُحْنِيَةٍ﴾. المحنية هي منعطف الوادي، ولماذا اختار منعطف الوادي؟ قالوا لأن منعطف الوادي مكان منخفض وتدور فيه الرياح فتبرد الماء، فضلاً عن أنه يحجب عن الشمس إلى حد كبير، ويدور الهواء في الداخل فيبرد الماء.

شجت بذي شبم من ماء محنية، هذا الماء جاء من محنية، الماء صافٍ بابطح، والابطح هو المكان المتسع ذي الحصى. لماذا الحصى؟ الحصى ينقي من التراب، والإخوة في الأرياف والبدء والصحراء يعرفون هذا؛ أن الماء الذي فيه الحصى ينقى ويتيح مساحة للبرد. فالأبطح مكان واسع أرضيته من الحصى النقي، ليس تراباً ولا رملاً، وإنما هو الحصى، والأبطح مكان متسع فيكون الماء رقيقاً، ليس بعيد الغور، فيكون ذلك أبرد له إذا كان في داخل الوادي في منعطف الوادي بابطحه.

أضحى وهو مشمول، دخل في وقت الضحى وهو مشمول، أي مضروب بريح الشمال الباردة. صافٍ، بارد، نقي، عليه ريح الشمال. شجت بذي شبم من ماء، يعني كسرت ثورتها بماء ذي شبم، شجت بذي شبم من ماء محنية، صافٍ أضحى وهو مشمول.

هنا الضمير يعود على الأبطح، الأبطح الصافي؛ ركز معي في الضمائر: شجت بذي شبم من ماء محنية (منعطف وادي)، صافٍ الماء بابطحه، أضحى الأبطح وهو مشمول. أو يصح أن يعود على الماء، وأنا أرجح الأبطح؛ لأنه إذا جاءه الشمال وهو واسع ذو حصى فبرد ماءه جداً، فقد أحضر كل الأسباب ليكون الماء بارداً.

يقول: كل هذا يقال في حضرة رسول الله ﷺ؟ نعم، كل هذا يقال في حضرة رسول الله ﷺ؛ لأن النبي ﷺ رجل عربي يفهم البيان والشعر. وسمع سعاد عن سعاد، ولم نحتج إلى ما ذهب إليه بعض الفقهاء الأتقياء حين قالوا إن سعاد هي زوجته. قالها فقيه حنفي وفقيه شافعي، وهذا الكلام لا يقال، واستنكره كثير من شراح الشعر، قالوا هذا كلام لا يستقيم بل هو قبيح.

ثم هناك شيء، كم شاعر في الجاهلية والإسلام قال: بنت سعاد! هي سعاد زوجة من؟ نص العرب ليس فيها سعاد، هذا يا إخوة معلم فني عند العرب. ثم أي سعاد التي ذهبت وأغن غديد الطرف وتبسم له وخمر لوزته؟ ليس هذا كلاماً في زوجة.

شجت بذي شبم من ماء محنية، يعني وضع على الخمر الذي سقي به ثغرها ماءً هذه صفته؛ ماء بارد من ماء محنية، صافٍ أضحى وهو مشمول. تنفي الرياح القذى عنه، والقذى هو كل ما يسقط من قش وغبار وما ياتي في العين مع التراب، أي شيء يسمى القذى، كما في الحديث: «يرى أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه». تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه، أي ملأه.

من صوب سارية، أي من مطر سارية، بيض يعاليل. البيض هنا الجبال، ومعنى يعاليل قيل فيها صفات أو معاني كثيرة؛ قيل شديدة البياض، وقيل مرتفعة جداً، وقيل يعاليل أي تعل مرة بعد مرة. فهي حجارة بيضاء، جبال بيض ليس عليها غبار من كثرة ما علت بالأمطار، فهي صارت كالرخام وكالصوان الذي ينزل عليه الماء وهو مسقون، ليس عليه غبار وأتربة، وهذا التفسير الأخير من العدل.

يمكن أن نطلع على قول في هذا التفسير، فالباجوري يقول: اختلف في معنى يعاليل، فقيل شديدة البياض، وقيل التي ينزل فيها الماء مرة بعد أخرى من العلل، وهو الأخذ من العلل أي الشرب مرة بعد أخرى، وقيل المرتفعة، وهذا كله على تفسير البيض بالجبال. أما تفسير البيض بالسحب فهذا خطأ أصلاً؛ لأن السحاب الأبيض ليس فيه ماء، خاصة وأنه قال سارية، أي سحابة ليل، والسحابة البيضاء هذه جهام لا ينزل منها المطر، إنما الغيم الأسود والداكن والأسحم هو الذي يكون ممتلئاً بالماء.

تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه، من صوب سارية بيض يعاليل، وأنا أراها الجبال. وأما العالية أو التي تعل، أي أمطرت مرة بعد مرة، هو قال هنا يعاليل بمعنى المرتفعة جداً أو بمعنى التي أمطرت كثيراً، وأرجح الثانية مع الارتفاع أيضاً؛ لأنها إذا كانت بيضاً، حجارة بيض، فهي تنقي المياه وهي نازلة إلى الوادي.

يقول هذا البيت في تصفيته تماماً: تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه، ملاه من صوب سارية. يعني صوب بمعنى مطر، من مطر سارية، سحابة ليل بيض يعاليل، ملاه جبال بيض يعاليل من مطر سارية. كأنه قال: ملاه جبال بيض يعاليل من مطر سحابة ليل. وهذا قد يرجح أن اليعاليل بمعنى المرتفعة؛ لأن السحابة تصطدم بها فيمطر من فوق وينزل، وتنقى وتبرد من فوق لأنها كلما كانت مرتفعة كانت أبرد، فتبرد على الحجارة وتنزل وتملا المكان. في عاليل هنا قد يترجح أنها الأعلى، أو التي سقيت مرة بعد أخرى، وأرى ارتباطاً بين السقي مرة بعد أخرى وبين الارتفاع؛ لأن الجبال إذا كانت مرتفعة كانت في عنان السحاب، فكلما اصطدمت بها السحب أمطرت ونزلت عليها وبردت على حجارتها البيض إلى أن تنزل إلى بطن الوادي.

فلا مباعدة بين تفسير اليعاليل بالارتفاع وبين تفسيرها بالتي علت، أي سُقيت مرة بعد أخرى بالمطر.

ما الذي يجعلني أرجح أنها الارتفاع؟ إنه قوله: «وأفرطه ملاه من صوب سارية بيض يعاليل». ربط بين صوب السارية (وهو المطر) وبين اليعاليل، وما الذي يربط بين الجبل وبين السحاب؟ كيف يتلقى السحاب المطر من الجبل؟ إذا كان يصطدم به ويمطر ويباشر الأمطار عليه، وهذا يرجح كما قلت أن اليعاليل مرتفعة.

فإذا تخيلت المعنى وهو يقول: «وأفرطه ملاه من صوب سارية بيض يعاليل»، أي جبال بيضاء عالية جداً أخذت المطر من صوب السارية، والسارية هي سحابة الليل، أمطرته أو أسالته إلى الوادي فنزل بارداً تنفي الرياح القذى عنه. يا أخي وصف عجيب! انظر الوصف الآن بعد أن فهمته: تنفي الرياح القذى عنه، وهذا الابطح أو الماء أفرطه من صوب مطر سارية، والسارية يعني سحاب بالليل، من صوب بيض يعاليل بيض مرتفعة تصطدم بالسحب وتأخذ المطر منها وتنزله.

«أكرم بها خلة، لو أنها صدقت موعودها، أو لو أن النصح مقبول». لو أنها صدقت موعودها، أو لو أنها قبلت نصحي. فسبحان الله، أشار إلى أنه ينصح المحبوبة بصدق الوعد وبعدم الفراق. يقول: «أكرم بها خلة لو أنها صدقت موعودها أو لو أن النصح مقبول»، وهو يعطي إشارات إلى مزينة وغيرها ممن لم يجيروه، فأكرم بها خلة أي مدحهم أيضاً.

«لكنها خلة، قد سيط من دمها فجع، أولع، وإخلاف، وتبديل». سيط يعني خلط ومزج. تعرفون عمر بن أبي ربيعة ما قال: «فقلت لها يا هند، اسمعي يا هند ثم تفهمي مقالي محزون بحبك، لقد مات سري واستقامت مودتي، ولم ينشرح بالصدر فمي، فإن تقتلي في غير ذنب أقول لكم مقال مظلوم متيم، هنيئاً لكم قتلي، وصفو مودتي، فقد سيط من لحمي هواك ومن دمي».

«سيط من لحمي» يعني أنا لحمي خلط مع هواك، وقد سيط من لحمي هواك ومن دمي يعني هواك خلط من لحمي ومن دمي. فهنا يقول: «لكنها خلة قد سيط من دمها فجع»، فجع المصيبة والأذى، وولع الكذب، وإخلاف للوعود، وتبديل الأحوال؛ كما قال: «فما تدوم على حال تكون بها كما تلون»، يعني تتلون في أثوابها.

ونبدأ في هذا من الحصة القادمة من غدٍ إن شاء الله في البيت الثامن، ونكتفي بهذا القدر. القصيدة العالية تجبرك حتى في الشرح المختصر أن تقف قليلاً، تجعلك مضطراً لهذا حتى لو كنت تريد شرحاً مختصراً جداً، تجعلك تقف. نعم صحيح، خطيرة وثقيلة. شكراً لكم أيها الأحباب، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.