دخولتسجيل الدخول

الدرس 15

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا هو الدرس الخامس عشر من شرح مقدمة ابن الصلاح، توقفنا عند التفريعات المتعلقة بالتحمل والأداء.

قال المؤلف في التفريعات: الأول، إذا كان أصل الشيخ عند القراءة عليه بيد غيره، وهو موثوق به. الأصل معناه كتاب الشيخ بيد غيره عند القراءة، وهذا الغير موثوق به مراع لما يقرأ، أهل لذلك. فإن كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه فهو كما لو كان أصله بيده، بل أولى؛ لتعاضد ذهني شخصين عليه، فالشيخ حافظ ينتبه لما يقرأ عليه، والتلميذ الذي يمسك الأصل بيده أيضاً منتبه لما يقرأ. وإن كان الشيخ لا يحفظ ما يقرأ عليه فهذا مما اختلفوا فيه؛ فرأى بعض أئمة الأصول أن هذا سماع غير صحيح، والمختار أن ذلك صحيح، وبه عمل معظم الشيوخ وأهل الحديث.

لماذا صحيح؟ لأن الشخص الذي يمسك الأصل بيده موثوق به، فقراءته لن يدخل فيها شيئاً من عنده ولن يحاول الإلباس على الشيخ، وبالتالي سيقرأ لأنه يهمه أن يسمع على الشيخ حديثه، والشيخ يستمع إليه ولو لم يكن يحفظ، لكن الأصل بيد موثوق، فهذا الذي سار عليه عمل كثير من الناس من أهل الحديث وأجازوه.

قال: وإذا كان الأصل بيد القارئ وهو موثوق به ديناً ومعرفة، فكذلك الحكم فيه وأولى بالتصحيح. وأما إذا كان أصله بيد من لا يوثق بإمساكه له، بأن يكون الأصل الذي للشيخ بدلاً من أن يكون في يد الشيخ كان بيد شخص آخر لكنه غير موثوق به، ولا يؤمن إهماله لما يقرأ، يعني ممكن يقرأ ولا ينتبه فيكون هناك اختلاف بين النسخة المقروءة وبين الأصل، فسواء كان بيد القارئ أو بيد غيره فإنه سماع غير معتد به إذا كان هذا الذي يمسك بالأصل لا يوثق به، سواء كان قارئاً أو مستمعاً، فهذا سماع غير معتد به إذا كان الشيخ غير حافظ لما يقرأ عليه، وأما إذا كان حافظاً فلا إشكال. والله تعالى أعلم.

ثم قال الثاني: إذا قرأ القارئ على الشيخ قائلاً: أخبرك فلان، أو قلت يا شيخ: أخبرنا فلان، أو نحو ذلك، والشيخ ساكت مصغٍ إليه، فاهم لذلك، غير منكر له، فهذا كاف في ذلك. يعني يأتي طالب ويقرأ على الشيخ ففي بداية القراءة يقول: أخبرك فلان، أو يقول للشيخ: قلت أخبرنا فلان، هذا إذا كان يقرأ على الشيخ، أما إذا كان الشيخ هو الذي يقرأ، أو نحو ذلك والشيخ ساكت مصغٍ إليه، فاهم لذلك غير منكر له، فهذا كاف في ذلك، يعني ما يشترط أن يقول نعم، في نهاية المجلس يقول: كل ذلك سمعته، أو نحو ذلك.

واشترط بعض أهل الظاهرية وغيرهم إقرار الشيخ نطقا، يعني سكوت الشيخ عندهم لا يكفي، لابد أن يقول: نعم، أو نحو ذلك، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو الفتح سليم الرازي، وأبو نصر بن الصباغ، وكل هؤلاء من الفقهاء الشافعيين. قال أبو نصر: هذا الشافعي ليس له أن يقول حدثني وأخبرني، يعني لا يجوز للقارئ على الشيخ والشيخ لم يقر بعد في نهاية المجلس، لا يجوز له أن يقول حدثني أو أخبرني، لماذا؟ لأنه لم يقر به وإنما استمع، فقد يكون لم يرد تحديثه، وله أن يعمل بما قرئ عليه، يعني كأنه وجده وجادة، فإذا وجدت كتاباً والكتاب صحيح لمؤلفه جاز العمل بما فيه، لكن لا يجوز لك أن ترويه، وهنا ما جعله مثل الوجادة.

وإذا أراد روايته عنه قال: إذا قرأ القارئ على الشيخ والقراءة صحيحة، بمعنى أن الشيخ إما ساكت على مذهب الجمهور أو أقر، فأراد القارئ أن يحدث به، وإذا أراد روايته فيقول: قرأت عليه، أو قرئ عليه وأنا أسمع، يقول: قرئ عليه وأنا أسمع. وهنا عبر عن ذلك القارئ. وفي حكاية بعض المصنفين للخلاف في ذلك أن بعض الظاهرية شرط إقرار الشيخ عند السماع، بأن يقول القارئ للشيخ: هو كما قرأته عليك؟ فيقول: نعم، هذا الذي اشترطه الظاهرية. والصحيح أن ذلك غير لازم، وأن سكوت الشيخ على الوجه المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ، اكتفاء بالقرائن الظاهرة لأنه غير منكر وفاهم لما يقال له أو يقرأ عليه، وهذا هو مذهب الجماهير من المحدثين والفقهاء وغيرهم. والله أعلم.

الوجه الثالث أو الفرع الثالث، قال المؤلف: الثالث فيما نرويه عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ رحمه الله، قال: الذي اختاره في الرواية، وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري، أن يقول في الذي يأخذه من المحدث لفظاً وليس معه أحد: حدثني فلان، فإذا الشيخ يحدث يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله، فالسامع له يقول: حدثني إذا لم يكن معه أحد. وأما إذا كان معه أحد وما يأخذه من المحدث لفظاً ومعه غيره يقول: حدثنا فلان، فكلمة حدثنا خاصة بالجماعة بأكثر من واحد، وكلمة حدثني خاصة بمن لم يكن معه أحد في أثناء القراءه وتحديث الشيخ له.

قال: وما قرأ على المحدث بنفسه يقول: أخبرني فلان، فكلمة أخبرني تدل على أنك أنت القارئ، ولا تدل على أنك وحدك، فقد يكون معك غيرك. وما قرئ على المحدث وهو حاضر يقول فيه: أخبرنا فلان، يعني إما أن يكون هو قارئ أو هو مستمع والقارئ غيره، فإذا كان القارئ غيره يقول: أخبرنا، وإذا كان هو القائل يقول: أخبرني، سواء إذا كان هو القارئ، سواء كان وحده أو معه جماعة. وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله بن وهب صاحب مالك وهو حسن رائق، يعني هذا الذي ذكره عن الحاكم وهذه التفريعات أو التفصيلات.

قال: فإن شك في شيء عنده أنه من قبيل حدثنا أو أخبرنا، أو من قبيل حدثني أو أخبرني، لتردده في أنه كان عند التحمل والسماع وحده أو مع غيره، فيحتمل أن يقول: حدثني أو أخبرني؛ لأن عدم ما غيره هو الأصل، لأن كلمة أخبرني أدل على أنه هو قد سمعه من الشيخ سواء كان معه أحد أو غيره، وأما إذا قال حدثنا أو أخبرنا فهو يدل على أن معه غيره، فالأولى أن يقول: حدثني أو أخبرني؛ لأنها تدل على الانفراد وتدل على الجماعة أيضاً، لأنها لا تنفي وجود الجماعة.

ولكن ذكر علي بن عبد الله المديني الإمام عن شيخه يحيى القطان: هؤلاء الرجال علي بن عبد الله المديني تعرفونه؟ من يعرفه يا شباب؟ أبو الحسن. علي بن المديني هو شيخ البخاري، أحسنت، هناك عبارة للبخاري قالها في شيخه علي بن المديني في مدحه، يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرتها عند علي بن المديني، وهو أعلم الناس بالعلل. يحيى القطان شيخه وهو من أئمة العلل، يعني علي بن المديني تعلم العلل من يحيى القطان ومن عبد الرحمن بن مهدي ومن غيرهم، طبعاً لكن هذان الإمامان يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي هما أعلم الناس في زمانهم بالعلل. قال عبد الرحمن بن مهدي: عنه علي بن المديني، لو حلفت بين الركن والمقام أنه لا يوجد أعلم بالحديث من علي بن المديني لما حنثت.

عن شيخ علي يحيى بن القطان فيما إذا شك أن الشيخ قال: حدثني فلان، أو قال: حدثنا فلان، أنه يقول: حدثنا، وهذا يقتضي فيما إذا شك في سماعه نفسه بمثل ذلك أن يقول: حدثنا. نعم، لأنها أيضاً الشيخ يقول عن شيخه: حدثنا، إذا شك هل قال: حدثني أو قال: حدثنا، يجعلها حدثنا لأنها لا تضر إن شاء الله. وهو عندي يتوجه بأن حدثني أكمل مرتبة، وحدثنا أنقص مرتبة، فليقتصر إذا شك، يقول: توجيه هذا الكلام من يحيى القطان أن حدثني أعلى من حدثنا، فبالتالي ينزل إلى الأقل رتبة، وهذا العلو والنزول في الحقيقة محله تأمل، إذا شك على الناقص يقتصر على الناقص؛ لأن عدم الزائد هو الأصل، وهذا لطيف. ثم وجدت الحافظ أحمد البيهقي رحمه الله قد اختار بعد حكايته قول ابن القطان ما قدمته، يعني اختار حدثني.

ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحب وليس بواجب، يعني التفصيل في قوله: إذا كنت وحدك تقول حدثني، وإذا كان معك جماعة تقول حدثنا، هذا ليس بواجب هو مستحب، وبالتالي لا يضر سواء قلت هذا أو قلت هذا، حكاه الخطيب الحافظ عن أهل العلم كافة، فجائز إذا سمع وحده أن يقول حدثنا أو نحوه؛ لجواز ذلك للواحد في كلام العرب، لأن هذا جائز في كلام العرب، أما من باب العظمة أو العكس باب التواضع، وجائز إذا سمع في جماعة أن يقول حدثني، هذا كله في لغة العرب جائز، لأن المحدث حدثه وحدث غيره، والله أعلم.

الرابع: روينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال: اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا ولا تعده، قلت: ليس لك فيما تجده في الكتب المؤلفة من روايات من تقدمك أن تبدل في نفس الكتاب ما قيل فيه أخبرنا بحدثنا ونحو ذلك. يقول هنا لما ذكر كلام أحمد أن أحمد يقول للسامع أو للمحدث: عليك أن تتبع كلام الشيخ، ماذا قال فتقول مثله، فقال ابن الصلاح هنا: يعني من باب الفائدة إذا وجدت في كتب مؤلفه أخبرنا وحدثنا ليس لك أن تغير غيرها؛ لأن الذي في الكتاب ينبغي أن تتبعه. هؤلاء الذين ربما غيروا لأنهم سمعوا من الشيوخ فربما رووا بالمعنى ولو ضيقنا عليهم لصارت استصعبوا ذلك، وأما من الكتاب فالناظر في الكتاب ينقل من الكتاب، فما الذي يحوجه أن يغير ما في الكتاب؟

قال: وإن كان في إقامة أحدهما مقام الآخر خلاف وتفصيل سبق لاحتمال، يقول: هناك خلاف في إقامة الآخر مقام الآخر لأنهما من أهل اللغة من يقول: هذا وهذا واحد، لكن يقول: مع هذا الخلاف لا ينبغي لك أن تغير ما في الكتاب؛ لاحتمال أن يكون من قال ذلك ممن لا يرى التسوية بينهما، يعني من قال ذلك في الكتاب لا يرى التسوية بينهم. ولو وجدت من ذلك إسناداً عرفت من مذهب رجاله التسوية بينهما، فإقامتك أحدهما مقام الآخر من باب تجويز الرواية بالمعنى.

نعم، يعني إذا رأيت في إسناد أناساً أصلاً يجوزون معاقبة هذا بهذا، يعني أن يبدلوا هذا بهذا، يقول: يجوز لك من باب تجويز الرواية بالمعنى، وإلا فالأفضل أن تتقيد بالألفاظ. وذلك وإن كان فيه خلاف معروف، فالذي نراه الامتناع من إجراء مثله في إبدال ما وضع في الكتب المصنفة والمجامع المجمعة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. نعم هذا شدد فيه ابن الصلاح وهو تشديد في محله. قال: وما ذكره الخطيب أبو بكر في كفايته من إجراء ذلك الخلاف في هذا، فمحمول عندنا على ما يسمعه الطالب من لفظ المحدث غير موضوع في كتاب مؤلف.

فهنا الكلام الذي ذكره الخطيب في أنه هناك خلاف: هل يغير ما سمعه من لفظ الشيخ أو لا؟ يقول: هذا خاص بالتحديث بما يسمعه الطالب من الشيخ، وأما إذا نقل من الكتاب فهذا لا يجوز له، يقول: كلام الخطيب في الجواز محمول على ما يسمعه الطالب من المحدث غير موضوع في كتاب مؤلف، فالموضوع في كتاب المؤلف ينبغي عليه أن يتقيد به.

الخامس: اختلف أهل العلم في صحة سماع من ينسخ وقت القراءة، فورد عن الإمام إبراهيم الحربي، وأبي أحمد بن عدي الحافظ، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني الفقيه الأصولي وغيرهم نفي ذلك.

نفي صحة السماع ممن ينسخ وقت القراءة؛ ينسخ ماذا؟ ينسخ جزءاً، لا أنه يكتب ما يقول المحدث، فكتابة ما يقول المحدث هذا ما لا ينكره أحد، إلا بعض الأئمة السابقين كانوا يكرهون الكتابة أصلاً، ويطلبون من الطالب أن يسمع كما سمع. لكن الذي استقر عليه الناس، والذي عليه الأكثر، وهناك الإملاء، والإملاء معناه أن تملي الطلاب وهم يكتبون؛ فالكتابة لما يقوله المحدث لا إشكال فيها، لكن الإشكال هنا في نسخ شيء ليس هو السماع الذي تسمعه؛ يعني المحدث يحدث بأحاديث والطالب ينسخ شيئاً آخر، يعني جزءاً آخر مثلاً، قال: فهذا إذا كان فعله الطالب يُنفى صحة سماعه.

نفي صحة ذلك يعني صحة سماعه. وروينا عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي -أحد أئمة الشافعية بخراسان- أنه سُئل عن من يكتب في السماع فقال: يقول حضرت؛ يعني ماذا يقول الذي يكتب والناس يسمعون وهو يكتب جزءاً؟ ماذا يقول؟ هل يقول حدثنا؟ قال: لا، يقول حضرت؛ نعم هو حضر، لكنه ما سمع، ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا لأنه لاهٍ عن السماع.

وورد عن موسى بن هارون الحمال الحافظ تجويز ذلك، يعني يجوز له أن يقول سمعت وحدثنا وأخبرنا. وعن أبي حاتم الرازي قال: كتبت عند عالم وهو يقرأ، وكتبت عند عمرو بن مرزوق وهو يقرأ. ما معنى هذا؟ يعني كتب شيئاً آخر، لكن أبا حاتم يعرف ماذا يُقرأ على الرجل أصلاً. وعن عبد الله بن المبارك أنه قُرئ عليه وهو ينسخ شيئاً آخر غير ما يُقرأ؛ يعني هو الشيخ نفسه فالناس يقرؤون عليه وهو ينسخ شيئاً، ولا فرق بين النسخ من السامع والنسخ من المسمِع؛ يعني كلاهما بمعنى.

قلت: وخير من هذا الإطلاق التفصيل، فنقول: لا يصح السماع إذا كان الشيء المنسوخ بحيث يمتنع معه فهم الناسخ لما يُقرأ. يقول: لابد من التفصيل، لا المنع مطلقاً ولا التجويز مطلقاً؛ فإذا كان الذي ينسخ يفهم ما يُقرأ على الشيخ، أو يفهم ما يُقرأ عليه إذا كان شيخاً، فهذا لا بأس به، وأما الذي لا يفهم فلا يصح السماع عليه، ولا سماعه هو حتى يكون الواصل إلى سمعه كأنه صوت غُفل؛ هذا لا يصح سماعه.

قال: ويصح إذا كان بحيث لا يمتنع معه الفهم، كمثل ما روينا عن الحافظ العالم أبي الحسن الدارقطني أنه حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءاً كان معه وإسماعيل يُملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال: فهمي للإملاء خلاف فهمك. ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ يقوله للمعترض عليه، فقال: لا. فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثاً. فعُدت الأحاديث فوجدت كما قال، ثم قال أبو الحسن: الحديث الأول منها عن فلان عن فلان ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها، فتعجب الناس منه، والله أعلم؛ يعني هذا من نوادر الناس، وهكذا أبو حاتم الرازي لما ذكر أنه كان يقرأ والشيخ يحدث، كان يكتب والشيخ يحدث.

السادس: ما ذكرناه في النسخ من التفصيل يجري مثله فيما إذا كان الشيخ أو السامع يتحدث؛ يعني إذا عندنا سامع يتحدث مع زميل أو كذا، أو الشيخ يتحدث والقارئ يقرأ، فهنا إن كان يفهم ما يُقرأ عليه، أو يفهم ما يُقرأ على الشيخ، فلا بأس مثل ما تقدم في الناسخ؛ أو كان القارئ خفيف القراءة يفرط في الإسراع، أو كان يهينم بحيث يخفى بعض الكلم، أو كان السامع بعيداً عن القارئ وما أشبه ذلك؛ يعني يجري الخلاف في هذا، فهؤلاء الذين لا يفهمون القراءة السريعة، أو كان بعيداً عن القارئ وما أشبه ذلك، لا يصح سماعه. ثم الظاهر أنه يُعفى في كل ذلك عن القدر اليسير نحو الكلمة والكلمتين.

ويستحب للشيخ أن يُجيز لجميع السامعين؛ يعني دائماً بعد القراءة ينبغي للشيخ أن يُجيز للناس؛ لماذا؟ لأن الإجازة تجبر الخلل الذي يقع في السماع، لجميع السامعين رواية جميع الجزء أو الكتاب الذي سمعوه، وإن جرى على كله اسم السماع؛ يعني هو يجيز لهم ولكن اسم السماع يجري على الجزء كله، لا نقول إنه هذه إجازة فقط، نقول سماع. وإذا بذل لأحد منهم خطه بذلك كتب له؛ يعني بعض المشايخ -فوق الإجازة الشفوية- يكتبونها كتابة، فماذا يكتب؟ سمع مني هذا الكتاب وأجزت له روايته عني، أو نحو هذا كما كان بعض الشيوخ يفعل، يكتب: سمع مني هذا الكتاب فلان وفلان وفلان وأجزته لهم، أو له، أو أجزت لهم روايته عني.

وفيما نرويه عن الفقيه أبي محمد بن أبي عبد الله بن عتاب الفقيه الأندلسي عن أبيه رحمهم الله، أنه قال: لا غنى في السماع -يعني الإجازة-؛ يعني لابد مع السماع من الإجازة. لماذا؟ قال: لأنه قد يغلط القارئ ويغفل الشيخ، أو يغلط الشيخ إن كان القارئ؛ يعني إن كان الشيخ هو القارئ ويغفل السامع، فينجبر له ما فاته بالإجازة. يعني أخطأ القارئ أو أخطأ الشيخ في القراءة في لفظة أو كذا، فإذا جاء يحدث بها هل يحدث بها على الخطأ؟ لا، يحدث بها على الصحة، وهذا يكون بالإجازة، فتكون الإجازة جابرة لما وقع من الأخطاء.

هذا الذي ذكرناه تحقيق حسن. قد روينا عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: الشيخ يُدغم الحرف يعرف أنه كذا وكذا ولا يُفهم عنه، ترى أن يُروى ذلك عنه؟ يعني هو قال كلمة لا نفهمها لكننا عارفين أنها الكلمة الفلانية، لكنه أدغمها بسبب إما عجلة في قراءته أو في تحديث حديثه، أو بعض الناس تعلمون يأكل الحروف، فهل يروونها على الصواب مع أنهم ما سمعوها كاملة؟ قال الإمام أحمد: أرجو أن يضيق هذا. قال هنا: شر، نعم.

وبلغنا عن خلف بن سالم المخرمي قال: سمعت ابن عيينة يقول حدثنا عمرو بن دينار، يريد ها هنا حدثنا عمرو بن دينار لكن اقتصر من حدثنا على النون والألف، فإذا قيل له قل حدثنا عمر، قال: لا أقول لأني لم أسمع من قوله حدثنا ثلاثة أحرف وهي «حدث» لكثرة الزحام؛ هذا من شدة ورعه رضي الله عنه.

قلت: قد كان كثير من أكابر المحدثين يعظم الجمع في مجالسهم جداً، حتى ربما بلغ الألوف المؤلفة، ويبلغهم عنهم المستملون فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ المستملين، فأجاز غير واحد لهم رواية ذلك عن المُملي؛ يعني أحياناً يكون في مجلس المحدث أناس كثيرون جداً فلا يسمعون قول المحدث أو قول القارئ، فلا بد من مستملٍ. والمستملي هو الذي يُبلّغ الناس ما قال الشيخ، والأخبار في المستملين كثيرة وستأتينا في هذا الكتاب. يعني أحياناً يكون في بعض المجالس مستملٍ واحد وفي بعضها أكثر من مستملٍ لشدة كثرة الناس، وهناك مستملٍ يقال له الديك لعلو صوته أو جهورية صوته، فكان يبلغ ويكفي عن جماعة من المستملين، يقولون يجلس على شجرة ويبلغ صوت الشيخ: حدثنا فلان وفلان.

ويذكرون من أخبار المستملين أشياء عجيبة وغريبة، وبعضها مضحك، كما يُذكر عن يزيد بن هارون أنه قال: حدثنا عدة؛ يعني معناه مجموعة من الشيوخ، فصاح المستملي: عدة ابن من؟ لأن أحياناً إذا قال الشيخ حدثنا محمد، فيقول المستملي: ابن من؟ فيقول له ابن فلان فيوصل الكلام. فقال: حدثنا عدة، فقال المستملي: عدة ابن من؟ قال: ابن فقدتك؛ يعني عدة ناس وليس اسم رجل اسمه عدة.

قال المؤلف هنا: روينا عن الأعمش رضي الله عنه قال: كنا نجلس إلى إبراهيم -يعني إبراهيم النخعي- فتتسع الحلقة، فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه؛ يعني من بَعُد، فيسأل بعضهم بعضاً عما قال ثم يروونه، وما سمعوه منه؛ يعني يتساهلون في هذا، وبعض العلماء يتشدد. وعن حماد بن زيد أنه سأله رجل في مثل ذلك، فقال: يا أبا إسماعيل كيف قلت؟ فقال: استفهم من يليك؛ يعني إذا سمع، هو يسأل حماد بن زيد كيف قلت -أي كيف الحديث- يقول: استفهم من يليك، خذهم من يليك لا إشكال به. وعن ابن عيينة أن أبا مسلم المستملي قال له: إن الناس كثير لا يسمعون، قال: تسمع أنت؟ قال: نعم، قال: فأسمعهم.

هذا كله يدل على جواز أن يحدث المحدث بواسطة المستملي أو المبلغ، ولا يذكر ذلك المبلغ وإنما يقول: حدثنا زيد من الناس. وأبى آخرون ذلك، وهذا هو أشد ورعاً. روينا عن خلف بن تميم قال: سمعت من سفيان الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها، فكنت أستفهم جليسي، فقلت لزائدة، فقال لي: لا تحدث منها إلا بما تحفظ بقلبك وسمع أذنك. قال: فألقيتها؛ يعني دُمر عليه فخرب عليه كثيراً مما سمعه من سفيان. وعن أبي نعيم أنه كان يرى فيما سقط عنه من الحرف الواحد والاسم مما سمعه من سفيان والأعمش واستفهمه من أصحابه أن يرويه عن أصحابه؛ لا يرى غير ذلك واسعاً له.

قلت: الأول تساهل بعيد، وقد روينا عن أبي عبد الله بن منده الحافظ الأصبهاني أنه قال لواحد من أصحابه: يا فلان يكفيك من السماع شمة. وهذا إما متأول أو متروك على قائله، أنا أرى أن ابن الصلاح تشدد في هذا جداً، هؤلاء الأئمة يجوزونها، الآخرون من باب التحري والورع يمنعونه، وإلا فقد مر معنا ابن عيينة وغيرهم من الأئمة. ثم ما فائدة المستملي إذا كنت سأحدث به عن المستملي لا عن الشيخ؟ ما فائدته؟ فليترك الشيخ وليأخذه عن الناس الذين سمعوا بعد ذلك.

قال: ثم وجدت عن عبد الغني بن سعيد الحافظ عن حمزة بن محمد الحافظ بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: يكفيك من الحديث شمة؛ يعني كل هؤلاء يجوزون ما تقدم ذكره. قال عبد الغني: قال لنا حمزة -يعني إذا سُئل عن أول شيء عرفه- وليس يعني التسهل في السماع؛ يعني إذا سُئل عن أول شيء عرفه، ها كلمة شمة يعني مثلاً إذا سُئل عن حديث فتذكر أنه سمعه، لكنه ليس متحققاً لسماع كل الحديث، وإنما عرف أنه قُرئ على الشيخ أو أنه سمعه من الشيخ قال: يكفي هذا. هذا تفسير حمزة والله أعلم، لكن ربما هذا يكون أوسع مما فسر به حمزة هذا الكلام، وليس ذلك تساهلاً بل هو المُتأتي، لا يوجد غيره.

السابع: يصح السماع ممن هو وراء حجاب إذا عُرف صوته فيما إذا حدث بلفظه، أو إذا عُرف حضوره بمسمع منه فيما إذا قُرئ عليه؛ يعني هل يجوز أن نحدث عن شخص وراء حجاب؟ قال: نعم إذا كنا نسمع صوته ونعرفه، أو عرفنا حضوره بمسمع منه فيما إذا قُرئ عليه؛ يعني قُرئ عليه وهو ساكت، فتبيّن بهذه القراءة أنه موجود يسمع القارئ؛ لأنه لو ما دام هناك جمع فلا بد أن يكون هو موجوداً، وإلا فكيف يتوافقون على أن القارئ يقول: حدثكم يا شيخنا فلان كذا وكذا؟ لا يقع ذلك إلا مع وجوده وحضوره. وينبغي أن يجوز الاعتماد في معرفة صوته وحضوره على خبر من يوثق به؛ يعني لا بد من معرفة صوته، من الذي يعرف صوته؟ أما أن يعرفه السامع نفسه، أو يعرفه واحد حاضر يسمعه، وهكذا حضوره إذا كان في الحضور أناس يقولون بأن الشيخ كان موجوداً وأنت كنت وراء الحجاب أو وراء الجدار، فهذا يكفي. وقد كانوا يسمعون من عائشة وغيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب ويرونه عنهن اعتماداً على الصوت.

واحتج عبد الغني بن سعيد الحافظ في ذلك بقوله: إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم؛ يعني هم لا يرون بلالاً ولا ابن أم مكتوم فيسمعون صوتهما ويعرفون ذلك الصوت. وروى بإسناده عن شعبة أنه قال: إذا حدثك المحدث فلم ترَ وجهه فلا تروِ عنه؛ فلعله شيطان قد تصوّر في صورته يقول حدثنا وأخبرنا، والله أعلم؛ يعني هذا مبالغة، يعني العادة جارية على أن المحدث هو المحدث، الشيطان متى يتصور؟ في حالات نادرة، لا ينبغي أن يُعمم هذا على العادة.

الثامن: من سمع من شيخ حديثاً ثم قال...

لا تروه عني، الشيخ يحدث ويقرأ الحديث أو يسمع، فسمعه شخص وقال الشيخ: لا تروه عني، هل يجوز له أن يرويه أو لا؟ إذا لم يأذن لك في روايته عني، أو قال: لست أخبرك به، أو رجعت عن إخباري إياك به، فلا تروه عني، غير مسند ذلك إلى أنه أخطأ، يعني ما قال إني أخطأت فلا تروه عني، لا، يقول: لا تقرأ، لا أجيز لك؛ إما لسبب من الأسباب، إما لا يريد أن يحدث عنه، يكره الرجل أو نحو ذلك، أو شك فيه، يعني لم يسند ذلك إلى أنه أخطأ أو شك فيه ونحو ذلك، بل منعه من روايته عنه مع جزمه بأنه حديثه وروايته.

فهو منعه مع أنه جازم بأن هذا حديثه، فذلك غير مبطل لسماعه، يعني هذا لا يبطل سماع السامع ولا مانع له من روايته عنه. وأظن هناك أناسا يقولون إذا لم يجزه أو قال لا تروه عني لا يجوز روايته، لكن هو سمعه فيكفي أن يخبر بسماعه.

وسأل الحافظ أبو سعد بن عليك -هذا ضبط صحيح-؛ أنا أظنه علي أو عليك، شوف هنا ماذا قال والحافظ وقد حصل خلاف في ضبط لفظه، "إليك" انظره بالإكمال والتبصير، وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وما ثبتناه هو أحد تلك الوجوه، نعم أظنه عليك أو عليك، على كل حال النيسابوري الأستاذ، سأل الأستاذ أبا إسحاق الإسفرايني، هذا فقيه وهذا محدث، فالمحدث هنا يسأل الفقيه عن محدث خص بالسماع قوما فجاء غيرهم وسمع منه من غير علم المحدث به، هل يجوز له رواية ذلك عنه؟ فأجاب بأنه يجوز، ولو قال المحدث إني أخبركم ولا أخبر فلانا لم يضره، والله أعلم.

القسم الثالث، نتوقف عند هذا القدر من الكلام عن الأوجه السابقة أو القسم الثاني من طرق نقل الحديث وتحمله، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم بداية من القسم الثالث. هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.