يا مرحبا بالكرام، يا مرحبا، أهلاً وسهلاً. أرجو أيها الكرام طمأنتی إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم، وأرجو طمأنتی إلى سلامة البث، وكل من ألقى السلام أقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا أقول له: حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالجميع.
ما شاء الله، الكرام معنا ما شاء الله. شاع مشع شموع شعشع شعل، يا سلام عليك يا عم خالد، أنت بدأت! دعي أطمئن إلى البث من عندي كذلك، وأرجو أن تتفاعلوا لو سمحتم مع البث جميعاً حتى يصل إلى الإخوة لو سمحتم.
اليوم يا إخوة تمت القناة، تم وجود القناة اثنا عشر عاماً بحمد الله تعالى، هي دخلت في العام الثالث عشر. أنشئت هذه القناة بحمد الله تعالى في اليوم الخامس من أكتوبر عام 2013م، وتمت 12 عاماً بحمد الله سبحانه وتعالى، فالحمد لله القناة تعمل عملاً مباركاً بحمد الله سبحانه وتعالى.
حينما نظرت في بداياتها الأولى وجدتها قصائد مسجلة فقط بالأداء، ثم بعد ذلك بدأت لقاءات وأجوبة وشروح، وأخذت أتابع هكذا التسلسل في طريقها العلمي وتدرجها، فإذا بها قطعت سبيلاً طويلاً بحمد الله تعالى في أصول وأمور كان للأسف الجمهور يفقدها، ولهذا لعبت به هذه الحداثة.
أخذت أنظر إلى زيادات الإقبال، سواء بمعدلات الإقبال والتسجيل في القناة أو بمعدلات المشاهدات وكيف اتسع جمهور الشعر، أخذت كذلك أنظر إلى تعليقات الناس التي بدأت تنضج، بدأت يظهر نضوجها بحمد الله تعالى تقريباً في أواخر عام 2018م.
كانت هناك الطفرة في هذا الوقت بحمد الله. يا رب يا رب، أختنا أم نور، يا رب كانت هناك طفرة في هذا الوقت في القناة، وكان هناك نشاط تخلله بعض الخمول؛ شغلت في أمور حياتية وشغلت في بعض الأشياء. أنا الآن عادتي أنني أكون منكشفاً، أي أحكي كما حصل وكيف كان.
في عام 2018م، لا هذه ليست هذه الفترة، الفترة التي تحكي عنها انتهت عندها، لكن هنا بدأت القناة بعد ذلك يحصل لها طفرة، وزدت من النشاط عليها كثيراً. ثم سبحان الله، الإنسان وهو يسير في مثل هذه الأمور تعرض له أمور ويخوض، كنت أعقد بعض المجالس في قاعات خارجية في مصر، وكنت أواجه الحال بطبيعة الحال في مصر عسر الحضور؛ لأن كثيراً من أحبابنا المتابعين من خارج القاهرة ومن المحافظات، وكانوا يلتقون بي أو يزورونني في أيام معرض الكتاب، فكان عقد المحاضرات في الأماكن المفتوحة يحضره عدد قليل نسبياً بالنظر لما يحصل من المشاهدات.
القناة أنشئت في اليوم الخامس من شهر أكتوبر عام 2013م، وأتمت 12 عاماً بحمد الله. في خلال ذلك كله كانت هناك متغيرات كثيرة جداً. أكشف لكم بعض الأوراق مما كان يحصل؛ كان البعض يحرض ويقول: ماذا لو صنعت أشياء خففت فيها من المادة؟ هذا نصح به البعض من المقربين، لأسف، من الذين كانوا مقربين وما كان لنا أن نظل مقربين.
كان يقول مثلاً: ماذا لو صنعت أشياء دقائق واثرت الجدل بكذا وفعلت كذا وأتيت بالمشاهدات والجماهير؟ قلت له: ثم ماذا؟ هل أنا أريد؟ قال: لو أنك نظرت إلى المواقع التي تحصد الملايين من المتابعين والمشاهدات لوجدتها تقدم أشياء قصيرة ولذيذة وخفيفة؛ هذا الشعر الذي تقدمه، هذه المادة الثقيلة، وتشرح التراكيب ودلالات النحو وأثرها في البيان، وتشرح البناء الصرفي، ولماذا قيل كذا ولم يقل كذا، وهذه القافية وهذه اللفظة غير شعرية، هذه أشياء ثقيلة لا تجذب الجماهير، تتعلق بنخبة. قلت له: ومن قال لك إنني أريد الجماهير؟ قال: إذاً فليظل الجمهور قليلاً. قلت: فليظل قليلاً، فهذا ما نريده.
لهذا أنا اعتبرت أنها قاربت اليوم ستتم 114,000 من المتابعين، اعتبرت هذا إنجازاً كبيراً وهي ما زالت مستمرة على نهجها. فلما كان يقال لي هذا، كنت أقول لا. قال: يمكنك أن تثير الجدل. قلت: من قال إنني أريد هذا الجمهور الذي يتابع القنوات التي تقدم المقاطع القصيرة والأشياء الخفيفة والمثيرة للجدل والخفيفة على النفس واللطيفة؟ كان يقول: يمكنك أن تقدم أبياتاً أخف بكثير تعمل انتشاراً وتحكي قصة حول هذا البيت، كبيت إدريس جماع: «السيف في الغمد لا تخشى مضاربه .. وسيف عينيك في الحالين بتار». وأنت منشغل بالنص وتقول: لا علاقة لي بروايات القصاصين، هذا هو ما يجلب الجمهور. قلت له: من قال لك إنني أريد هذا الجمهور؟ قال: فلتكن إذاً محدوداً. قلت: فلأكن محدوداً.
وحصل ومرت القناة بأشياء، وبالمناسبة ربما هذه أول مرة أو ثاني مرة أذكر فيها هذا؛ مرت في سنوات قبل ستة أعوام أو خمسة أعوام بفترة احتجت فيها إلى أن أركز في بعض العمل الاستثماري، فتركت القناة لشهور، مات النشاط أو خمل النشاط بها كثيراً إلا ما فيها من تسجيلات قديمة.
فرزقني الله تعالى أحد الذين لهم حيلة وتفكير، قال لي مثلاً: يا أبا قيس، ماذا لو فتحت الدعم في القناة؟ إن فتحت الدعم والمشاركة، وإذا كانت تدعم مالياً في مقابل أن تلتزم فيها شروحاً أو تلتزم فيها مجالس يومية أو شبه يومية. فلو فتحتها بالإضافة إلى ما أجبرك عليه اليوتيوب أو الزمك إياه من موضوع الاستثمار؛ لأن فرض الإعلانات على كل القنوات قبل ذلك ما كنت أسمح بالإعلانات، ولما وجدته يفرض الإعلانات التي يشتكي منها البعض الآن، هي مفروضة أصلاً، لابد في كل حال سيخرج إعلانات. ولما وجدته كذلك وهو يستثمر، ففعلت الاستثمار في القناة، وبعد ذلك جاء وقت كان فيه خمول في القناة، احتجت فيه إلى العمل والتركيز على العمل الاستثماري أو التكسبي.
في الخارج، فكان معي بعض الأصدقاء النصحاء، فقال لي: هكذا نفسياً، حتى لو فتحت هذا الدعم سترى شيئاً تتعلق به لتلزم نفسك بالدروس. ومن هنا لما فعلت ذلك قلت صحيح، وألزمت نفسي بالمجالس كل يوم، واعتبرت ذلك شيئاً وحقاً لا بد وأن يقدم، فلا أكاد أنقطع ولا يذهب يوم تقريباً بلا مجالس إلا في استثناءات قليلة كما ترون الآن، فالحمد لله.
هذه رحلة، ومن آخر ما صنع في القناة سلسلة التي سميتها بمقاطع التكوين الفكري. هذه سلسلة مهمة جداً، أرشد إليها كل من يريد أن يصحح فكره الشعرية والنقدية، ودائماً أنشرها كل فترة كما ترون بحمد الله تعالى. الله يرضى عليك يا مصطفى، الله يرضى عليك يا مصطفى حماد، فصرت أنشرها كل فترة بحمد لله.
وهذه سلسلة منتقاة بعناية، وتدرج البثوث الجديدة المتعلقة بها بعناية، ولما أنشئت انتقيت مادتها من القديم من قبل، على طول عشرة أعوام؛ لأني أنشأتها من سنتين تقريباً أو عام ونصف من أكثر من عشرة أعوام. انتقيت مادتها بعناية، وراجعت القناة كلها وأدرجت فيها ما يتعلق بالتصحيح الفكري.
أخونا البياتي العراقي يقول: «هذه السلسلة غيرت الكثير في تفكيري»، والحمد لله، وأختنا تقول: «انتهيت منها»، الحمد لله، ما شاء الله. هذه كفيلة بنقلك من هنا إلى هنا بحمد الله تعالى. هذا من آخر مقام فيها، والحمد لله مستمرون، والعمل لا يتوقف على القناة، بل ما تزال عملاً داعماً من الجهة الإعلامية.
هذا ربما أول مرة أقوله تقريباً، أن تكون عندي نافذة إعلامية، وأن أصر على مواقفي مع النوافذ الإعلامية التي تعرض الخدمات اللوجستية، ولا أكون موافقاً عليها بالتمام أو لا أنسجم معها ولا تلائم رسالتي بالتمام. كما حكيت من قبل، عُرضت الخدمات اللوجستية والاقتصادية من بعض الجهات، لكن كان سيكون في مقابل ذلك تنازلات، وكان سيكون كذلك شيء من الخضوع والحياء والحفاظ على المكتسب الموجود.
فلذلك قلت قد أتاح الله لي قناة إعلامية تصل إلى الجماهير، فلست مضطراً إلى هذا الانحناء ولو كان له تأويل. لكن تظل هذه على جنب، والأساس عندي في العمل بحمد لله هو التصنيف. ومن أعظم ما رضيت عنه، وأسأل الله أن يرضى عنه وأن يتقبله، كتابي الأخير الذي هو «دفاع عن القرآن: كشف الجهالات وتفنيد المرقعات»، ووفق الله تعالى الآن بصدور كتابين من المكتبات، الحمد لله، خرج من دور الطباعة في بيروت بحمد الله وهو في طريقه إلى الأردن الآن وإلى معرض القاهرة.
خرج الكتابان القديمان «مدرسة الغزل» و«تذكرت ليلى»، وأبشركم كذلك بأنني في صدد تأليف كتابي «البيان عن تهافت النقد المنسوب إلى أبي بكر الباقلاني على قصيدة امرئ القيس والبحتري». هذا كتاب علمي محض، نقدي ثقيل، يعتمد التحليل في النقد الأدبي، وكتاب استوفى القضية التي وُضع فيها بحمد الله تعالى.
فالأصل عندي في هذا هو شعبة التصنيف، ثم شعبة الحركة والأسفار والدعوة في هذا الشعر والزيارة، أو التعامل الوجاهي والمواجهة مع المؤسسات والشعوب للعمل على إحياء اللسان العربي في عصوره المزدهرة، أملاً في أن يرضى الله تعالى عن هذا الجهد وهذه الحركة، وأن يأتي بسبب، وأن يأتي إن شاء الله بي يوم تقرأ فيه الناس القرآن كما قرأته العرب الأوائل، فيعمل في نفوسها ما عمل في نفوسهم.
أرجو أن يبلغني هذا الخبر في قبري، لأنه لن يكون الآن غالباً، هذا عمل جيل جديد؛ فأرجو أن يبلغني في قبري وأن أُخبر بأنني كنت سبباً فيه، هذا ما أرمي إليه، وكشفته بعد سنوات، والله تعالى المعين.
مدد يا سيدي امرؤ القيس، مدد يا سيدي لبيد. نرجع إلى لبيد بن ربيعة: عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا ... بِمَنٍّ تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا فَمَدَافِعُ الرِّيَالِ عَرِي رَسْمُهَا ... خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَ سَمُّهَا دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا ... حُجُجٌ خَلَوْنَ حِلَالُهَا وَحَرَامُهَا
قال: «عفت الديار محلها فمقامها»، محلها ومقامها بدل من الديار، يعني عفى محلها وعفى مقامها، حيث حلوا قليلاً وحيث أقاموا طويلاً، كله عفاء. والشرح الذي ربما أقرأ لكم منه أحياناً، وأقرأ لكم من غيره أحياناً، هو شرح الطوسي، وأما الذي أعرج عليه كثيراً ولعله الأصل بالنسبة لي في شرح هذه القصيدة فهو شرح الأنباري، المتوفى في العام الثمان وثلاثمائة على ما أذكر.
يقول: «محلها ومقامها بدل من الديار، وهما مكان الحلول ومكان الإقامة، والإقامة تدل على مكث أطول». يعني كأنه يقول: هذا الحي منه مواضع يحل فيها حلولاً لا يكون مقاماً ممتداً، يحل فصلاً ويرحل، وكذا غيرها من المواضع تكون مقاماً لا يرحل عنها، حتى هذا عفى، رحل عنه.
«عفت الديار محلها فمقامها»، ومعنى ذلك أنهم لا يرجعون إليها لأن حتى المقام منها عفى، فلا يرحل عن المقام إلا إلى حيث لا رجعة، أما الحلول فيحلون ويرحلون.
«بمنٍّ تأبّد غولها»، قال: «منن» جبل أحمر عظيم ليس بحمى ضرية، أطول منه يشرف على ما حوله من الجبال. قال: «بمنٍّ» وقدم الظرف أو قدم المتعلق على المتعلق، «تأبد» يعني توحش. «بمن تأبد غولها فرجامها»، قالوا هنا الغول بمن تأبد غولها، غول قول الديار أو غول منن، خلاص المراد به المكان المنخفض.
قال: «وهنا الغول من هبط من الأرض»، وقيل هو اسم موضع. و«الرجام» يقول فيقال غول الرجام، يضاف إلى الرجام أحياناً، يقال غول الرجام وهو بحمى ضارية أيضاً، ونسبه لبيد إلى منن فكأنه قال غول من، والرجام جبل آخر مستطيل بناحية، وفي أصله ماء عذب لبني جعفر قوم لبيد. وقد تكون الرجام بمعنى الهضاب، وكأنه يقول من سكن المنخفض منه ومن سكن الأطراف والرجام، أو الرجام كما قال موضع، ونفس المعنى هنا أن الرجامة مواضع أبعد من الغور أو من الغول.
فكل هذا خلى، فكما خلى محلها ومقامها تابد، توحش بمن غولها فرجامها. فقال: عفت الديار خلت أقوت، عفت الديار محلها فمقامها بمنن تابد توحش، غولها فرجامها.
والذي يرجح أن الرجام قد تكون اسمًا للحجارة أو كذا أو الهضاب أنها مرتفعة، تقابل الغول بمعنى المنخفض، والله تعالى أعلم. الذي لفتني هنا أنه جعل الغول والرجام وحشيًا، فألحقه بما يتصف بالتوحش من الكائنات. حتى قال هنا الطوسي: «تابد» بمعنى توحش، إما لأنه خلى من الأنيس أو لأن الوحش حلت فيه. وأرى هذا صفة له، توحش هو نفسه توحش، لا يحتاج إلى أن يقول توحش لأنه خلى من الأنيس أو توحش لأن الوحش حلت فيه؛ هو توحش وإن لم يحل فيه شيء، بمجرد ذهاب الناس عنه صار متوحشًا أو كالمستوحش، مكان مستوحش، تابد توحش.
عفت الديار محلها، عفت الديار محلها فمقامها، بمنن تابد توحش، غولها فرجامها. فمدافع الريان؛ المدافع التلال، والريان موضع المدافع التلال، فهذا نسق على الرجام وعلى الغول؛ فمدافع الريان يعني هذا الموضع، هذه التلاع حيث يندفع الماء من أعلى إلى أسفل.
ثم يستأنف الكلام ويرجع الضمير إلى الأماكن: عري رسمها خلقًا، كما ضمن الوحي سلامها. والوحي هنا يا إخوة هو الكتابة، والوحي هنا هو جمع الوحي وهو الكتابة، والسلام الحجارة كما قال امرؤ القيس، أو كما يروى عنه أنه لما حضرته الوفاة قال: ألا أبلغ بني حجر بن عمر .. وأبلغ ذلك الحي الحريدا بأني قد بقيت بقاء نفس .. ولم أخلق سلامًا أو حديدا
فإذا صحت هذه القصيدة، يكون كلام امرئ القيس مما جرى في أمثال العرب، ونزل به القرآن: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: 50]. ألا أبلغ بني حجر بن عمر .. وأبلغ ذلك الحي الحريدا بأني قد بقيت بقاء نفس .. ولم أخلق حجارة أو حديدا. لم أخلق حجارة أو حديدا حتى أتحمل أكثر مما تحملت، فعلت عليها فتى لم تحمل الأرض مثله، أبر بميثاق وأوفى وأصبر.
بأني قد بقيت بقاء نفس .. ولم أخلق حجارة أو حديدا. جرى ذلك في كلام العرب، لم أخلق حجارة أو حديدا، فنزل بها القرآن: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾، فذلك يكون من كلام العرب السائر فيهم، الموروث المتداول فيما بينهم على جهة البلاغة، وقد ورثوا أصله عن امرئ القيس، ويؤيد ذلك أنهم يعتبرون امرأ القيس أكبر صانع أو أكبر رأس من صناع البيان في العرب.
وجرى كلامه في الناس، بالمناسبة أنت يوم أن تقول يا سلام على الغزال، البنت غزال، هذه غزال؛ أجمعوا على أن أول من شبه النساء بالغزلان أو بالضباء هو امرؤ القيس. انظر الذي هو موروث الآن: يا غزال، يا غزال، في الأغنية، وأنت تتغزل: يا غزال. نحن في مصر لك غزال، هذه من امرئ القيس، أول من شبه. وهناك أمثال جاهلية تسير بيننا لا نعرفها: «ما أشبه الليلة بالبارحة».
طرف بن العبد: أسلمني قومي ولم يغضبوا .. لسوءه حلت بهم فادحة كل خليل إن كنت خاللته .. لا تره بحر السريع أقطعه لتعرفوه لا ترك الله له .. واضحة كلهم أروغ من ثعلب.
ما أشبه الليلة بالبارحة، طرف بن العبد. وقديما كان في الناس الحسد، عمر بن أبي ربيعة. فالوحي هو الوحي أو جمع الوحي وهو الكتابة لأنها إشارات، والسلام الحديد. فيقول: فمدافع الريان، عري رسمها خلقًا كما ضمن الوحي سلامها.
وهذا البيت فيه حجة على كاتب النقد المنسوب إلى أبي بكر الباقلاني، لأنه انتقد قول امرئ القيس، انتقد قوله: «لم يعفر اسمها»، وأن الضمير فيها يعود على المنازل؛ قال فلماذا أعاده على المنازل إلا على معنى تأنيث الديار؟ والشراح أجمعوا تقريبًا على أن الضمير في «رسمها» يعود على الأماكن، وهذا جرى من لبيد بن ربيعة نفس نهج امرئ القيس فيها، لما قال امرؤ القيس: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي .. بسقط اللوا بين الدخول فحومل فوضح فالمقراة. «لم يعفر اسمها» يعني الهاء يعود على هذه المواضع، أي لم يعف المواضع. ونفس المنهج اتبع هنا: «عري رسمها خلقًا»، وهو المنهج الذي اتبعه النابغ الذبياني: عفا ذو حسن من فرتنا .. فالفوارع فجنب أريك فاتلاع الدوافع فمجتمع الأشراج. نفس الكلام، فمجتمع الأشراج، غير رسمها مصايف مرت بعدنا ومرابع؛ إذا غير رسمها بعد ذكر المواضع المتتابعة. هو لم يعفُ رسمها بعد ذكر المواضع المتتابعة، هو عري رسم اسمها بعد ذكر المواضع المتتابعة. رأيتم طرائق الشعراء يتتابعون عليها وتفهم الشعر بها؟ كيف الشعر؟ كلهم رؤي أو امرؤ قيسي.
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي .. بسقط اللوا بين الدخول فحومل فوضح فالمقراة .. لم يعفر اسمها. عفا ذو حسن من فرتنا .. فالفوارع فجنب أريك فاتلاع الدوافع فمجتمع الأشراج. غير رسمها مصايف مرت بعدنا ومرابع؛ عفت الديار محلها فمقامها بمن تابد غولها فرجامها، فمدافع الريان، عري رسمها. فالضمير في «رسمها» يعود على المواضع وليس على الديار التي في أول كلامها، الضمير يعود على المراجع وليس على الديار التي في أول الكلام.
فمدافع الريان؛ كما قلنا الأماكن التي يندفع منها الماء، التلاع. و«خلقًا» هنا يعني كانت خلقة، يعني متقادمة ضائعة تكاد تتلاشى، كالحلق، يعني كالشيء الخلق المتهالك. «عري رسمها خلقًا»، وخلقًا هنا حال، يعني عري رسمها حال كونه خلقًا، وجدناه خلقًا لما عري رسمها.
«كما ضمن» ومعنى ضمن يعني حافظ عليها، كما ضمن الوحي الكتاب، «سلامها» يعني كالمنقوش في الحجارة. ومعنى هذا أن العرب رأت الكلام المنقوش في الحجارة وتعرف الكلام المنقوش في الحجارة، سواء نقشته هي، أو رأته في قصور الحيرة والغساسنة. وهذا يؤيد ما أذهب إليه من قديم، وهو أن القصائد كانت تكتب في الجاهلية وليست تحفظ فقط كما يظن البعض أو الكثيرون، أو الأصل يظنون، الأكثرون يظنون هذا. القصائد عندي كانت تكتب، وعندي شواهد على ذلك. من هذا ما ذكره بعض الرواة من أن السر في أن حماد الراوية يروي من الشعر -وهذا ثبت قطعًا أن حماد الراوية يروي من الأشعار ما لا يعرفه غيره- يقول: روى بعض الرواة أن حمادًا ورث ذلك من قصر من قصور المناذرة في الجاهلية، قال إنه نقب جدارًا أو سقفًا فوجد فيه مجموعًا كبيرًا من رقاع كتبت فيها القصائد التي مدح بها المناذرة في الجاهلية، منها طبعًا الأعشى والنابغة الذبياني، هذا ليس من عندي، هذه رواية موجودة.
هذه رواية موجودة، ليس من عندي قطع النظر عن قوتها، لكن أنا دعمت بها موقفي. أنا عندي بالمقدمات أن الشعر كان يكتب في الجاهلية؛ لأنه بالإجماع المكاتبات بين الأمم موجودة.
وفي السعودية الآن، أظن في الربع الخالي الذي اكتشفوا فيه مملكة كنده التي كانت قبل الإسلام بخمسمائة عام، يعني قبل امرئ القيس، وجدوا فيها آثارًا يونانية، يعني هدايا ملوك يونانية، هدايا رومية؛ يعني قول رومية بيزنطية، بيزنطية عشان ما تدخل الأمور في بعضها، لأن الروم منهم الروم الشرقيون والروم الكذا. المهم وجدوا فيها آثارًا ورسومات وتماثيل رومانية، يعني كانت إهداءات قبل الإسلام بخمسة قرون، يعني قبل امرئ القيس أصلاً بكثير كثير.
فالمكاتبات موجودة بين الملوك، وإذا نظرنا في الوقت نفسه إلى أن الشعر عندهم من أعظم ما يعتبر ويعتد به، لماذا نستبعد كتابته إذا كانوا يكتبون المراسلات بين الملوك؟ فكيف لا يكتب الشعر الذي يسافر الشاعر فيه من نجد ومن غطفان إلى الحيرة في العراق لينشده الملك؟ ما الذي يمنع كتابته؟ أترون شيئًا يمنع كتابته؟ بل هو أدعى شيء للكتابة في هذا العصر بعد ذلك القرآن.
القرآن كتب كله، هل كان لما كثرة تسمى بكتبة القرآن في مكة؟ هو ربنا أنزلهم، يعني ربنا أنزلهم أمام أعيننا يكتبون؛ كانوا كتبة موجودين في مكة، كانوا يكتبون العقود والمعاهدات، ويعلقون على أستار الكعبة، لأن الكعبة كانت شعارهم الأعظم، فيكتبون عليها المواثيق والعهود والبنود والقوانين العامة، فهذا موجود.
ولما نزل القرآن كان هناك مجموعة تسمى بكتبة القرآن، حتى من كثرتهم بعضهم ارتد وقال: «كنت أكتب له»، من أهل الكتاب، أو من عندي تنصر، لما تنصر. فالمكاتبات موجودة منذ الجاهلية.
وحماد الراوية قال إنه وجد في جدار نقب، جدارًا في بعض قصور المناذرة في الإسلام من الآثار التي بقيت قديمًا وهي ما زالت موجودة في العراق، وبمناسبة الأطلال وجد ديوانًا ضخمًا من الأشعار التي مدح بها المناذرة من شعراء الجاهلية، هذا منطقي جداً. قالوا ولذلك عنده قصائد ليست عند غيره، هو يرويها من الدفتر الذي وجده أو المجموع الديوان الذي وجده.
وهنا يتكلم الشاعر بشيء معروف يقول: فمدافع الريان عري رسمها .. خلقاً كما ضمن الوحي سلامها دمن تجرم بعد عهد أنيسها .. حجج خلون حلالها وحرامها
الوحي هو الكتابة، والإشارة هي الكتابة المنحوتة في الجدار، في السلام أو في ألواح الحجارة، يعني إذا هناك ألواح حجارة ينقش فيها الكلام. أنا عندي هذا واستفضت في بيان هذا في كتابي «قراءة نقدية في كتاب نمط صعب ونمط مخيف» لمحمود شاكر. كنت سأخرج هذا الكتاب في السنوات الماضية، لكن وافق ذلك أن وجدت بعض الشعوبيين يطعنون على محمود شاكر، فأمسكت عن إخراج الكتاب إلى أن تذهب هذه الموجة ويأخذ الأستاذ العظيم والناقد الجليل قدره ومكانته، ثم أخرجه حتى لا يحتج عليه يقول: «انظر ها هو ينقد الآن»، وحتى لا ينسب عملي إلى عملهم أو هجمتهم أو حقدهم الأسود على محمود شاكر، فامتنعت عن إخراج الكتاب وما زال مخطوطًا عندي. كنت بدأت تبييضه، قلت خلاص، فلعلي أخرجه في قابل إن شاء الله، لعله يكون من الكتب القريبة.
تكلمت فيها عن هذه المسألة لأنني رأيت الأستاذ محمود شاكر يعرض الشعر الجاهلي على أنه كان شيئًا كبمسحة رومانسيّة بين العرب والمجالس السمر وكذا، وكل الشواهد على خلاف ذلك، واستشهدت على ذلك أيضًا بقضية الكتابة؛ لأنه قال كانوا يحفظون، ما كانوا يكتبون، وأنا أرى أنهم كانوا يكتبون، وعندي شواهد وأدلة منطقية ومقدمات أنهم كانوا يكتبون الشعر أيضًا.
الكتابة اخترعت، هل اخترعت الكتابة لما نزل القرآن؟ والقرآن كان مكتوبًا كله بإجماع المؤرخين، فهل اخترعت الكتابة للقرآن؟ لا، الكتابة موجودة أصلًا.
يقول: «دمن تجرم بعد عهد أنيسها، حجج خلون حلالها وحرامها». الدمن طبعًا معروفة، ومعنى تجرم يعني مرت الأعوام عليها أو السنون بتمامها، اكتملت عليها السنون. «دمن تجرم بعد عهد أنيسها» يعني بعد من كان يؤنسها، بعد من كان يقيم فيها من الإنس ويؤنسها. «حجج» يعني أعوام خلون، يقول دمن تجرم، معنى تجرم يعني مرت بتمامها لم ينتقصها شيء، أعوام كاملة من الوحشة والخلو. «حجج خلون» يعني ذهبت تلك الأمة قد خلت، مضت حجج خلون.
«حلالها وحرامها»، طبعًا رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم هذه الأشهر الحرم، وسائر الأشهر بعد ذلك في السنة هي الأشهر الحلال. وليس اعتباطًا هنا يا إخوة، بل قال على وجه البدلية «حلالها وحرامها»، يعني فصل الشهور بعد أن ذكر الأعوام وأنها تجرمت؛ لأنه كأنه هنا يقول إن هذه الديار العافية قد خرجت عن كل معاش وعن كل شأن من شؤون الناس، فليس فيها شهر حرام وشهر حلال، ما فيها شيء يعتصم عنه أو يمسك عنه، كما تقول مثلاً: مرت الأعوام حلوها ومرها، مرت الأيام حلوها ومرها، يعني ما كان منها حلوًا وما كان منها مرًا، كلها مر.
فهو يقول هنا: دمن، يعني آثار الدمن، تجرم يعني مرت كاملة تامة بعد عهد أنيسها، يعني بعد العهد الذي أنسوا فيه المكان وكان فيه أنس بهم. «حجج خلون حلالها وحرامها» يعني لم تشهد حلالًا ولا حرامًا مع الأنيس.
رزقت مرابيع النجوم.. عفت الديار محلها فمقامها .. بمن تابد غولها فرجامها فمدافع الريان عري رسمها .. خلقاً كما ضمن الوحي سلامها دمن تجرم بعد عهد أنيسها .. حجج خلون حلالها وحرامها رزقت مرابيع النجوم وصابها .. أدق الرواعد جودها.
مرابيع النجوم؛ العرب يا إخوة كانوا ينسبون الأمطار إلى النجوم وإلى الأنواء. الأصمعي يرويها: «مرابيع السحاب». لماذا؟ حتى الطوسي قال: ولعله من تغييرات الأصمعي. تعرفون لماذا؟ لأنهم ذكروا أن الأصمعي كان يكره الحديث في الأنواء ويتجنبه، ربما ديناً، ربما ديناً، فكان لا يذكر الأنواء. لكن هل هذا يدعوه إلى التغيير؟ الله أعلم، أنا أنقل ما قالوا.
أختنا تقول: هل هذا دعاء للديار؟ اصبري، سأناقش هذه المسألة. هل هو دعاء للديار؟ سأناقش هذه المسألة.
عقيل العميدي، أخوكم الشاعر، على أنه يجل الأصمعي، البحتري شاعراً جداً، ربما يلعنه لنفاقه، يقول منافق خسيس الأخلاق ويضغط على الألفاظ هكذا، يقول هذا منافق، قدر خفي خسيس الرذيل أو رذل خسيس الأخلاق. قلت يا أخي بالراحة، هتتفجر في وشي، والله قلت له بالراحه يا عم، طب راعي أني بحبه. فالمحترس وخرجت أبا قيس، خلاص. كان يكنى أبا عبادة ولما ذهب إلى العراق كنى نفسه أبا الحسن، كان نفسه أبا الحسن. يعني المهم فإنا دخلت أبا قيس وخرجت أبا قيس وأظل أبا قيس.
العراق، نعم، ورضي الله عن العراق وحفظ الله العراق، وصَدَّ كيد المعتدين عن العراق وعن سائر بلاد المسلمين، آمين.
ماذا قال البحتري في مدح بني أمية؟ كيف ماذا قال البحتري مدح بني أمية؟ مدح العباسيين، نعم، مدح المتوكل وغيره. فالأصمعي يا إخوة كان يغير، على ما قالوا، أنا أنقل فقط، أنا لا أحكم، لا أدري ولا يهمني أن أعرف كثيراً، هل غير هنا أو لا، لأن سبل تحقيق الرواية أعقد من هذا بكثير وأعمق وأدق، خلاص.
لكن قالوا إنه كان يقول مرابيع السحاب، وهذا يظن الطوسي ومن العلماء الشراح يقول إنه من تغييرات الأصمعي، تفرد بها لأنه كان يكره الحديث في الأنواء ويتجنبه، يعني لا يحب أن يذكر الأنواء والنجوم وكذا، سواء للإسلام أو لشيء في نفسه يتشاءم منه، الله أعلم.
«رزقت مرابيع النجوم»، والمرابيع يعني أمطار الربيع، ما يهطل عليها في الربيع، ما ينزل عليها في الربيع. العرب كانوا ينسبون الأمطار إلى النجوم والأنواء، ولهذا ربما يكون الأصمعي يكره أن يذكر الأنواء والنجوم.
«رزقت مرابيع النجوم وصابها»، يعني هبط عليها، صوّبها. «ودق الرواعد»، الودق ماء المطر، والرواعد هو هذا الرعد الذي تسمعه، جمع رعد، أو الرواعد هي السحابة الراعدة، فجمعت على الرواعد، وذكر الرواعد أو ذكر صفتها بالرعد لأن الرعد هو الذي يعقبه المطر، فهي رواعد لها صَوْب ينزل. «ودق الرواعد جودها»، معنى جودها المطر الشديد الكثير الكثيف، هذا يسمى الجود، ويستعمل في مجال مدح الكرام. «والرهام» المطر اللين الخفيف. يقول: «رزقت مرابيع النجوم وصابها»، يعني هبط عليها، صوّبها قاصداً إياها، «ودق الرواعد»، الماء ماء المطر، الرواعد السحب الراعدة، «ودق الرواعد جودها شديدها ورهامها»، يعني ظل تنزل عليها الأمطار سواء ما كان منها جوداً شديداً أو ما كان منها رهاماً ليناً خفيفاً.
لماذا قال «رزقت»؟ الشراح فسروا قوله «رزقت» بأنه دعاء، أظن الأنباري فسره بأنه دعاء، أبو البركات أو أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري. قالوا قوله «رزقت» دعاء لها، أي رزقها الله تبارك وتعالى ربيع السحر. بحثت عن رواية «رُزِئت» فلا أذكر أنني وجدت هذه الرواية، لا أذكر أنني وقفت على رواية «رُزِئت مرابيع السحاب» يعني ابتليت بها، لا وليس من عادة العرب هنا، ولكن هل قيل لفظ آخر؟ لا أتذكر قولاً آخر فيها أو رواية أخرى، ولكن وقفت عند قولهم «رزقت»، وبحثت فيما قالوه فوجدت الأنباري وغيره قالوا دعاء، فسروها بأنها دعاء وأنها ليست خبراً، وإن كانت على ظاهر الخبر، لأن الدعاء قد يكون إنشاءً على صيغة الخبر، وفي البلاغة يحصل العكس أيضاً، يأتي الإنشاء على صيغة الخبر، أو الخبر على صيغة الإنشاء.
لكن يمنعني من هذا الفهم قوله بعد بيتين: «فعلى فروع الإيهقان»، فهو خبر عن شيء كان وليس دعاءً، هو يصف شيئاً على عادة العرب، لا يقول يا رب ارزقها مرابيع السحاب وكذا، فيعلو فروع الإيهقان، لا، طريقة العرب أن يصفوا الدار أنها هكذا، هو لا يدعو لها أن تترزق المياه لترزق العشب وتكون العين ساكنة على أطلائها كما سيأتي في كلامه، فتفسير الأنباري بأنه دعاء أقطع بأنه خطأ، أقطع بأنه خطأ، وإنما هو إخبار.
وساقني إلى هذا التفسير قوله، ولهذا تلوت لكم القصيدة من أولها مرة أخرى، واسمعوها مرة ثالثة: «عفت الديار محلها فمقامها.. بمن تآبد غولها فرجامها»، «فمدافع الريان عري رسمها.. خلقاً كما ضمن الوحي سلامها»، «دمن تجرّم بعد عهد أنيسها..»، يعني موحشة مغرقة في الوحشة، أبيات مغرقة في الوحشة، «دمن تجرم بعد عهد أنيسها.. حجج خلونا وحلالها»، ليس فيها بشر يحسب لهم الحرام والحلال، ولكن «رزقت مرابيع النجوم»، هذا الرزق الذي رزقته بعد عهد الأنيس، وبعد ثلاثة أبيات تصور وحشتها فقال «رزقت»، ويدل على ذلك أنه سيذكر شيئاً فيها يدل على الأنس الموجود ولكن بالظباء: «فعلى فروع الإيهقان.. وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها، والعين ساكنة على أطلائها.. عوذا تأجل بالفضاء بهامها». يعني «رزقت» هذا فقط، هذا هو أنيسها، فـ«رزقت» خبر وليس دعاء.
ويدل على ذلك أنها عادة، أو كما يسميها عبد الله القرني «اتجاه الكلام» أو «جهات الكلام»، أنها جهة مسلوكة في الكلام، يعني هي جزء من منازع الشعراء الجاهليين، لأنه من ضمن المنازع -وتعريف المنزع هو الجهات- جهات الكلام من ضمن حزمته، مما يدخل فيه جهات الكلام، يعني المذهب الذي يذهبون إليه للتعبير في شيء معين أو بمعنى معين يتردد عندهم، هذا منزع عندهم، فهناك منزع للجاهليين ومنزع لشاعر معين وهكذا، ومنزع لجماعة معينة باعتبار مذهب أو باعتبار مكان أو باعتبار زمان، فمن المنازع جهات الكلام.
ومن جهات الكلام التي هي منزع في الجاهليين، الشاهد من جهات الكلام التي هي منازع في الجاهليين، أن يعبر عن أن الأنيس في هذه الأرض كان فقط الوحش التي ملأتها، دون الإنسان.
أخذت رضي الله عنكم، وأخذت تشرب مائها وتأكل عشبها: أَمِنْ أَوْفَى دِمْنَةٍ لَمْ تُكَلَّمِ ... زُهَيْرٌ بِحَوْمَانَةَ الدَّرَّاجِ فَالْمُتَثَلَّمِ وَدَارٌ لَهَا بِالرَّقْمَتَيْنِ كَأَنَّهَا ... مَرَاجِعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَمِ بِهَا الْعَيْنُ وَالْأَرَامُ يَمْشِينَ خَلْفَهُ ... وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ فَعَلَى فُرُوعِ الْأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلْهَتَيْنِ ضِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا وَالْعَيْنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلَائِهَا ... عُوَاذًا تَأَجَّلُ بِالْفَضَاءِ بِهَامِهَا
بها العين والأرام يمشين خلفه، وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم، والعين ساكنة على أطلائها، عوذا تأجل بالفضاء بهامها. صغارها نفس صورة أو نفس المعنى. أصل المعنى البيت، فليس دعاء كما قال الأنباري أو غيره، وإنما هو خبر بأن أنيسها هو هذه فقط، وأنها حلت من بعد هذه البيوت وهذا الأنس. فروع الأيهقان التي نبتت بمرابيع السحاب فامتلات بالعين الساكنة على الإطلاء، وهكذا رزقت مرابيع النجوم وصابها ودق الرواعد.
من كل سارية، وغادٍ مدجّن من كل سارية. والسارية هي السحابة التي تأتي ليلاً، والغادي أو الغادية التي تأتي بالغداة، والعشية هي السحابة التي جاءت عشاء. وعشية متجاوب أرزامها؛ والأرزام في الأصل هو حنين الناقة المتصل، هكذا حنين الناقة استعارة للسحابة، فيريد أنها رعدة، وما أراه أدبياً هنا شعرياً، أنه أراد أنه رعد متصل مكتوم غامض كصوت حنين الإبل أو كحنين الناقة، فهذا يؤذن بدوام الأمطار عليها.
فالأمطار تؤثر في الديار ولكنها تنبت العشبة وتكثر من وجود الوحش، فهي رزقت هذا، لكنها رزقت الوحش: «بها العين والأرام يمشين خلفه، وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم، من كل سارية». وهذا أسلوب بلاغي جميل. كما يقول: «وأمر على القنان من نفيانه، فأنزل منه العصم من كل منزلي»، هذا نوع من المجاز. وكذلك قول زهير بن أبي سلمى: «كان فتاه العهن في كل منزل نزلنا به أو لا، ظهرنا من السوبان ثم جزعنا على كل قيني قشيب مفائم»، هل هم في الحقيقة على كل قيني قشيب مفائم؟ يعني هل أحاطوا بكل قيني قشيب مفائم؟ لكن لما كانوا بذلك من الكثرة امتد ذلك إلى المجاز، وقال: «جزعنا السوبان على كل قيني قشيب مفائم».
كذلك هنا «من كل سارية» كما قال أيضاً امرؤ القيس، قال: «إِذَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ ... بِكُلِّ مَغَارِ الْفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ». فقال هنا «من كل سارية»، يعني كأنما جاء عليها كل سارية، وهذا كما قلت نوع من المجاز. «من كل سارية وغادٍ مدجن»، والأدجان هو الباس الغيم للسماء، يعني الغيم المتلبد الكثيف.
المدجن من الأدجان وهو الباس الغيم للسماء. وأعجبني وجه وهو أنه لم يقل في السارية مدجنه لأن السارية تأتي بليل، فهي مدجنه يعني حتى دجنتها لن تظهر في الليل، لأن الليل ينسجم معها، ولكن التي تأتي في الصباح تحتاج إلى ذكر الأدجان أو الدجنه التي فيها، وغادٍ في الصباح لكن مدجن أسود قاتم كثيف ملبد لا ينفذ الضوء. من كل سارية تأتي بالليل، وغادٍ مدجن وعشية متجاوب أرزامها.
بمناسبة، يا إخوة، مهم جداً أن تعرفوا مفردات العرب والفروق بينها. مثلاً البحتري يقول في قصيدته اللامية التي تعرفون «أهلاً بذلكم الخيال المقبل»: سَارٍ إِذَا أَدْلَجَ الْعُفَاةُ إِلَى النَّدَى ... لَا يَصْنَعُ الْمَعْرُوفَ غَيْرُ مُعَجِّلِ
سار إذا أدلج، لأن الدلجة آخر الليل، والساري الذي يمشي من أول الليل فيقول «سار إذا أدلج العفاة إلى الندى». السرى هو السير بالليل، وهو أخذه من أوله، ولهذا قال في الشطر الثاني: «لا يصنع المعروف غير معجل»، يعمل المعروف معجلاً، لا يصنعه إلا وهو معجل.
وعشية التي تأتي عشاء قبل الليل، متجاوب أرزامها يعني متلاحق، يرد بعضه على بعض، يجيب بعضه بعضاً. الأرزام هو صوت الناقة، فأراد أنه رعد متصل غامض كحنين الناقة يؤذن بمطر كثير مستمر. فعلى فروع الأيهقان؛ والأيهقان هو الجرجير البري، طبعاً ليس الصغير الذي عندنا في مصر الذي يكبر ويتغذى به الكائنات البرية، وأظنه معروفاً للإخوة في السعودية، الأوراق التي كالجرجير هذه كالجرجير المصري لكنها كبيرة وصحراوية.
«فعلى فروع الأيهقان وأطفلت بالجلهتين ضباؤها ونعامها». والجلهتان جانبا الوادي، أي ما بين الجلهتين. وهنا قد يقال، ولمن هو هذا؟ هذا شيء مهم جداً، معرفة فقه اللغة، تكلم عنه ابن جني، وتكلم عنه الثعالبي، وتكلم عنه الزمخشري، جمع كبير، وهو باب خطير يا إخوة. رحم الله تعالى كل فقيد في هذه الأمة الشريفة، آمين.
هنا البعض قد يقول ممن يمارس العربية ولا يعرف فقهها: كيف «أطفلت الضباء والنعام»؟ التي تطفل هنا يعني يصير لها طفل، كأنه قال ولدت؛ فالضباء تلد أما النعام فلا تلد. أقول هذا من فقه اللغة، وما يعرف بالحمل على المعنى له وجوه، منها حمل الإعراب، ومنها حمل المعنى على المعنى. فقه اللغة يختلف عن المعجم، له أبواب نص عليها العلماء، صنف فيه ابن جني في الخصائص، وصنف فيه الثعالبي في فقه اللغة والسر العربية وغيرهم، وتكلم فيه ابن فارس في الصاحبي. وهذا خطير ومهم.
وحتى أنا في رواد القصيد دائماً أرشد طلابي إليه، إلى أن يعرفوه، وإلا خطاوا الكلام، وكذلك ضيقوا على أنفسهم مساحات من اللغة. فمن فقه اللغة الحمل على المعنى، وهو حاصل في القرآن وحاصل في الشعر.
في القرآن مثلاً قوله تعالى: ﴿فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71]. ولا يقال: اجمعوا شركاءكم؛ الذي يقال فيه «اجمعوا» هو الأمر والشان، الفكرة: اجمعوا أمركم، خلاص، لا يدخل فيه الشركاء. إنما يقال: اجمعوا شركاءكم، أو ادعوا شركاءكم، لا يقال هنا: اجمعوا شركائكم.
ولكن يجوز بالحمل على المعنى بالانتقال، قوله تعالى: ﴿فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، صح المعنى مباشرة في «أمركم»؛ اجمعوا أمركم. ولما قال تعالى: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، فُهم منه بعد جمع الأمر أو أن تجمع أمرك، أن تدعو الشركاء، فنقلوا هذا إلى هذا كأنه نوع من الاختصار والتوسع ودلالة الفعل على الفعل. ﴿فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ يعني: وادعوا شركاءكم بعد أن تجمعوا أمركم، فهذا من فقه اللغة، لأنه لا يقال: اجمعوا شركائكم.
كذلك في الشعر، عبد الله بن الزبعرى يقول: يا ليت شيخك قد غدا متقلداً ... سيفاً ورمحاً
وهذا في الظاهر خطأ، لكن في فقه اللغة وسر العربية يجوز، وهذا تكلم عنه الثعالبي ومثل بهذا البيت، ومثل بالآية الكريمة التي ذكرتها. يا ليت شيخك قد غدا متقلداً سيفاً ورمحاً؛ الذي يتقلد هو السيف فقط لا الرمح، ولكن لما مهد لها قال: متقلداً سيفاً، صح التقلد في السيف، ثم قال: ورمحاً، أي وممسكاً رمحاً أو محكماً رمحاً أو حاملاً رمحاً. فهو مهد لها بمعنى هو ابن عمها، ففهم منها اختصاراً، فدخل في المعنى توسعاً أو اتساعاً في الكلام، وهذا من فقه العربية.
ولك أن تعده من شجاعة العربية؛ هناك أبواب تسمى شجاعة العربية، وهي إقدامها على التوسع دون أن يختل المعنى. الالتفات من شجاعة العربية، وكل باب تتوسع فيه يعد بالأصل خطأ وتراه في اللغات الأخرى خطأ، هو عندنا معدود فيما يعرف بشجاعة العربية. ما هو ممكن نتوسع في التعبير؛ ليس الشائع كلمة تضمين، لكن يقولون: الحمل على المعنى، أو الحمل بالجوار سواء في الإعراب أو في المعنى على الجوار، كل هذا من شجاعة العرب وتوسعها.
كذلك هنا، كيف يقال: «وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها»؟ والنعام يفقس أو يبيض أو يفرخ، لا يقال أطفلت، يقال أفرخ. نقول هذه أطفلت، ولما ذكر النعامة نقل إليها ما يقابل أطفلت وهو أفرخ. أنت لسه عايز تثرثر؟ أنت حداثي؟ أنت نثري؟ أنت بتاع شعر حر؟ يا جماعة، العرب ما بترغيش، الشعر العرب يختصرون فيه جداً.
فعلى فروع الآية: «وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها، والعين ساكنة على أطلائها»، العين ساكنة، مطمئنة، واقفة على أطلائها وأولادها، والمفرد الطلا. «وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء أمحلاله»، والعين ساكنة على أطلائها.
«عوذاً»؛ معنى عوذاً يعني حديثات النتاج. ومعنى «تأجل» كما قالوا: الأجل هو القطيع من الضباء كما قاله الأنباري. وهذا البيت في معنى بيت زهير: «بالعِينِ والأرامِ يمشين خلفه ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم». فالإطلاء ذكرها هنا أيضاً، «وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم»، والعين ساكنة، أي: «والعين ساكنة على أطلائها».
هذه حيوانات أُبد، يعني وحشية، لا تأنس بالإنسان، ساكنة على أطلاؤها، أي تقف في المكان وابنها بجوارها يدور حولها يرضع منها، يركن إليها ويلتصق بها. والعين ساكنة مطمئنة على أطلائها. وانظر إلى كلمة «على أطلائها»، «عوذاً»، «تأجل»، يعني تسير أجلاً أجلاً، قطيعاً قطيعاً، الأجل هو القطيع من الضباء كما قال الأنباري. «تأجل» يعني تتاجل بحذف التاء تخفيفاً كما تعلمون، واختلف الصرفيون في التاء المحذوفة. «العين ساكنة على أطلائها عوذاً»، يعني حديثات النتاج، أي أنجبن الآن.
كل كلمة في الشعر محسوبة يا إخوة. مع الاعتذار للأكاديمي صاحب شهادة الزور الذي شهد له بالدكتوراه زوراً، الذي قال الشعر القديم نظم، يقول: قرأت من امرئ القيس إلى المتنبي ثلاثة أرباع شعر العرب نظماً! أنت تقول لغتي ليست بشيء؟ براحتك كما تشاء، أجدادي لم يكونوا في كل هذا التاريخ بشيء؟ القرآن تحدى من يكتبون النظم.
لما يبول الشيطان في الدماغ، حين تأتي فسوة إبليس، ينسى الدين وينسى العلم وينسى المسائل وينسى التاريخ وينسى كل شيء. أنا بسميها فسوة إبليس؛ إبليس عمل في الدماغ، لكن العرب يقولون هو عايز يفرقع، بكل وضوح هو عايز يطلع مميز، فيروح يبول في زمزم، فيطلع يكتب على الفيسبوك. أنت لو حسبت على ميزان أهل العلم، ضيعت إعجاز القرآن، وضيعت تاريخ أمة وآداب أمة، وضيعت موازين قاسوا بها ووضعوا بها أصول النقد، ضيعت كل شيء، ضيعت تمخضات تاريخية ثابتة عشان حضرتك تعمل فسوة على الفيسبوك أو على تويتر عشان الناس تقولوا "أف"، فقلت هذا العرب لا تذكر شيئاً بغير علة.
انظر إلى هذا البيت: «رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابُهَا، وَدَقَّ الرَّوَاعِدِ جُودُهَا، شَدِيدُهَا وَخَفِيفُهَا، مَدَدٌ طَوِيلٌ مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ، وَغَادٍ مُجِنٍّ وَعَشِيٌّ مُتَجَاوِبٌ أَرْزَامُهَا».
والله لو أنا أقول كلامًا من الهواء، قولوا لي أنت مبالغ وليس في الشعر هذا، لا نجد في دلالات اللغة شيء. حاكموني إلى اللغة؛ حاكموني إلى اللغة، والله لا أنطلق إلا من اللغة. ليس عندي خيالات وأروح وحياة وهيام هنا وهيام هنا، وتخيلات وعصافير وبراعم، ما في هذا الكلام عندي. أنطلق لكم في كل شيء من المعنى اللغوي والنحوي، ثم أنظر في التركيب وما دل عليه من الدلالات والخصائص، هذا عملي الممتد إلى عمل عبد القاهر، وماذا فعل عبد القاهر إلا هذا؟ وماذا فعل الزمخشري في الكشاف إلا هذا؟
فهذا أسقط عبد القاهر وأسقط البلغاء جميعًا، أو البلاغيين الذين قالوا أسقط قاعدة أصلاً في إعجاز القرآن؛ فسوه إبليس. لما تأتي مخ، يروح حتى النفس تسقط. أنا لما يكون عندي هوى في شيء أحترس، أخاف على نفسي، أخاف أن أقولها فيُساء لي ويُسمع بي علميًا، أخاف على سمعتي العلمية. لما تسألوني سؤالًا لا أعرفه، أقول لك: لا أدري، لم آخذ فيه، الله أعلم، ثم أقول لك يهمني أو لا يهمني؛ إذا كان يهمني سأبحثه بعد ذلك إذا يسر الله، وإذا لم يهمني ربما أقول لك لن أبحثه ولا يهمني أن أعرف.
حين قلنا أمس عن عمر لبيد بن ربيعة لما قلت لك: مش عارف وما يهمنيش ومش هبحث. قال هنا: «رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابُهَا، وَدَقَّ الرَّوَاعِدِ جُودُهَا، شَدِيدُهَا وَخَفِيفُهَا، مَدَدٌ طَوِيلٌ مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ، وَغَادٍ مُجِنٍّ وَعَشِيٌّ مُتَجَاوِبٌ أَرْزَامُهَا، فَعَلَى فُرُوعِ الْأَيْهَقَانِ، وَأَطْفَلَتْ بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا، وَالْعَيْنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلَائِهَا».
ما معنى هذا؟ أن المكان موحش جدًا ولا يمر به أنيس، لأن هذه الظباء إذا مر بها إنسان نفرت منه، لا تقف على الأقل لتبتعد. «والعين ساكنة على أطلائها»، ومعنى وجود الأطلاء أنها تكاثرت في هذا المكان، أنجبت في هذا المكان، وهي إشارة إلى أنهم بقي لهم عهد بعيد. أنا ليس الأصل أن أشرح لكم بلاغيًا، لكن عشان تفهموا النظم.
«والعين» أنا طبعًا أعترف أنه أثر فيّ وأنه أغضبني، أعترف، ماذا هل أقول لكم لا؟ إذا لم يؤثر بي لا أثر بي. والله هذه الفسوة التي فساها الدكتور، لأنه اسمه دكتور وفي السعودية ينبغي أن يكون أكثر من يحرص على العلم وعلم العرب وعلم القرآن، ولأنه أكاديمي فيسمع. وأنا ما زلت، نعم، أفتح ودعوتي مفتوحة لمناظرته أو لسؤاله ولقائه والدردشة معه؛ عبد الرزاق الصاعدي، ما زلت، وإلا فليعتذر عن كلامه الذي قال؛ إذا رأى أنه تسرع فليعتذر. الله أعلم، سيفعل أو لا، سيكون كريمًا إذا فعل سيعلو في نظري ونظر كثيرين أعرفهم جدًا، إذا قال تسرعت وقلت كلامًا تحمسيًا، والله سيعلو جدًا وسأخرج أشكره علنًا في بث محفوظ. لو قال هذا وحفظ العربية وآداب العرب عن أن يُسجل عن دكتور أنه قال هذا، مسيء له جدًا. والله لو أخلصت له النصح، لو حتى أقول هذا احتياطًا لأني لا أدري هل أنا غاضب منه أم مخلص له النصح، لكن لو أخلصت له النصح سأقول: والله احذف هذا الكلام وتراجع عنه وامسحه من تاريخك، وصمة لا تليق بك. أسأل الله أن يهدينا وإياه، آمين.
«والعين ساكنة على أطلائها، عُوَّذٌ تَأْجُلُ بِالْفَضَاءِ بِهَامِهَا». عوذا تعني أنجبت بعد موسم للتكاثر وكذا، فهي عوذا تأجل. البهام هي الصغار، وربما أراد هنا أن لها صغارًا أكبر غير هذه الصغار. تعرفون لماذا يا إخوة؟ لأن الغزلان تمر بمراحل. أول ما يولد يقال له طلا، وإذا قوي يقال له شاد، ثم يقال خشف، ثم رشا، ثم إذا طلع قرنه يقال شصر، ثم يقال غزال.
«والعين ساكنة على أطلائها»، والأطلاء جمع طلا؛ الغزال أو الظبي إذا ولد يسمى طلا، فإذا قوي ومشى معها يقال شاد، ثم يقال خشف، وبعد ذلك يقال رشا، فإذا طلع قرنه يقال شصر، ثم يقال غزال. فلما يقول: «والعين ساكنة على أطلائها، عُوَّذٌ تَأْجُلُ بِالْفَضَاءِ بِهَامِهَا»، يعني أنجبت عوذا، أي أنجبت للتو، النتاج تأجل، يعني تمر قطيعًا قطيعًا، تأجل، يعني تمر أجلاً أجلاً بالفضاء بها مهام وصغارها. فالذي يمر هو ماذا؟ الخشف أو الرشا أو الشصر، وليس الطلا؛ لأنها ساكنة على أطلائها، يعني أنجبت جديدًا وعندها نتاج قريب يجري في الفضاء، وهذا يدل على طول ما مر على هذه الأرض حتى أصبحت مراتع لأجيال الوحش.
عرفتم ماذا أراد الشاعر بهذا البيت؟ «والعين ساكنة على أطلائها، عُوَّذٌ تَأْجُلُ بِالْفَضَاءِ بِهَامِهَا». تأجل يعني تجري تسير وتجري جماعات جماعات، أجلاً أجلاً، قطيعًا قطيعًا، بهامها صغارها. ما رأيكم؟ عرفتم لماذا قال ساكنة على أطلائها؟ عوذا حديث النتاج، ثم قال تأجل بالفضاء بهامها، يعني التي ولدت قبل الطلا الجديد، يعني هي ولدت جديدًا ساكنة عليه، ثم هناك الخشف أو الرشا أو الغزال أو الشصر يجري، الأولاد السابقون. وهذا يدل على أنها اطمأنت وسكنت المكان وصارت تنجب فيه أجيالًا من الأولاد.
«فَعَلَى فُرُوعِ الْأَيْهَقَانِ، وَأَطْفَلَتْ بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا، وَالْعَيْنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلَائِهَا». أطفلت صار لها أطفال بالجلهتين، بين جانبي الوادي، بالجلهتين ظباؤها ونعامها، والعين ساكنة على أطلائها، أول ما يولد عوذا حديث النتاج، ولدت تأجلوا، تمر قطعانًا أو أجلاً أجلاً، تأجل بالفضاء بهامها صغارها التي ولدتها قبلها، ما زالت صغارًا أيضًا؛ فهناك صغار تجري وهناك صغار هي مكثت عليها.
«وَجَلَّ السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا، زُبُرٌ تُجِدُّ بِهَا أَقْلَامُهَا». كل هذا في بيت واحد. لكن هذا البيت دعونا نؤجله للغد إن شاء الله، هذا البيت يحتاج إلى رأس، يعني رأس أول المجلس. هنا سجد الفرزدق؛ هذا البيت لما سمع الفرزدق هذا البيت من القصيدة سجد، وقال ربما نريكم القصة. قال هنا في شرح الطوسي: «وقد استجاد الفرزدق هذا البيت حتى قيل إنه سجد حينما سمعه»، لا أدري إذا كانت القصة موجودة في الإنبار أو لا، أظنها غير موجودة. هذا بيت يُسمى بيت سجدة الفرزدق.
لم يذكره هنا، لكن أظن ذكر فيه، أنا كتبته في الـ... نتكلم عنه إن شاء الله لما نلتقي في الغد بإذن الله، إن شاء الله ساعة ونصف يكفينا، لا نطول لساعتين.
وغداً إن شاء الله، وطبعاً أنتم لاحظتم رغماً عني فصلت في الأبيات، الشعر الجاهلي هكذا الشرح فيه يطول. أنا كان ممكن أمر على: «والعين ساكنة على أطلاءٍ... عوذاً تآجل بالفضاء بهامها». كان الأصل في هذا الشرح للحفظ أن أشرح فقط معنى البيت بسهولة، والـ«تآجل» يعني تمر أجلاً أجلاً، و«العين ساكنة» يعني مطمئنة، و«الأطلاء» جمع «طلا» وهو الولد، «عوذاً» حديث النتاج، «بهامها» صغارها وعدينا.
لكن أنا اضطررت إلى الوقوف حتى تعلم النظم وحتى تعلم الكثافة؛ لأن البيت ربما يقول: لماذا قال «والعين ساكنة على أطلاء»؟ ولماذا قال «عوذاً»؟ وهل «بهامها» هي الأطلاء؟ ما إن لو عرفت الفرق بين الطلا وبين الشاد، وبين الخشف وبين الشصل، وبين الشصر وبين الغزال، لعرفت أن البهام غير الأطلاء، وعرفت دلالة أنها ساكنة على الأطلاء.
خلاص، ساكنة على الأطلاء، وأن الصغار الأكبر يجرون في البادية أو يجرون في الفضاء، ستعلم ماذا أراد الشاعر؛ أراد أنها طال عليها عهد الوحشة لم ترزق إلا هذا الأنيس، وهل هذا أنس؟ هذه أوابد الصحراء، فهل هذا أنس؟
«بها العين والأرام يمشين خلفه... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم». زهير البعض يفسره بأن الأرض فيها خير، التفسير الصحيح أن الأرض مغرقة في الوحشة، وهذه هي الحياة؛ لأنك كلما عمرت الأرض بالوحش أخليتها من الأنيس.
شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. موعدنا غداً إن شاء الله مع بيت سجد له الشعر: «ووجل الطلول عن السيول كأنها... زبر تجد متونها أقلامها». بيت خطير لابد أن يشرح، أنا ممكن أشرحه شرحاً عاماً وأمر، لكن بصراحة مش قادر، مستخسر. عايزكم تشوفوا لماذا سجد الفرقد ما الذي رآه الفرقد فسجد؟ ما الذي رآه الفرقد فسجد؟ مش قادر أعديه بصراحة.
صح يا شيخ خالد، «ووجل الطلول عن السيول كأنها... زبر تجد متونها أقلامها». شعر العرب. في أمان الله وطابت ليلتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتصبحون على خير.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد