السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا مرحبا وأهلاً وسهلاً بالفضلاء، يا مرحبا، يا مرحبا، يا مرحبا أهلاً وسهلاً.
نعم، عنوان البث خطير هذه المرة؛ نحن مع قصيدة لبيد بن ربيعة التي انتظرناها كثيراً وانتظرها الإخوة، فالحمد لله رب العالمين الذي وفق لهذا، وها نحن التقينا في القصيدة مع مشروع حفظ الـ 100 قصيدة. رضي الله تعالى عنكم، فهذا شرح مختصر لأجل الحفظ. لبيد له معلقة، ومجمع عليها متفق على كونها من المعلقات، على أنها من الصمود، معلقة لبيد بن ربيعة.
جئنا إلى هذا الشاعر المميز، وجمعتنا الأحوال لنشرح قصيدته، وهو في ضمن مشروع حفظ الـ 100 قصيدة. جئنا أخيراً للشاعر لبيد بن ربيعة الذي انتظره الإخوة، وانتظرت كذلك أن أتناول قصيدته، وهو شاعر مميز جداً وقصيدته قصيدة مميزة جداً. عرضنا له كثيراً، لكن لم نخض في شعره الخوض الكافي، وأنا سجلت له في القناة المعلقة وسجلت له كذلك الأخرى.
لبيد بن ربيعة الشاعر الذي كان يحب أبو عمرو بن العلاء أن يستمع إلى شعره لأجل أنه يذكر الآخرة والأخلاق، ويذكر بأمور الدنيا وأحوال الدنيا ونحو ذلك. تفاعلوا مع البث لو سمحتم يا إخوة، ربما يكون لكم الأجر في ظهور المحاضرة لإخوانكم إن شاء الله.
فالحمد لله قد جئنا إلى الشاعر ونشرحه ضمن القصائد التي تشرح في مشروع الـ 100 قصيدة، وساقتنا الأقدار إليه سوقاً بحمد الله. وأما أن يُشرح شرحاً الذي هو شرح الشعر من حيث كونه شعراً، فهذا لا يتسع له المقام. فأهلاً وسهلاً بكم في رحاب الشاعر لبيد بن ربيعة.
أيها الإخوة، لبيد بن ربيعة شاعر يُسمى من جهة الزمان مخضرماً، لكن في الحقيقة هو شاعر جاهلي؛ لأنه حتى وإن عُمّر في الإسلام إلى زمان معاوية -كما سيأتي- فلا يقال فيه شاعر مخضرم، بل يقال فيه شاعر جاهلي؛ لأن التقسيم في العلوم ينبغي أن يكون ذا تأثير واعتبار وعلة في هذا العلم.
مرة أخرى، واحفظوا هذه الأشياء جيداً، هذه الضوابط والفوائد احفظوها جيداً: التقسيم في العلوم إذا قسمت شيئاً في علم، لابد وأن يكون لذلك التأثير أو التقسيم أثر. فإذا قلت شاعر جاهلي وشاعر مخضرم وشاعر إسلامي، لابد أن يكون للمخضرم تأثير في قضية الشعر، صح ولا لا يا إخوة؟ هل هذا منطقي؟ عندما تقول شاعر جاهلي وشاعر مخضرم وشاعر إسلامي لابد أن يكون هناك أثر للتقسيم، وهذا في كل العلوم بالمناسبة.
أنت إذا قسمت شيئاً في نواقد الوضوء، قسمت شيئاً في أسباب الحدث، قسمت الحدث إلى أكبر وأصغر؛ لماذا؟ لأن الحدث الأكبر له أحكام الغسل، ولأن الحدث الأصغر له أحكام الوضوء. هذا له حكم وهذا له حكم، ولهذا قالوا حدث أكبر وحدث أصغر. ولما قالوا الدماء في المرأة، قالوا دماء طبيعية ودماء غير طبيعية؛ لماذا فصلوا الاستحاضة عن الحيضة؟ لأن الاستحاضة أن ينزل منها الدم في غير موعد الحيضة المعتادة، وجعلوا مسائل تفصيلية معقدة جداً إذا كان لها عادة ولم يكن لها عادة وكذا؛ لماذا؟ لأن الدماء الطبيعية لأن الحيض له حكم، والدماء الأخرى لها حكم لأنها في حكم الجرح.
خلاص، فأي تقسيم، خذوا هذه القاعدة: أي تقسيم في العلوم لابد أن يكون له أثر في الأحكام المترتبة في هذا العلم. فإذا قالوا شاعر مخضرم وشاعر جاهلي وشاعر إسلامي، لابد أن يكون لذلك أثر. فلما قالوا حسان بن ثابت شاعر مخضرم، كان لذلك أثر؛ لأن حسان له شعر شر قبل الإسلام وشعر بعد الإسلام، والذي قبل الإسلام له صفة والذي بعد الإسلام له صفة.
ونص الأصمعي على أن شعر حسان بن ثابت ضعف بعد الإسلام، يعني أنت لا تعرف حسان بن ثابت إلا من القصائد الإسلامية التي قالها بأمر من النبي ﷺ وتفرح بها جداً، وهذا طبيعي، خذ عندك جملة: هذه القصائد أضعف من القصائد التي في الجاهلية، قصائد الجاهلية أقوى من هذه القصائد. من الذي نص على هذا؟ الأصمعي، قال: شعر حسان ضعف بعد الإسلام.
كذلك نظر الشيخ السقاف، الشيخ عبد الرحمن بن عبيد الله الثقافي، قال: شعر الصحابة ضعيف؛ لماذا؟ قال لأنهم كانوا رقباء على ألسنتهم، لأن الشعر يحتاج إلى الانطلاق مع الغضب، والانطلاق مع الثورة، والانطلاق مع هياج المشاعر والعواطف. فإذا تسلطت على حسان بن ثابت كان ينطلق في الأعراض وينطلق في الأنساب وينطلق في النساء، هكذا.
ونحن وأنتم وكذا، وينطلق في الشعر بعد الإسلام، حتى وهو يهجو قريشاً بأمر من النبي ﷺ احتاج إلى أن يجلس مع أبي بكر ليخلص له نسب النبي ﷺ حتى وهو يهجو قريشاً، احتاج إلى أن يخلص له النسب. يعني ضيق عليه أيضاً الإجمال؛ لأن حسان بن ثابت قحطاني من أهل عرب اليمن في الأصل، الأوس والخزرج من عرب اليمن، هو خزرجي، فكان يمكنه أن يهجو قريشاً كلها دفعة واحدة، لكن لا.
وثانياً، حتى وهو يهجو قريشاً، من غير بعد تخليص نسب النبي ﷺ لا يستطيع أن يتعرض للأعراض والنساء؛ لأن هذه الجملة شريفة، هذه الجهة حتى وإن كانت أكثر أهل الأرض لا يمكنك أن تتعرض لمكان كان النبي ﷺ منهم، لا يمكنك أن تتعرض لإحسابهم وأنسابهم في قريش، كيف والنبي ﷺ حتى بعد تخليص فرع الهاشميين منهم هو منهم، خلاص هو منهم.
فحتى الموضوع قصر عليه فضعف شعره. أي يا سلام على تعبيرك يا خالد، ضربت منازعه في مقتل.
صحيح، رضي الله عنه، ضربت منازعه في مقتل. هو سيتكلم في ماذا؟ ماذا بقي؟ فصار الهجاء محدودا في المساحة وفي الموضوع، وصار ما كان ينطلق به صدره مكبوحا. ماذا سيقول؟
لكن شاعرًا كالأعشى عاش إلى ما بعد الإسلام وأسلم، ولم يسلم، وظل جاهليًا في طبيعته، ولم يختلط بالمسلمين ولم يتأثر بشيء. لماذا أقول شاعرًا مخضرمًا؟ لماذا الأعشى؟ هو شاعر جاهلي، خذ عندك وأبو ذئب شاعر جاهلي، ظل جاهليًا وظل أعرابيًا أو بدويًا بعد الإسلام، ولم يختلط شديدًا بالمسلمين بالبيئة الإسلامية، ولم يذكر الله مرة في معلقته. معلقة أبي ذئب لم يذكر فيها الله مرة واحدة، جاهلية صرفة، مستواها جاهلي، تراكيبها جاهلية، وكل معانيها جاهلية. لماذا أسميه شاعرًا مخضرمًا؟
لبيد بن ربيعة أوضح وأوضح، لبيد بن ربيعة رضي الله عنه عاش وأسلم وعاش بعد الإسلام إلى عهد معاوية ولم يقل شعرًا تقريبًا، فلماذا أسميه مخضرمًا إذا كان كل الشعر الذي بين أيدينا قاله في الجاهلية؟ فهمتم؟ فهو يقولون شاعر مخضرم، أنا لا أسميه مخضرمًا. يقولون الأعشى شاعر مخضرم، لا أسميه مخضرمًا. شعراء المعلقات جميعهم جاهليون حتى من أدرك منهم الإسلام، وهو لبيد بن ربيعة، والأعشى مرة أخرى، شعراء المعلقات جميعهم جاهليون حتى من أدرك منهم الإسلام، أسلم أو لم يسلم؛ وهما لبيد بن ربيعة وأسلم، والأعشى ولم يسلم.
وشعراء آخرون كأبي ذئب الهذلي، عاش في الإسلام وهو شاعر وقال قصائد في الإسلام، وأقول هي جاهلية لأنها لم تتأثر بالإسلام لا في التراكيب ولا في الموضوع بشيء، ولا هو خالط المسلمين بحيث بدا عليه المعنى الإسلامي في الشعر.
والخنساء؟ هذا يرجع إلى دراستها؛ ندرسها هل اختلف الشعر أو لا، هذا هو. وكعب بن زهير يعد شاعرًا إسلاميًا، ولكن على الأقل بردتُه جاهلية، وله قصيدة في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ويدافع عنه. هذا كعب بن زهير، قد تقول إنها إسلامية، قد تقول إنها إسلامية.
لبيد بن ربيعة، الشاعر الذي عمر طويلاً، تعالوا نطلع على نسبه واسمه وعلى بعض أخباره وعلى الحديث، ونتحدث في طبقته الشعرية ابتداء؛ لأن هذا هو الذي يعنيني قبل كل شيء. هذا الشاعر معدود في الطبقة الثالثة عند شعراء الجاهليين، أو في كتاب ابن سلام، عُدَّ في الطبقة الثالثة ووضع معه الشماخ بن درار الذبياني، ووضع معه أبا ذئب الهذلي كذلك.
ركزوا يا إخوة، ركزوا ودعكم من الكلام والسؤال، وركزوا لو سمحتم في المحاضرة، ودعكم من أن تنشغلوا بالكتابة. قال ابن سلام في ترجمته أو الحديث عنه من طبقات فحول الشعراء: «وكان لبيد بن ربيعة، أبو عقيل، فارسًا شاعرًا شجاعًا، وكان عذب المنطق، رقيق حواشي الكلام، وكان مسلمًا رجل صدق».
كانوا يقرنون الفروسية بالشاعرية. وكان لبيد بن ربيعة، أبو عقيل كنيته أبو عقيل، فارسًا شاعرًا شجاعًا، وكان عذب المنطق رقيق حواشي الكلام، وكان مسلمًا رجل صدق. قال: وكتب عمر بن الخطاب إلى عامله أنس: «سلبيدًا والأغلب، ما أحدث من الشعر في الإسلام؟» فقال الأغلب: أرجزا سألت أم قصيدا .. فقد سألت هيناً موجودا
عمر بن الخطاب كان يسأل عن الشعراء، وكان الخليفة رأس المسلمين يمشي ويحكم بينهم ويراقبهم، ويسأل عن الشعراء، وكان من أعلم الناس بالشعر والشعراء، وكان من أحرص الناس على السؤال عن الشعراء، يسأل الوفود التي جاءت إلى مكة: من الذي يقول ما هو كلامه؟
قال: وكتب عمر إلى عامله أنس: «سلبيدا والأغلب، ما أحدث من الشعر في الإسلام؟» فقال الأغلب: «أرجزا سألت أم قصيدة؟ فقد سألت هيناً موجوداً». وقال لبيد: «قد أبدلني الله بالشعر سورتي البقرة وآل عمران». فزاد عمر في عطائه كثيرًا فبلغ به ألفين.
فلما ولي معاوية، عاش إلى زمان معاوية، فلما ولي معاوية قال: «يا أبا عقيل، عطائي وعطاؤك سواء»، يعني هو يأخذ مثل الذي يأخذه الشاعر لبيد بن ربيعة، قال: «يا أبا عقيل عطائي وعطاؤك سواء، لا أراني إلا سأحطك»، قال: «أو تدعني قليلاً ثم تضم عطائي إلى عطائك فتاخذه جميعًا؟»، قال: «أو تدعني قليلاً ثم تضم عطائي إلى عطائك فتاخذه جميعًا؟»، قال وعمر عمراً طويلاً.
قال ابن سلام: «وكان في الجاهلية خير شاعر لقومه»، وكان في الجاهلية عكس الحطيئة؛ الحطيئة كان يهجو قومه، نفسه وأبوه وأمه، أما لبيد فكان في الجاهلية خير شاعر لقومه؛ يمدحهم ويرثيهم، ويعد أيامهم ووقائعهم وفرسانهم، وكان يطعم ما هبت الصبا.
وكان المغير بن شعبة إذا هبت الصبا قال في الإسلام: «أعينوا أبا عقيل على مروءته». شوف الكلام، «أعينوا أبا عقيل على مروءته»، أنا أعجبتني هذه الكلمة. وكان في الجاهلية خير شاعر لقومه؛ يمدحهم ويرثيهم، ويعد أيامهم ووقائعهم وفرسانهم. هذا يكشف لك عن طبيعة العرب؛ يحبون إذا مات فيهم أحد أن يُرثى، أن تُذكر محاسنه في قصيدة، وأن تُخلد. شوف الجمال عند العرب.
تعالوا نقرأ شيئًا، هذا كان في كتاب طبقات فحول الشعراء؛ عُدَّ من الفحول في الطبقة الثالثة، وضعه مع الشماخ بن درار، وحسبك به، ومع أبي ذئب الهذلي، ومع النابغة الجعدي. تعالوا نقرأ شيئًا مما في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة.
هل قرأنا نسبه هناك يا إخوة؟ لا، لم نقرأ نسبه، معذرة، نقرأه الآن بسرعة. قال: «لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر»، هو عامري من بني عامر بن صعصعة.
نقرأ ما قاله ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء عن لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري. وكان يقال لأبيه ربيع: «ربيع المقترين»؛ وذلك لسخائه.
وقد قتله بنو أسد في حرب بينهم وبين قومه، ويقال قتله منقذ بن طريف الأسدي، ويقال قتله صامت بن الأفقم من بني الصيداء، ويقال ضربه خالد بن نضلة وتمم عليه. وقد أدرك بثأره عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب أخوه، ويكنى لبيد أبا عقيل.
كان لبيد بن ربيعة من شعراء الجاهلية وفرسانهم. وكان الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الأعرج، وجه إلى المنذر بن ماء السماء مئة فارس وأمره عليهم، فصاروا إلى عسكر المنذر وأظهروا أنهم أتوها داخلين في طاعته، فلما تمكنوا منه قتلوه وركبوا خيلهم، فقتل أكثرهم ونجا لبيد بن ربيعة؛ إذ كان فارساً مقاتلاً، فحمل الغسانيون على عسكر المنذر فهزموهم.
وهو يوم «حليمة». ويذكركم النابغة الذبياني بيوم حليمة، ولعل هذا هو الذي أحفظ النعمان بن المنذر على صاحبه النابغة الذبياني؛ لقوله في مدح الغساسنة وذكر سيوفهم:
تورثن من أزمان يوم حليمه ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم يبيد الرقاق المضارب يطير فضاداً بينها كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب تورث ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
ولعل هذا الذي قاله للغساسنة هو الذي أحفظ النعمان عليه؛ لأنه قال: «تورثن من أزمان يوم حليمة». وكانت حليمة بنت ملك غسان طيبة، حين توجه هؤلاء الفتيان، طيبت الجنود وألبستهم الأكفان والدروع ووبرانس الأضريج، وهو الخز الأحمر الحرير الأحمر، فسمي بيوم حليمة. وربما غضب عليه النعمان لأنه ذكر يوم حليمة.
وذكر ابن قتيبة عن إسلام لبيد وانتقاله إلى الكوفة أنه أدرك الإسلام وقدم على رسول الله ﷺ في وفد بني كلاب فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم، ثم قدم لبيد الكوفة وبنوه، فرجع بنوه إلى البادية بعد ذلك، فأقام لبيد في الكوفة إلى أن مات بها، فدفن في صحراء بني جعفر بن كلاب.
ويقال إن وفاته كانت في أول خلافة معاوية، وأنه مات وهو ابن ١٥٧ سنة، سبحان الله. وبالمناسبة، كان البعض يستنكر عليّ ويقول: «تكون أبا قيس وتقول ١٥٧؟»، كطريقة الغربيين يقرأون من الشمال. والله أعلم، لا أدري وليس لي علم، ولن أبذل وقتاً وجهداً لأحقق هل مات ١٥٠ أو ١٥٧ أو ١٢٠ سنة؛ فليس عندي فضول لمعرفة ذلك.
ولم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً، واختلف في هذا البيت؛ قال أبو اليقضان: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى كساني من الإسلام سربالا
وقال غيره، بل هو قوله: ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
وقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أنشدني من شعرك»، فقرأ سورة البقرة، وقال: «ما كنت لأقول شعراً بعد إذ علمني الله سورة البقرة وآل عمران»، فزاد عمر في عطائه خمسمئة درهم، وكان ألفين.
فلما كان في زمن معاوية، قال له معاوية: «هذان الفودان، فما بال العلاوة؟»، والفودان يعني العدلان.
منهما يكون فوده الذي هو يحمل على جانبي البعير، فقال: «هذان الفودان»، فما بال العلاوة؟ بالفودين ألف، وبالعلاوة خمسمائة، وأراد أن يحطها إياها فقال: «أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفودان». فرق له معاوية وترك عطاءه على حاله، فمات بعد ذلك بيسير.
وكان لبيد حلفه، وكان لبيد في الجاهلية يقول: «ألا تهب الصبا، ألا أطعم الناس حتى تسكن». وألزم نفسه في إسلامه، فخطب الوليد بن عقبة الناس بالكوفة يوم صبا، يعني في يوم ريح، وقال: «إن أخاكم لبيداً ألا تهب له الصبا ألا أطعم الناس حتى تسكن، وهذا اليوم من أيامه فأعينوه، وأنا أول من أعانه».
ونزل فبعث إليه بمائة بكرة، وكتب إليه: أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيلي أشم الأنوف أصيد عبشميا ... إذا هبت رياح أبي عقيلي أعان على مروءته لبيداً ... بأمثال الهضابك كان ركباً كان ركباً عليها من بني حام ... قعوداً أبا وهب جزاك الله خيراً نحرناها وأطعمنا ثريداً ... فعد إن الكريم له معاد وظني يا ابن أروى أن تعودا ... أبا وهب جزاك الله خيراً
نحرناها وأطعمنا الثريد، فعد إن الكريم له معاد، وظني يا ابن أروى أن تعودا. فقال لها لبيد: «أحسنتِ، لولا أنكِ استطعمتيه». فقالت له: «إنه ملك وليس بسوقه، ولا بأس باستطعام الملوك».
له القصيدة يا إخوة، وهي قصيدة له سجلتها، التي أخبرتكم أنني سجلتها وعيني تحفظها من سنين طويلة: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع وقد كنت في أكناف جارٍ مضنةٍ ... ففارقني جارٌ بارٌ نافع فلا تجزع إن فرق الدهر بيننا ... فكل فتى يوماً به الدهر فاجع وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حُلٍّ وغدوا بلاقع وما المرء إلا كالشهاب وضوءه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع وما البر إلا مضمرات من التقى ... وما المال إلا معمرات ودائع وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوماً أن ترد الودائع وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبرأ ما يبني وآخر رافع فمنهم سعيد أخذ بنصيبه ... ومنهم شقي بالمعيشة قانع أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين والنصل قاطع فلا تبعدا إن المنية موعد ... علينا فدان للطلوع وطالع أعاذل ما يدريك إلا تظنياً ... إذا رحل السفار من هو راجع أتجزع مما أحدث الدهر للفتى ... وأي كريم لم تصبه القوارع؟ لعمرك ما تدري الضارب بالحصى ... ولا زاجر الطير ما الله صانعه
ومما يستجاد له أيضاً قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه ... قضى عملاً والمرء ما عاش حبائله مبثوثة بسبيل ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل ... فقولا له إن كان يقسم أمره المما يعظك الدهر أم كأنه هابل؟ ... فإن لم تصدق نفسك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل ... فإن لم تكن أنت اذكر نسبك قل نسبك لعلك تهديك القرون الأوائل ... هل عاش لك أحد؟ فإن لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معدٍ فلتزعك العواذل وكل امرئ يوماً سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاص
يقول ابن قتيبة: وهذا البيت الآخر يدل على أنه قيل في الإسلام، وهو شبيه بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَحَصَّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، أو كان لبيد قبل إسلامه يؤمن بالبعث والحساب.
طبعاً هذا من زهير كذلك، فلا تكتم الله ما في صدوركم ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم، يؤخر فيوضع في كتاب فيُدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم. فهذه المعاني موجودة عند بعض الجاهليين الذين ماتوا بالإجماع جاهليين، وقالوا وقصائدهم هذه قالوها في الجاهلية، حتى من كان عاش بعد ذلك فأسلم. فلبيد بن زهير قال هذه الأبيات في الجاهلية اتفاقاً، ولبيد بن ربيعة قالها في الجاهلية.
الجاهليون يؤمنون بالله لكن الوثنيين لا يؤمنون بالبعث والحساب. إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، متنا وكنا تراباً وعظاماً. فالجاهلي يؤمن بالبعث، أما الوثني فلا يؤمن بالبعث. الوثنية لا ينكرون الله، هذه محرفة عن ملة إبراهيم عليه السلام. هذه التماثيل بعضها أو كلها أصلاً تماثيل لصالحين وأنبياء، لكن عبدوها من دون الله وصرفوا العبادة إليها للأسف.
من الذي كان له رأي نستطيع أن نقول كان سلبياً في...
لبيد بن ربيعة، رأي يجعله مختلفًا عن الفحول؛ أبو عمرو بن العلاء وتلميذه الأصمعي. كان أبو عمرو إذا سئل عن لبيد قال: «هو رجل صالح»، هروبًا من مواجهة نفي الفحولة عنه.
تعالوا نطلع على بعض شيء من هذا. هذا أبو عمرو بن العلاء يصف شعر لبيد فيقول: «هو رحى بذر»، ويُفضل عليه خداش بن زهير، ويقول إن خداشًا في عظم الشعر أشعر من لبيد، ويقول إن الناس أبوا إلا تقدمه لبيد.
والأصمعي وصف شعر لبيد بأنه «طيلسان تبرٍ»، وفسر ذلك بأنه جيد الصنعة وليست له حلاوة. ولما سئل عنه قال: «هو رجل صالح»، قال رجل صالح حتى لا يعني، كان صحابيًا وله مكانة، فكان إذا سئل عنه شعراً قال: «هو رجل صالح»، ما كان يميل إلى شعره.
أحسب هذا مدخلًا جيدًا، أظن أن هذا مدخل جيد للحديث بعد ذلك عن القصيدة التي نقرأها الآن إن شاء الله، وبعد ذلك نشرح منها شيئًا إن تيسر. هذه القصيدة هي المعلقة أيها الإخوة، قصيدة فحل، ألحقته بمن هو دونهم.
عندك ابن طيفور في كتاب «القصائد الفرائد»، قال لما كانت قصيدة لبيد عين شعره وأجود كلامه، وجمع فيها من محاسن المعاني ما جمع، ألحق بأصحاب أصحابه وليس مثلهم.
وتكلم عن مقدمتها، الدكتور يوسف خليف في كتابه «دراسات في الشعر الجاهلي»، في فصل عن مقدمتها الطلالية صفحة 139. هذا كتاب فيه خير وفيه غير ذلك، تقرؤه وأنت تميز، لكنه مفيد إذا خلصت الفائدة منه. يقول: كانت هناك نماذج ممتازة من المقدمات الطلالية راح الشعراء يحتذونها ويقلدونها، وربما كانت مقدمة لبيد لمعلقته أوضح مثال على هذا التقليد، وهي مقدمة توشك أن تكون نسخة أخرى من مقدمة زهير لمعلقته؛ فطريقة العرض واحدة، وزوايا الصور هي نفسها، وأوضاع المناظر هي نفسها، وأسلوب الإخراج هو عينه أسلوب زهير، وكل ما بين المقدمتين من اختلاف إنما يقع في التفاصيل الداخلية والجزيئات الصغيرة.
ما هي هذه التفاصيل الداخلية والجزيئات الصغيرة؟ هي لب فكرة النظم أصلاً التي يغير بها المعنى. وقصيدة لبيد حقيقة أنا ممن يحتفي بها شديدًا جدًا، احتفيت بها احتفاء عظيمًا. المطلع مطلعها إلى البيت العاشر، ما بعد العاشر ثلاثة عشر بيتًا هكذا، وأكثر مطلعها شجي، لها مطلع هادئ هكذا ولها بناء عجيب، لها نسق: «وقفت أسألها» وكيف سؤالنا هكذا؟ «ويا ابني بالفوقفت» بعد أن حصل وحصل وحصل «وقفت أسألها». هي جميلة جدًا مطربة وسسترى إن شاء الله.
فأنا أكلمكم باختصار على القصيدة؛ هي قصيدة فحل كما قلت، ألحقته بمن هو دونهم في الرتبة الشعرية في الحقيقة لكن ألحقته بهم. فيها تشبيهات عجيبة جدًا، وحسبكم أن فيها البيت الذي سجد عنده الفرزدق. تعرفون سجدة الشعر؟ الفرزدق جاء عند بيت وسجد، فلما قيل له في ذلك قال: «إنتم عندكم سجدة تلاوة، وأنا عندي سجدة الشعر». وهذا البيت من مواضع السجود في الشعر لما سمع البيت سجد؛ لما قال: ﴿وَجَلَّ السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا * زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلَامُهَا﴾. القصة حقيقية، سجد الفرزدق.
أنا حاسس به، والله حاسس. تتخيلون يا إخوة؟ الناس دلوقتي يبقى جاهل وبرميل وفنطاس وفارغ، وما بيعرفش إلا الآجرومية وما بيعرفش يتكلم ولا يقول جملة تامة بدون لحن وكذا، ويعمل لك كده وشيخ وقور، وبعدين يجي يتلفت يعمل لك كده، ويمسك كده عشان ما تروحش الهيبة، وأحسن الهدوم، والتاني لابس لك العمامة وعامل لك كده، ويتلفت كده عشان الصوف الإنجليزي مخشبة، أصله عالم؟ أصله عالم! لا، أنت خايف الكاوي تبوظ، أنت مش عالم ولا حاجة، أنت خايف الكاوي تبوظ، أنت كاوي وتعبان فيها، عايز الهيبة على مساكين زماننا يا فنطاس.
إنما الحقيقيون تلقائيون. تخيل الفرزدق قدامك، لو طلع عليك يسح الكره الأرضية أصلاً بشعره، لو مشى بين الآن الأرض تنتهي شعريًا، خلاص. فأنت بتتكلم في الفرزدق، لو طال أن فعل فسجد، لأنهم تلقائيون.
وفيها كذلك يا إخوة من مفردات الفصيح البارع ما لا يُترك، يقول لك «تأجل» أو «تأجلوا»، «عوذاً تأجل بالفضاء بهامها»، و«مسبوعة»، «تكنسوا» بمعنى دخلوا في الكناس، والمقصود هو الهوادج، لأن الأصل أن الغزالة تدخل في الكناس فجعلها الهوادج. فهي مليئة بهذا.
القافية في القصيدة لها شأنها، ليس فقط في صوتها والفتحة المطلقة، بل في عود الضمير؛ الضمير الذي في آخر كل بيت ربط الضمير أو شد الضمير لمعنى، أو بعودته على شيء في البيت أو على البيت الذي قبله، فهذا شد من نسيج البيت على هيئة معينة.
الدكتور عبد الله الطيب في كتاب «المرشد» الجزء الأول صفحة 69 يقول: «إذا جاءت ألف الإطلاق نفاذاً للضمير كما في معلقة لبيد، فالضمة أحسن مجرى يسبقها، كما في ميميات لبيد المضمومة».
تعالوا نقرأ القصيدة أيها الإخوة، قال الشاعر الجليل العظيم، أحد شعراء المعلقات، لبيد بن ربيعة العامري في قصيدته المعلقة المطولة:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا .. بِمَنَنْ تَأَبَّدَ غَوْلُهَا جَامُهَا فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا .. خَلَقاً كَمَا ضُمِّنَ مِنَ الْوَحْيِ سَمُهَا دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا .. حُجُجٌ خَلَوْنَ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابَهَا .. وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جُودُهَا مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُجِنٍ .. وَعَشِيَّةٍ مُتَجَاوِبٍ أَرْزَامُهَا فَعَلَى فُرُوعِ الأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ .. بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنِعَامُهَا وَالْعَيْنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلَائِهَا .. عُوذاً تَأَجَّلَ بِالْفَضَاءِ بِهَامُهَا
وجلَّ السيول عن الطلول كأنها زبرٌ تجدُّ متونها أقلامها، والعين ساكنة على أطلائها، عوذاً تأجل بالفضاء بهامها.
وجلَّ السيول عن الطلول كأنها زبرٌ تجدُّ متونها أقلامها، أو رجعٌ وأشمه، نؤورها كففا تعرض فوقهن وشامها. فوقفتُ أسألها، وكيف سؤالنا صمّاً خوالد ما يبين كلامها؟
عريت وكان بها الجميع فأبكروا منها، وغدر نؤيها وثمامها. شاقتك ضعنُ الحي حين تحملوا، فتكنسوا قطناً تصرُّ خيامها، من كل محفوفٍ يظلُّ عصيه زوجٌ عليه كله وقرامها.
زجلاً كان به زجلاً، كان نعاجوضح فوقها وضباءً وجرةً عطفا أرآمها، حفزت وزايلها السراب كأنها أجزى عبيشة أثاً ورضامها. بل ما تذكر من نوار وقد نات وتقطعت أسبابها ورمامها.
مرية حلت بفيده وجاورت أهل الحجاز، فأين منك مرامها؟ بمشارق الجبلين أو بمحجرٍ، فتضمنتها فرده فرخامها. فسوائق أن ايم ت فمظنه فيها وحاف القهر أو طلخامها.
فاقطع لبانه من تعرض وصله، ولشرِّ واصل خلة صرامها. روايتان لا شر ولا خير، وأنا أحب روايات خير، فاقطع لبانه من تعرض وصله ولخير واصل خله صرامها.
وحبُّ المجامل بالجميل وصرمه باقٍ إذا ضلعت وزاغ قوامها، بطليح أسفار تركن بقية منها، فاحنق صلبها وسنامها. وإذا تغاى لحمها وتحسرت وتقطعت بعد الكلال خدامها، فلها هباب في الزمام كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها.
أو ملمع وسقت لاحقب لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها، يعلو بها حب الأكام مسحج قد رابه عصيانها ووحامها. باحزة الثلب يربأ فوقها مرابئ خوفه أرآمها.
حتى إذا سلخ جماداً كلها جزءاً، فطال صيامه وصيامها، رجعاً بأمرهما إلى ذي مرة حصد ونجح صليمه إبرامها. ورمى دوابرها السفا وتهيجت ريح المصايف سومها وسهامها، فتنازع سبطاً يطير ظلاله كدخان مشعل يشب ضرامها.
مشموله غلث بنابت عرفج كدخان نار ساطع أسنامها. فمضى وقدمها، وكانت عادة منه إذا هي عردت أقدامها، فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاوزاً قلامها. محفوفة وسط اليراع يظللها منه مصرع غابة وقيامها.
افتلك أم وحشية مسبوعة، خذلت وهادية الصوار قوامها. خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها، لمعفرن قهد تنازع شلوه غبس كواسب لا يمن طعامها. صادفن منها غرة فاصبنها، إن المنايا لا تطيش سهامها.
باتت وأسبل واكف من ديمة يروي الخمائل دائماً تسجامها، يعلو طريقه متنها متواتراً في ليلة كفر النجوم غمامها. تجتاف أصلاً خالصاً متنبذاً بعجوب أنقاء يميل هيامها، وتضيء في وجه الظلام منيرة كجمانة البحري سل نظامها.
حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت، بكرت تزل عن الثرى أزلامها، عليها التردد في نهاء صعائد سبعاً تؤاماً كاملاً أيامها. حتى إذا يائست وأسحق حالق لم يبله إرضاعها وفطامها، وتوجست رز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والآنيس سقامها.
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها. حتى إذا يئس الرمات وأرسلوا غضفاً دواجن قافلاً أعصامها، فلحقت واعتكرت لها مدرية كالسمهرية حدها وتمامها.
وأيقنت أن لم تذم مع الحتوف أن قد أحم من الحتوف حمامها، فتقصدت منها كساب فضرجت بدم وغدر في المكر سخامها. فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى واجتاب أرضيه السراب أكامها، أقضي اللبانه لا أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها.
أولم تكن تدري نوار بأنني وصال عقد حبائل جذامها؟ تراك أمكنه إذا لم أرضها أو يعتلق بعض بعض النفوس حمامها؟ بل أنت لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوها ونها، قد بتت سامرها وغاية تاجر، وافيت إذ رفعت وعز مدامها.
أغلي السباء بكل أدكن عاتق أو جونه قدحت وفض ختامها، وصبوح صافيه وجذب كرينه بموتر تاتاله إبهامها. بادرت حاجتها الدجاج بسحره لاعل منها حين هب نيامها.
وغداه ريح قد وزعت وقره إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. ولقد حميت الحي تحمل شكتي فرط وشاحي إذ غدوت لجامها، فعلوت مرتقباً على ذي هبوه حرج إلى أعلامهن قتامها. حتى إذا ألقت يداً في كافر واجن عورات الثغور ظلامها، أسهلت وانتصبت كجذع منيفة جرداً يحصر دونها جرامها.
رفعتها طرد النعام وشله حتى إذا سخنت وخف عظامها، قلقت رحالتها وأسبل نحرها وابتل من زبد الحميم حزامها، ترقى وتطعن في العنان وتنتحي ورد الحمامة إذ أجد حمامها.
ترقى وتطعن في العنان وتنتحي ورد الحمامة، إذ أجد حمامها، وكثيرة غرباؤها مجهولة، ترجى نوافلها ويخشى ذامها. وكثيرة غرباؤها مجهولة، ترجى نوافلها ويخشى ذامها، غلب تشذر بالذحول، كأنها جن البدي، رواسيا أقدامها، أنكرت باطلها وبؤت بحقها، عندي ولم يفخر علي كرامها.
وكثيرة غرباؤها مجهولة، ترجى نوافلها ويخشى ذامها، غلب تشذر بالذحول، كأنها جن البدي، رواسيا أقدامها، أنكرت باطلها وبؤت بحقها، عندي ولم يفخر علي كرامها. وجزور أيسار، دعوت لحتفها بمغالق متشابه أجسامها، أدعو بهن لعاقر أو مطفل، بذلت لجيران الجميع لحامها، فالضيف والجار الجنيب كأنما هبط تباله مخصبا أهضامها.
تاوي إلى الإطناب كل رذية مثل البلية خالص أهدامها. ويكلون إذا الرياح تناوحت، خلجا تمد شوارع أيتامها. أنا إذا التقت المجامع لم يزل منا لزاز عظيم جسامها، ومقسم يعطي العشيرة حقها وحقيقها، ومغدر لحقوقها هضامها.
فضلا، وذو كرم يعين على الندى، سمح كسوب رغائب غنامها، من معشر سنت لهم آباؤهم، ولكل قوم سنة وإمامها. لا يطبعون ولا يبور فعالهم، إذ لا يميل مع الهوى أحلامها. فاقنع بما قسم المليك، فإنما قسم الخلائق بيننا علامها.
وإذا الأمانة قسمت في معشر، أوفى بأعظم حظنا قسامها، فبنى لنا بيتا رفيعا سمكه، فسمى إليه كلها وغلامها. وهم السعاة إذا العشيرة أفضعت، وهم فوارسها وهم حكامها، وهم ربيع للمجاور فيهم، والمرملات إذا تطاول عامها. وهم العشيرة إن يبطئ حاسد، أو أن يميل مع العدو لئامها.
رأيتم الكنوز المدفونة يا إخوة، ما رأيكم؟ عرفتم لماذا ثورتي وغضبي لما جاء جاهل لا يعرف هذا، متنكر لماضيه ولآدبه، يقول في هذا وأمثاله إنه نظم وأنه قرأ؟ ووجده يقول من المتنبي إلى امرئ القيس ثلاثة أرباع الشعر نظم. هذا واحد من النظم، من أشهر النظم. عرفتم لماذا الغضبة؟ إن هذا الكنز عندنا ونحن لا نفعل به شيئا، نتنكر له. رأيتم الروعة؟ رأيتم من شعر بنغمة القصيدة، هناك في نغمة في النفس مندمجة مع المعاني عجيبة، هناك نغمة مع المعاني مندمجة في عجب غريبة.
دعونا نبدأ الشرح المرة القادمة إن شاء الله غدا بإذن الله. كانت سهرة جميلة مع لبيد وقراءة القصيدة، وقرأنا له نصوصا أخرى من ابن قتيبة في الشعر والشعراء، وتكلمنا عنه بحديث جميل، وهو مهم في المعرفة عن الشاعر.
فأبدأ ولا نؤجل؟ نبدأ؟ نسأل أكثر الإخوة: اللي عايز نبدأ يكتب واحد، واللي عايز نؤجل يكتب اثنين. يلا يكتب اثنين، ونبدأ غدا مبكرا إن شاء الله. حسمتها خلاص، غدا إن شاء الله نبدأ من أول القصيدة. شكرا لكم يا أحباب وجزاكم الله خيرا. اليوم خفيف، ويُسمع على مقاطع أفضل. في أمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد