الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فهذا هو الدرس السادس عشر من شرح مقدمة ابن الصلاح رحمه الله عليه. كنا توقفنا عند القسم الثالث من أقسام طرق نقل الحديث وتحمله، وهو الإجازة. قبل البدء بهذا الدرس أحب أن أنبه على ما تكلمنا عنه في الدرس الماضي، كنت توقفت عند عليك، وكنت أظنه بضم العين لأنهم يقولون إنه تصغير علي، ولكن هذا التصغير يبدو أنه في لغة أخرى أظنها الفارسية. والضبط فيه الأشهر ضبطان: عَلَيْكَ بفتح العين وكسر اللام وتشديد الياء، والضبط الآخر هو بالتخفيف عَلَيْكَ؛ ولذلك بعضهم يقول بالاختلاس، لأنك إذا قلت عَلَيْكَ كأن اللام كأنها اختلست. هذا هو ما يتعلق بضبط عليك، وعَلَيْكَ أشهر من عَلَيْكَ.
كنا توقفنا عند ما قبل القسم الثالث، أما القسم الثالث من أقسام طرق نقل الحديث وتحمله وهو الإجازة، قال هنا: وهي متنوعة أنواعاً؛ أولها أن يجيز لمعين في معين، مثل أن يقول: أجزت لك الكتاب الفلاني، أو ما اشتملت عليه فهرستي هذه. فهذا أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة. عندنا إجازة مصحوبة بالمناولة، وعندنا إجازة مجردة عن المناولة. المناولة هو أن يناول الشيخ الكتاب الذي يجيز به تلميذه. فهذا ليس فيه مناولة، أن يجيز لمعين في معين. ما معنى لمعين في معين؟ لشخص معين، يعني: أجزت زيد بن علي كذا وكذا بكتابي الفلاني كذا وكذا، كان يقول البخاري مثلاً: أجزت ليوسف بن محمد بن يوسف الفربري بأن يروي كتابي الصحيح. فالآن المعين الأول هو الفربري، والمعين الثاني المجاز به هو الصحيح كتابه، فهذا معنى أن يجيز لمعين في معين، أو بمعين؛ لأن هناك إجازة لغير معين ستأتي إن شاء الله. ومثل على ذلك بقوله: أجزت لك، ما دام أنه خاطب شخصاً فهذا معين، أجزت لك يا فلان الكتاب الفلاني، فالكتاب الفلاني معين أيضاً. ومثل بمثال آخر قال: أو ما اشتملت عليه فهرستي. الفهرسة أو الثبت هو الكتاب الذي يذكر فيه المجيز كتبه التي يرويها وأسانيده، فيقول: أروي صحيح البخاري من طريق كذا وكذا من طريق شيخ فلان كذا، ثم أروي مسلماً كذا وكذا، ويسرد الكتب التي يرويها عن شيوخ له، أو يفهرس الفهرسة على الشيوخ فيقول: أخذت عن شيخي فلان صحيح البخاري بسنده الفلاني، وأخذت عنه أيضاً سنن الترمذي بسنده الفلاني. فالفهرسة وإن كان فيها عدد من الكتب إلا أنها تعتبر معينة، يعني أجاز معيناً بمعين؛ لأن الفهرسة واضحة هي فهرسته هو وفيها الكتب التي يرويها أو التي ألفها. ثم قال هنا: فهذا أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة، وإذا الإجازة لمعين بمعين هذا أعلى أنواع الإجازة.
وزعم بعضهم أنه لا خلاف في جوازها، ولا خالف فيها أهل الظاهر، وإنما خلافهم في غير هذا النوع. فالإجازة لمعين بمعين يقول هنا إنه زعم بعض أهل العلم أنه لا خلاف بصحتها، وزاد القاضي أبو الوليد الباجي المالكي فأطلق نفي الخلاف وقال: لا خلاف في جواز الرواية بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها. هنا كلام الباجي فيه عموم؛ لأن الإجازة لها أنواع، ومن أنواعها إجازة معين بمعين، وهناك إجازة بغير معين أو إجازة لغير معين، فهو لما نفى الخلاف في الرواية بالإجازة كأنه عمم، ولذلك قال هنا: ودع الإجماع من غير تفصيل. والحقيقة أن الإجازة التي ربما أجمع الناس عليها هي الإجازة الأولى أو التي فيها مناولة، حكى الخلاف في العمل، يعني هي من حيث الرواية جائزة، هذا ما حكاه أبو الوليد، لكن هل يجوز العمل بها؟ يقول ابن الصلاح: هذا باطل. لماذا باطل؟ قال: فقد خالف في جواز الرواية بالإجازة جماعات من أهل الحديث والفقهاء والأصوليين، وذلك إحدى الروايتين عن الشافعي، يعني هناك من يمنع الرواية بالإجازة مطلقاً، يبدو روي عن صاحبه الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي لا يرى الإجازة في الحديث. قال ربيع: أنا أخالف الشافعي في هذا. وقد قال بإبطالها جماعة من الشافعيين منهم القاضي حسين بن محمد المروذي، وأبو الحسن الماوردي، وبه قطع الماوردي في كتابه الحاوي وعزاه إلى مذهب الشافعي وقال: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة.
وروي أيضاً هذا الكلام عن شعبة وغيره، وممن أبطلها من أهل الحديث الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي هذا من الأئمة الكبار النقاد، وأبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ وهذا مشهور أيضاً من الأصبهانيين، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي وهذا أيضاً مشهور، وحكى أبو نصر فسادها عن بعض من لقيه. قال أبو نصر: وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون: قول المحدث قد أجزت لك أن تروي عني تقديره قد أجزت لك ما لا يجوز في الشرع. هذه مبالغة، الذي عليه أكثر أهل الحديث هو الجواز؛ لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع. ويشبه هذا ما حكاه أبو بكر محمد بن ثابت الخجندي أحد من أبطل الإجازة من الشافعية عن أبي طاهر الدباس أحد أئمة الحنفية، قال: من قال لغيره أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع فكأنه يقول أجزت لك أن تكذب علي. هذه مبالغة، والدباس ليس من أهل الحديث المشهورين، وقد انتقد على تدخله بالحديث، أظن على ما أذكر أن الحافظ ابن حجر رحمه الله عليه علق على كلام للدباس هذا، وقال في تعليقه: من خاض في غير فنه أتى بالأعاجيب.
قال ثم إن الذي استقر عليه العمل، وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيره: القول بتجويز الإجازة وإباحة الرواية بها. وفي الاحتجاج لذلك غموض، يعني أحياناً تكون الحجة لجواز الإجازة فيها شيء من الغموض، ولذلك كثير من الناس يستغربونها لما يسمعون المحدثين يتكلمون بالإجازة، يستغربون من مسألة الإجازة، ولذلك يقول فيها غموض. قال: ويتجه أن نقول إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته فقد أخبره بها جملة، يعني هو كيف يحدث عن شيخه وهو لم يخبره بكل حديث فيها، وإنما قال أجزت لك أن تروي هذه؟ هو يقول له: هذا الكتاب هو حديثي اروه عني. فمن أجاز المحدثون الرواية عن مرويات الشيخ فهو كما لو أخبره تفصيلاً، وأخبره إجمالاً كما أنه كما لو أخبره بالتفصيل، يعني هذا وهذا سيان، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا كما في القراءة على الشيخ، يعني ليس هو كالقراءة على الشيخ لابد من التصريح نطقا كما سبق، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك يحصل بالإجازة المفهمة والله أعلم.
والأئمة استدلوا على الإجازة بأدلة من السنة، ومنها كتب النبي صلى الله عليه وسلم، يعطي رجلاً كتاباً ويقول: لا تقرأه إلا إذا بلغت مكان فلان المكان الفلاني، فإذا قرأه كان النبي أخبره بهذا الكتاب. ثم إنه كما تجوز الرواية بالإجازة يجب العمل بالمروي بها، ما دام جوزنا الرواية فيجوز العمل. العكس هو الذي قد لا يجوز، يجوز العمل ولا تجوز الرواية خلافا لمن قال من أهل الظاهر ومن تابعهم أنه لا يجب العمل به وأنه جار مجرى المرسل، وهذا باطل؛ لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها أو في الثقة به والله أعلم.
النوع الثاني من أنواع الإجازة، إذاً هو ذكر في الإجازة الأولى الراجحة أو الأعلى، أعلى أنواع الإجازات المجردة عن المناولة وهي إجازة المعين بمعين، وذكر الخلاف في الإجازة مطلقاً. هنا في النوع الثاني من أنواع الإجازة: أن يجيز لمعين في غير معين، مثل ماذا؟ مثل أن يقول: أجزت لك أو لكم جميع مسموعاتي أو جميع مروياتي، هنا لم يعين المجاز به. أجزت لك، عين المجاز له، أو لكم، أو أجزت لزيد أو لعمرو، لكن المجاز به قال مسموعات؛ طيب ما هي مسموعاتك؟ أنت اذهب وابحث عن مسموعاتي. لكن لما يجيز له الفهرسة المشهورة يقول: أجزت لك أن تروي كتابي الفلاني أو فهرستي الفلانية أو ثبثي الفلاني، فهنا عين المجاز به، أما مسموعاتي ومروياتي فهذا إجازة في غير معين أو بغير معين وما أشبه ذلك. فالخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر، يعني ما دام أن النوع الأول الإجازة لمعين بمعين فيه خلاف فهذا الخلاف فيه أشد. والجمهور من العلماء والمحدثين والفقهاء وغيرهم على تجويز الرواية بها وعلى إيجاب العمل بما روي بها بشرطه. هنا ذكر كلمة مهمة جداً ولا بد أن تنتبهوا، معنى بشرطه، الشرط هنا المقصود به ثبوت المروي عن الراوي، ثبوت المسموع عن السامع، يعني لما يقول لك أجزت لك أن تروي عني بشرطه أو بالشرط المعروف عند أهل الأثر، يعني بشرط أن يثبت هذا المسموع الذي ستبحث عنه أن يثبت عني، وهنا يحصل الكثير من الإشكالات.
كيف ثبوت السماع عن الشيخ؟ لابد أن نعرف أن هذا الكتاب الذي سنرويه عن الشيخ أنه ثابت عنه بلا شك، أو هذا الحديث ثابت عنه بلا شك بوسائل الإثبات المعروفة عند أهل العلم، كان يكون الكتاب مشتهراً عنه وفيه إسناد إليه ثابت إليه، والناس الذين عاينوها أو عاصروها أو تلاميذه يقولون كتاب فلان، مثل كتاب البخاري أو كتاب النسائي، هذه الكتب مشتهرة ومعروفة أن هذا عن النسائي وهذا عن البخاري، وأيضاً قد أثبت العلماء أحاديثها وأعدادها وما إلى ذلك. وهنا الإشكال الذي يحصل ما هو؟ وقد حصل في زماننا هذا أن بعض أهل التحقيق يخرجون كتباً، هذه الكتب تنسب إلى أئمة، كتاب فلان منسوب إلى زيد من الناس من الأئمة، فيكتفون في إثباته بمجرد وجود السند على المخطوط، ويجدون أن ناساً من المتأخرين قد سمعوا هذا الكتاب على ذلك الشخص المكتوب في الإسناد. أحياناً يقع إشكال ما هو؟ هذا الإشكال قديماً كان هناك أناس يسمون الوراقين مثل أصحاب المكتبات وأصحاب الدور في هذا الزمن، الوراقين حتى يمشي سوقهم ربما أخذوا جزءاً غير معروف أو معروف بشخص، وكتبوا عليه أنه لفلان وأحدثوا له إسناداً. فمثلاً يأتون على سبيل المثال إلى الشافعي أو الإمام أحمد، ويأتون بسند يتصل بالربيع بن سليمان، أو يتصل بعبد الله بن أحمد، أو يتصل بالقعنبي عن مالك، ويكون الراوي عن القعنبي تلميذ له وعنه تلميذ له، فيجد بعض المتأخرين ممن ليس من أهل الحديث ولا يعرف هذه الاشتراطات، ويسمع بالإجازة فيجد سنداً مثلاً إلى شخص بينه وبينهم واحد، يجد الكتاب ويجد عليه سنداً، والذي في رأس السند شيخ شيخه مثلاً، فيذهب إلى شيخ له قد أجازه ذلك الشخص المكتوب في ذلك الكتاب ويقول له: ذاك أجازك بكل مروياته وهذا الكتاب من مروياته، فاقرأه علي، فيقرؤه عليه.
فيوجد في المتأخرين وجود قراءة لبعض الأجزاء، لكن هل ثبت ذلك الجزء أصلاً عن ذلك الشيخ؟ ربما لم يثبت، لابد من التحقق من ثبوته، وقد نسب إلى بعض الأئمة بعض الكتب التي لا تصح إليهم، واغتر بعض المحققين بمثل هذه الأسانيد، فيقولون يرويه فلان بالإجازة، طيب هل تحقق الشرط في الإجازة الذي هو قاله هنا بشرطه؟ هل تحقق ثبوت هذا الكتاب؟ فثبوت الكتاب مقدم على الرواية بالإجازة، فإذا لم يثبت الكتاب عن تلاميذه ولم يذكره من عاصروه أو من جاؤوا بعده من التلاميذ ثم ثبت بعد ذلك بقرنين أو ثلاثة من هذا الوجه الذي ذكرته، هذا لا يثبت صحة الكتاب، أرجو أن يكون كلامي مفهوماً لكم إن شاء الله.
النوع الثالث من أنواع الإجازة: أن يجيز لغير معين بوصف العموم، وهذا يدخل فيه بمعين أو بغير معين، لكن الآن غير المعين هو المجاز له، أن يجيز لغير معين بوصف العموم، مثل أن يقول: أجزت للمسلمين، أو أجزت لكل أحد، أو أجزت لمن أدرك زماني، وما أشبه ذلك. أجاز لهم بماذا؟ أما أن يقول بكتاب صحيح البخاري، أو بمسموعاتي، أو بفهرستي، كل هذا هو معناه واحد. وطبعاً إذا أجاز للمسلمين مسموعاته فالخلاف أشد. هذه الإجازة بوصف العموم التي عليه أكثر أهل العلم أنها لا تجوز، ومن العلماء من يجوزها وما أشبه ذلك، فهذا نوع تكلم فيه المتأخرون ممن جوز أصل الإجازة واختلفوا في جوازه. فإن كان ذلك مقيداً بوصف حاصر أو نحوه فهو إلى الجواز أقرب، وممن جوز بوصف حاصر مثلاً يقول: أجزت للمسلمين ممن أدرك زماني، أو للمسلمين ممن عاشوا في البلد الفلاني، أو للمسلمين العلماء في العصر الفلاني، فيأتي بوصف يحصر هؤلاء الناس، قال: هذا أقرب للجواز.
وممن جوز ذلك كله يعني أيضاً العموم هذا أبو بكر الخطيب الحافظ، وروينا عن أبي عبد الله بن منده الحافظ أنه قال: أجزت لمن قال لا إله إلا الله، وجوز القاضي أبو الطيب الطبري أحد الفقهاء المحققين فيما حكاه عنه الخطيب الإجازة لجميع المسلمين من كان منهم موجوداً عند الإجازة. طبعاً هؤلاء الذين جوزوا الإجازة العامة هذه لأنهم يرون أنه لا فرق بين العامة والخاصة، لأن المعنى واحد، فإذا أجزت لشخص معين وصحت فكذلك أجزت لغير معين تصح ما دام أنه أدرك زماني، يقولون لا فرق بين هذا من حيث المعنى، لكن ما دام أن الأصل الذين يمنعون هذا يقولون...
إذا كان الأصل مختلفاً فيه فهذا توسع غير محبب فيما حكاه الخطيب. نعم، وأجاز أبو محمد بن سعيد أحد الجلة من شيوخ الأندلس لكل من دخل قرطبة من العلم، ووافقه على جواز ذلك جماعة منهم أبو عبد الله بن عتاب رضي الله عنه. وأنبأني من سأل الحازمي أبا بكر عن الإجازة العامة هذه، فكان من جوابه أن من أدركه من الحفاظ نحو أبي العلاء الحافظ وغيره كانوا يميلون إلى الجواز؛ ميلهم إلى الجواز لأنه لا حجة في التفريق بين الخاصة والعامة. قلت هذا ابن الصلاح: ولم نرَ ولم نسمع عن أحد ممن يقتدى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها.
نعم، صحيح أن أكثر العلماء لا يلتفتون إلى هذه الإجازة العامة. ما معنى هذا؟ مثلاً لو أحد الشيوخ في هذا العصر، في ناس أجازوا إجازات عامة مثل الفاداني رحمه الله عليه وغيره، فمن أدرك زمنه يمكن أن يروي عنه بهذه الإجازة العامة، لكن الذي عليه النقاد وأهل العلم المعتبرين عدم الجواز أو عدم استعمالها على الأقل، يترفعون عن استعمالها. نعم، قلت: ولم نرَ ولم نسمع عن أحد ممن يقتدى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها، ولا عن الشرذمة المستأخرة الذين سوغوها، يعني حتى الناس الذين سوغوها ما استعملوها. والإجازة في أصلها ضعف، وتزداد بهذا التوسع ضعفاً كثيراً لا ينبغي احتماله، والله أعلم.
النوع الرابع من أنواع الإجازة: الإجازة للمجهول أو بالمجهول، ويتشبث بذيلها الإجازة المعلقة بالشرط. وذلك مثل أن يقول: أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي، وفي وقته جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب. يعني هنا إجازة لمجهول لأنه لم يعين من هو المقصود؛ هل محمد بن خالد الدمشقي الفلاني الذي كان يسكن في الرقة، أم فلان؟ فإذا كان هناك جماعة مشتركون في هذا الاسم أصبحت الإجازة للمجهول أو بالمجهول.
ثم قال: لا يعين المجاز له، يعني هنا جعله مبني للمفعول. ثم قال المجاز؛ ينبغي أن يقول: ثم لا يعين المجاز له منهم. أو يقول: أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن، وهو يروي جماعة من كتب السنن المعروفة بذلك، ثم لا يعين؛ لا يقول سنن أبي داود أو سنن الترمذي. أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن، أو أجزت لغير معين يروي عني كتاب السنن، وكتاب السنن هناك عدد من الكتب، فهو بهذا النوع من الإجازة كأنه جهل الكتاب المجاز به، فهذه إجازة فاسدة لا فائدة لها.
ليس من قبيل الإجازة للمجهول أو بالمجهول ما إذا أجاز لجماعة مسمين معينين بأنسابهم، والمجيز جاهل بأعيانهم غير عارف بهم؛ فهذا غير قادح، كما لا يقدح عدم معرفته به إذا حضر شخصه في السماع منه. يعني إذا أجاز لأناس معينين معروفين لكن المجيز هو يجهل أعيانهم، مثلاً قال: أجزت لمحمد بن عمرو الهاشمي، لأن الناس أخبروه أن هناك محمد بن عمرو الهاشمي يستجيزك فأجاز له وهو لا يعرف عينه، لا يعرف الشخص؛ هذه الإجازة جائزة. وهذا يحصل في الاستدعاءات كثيراً؛ يأتي بعض المستجيزين للعلماء ويكتبون ورقة فيها أسماء أشخاص معينين من زملائهم وأصحابهم فيستجيزون لهم من الشيخ، فيجيز الشيخ.
وإن أجاز للمسمين المنتسبين في الاستجازة ولم يعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم، ولم يعرف عددهم، ولم يتصفح أسماءهم واحداً فواحداً؛ فينبغي أن يصح ذلك أيضاً، هذا الاستدعاء الذي ذكرناه قبل قليل، كما يصح سماع من حضر مجلسه للسماع منهم وإن لم يعرفهم أصلاً؛ وتعلمون أنه يحضر سماعات العلماء الكثير من الناس وهم لا يعرفونهم بل الآلاف.
وإذا قال: أجزت لمن يشاء فلان، يعني معلق على مشيئة فلان أو نحو ذلك، فهذا فيه جهالة وتعليق بشرط؛ فالظاهر أنه لا يصح. وهذا يبدو أنه يفعل في هذا الزمان أيضاً لكن يفعل بشكل آخر وهو التوكيل؛ التوكيل بالإجازة؛ يوكل الشيخ شخصاً أن يجيز عنه، وهذه أيضاً مثل هذا تقريباً، وبذلك أفتى القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي إذ سأله الخطيب الحافظ عن ذلك، وعلل بأنه إجازة لمجهول، فهو كقوله: أجزت لبعض الناس من غير تعيين. وقد يعلل ذلك أيضاً بما فيها من التعليق بالشرط، فإن ما يفسد بالجهالة يفسد بالتعليق على ما عرف عند القوم. نعم، وحكى الخطيب عن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، وأبي الفضل بن عمروس المالكي أنهما أجازا ذلك، وهؤلاء الثلاثة كانوا مشايخ مذاهبهم ببغداد إذ ذاك.
وهذه الجهالة الواقعة ترتفع في ثاني الحال عند وجود المشيئة، بخلاف الجهالة الواقعة فيما إذا أجاز لبعض الناس؛ يعني هنا يفرق بين قوله: أجزت لبعض الناس، وبين الإجازة المعلقة على الشرط. وإذا قال: أجزت لمن شاء فلان، فهو كما لو قال: أجزت لمن شاء فلان؛ أجزت لمن شاء، يعني لمن يريد الإجازة، فكأنه قال: أجزت لمن شاء فلان، بل هذه أكثر جهالة وانتشاراً من حيث أنها معلقة بمشيئة من لا يحصر عددهم بخلاف تلك. ثم هذا فيما إذا أجاز لمن شاء الإجازة منه.
على كل حال هذه الأنواع من الإجازات فيها توسع شديد؛ فإن أجاز لمن شاء الرواية عنه فهذا أولى بالجواز، ليس معنى أولى بالجواز أنه جائز، يقول أولى بالجواز من ذلك من حيث إنه مقتضى كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة المجاز له، فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحاً بما يقتضيه الإطلاق. يعني لما يقول: أجزت لمن شاء الرواية عني، يقول هنا مثل الإطلاق تماماً، أنه لمن شاء الرواية عني، مثل لو قال: أجزت لمن شاء، أو أجزت للناس؛ لأن الناس الذين سيجاز لهم أكيد أنهم سيشؤون الرواية، فيقول هذا التقييد بمثابة العدم. فلو قال: أجزت لفلان إن شاء، لم يقله لأنه لن يروي إلا إذا شاء، فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحاً بما يقتضيه الإطلاق وحكاية للحال لا تعليقاً في الحقيقة؛ فهذا أجزت لمن شاء هذا ليس تعليقاً. ولهذا أجاز بعض الأئمة الشافعيين في البيع أن يقول: بعتك هذا بكذا إن شئت، فيقول: قبلت. ووجد بخط الشيخ أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي الحافظ: أجزت رواية ذلك لجميع من أحب أن يروي ذلك عني. أما إذا قال: أجزت لفلان كذا وكذا إن شاء روايته عني، أو لك إن شئت أو أحببت أو أردت، فالأظهر الأقوى أن ذلك جائز، يعني هذا ليس تقييداً في الحقيقة كما لو قال: أجزت لك؛ لأنه لن يروي إلا إذا شاء، إذ قد انتفت فيه الجهالة، وانتفت حقيقة التعليق ولم يبق سوى صيغته، والعلم عند الله.
النوع الخامس من أنواع الإجازة: الإجازة للمعدوم. المجهول هناك الذي لم يعين لم تعرف عينه، وهنا المعدوم الذي لم يوجد أصلاً. ولنذكر معه الإجازة للطفل الصغير، هذا نوع خاض فيه قوم من المتأخرين واختلفوا بجوازه. ومثاله أن يقول: أجزت لمن يولد لفلان؛ ففلان الآن لم يولد له بعد، فهو يجيز إذا ولد له، لولده إذا ولد له، هذا إجازة لمعدوم إلى الآن لم يوجد. فإن عطف المعدوم في ذلك على الموجود بأن قال: أجزت لفلان ومن يولد له، أو أجزت لك ولولدك وعقبك ما تناسلوا، كان ذلك أقرب إلى الجواز من الأول؛ هذا بعد أيضاً، وإن كان ثابتاً عن بعض الأئمة كابن أبي داود: أجزت لك ولحبل الحبله، ولم ذلك؛ أجاز أصحاب الشافعي في الوقف القسم الثاني دون الأول الذي هو فيه العطف. الأول إجازة للمعدوم هذه غير جائزة، وأجازوا الرواية للمعدوم إذا كانت معطوفة على معلوم أو على موجود.
وقد أجاز أصحاب مالك وأبي حنيفة ومن قال ذلك منهم في الوقف القسمين كليهما، يعني الإجازة للمعدوم كما أجازوا الوقف للمعدوم. وفعل هذا الثاني في الإجازة من المحدثين المتقدمين أبو بكر بن أبي داود السجستاني؛ الثاني الذي ذكرته لكم قبل قليل، فإنا روينا عنه أنه سئل الإجازة فقال: قد أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبله، يعني الذين لم يولدوا بعد.
وأما الإجازة للمعدوم ابتداءً من غير عطف على موجود، فقد أجازها الخطيب أبو بكر الحافظ، وذكر أنه سمع أبا يعلى بن الفراء الحنبلي وأبا الفضل بن عمروس المالكي يجيزان ذلك. هذا توسع حقيقة، وهؤلاء ليسوا من أهل الحديث العارفين به، لكنهم فقهاء كبار. وحكى جواز ذلك أيضاً أبو نصر ابن الصباغ الفقيه، فقال: ذهب قوم إلى أنه يجوز أن يجيز لمن لم يُخلق، قال: وهذا إنما ذهب إليه من يعتقد أن الإجازة إذن في الرواية لا محادثة. الخلاف سببه في تكييف الإجازة؛ ما هي الإجازة؟ هل هي إذن بالرواية؟ ثم بين بطلان هذه الإجازة وهو الذي استقر عليه رأي الشيخ القاضي أبي الطيب الطبري الإمام، وذلك هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز على ما قدمناه في بيان صحة أصل الإجازة. هل الإجازة إخبار أو إذن؟ إن كانت إذناً بالرواية فيصح الإجازة للمعدوم والمجهول والذي لم يولد ولم يتصل حتى الإسناد به، وإن كانت إخبار جملة؛ فالصحيح أنها إخبار لكنه إخبار جملي؛ فإذا قلنا إخبار في الجملة فلا بد أن يكون المخبر معيناً. فكما لا يصح الإخبار للمعدوم، لا تصح الإجازة للمعدوم. ولو قدرنا أن الإجازة إذن، فلا يصح أيضاً ذلك للمعدوم كما لا يصح الإذن في باب الوكالة للمعدوم؛ لوقوعه في حالة لا يصح فيها المأذون فيه من المأذون له. نعم، لأن المعدوم لم يأتِ بعد فكيف يؤذن له في أن يفعل كذا وكذا؟ وهذا أيضاً يوجب بطلان الإجازة للطفل الصغير الذي لا يصح سماعه؛ لأننا إذا قلنا إخبار، فالطفل كيف يتحمل الإخبار؟
قال الخطيب: سألت القاضي أبا الطيب الطبري عن الإجازة للطفل الصغير هل يعتبر في صحتها سنه أو تمييزه كما يعتبر ذلك في صحة سماعه؟ فقال: لا يعتبر ذلك. فقلت له: إن بعض أصحابنا قال لا تصح الإجازة لمن لا يصح سماعه، فقال: قد يصح أن يجيز للغائب عنه ولا يصح سماعه. إذاً أبو الطيب رحمه الله عليه احتج بأن الإجازة للغائب صحيحة، وهو لا يصح سماعه، فما دامت أنها صحت للغائب فتصح للصغير. واحتج الخطيب لصحتها للطفل بأن الإجازة إنما هي إباحة، إباحة المجيز للمجاز له أن يروي عنه، والإباحة تصح للعاقل وغير العاقل، قال: وعلى هذا رأينا كافة شيوخنا -ولذلك الخطيب وسع موضوع الإجازة لأنه يراها إباحة وإذناً ولا يراها إخباراً- يجيزون الأطفال الغيب عنهم من غير أن يسألوا عن مبلغ أسنانهم وحال تمييزهم، ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولوداً في الحال.
قلت: فإجازتهم للصغار هذا كثير، لكن لغير المولود يقول لا أراهم يقوله الخطيب. قلت: كأنهم رأوا الطفل أهلاً لتحمل هذا النوع من أنواع تحمل الحديث ليؤدي به بعد حصول أهليته؛ يعني هذا النوع من التحمل الذي هو الإجازة هو أخف من السماع، هو إجازة وإخبار بالجملة، فالطفل الصغير إذا كبر ووجد أنه مجاز بهذا فكأنه أخبر قديماً وإن لم يكن مستوعباً له، فإذا كبر استوعب هذا الإخبار الجملي. وهذا منهم حرصاً على توسيع السبيل إلى إبقاء الإسناد الذي اختصت به الأمة وتقريبه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما معنى تقريبه من رسول الله؟ لأنهم إذا أجازوا للصغار، فالصغير إذا أجاز شخص كبير لصغير، يعني واحد بلغ التسعين أو الثمانين فأجاز لشخص الآن ولد أو عمره سنة أو سنتين أو ثلاث أو خمس؛ فهذا الصغير سيعمر، كثير منهم يعمرون، أو بعضهم سيعمر، فيبقى ستين إلى سبعين سنة ثم يجيز لصغير آخر فيكون الإسناد عالياً. ولذلك قال هنا حرصاً على توسيع السبيل إلى إبقاء الإسناد وحرصاً على تقريبه من رسول الله، يعني على علو الإسناد، فمن هنا توسعوا في الإجازة للصغار.
النوع السادس من أنواع الإجازة: إجازة ما لم يسمعه المجيز ولم يتحمله أصلاً بعد.
ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك. ما معنى هذا الكلام؟ يقول: أجزت لك أن تروي عني ما صح لي، ويزيد بعضهم: وما يصح لي. يعني أنني الآن أجيزك بما أرويه، وأجيزك بما سوف أرويه، وسوف أتحمله من غيره. إذا جاءني الآن -مثلاً- خمسة من الشيوخ، وجاءني شخص واستجازني، فينبغي في الإجازة أن يكون يروي عن هؤلاء الخمسة، عني عن هؤلاء الخمسة الذين رويت عنهم.
لكن بعضهم توسع فقال: وما يصح لي بعد ذلك، يعني بعد هذه الإجازة؛ فإذا جاءني سادس وسابع وأجازوني، جاز لهذا الذي أجزته أن يروي عنهم، عني عنهم. فهل هذا جائز؟ هذا هو المقصود بالنوع السادس. قال: إجازة ما لم يسمعه المجيز، أي الشيخ، ولم يتحمله أصلاً قبل أن يجيز التلميذ ليرويه المجاز له، إذا تحمله المجيز بعد ذلك. يعني يروي التلميذ بعد أن يتحمله الشيخ. قال: أخبرني من أخبر عن القاضي عياض بن موسى، من فضلاء وقته بالمغرب، قال: هذا لم أرَ من تكلم عليه من المشايخ، ورأيت بعض المتأخرين والعصريين يصنعونه. يعني يفعلون هذا، ما دام أنه أجاز التلميذ فأي شيء يثبت للشيخ ولو كان بعد الإجازة يتحملونه، يعني يروونه؛ وهذا أظن فيه شيئاً وقد لا يكون صحيحاً أصلاً.
ثم حكى عن أبي الوليد يونس بن مغيث، قاضي قرطبة، أنه سئل الإجازة لجميع ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعد، فامتنع من ذلك، فغضب السائل، فقال له بعض أصحابه: يا هذا، يعطيك ما لم يأخذه! هذا محال. قال عياض: وهذا هو الصحيح. نعم، أنا كيف إذا أجزت للتلميذ، كيف له أن يروي شيئاً لم يحصل لي بعد؟ لأنني إنما أجزته بما صح لي، أو بما سمعته، أو بما أجيز لي. ولذلك لا بد لكل مستجيز من شيخ أن يقيد وقت الإجازة، حتى يتأكد من أن الذي يرويه هو ما رواه الشيخ قبل الإجازة، أو ما صح للشيخ قبل الإجازة، وهذا فيه شغل أو فيه غلبة أو فيه إتعاب، وقد لا يتقيد به كثير من الناس في هذا الزمان، يعني يتساهلون فيه.
قلت: ينبغي أن يبنى هذا على أن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز جملة، أو هي إذن؟ فإن جعلت في حكم الإخبار لم تصح هذه الإجازة؛ فالخلاف في هذه الإجازة ينبني على تكييف الإجازة: ما هي؟ هل هي إخبار جملة أو هي إذن؟ ولذلك إذا قلنا إذن، توسعنا فيها توسعاً كثيراً، إذ كيف يخبر بما لا خبر عنده منه؟ وإن جعلت إذناً، ينبني هذا على الخلاف في تصحيح الإذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الموكل بعده، مثل أن يوكل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه. وقد أجاز ذلك بعض أصحاب الشافعي، والصحيح بطلان هذه الإجازة. وعلى هذا يتعين على من يريد أن يروي بالإجازة عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته، مثلاً، أن يبحث حتى يعلم أن ذلك الذي يريد روايته عنه مما سمعه قبل ذلك، قبل تاريخ الإجازة.
وأما إذا قال: أجزت لك ما صح ويصح عندك من مسموعاتي، فهذا ليس من هذا القبيل. لماذا ليس من هذا القبيل؟ وقد فعله الدارقطني وغيره. بل فسره هنا في الأسفل، وجائز أن يروي بذلك عنه ما صح عنده بعد الإجازة، أنه سمعه قبل الإجازة. فقوله "صح ويصح" بمعنى واحد، لا تقدم ولا تؤخر، معناها ما صح سواء صح اليوم أو صح غداً، هكذا يفسرها الخطيب، مع أن ظاهرها أنه وما يصح مستقبلاً بعد الإجازة. ولذلك قال هنا: فهذا ليس من هذا القبيل، وقد فعله الدارقطني وغيره، وجائز أن يروي بذلك عنه ما صح عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبل الإجازة.
فهو يقول: يحمل كلمة "ما صح" على وقت الإجازة، لما أجاز للتلميذ، فالتلميذ صح عنده أن من مسموعات الشيخ كيت وكيت وكيت، ثم بعد أن أجازه بفترة، صح له أن الشيخ عنده كذا وكذا، فيفسر كلمة "ويصح" يعني بعد وقت الإجازة، بعد علمه بذلك ليس في وقت الإجازة أن الشيخ سمعه، وإنما بعد ذلك بفترة علم أن الشيخ سمع ذلك قبل الإجازة، قبل تاريخ الإجازة، إن شاء الله يكون الكلام مفهوماً، ويجوز ذلك. وإن اقتصر على قوله: "ما صح عندك"، هذا لم يكن له داعٍ، ولم يقل: "وما يصح"؛ لأن المراد: أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك، فسواء صح الآن أو صح بعد ذلك، فالمعتبر إذاً فيه صحة ذلك عنده حال الرواية. إذاً ابن الصلاح يقول بأن قولهم "ما صح ويصح عندك" ليس المقصود به قوله "ويصح" يعني أن يسمع الشيخ ذلك بعد أن أجازه، وإنما المقصود به صح عندك وقت الإجازة أنه من مسموعاتي، أو صح لك بعد وقت الإجازة أنه من مسموعاته قبل الإجازة، هكذا يؤول ابن الصلاح هذا الكلام، ولعل هذا التأويل هو المراد؛ لأن ابن الصلاح متقدم ويعلم مرادات الشيوخ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
النوع السابع من أنواع الإجازة: إجازة المجاز. مثل أن يقول الشيخ: أجزت لك مجازاتي، أو أجزت لك رواية ما أجيز لي روايته. يعني هناك إجازة المسموعات أو المرويات، وهنا إجازة المجازات، يعني أصبحت إجازة عن إجازة عن إجازة. هل يجوز هذا؟ إجازة عن إجازة، إذا صحت الإجازة عن المسموع، فينبغي أن تصح الإجازة عن الإجازة، لا فرق بين هذا وهذا. قال: فمنع من ذلك بعض من لا يعتد به من المتأخرين. جيد، يقول إنه لا يعتد به، والصحيح الذي عليه العمل أن ذلك جائز، ولا يشبه ذلك من امتنع من توكيل الوكيل بغير إذن الموكل؛ هناك من احتج بهذا أن توكيل الوكيل بغير إذن الموكل لا يجوز، فيقول: هذا لا يشبه هذا.
ووجدت عن أبي عمرو الصفاقسي، الحافظ المغربي، قال: سمعت أبا نعيم الحافظ الأصبهاني يقول: الإجازة على الإجازة قوية جائزة، يعني يجوزها. وهذا الذي عليه العلماء، وحكى الخطيب الحافظ تجويز ذلك عن الحافظ الإمام أبي الحسن الدارقطني، والحافظ أبي العباس المعروف بابن عقدة الكوفي وغيرهما. وقد كان الفقيه الزاهد نصر بن إبراهيم المقدسي يروي بالإجازة عن الإجازة، حتى ربما والى في روايته بين إجازات ثلاث. هنا لا إشكال فيه، لكن بشرط إن كانت الإجازة بغير معين، يعني بالمسموعات أو بالإجازات؛ لأن الإجازات لا تعتبر مسموعات، لكن يمكن أن تكون بمعين، أن يجيز فلان بالبخاري، ثم المجاز يقول أجزتك بالبخاري، ثم يقول الآخر أجزتك بالبخاري، فهذا إجازات بمعين أو أجزتك بمجازاتي ويقول الآخر أجزتك بمجازاتي. لا بد أن يتأكد أن هذه المجازات صحيحة إلى من أجاز أو إلى من أجيز له، يعني بشرطه كما قلنا في المرويات والمسموعات.
وينبغي لمن يروي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمل كيفية إجازة الشيخ شيخه ومقتضاها، حتى لا يروي بها ما لم يندرج تحتها، نعم هذا هو مربط الفرس. لا بد أن يعرف ما يدخل في تلك الإجازة، ولا يدخل فيها شيئاً لا يثبت عن الشيخ بمجرد أنه وجده مكتوباً اسمه عليه. فإذا كان مثلاً صورة إجازة شيخ شيخه: أجزت لك ما صح عندك من مسموعاتي، فرأى شيئاً من مسموعات الشيخ شيخه، فليس له أن يروي ذلك عن شيخه، حتى يستبين أنه مما كان قد صح عند شيخه كونه من سماعات شيخه الذي تلك إجازته، ولا يكتفي بمجرد صحة ذلك عنده الآن، يعني لا بد أن تكون هذه السماعات حصلت له قبل تاريخ الإجازة من ذلك الشيخ، يعني التأكد مستمر من شيخي ثم شيخ شيخي، فهنا يكون العبء كبيراً على صاحب الإجازة عملاً بلفظه وتقييده، ومن لا يتفطن لهذا وأمثاله يكثر عثاره، والله أعلم. نعم، هذه أنواع الإجازة التي تمس الحاجة إلى بيانها، ويتركب منها أنواع أخر، سيتعرف المتأمل حكمها مما أمليناه إن شاء الله.
ثم إننا ننبه على أمور. أحدها: روينا عن أبي الحسين أحمد بن فارس الأديب المصنف رحمه الله -أظنه صاحب المقاييس- قال: معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يُسقاه المال من الماشية والحرث، يقال منه: استجزت فلاناً فأجازني، إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك. كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه فيجيزه إياه، يعني كأنه يسقيه من هذا العلم. قلت: فللمجيز على هذا أن يقول: أجزت فلاناً مسموعاتي أو مروياتي، فيعديه بغير حرف جر، نعم أجزته مسموعاتي من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية أو نحو ذلك، يعني أن يروي مسموعاتي ما يحتاج يقول أجزته مسموعاتي. ويحتاج إلى ذلك من يجعل الإجازة بمعنى التسويغ، أي الإذن والإباحة، وذلك هو المعروف، فيقول: أجزت لفلان رواية مسموعاتي؛ لأنه إذا كان المقصود به الإخبار فلا داعي لأن يقول أن يروي أجزته مسموعاتي، يعني أنا أخبره بها. وإذا كان المقصود الإذن فعليه أن يقول: أن يروي، أجزت لفلان رواية مسموعاتي. ومن يقول منهم: أجزت له مسموعاتي، فعلى سبيل الحذف الذي لا يخفى نظيره، يعني لولا الذين يقولون إن الإجازة معناها التسويغ والإذن، قال: أجزت مسموعاتي أو له مسموعاتي، معناها أجزت له روايتها، فعلى سبيل الحذف؛ حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما هو معلوم.
الثاني: إنما تستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالماً بما يجيز، والمجاز له من أهل العلم؛ لأنها توسع، يعني يستحسن أن تكون الإجازة إذا كان المجيز عالماً بما يجيز، والمجاز له من أهل العلم، يعني هذا الأفضل، لكنها تجوز لغير أهل العلم؛ لأنها توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لتمس حاجتهم إليها؛ لأن أهل العلم سيتثبتون من نوع الإجازة ومن الكتاب ومن الشروط، وأما غير أهل العلم فربما لا يتثبتون من ذلك. وبمبالغة بعضهم في ذلك، فجعله شرطاً فيها، يعني أن يكون من أهل العلم، وحكاها أبو العباس الوليد بن بكر المالكي عن مالك. وقال الحافظ أبو عمر: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة، نعم الحافظ ابن عبد البر عنه ذلك، وفي شيء معين لا يشكل إسناده؛ لأن الإجازة أصلاً فيها نوع من الضعف، فينبغي التشدد فيها، والله أعلم.
الثالث: ينبغي للمجيز إذا كتب إجازته أن يتلفظ بها، فإن اقتصر على الكتابة كان ذلك إجازة جائزة إذا اقترن بقصد الإجازة، غير أنها أنقص مرتبة من الإجازة. يعني هنا بعضهم يشترط أن يتلفظ بها، يقول: كتبت الإجازة، كتب فلان إجازة لفلان، فيأتيه ويقول: قل أجزت لك، أو يطلب منه التلفظ، وهذا يعني مبالغة في الإجازة، وإلا فالكتابة كافيها، ولذلك قال هنا: ماذا؟ أنقص مرتبة من الإجازة الملفوظ بها، وغير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة من باب الرواية التي جعلت فيها القراءة على الشيخ، مع أنه لم يلفظ بما قرئ عليه، نعم إخباراً منه بما قرئ عليه على ما تقدم بيانه، والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذا الدرس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما سمعنا وبما نقول، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري