الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فقد توقفنا بعد أن انتهينا من المرتبة الرابعة في مراتب التعديل، وهذا الدرس بالمناسبة هو الدرس الرابع عشر من دروس شرح مقدمة ابن الصلاح الموسوم بمعرفة أنواع علم الحديث. انتهينا من الرابعة ونبدأ في ألفاظ الجرح والتعديل. قال المؤلف: وأما ألفاظهم في الجرح فهي أيضاً على مراتب. بدأ بالمرتبة الأخف، قال: أولاها قولهم لين الحديث. قال ابن أبي حاتم: إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً. لاحظوا أن هذه المرتبة، مع أنها من أولى مراتب الجرح، قريبة من آخر مراتب التعديل. لاحظوا مرتبة التعديل هنا: إذا قيل صالح، فإنه يكتب حديثه للاعتبار. إذا قال شيخ، فهو المنزلة الثالثة يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية. فهذه المراتب متقاربة وإن كان بعضها في التعديل وبعضها في الجرح. وأحياناً قد نجد شخصاً يقال فيه لين الحديث أو يقال فيه ليس بقوي، وهو المرجح فيه قبول روايته، مع أنه قد قيل فيه هذا.
هؤلاء الرجال الذين يقال فيهم ثقة ويقول بعضهم لين الحديث ويقول بعضهم كذا، هذه الألفاظ من الأئمة التي تشبه التعارض هي تحدد في الحقيقة مرتبة الرجل تحديداً واضحاً. فإذا قيل ثقة، قال فيه رجل من المعتبرين من النقاد هذا ثقة أو صدوق، وقال آخر لين الحديث، فهنا الذي قال ثقة أطلق عليه التوثيق، أنه مقبول حديثه من حيث العموم، والذي قال لين الحديث هو شخص شيئاً فيه، مع ثقته هو أقل مرتبة، ويمكن أن يرد بعض حديثه. فهذه الألفاظ ليست حدية كما ذكرت لكم، لكنها تقرب المعنى، وليس الحكم على الحديث متوقفاً على هذه الألفاظ؛ يعني هذه الألفاظ تساعد في الحكم على الحديث، والحكم على الحديث يحتاج إلى النظر في اعتبارات كثيرة.
قال ابن أبي حاتم: إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً. وسأل حمزة بن يوسف السهمي أبا الحسن الدارقطني الإمام، فقال له: إذا قلت فلان لين إيش تريد به؟ قال: لا يكون ساقطاً متروك الحديث، ولكن مجروحاً بشيء لا يسقط عنه العدالة. يعني كلمة لين، لا هو متروك مرة واحدة ولا هو مجروح بشيء يسقط العدالة عنه، وإنما هو ضعيف فيه ضعف، لكنه لا يكون ساقطاً.
المرتبة الثانية وهي في الجرح، قال: إذا قالوا ليس بقوي، فهو بمنزلة الأول في كتب حديثه، إلا أنه دونه في المنزلة؛ يعني الأول أفضل ممن قيل فيه لين. لكن أحياناً أيها الأحبة الكرام نجد أنهم يقولون ليس بقوي أو ليس بالقوي ويكون ممن يقبل حديثه، وهكذا لما يقال فيه لين؛ فهذه الكلمات نسبية ليست حدية، خصوصاً إذا قيلت في مناسبة معينة. يعني مثلاً نجد أن حديثاً اختلف فيه رواة ثقات كبار، وبعضهم أقل منهم رتبة، فتجد الحافظ يقول فلان ليس بقوي، يقصد هذا أقل رتبة لأنه يطلق عليه هذا اللفظ مقارنة بأولئك الأقوياء. وأحياناً إذا كان الحديث مستنكراً والرجل ثقة لكن ثقته ليست في المرتبة العليا، فتجده يقول ليس بقوي أو لين، بينما إذا سئل عنه سؤالاً عاماً قال ثقة، فهو يجيبه بسبب حديث عرض له.
الثالثة قال: إذا قالوا ضعيف فهو دون الثاني، يعني دون هذا الذي قيل ليس بقوي، لكنه لا يطرح حديثه بل يعتبر به. ما معنى يعتبر به؟ يعني يتقوى بغيره ويقوي غيره. الرابعة: إذا قالوا متروك الحديث أو ذاهب الحديث أو كذاب، فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه، وهو بالمنزلة الرابعة. لا يكتب حديثه يعني معناه لا يقوي غيره ولا يتقوى؛ الذي يكتب حديثه معناه أنه يمكن أن يتقوى، هذا لا يكتب حديثه؛ متروك الحديث لأن الغالب عليه الضعف جداً أو أنه متهم بالكذب، وذاهب الحديث مثله، والكذاب والساقط.
قال الخطيب أبو بكر البغدادي: أرفع العبارات في أحوال الرواة أن يقال حجة أو ثقة؛ طبعاً حجة أقوى من ثقة، لكن أحياناً يطلق على الشخص حجة ويطلق عليه ثقة، كل هذا بمناسبات معينة. وأدونها أن يقال كذاب ساقط، وبين هاتين الرتبتين مراتب كثيرة أو أقوال كثيرة. قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد المنعم الصاعدي الفراوي قراءة عليه بنيسابور قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل -يبدو أن هذا السند لابن الصلاح، مع أني أرى أنه قصير لكنه يبدو أنه لابن الصلاح، لأنه بينه وبين البيهقي رجلان فقط- وأظن هذا جائز للصلاح؛ توفي سنة 640 تقريباً، والبيهقي توفي سنة 458 تقريباً، يعني بينهما 200 سنة فهذا سند عال جداً.
قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان -أنه الفسوي صاحب المعرفة- قال: سمعت أحمد بن صالح -يعني المصري- قال: لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. يعني الذي يقال فيه متروك هذا ينبغي أن يكون مجتمعاً على ترك حديثه. قد يقال فلان ضعيف، فأما أن يقال فلان متروك فلا، إلا أن يجمع الجميع على ترك حديثه، معناه إذا قالوا في فلان متروك هذا خلاص، لا ينبغي الالتفات إليه؛ لأنه لا يقال هذا إلا في من أجمع الناس على ترك حديثه. وهناك في الحقيقة أناس قيل فيهم هذا متروك وتجد من لم يتركه، ولذلك من شروط أصحاب السنن أنهم يخرجون عن كل من لم يجمع على تركه، وقد تجد بعضهم قد قيل فيه متروك، لكنه قاله بعض الجارحين على أساس أنه رأى أن أكثر الناس تركوه، بينما هو لم يجمع على تركه، فيوجد هناك من قبله أو إلى آخره. فالشاهد أن متروك ينبغي أن لا تقال إلا في من أجمع على ترك حديثه، وقد يخرم هذه القاعدة بعض الناس يقال فيهم متروك وهو لم يجمع على ترك حديثه.
ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من الألفاظ -هذا كلام ابن الصلاح- المستعملة في هذا الباب قولهم: فلان قد روى الناس عنه. هناك ألفاظ كثيرة جداً لم يتطرق لها ابن الصلاح وبعض أهل العلم جمعها، وهناك مؤلفات في ألفاظ الجرح والتعديل كثيرة. وبعضها إشارات، يعني حتى الإشارات تعتبر في الجرح والتعديل، كأن يشير بيده يعني يشير إلى تركه، أو يشير بيده يعني يقيم السبابة أو الإبهام ويجمع أصابع يديه إليه كأنه يقول إنه قوي، هناك عدد من الإشارات عند الأئمة.
قولهم فلان قد روى الناس عنه، فلان وسط، فلان مقارب الحديث، فلان مضطرب الحديث، فلان لا يحتج به، فلان مجهول، فلان لا شيء، فلان ليس بذاك؛ كل هذه ألفاظ يقولها الأئمة. فلان قد روى عنه الناس: يعني احتملوا حديثه ما تركوه، فهو يقرب من الوسط أو أقل من الوسط، قد روى الناس عنه مما يدل على أنه مشوه. فلان وسط: واضحة. فلان مقارب الحديث: يعني في الوسط أيضاً. فلان مضطرب الحديث: لا هذا ضعيف معناه. فلان لا يحتج به: أيضاً ضعيف، لكن معناه لا يحتج به، يعني أنه أنزل من الاحتجاج به فهو يعتبر به. فلان مجهول: هذا معروف أنه لا يعرف حاله هل هو ثقة أم لا، أو أنه لم يرو عنه إلا واحد. فلان لا شيء: هذا جرح شديد، وأحياناً يكون المقصود به قلة الحديث، فلان لا شيء يعني ليس عنده أحاديث كثيرة، ولا يقصد به الجرح أحياناً لكن في الغالب يقصد به الجرح. فلان ليس بذاك: هذا قريب من لين وليس بقوي، وربما قيل ليس بذاك القوي، يعني جمعوها. فلان فيه أو في حديثه ضعف: هذا مثل الذي فيه لين، نفس القريب من هذه الكلمة، وهو في الجرح أقل من قولهم فلان ضعيف الحديث، يعني هو أرفع لما يقول فيه ضعف أو فيه لين، ليس مثل الذي يقال فيه فلان ضعيف. فلان ما أعلم به بأساً: هذا في التعديل، وهو في التعديل دون قولهم لا بأس به؛ لأنك إذا قال لا بأس به جزم، أما لا أعلم به بأساً لم يجزم بأنه ليس به بأس. وما من لفظة منها وما من أشباهها إلا وله نظير شرحناه أو أصل أصّلناه، يتنبه إن شاء الله به عليها والله أعلم.
طبعاً هذه الكثير من هذه الألفاظ تعلم من حيث اللغة المقصود منها، وفي النهاية ما من راو ثقة أو ضعيف إلا ويوجد في أحاديثه إما خطأ وإما إصابة، والثقة الأكثر في حديثه الإصابة، والضعيف الأكثر في حديثه الضعف أو الخطأ. وهذه الألفاظ كلها تعين على معرفة هل هذا يحترز من حديثه فيتنبّه له، هل يبحث فيه عن متابع، أو أن الأصل فيه القبول. ألفاظ الجرح والتعديل وإلا فكل حديث يحتاج، ولو كان راويه ثقة، يحتاج إلى نظر ورؤية للمتابعات والشواهد واختلاف الرواة والمعنى، كل هذا تعين على معرفة درجة الحديث.
قال النوع الرابع والعشرون: معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه. اعلم أن طرق نقل الحديث وتحمله على أنواع متعددة. نقل الحديث هو أداؤه حين يحدث المحدث، وتحمله هو سماعه معه. التحمل خاص بالطلبة الذين يأخذون الحديث من المشايخ، والنقل أو الأداء خاص بالشيوخ؛ فأولاً المحدث يتحمل الحديث من شيخ ثم يؤديه فيصبح هو الشيخ. والعلماء يتكلمون في هذا وهذا. قال: ولنقدم على بيانها بيان أمور.
أحدها: يصح التحمل قبل وجود الأهلية، فتقبل رواية من تحمل قبل الإسلام وروى بعده، وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده. ومنع من ذلك قوم فأخطأوه؛ هناك ناس منعوا، قالوا لا، الذي تحمل قبل الإسلام أو الذي تحمل قبل البلوغ لا نقبل حديثه ولو أداه بعد الإسلام وبعد البلوغ، وهذا خطأ؛ لأن هناك شواهد كثيرة جداً مقبولة في الصحيحين وغيرهما تدل على قبول رواية من كان كافراً حين تحمل أو صبياً حين تحمل. وقد أجاب هنا قال: لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة كالحسن بن علي وابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأشباههم، من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وما بعده.
في الحقيقة أن هؤلاء، الحسن بن علي لم يبلغ في حياة النبي ﷺ، وهكذا ابن عباس، قال ناهز الاحتلام، كان عمره 13 سنة حين توفي النبي ﷺ. وابن الزبير كان عمره ثمان سنين حين توفي النبي ﷺ. والنعمان بن بشير -هو أول مولود للأنصار- يعني كان عمره 10 سنين حين توفي النبي ﷺ تقريباً، فهو تحمل قبل البلوغ وأشباهه من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وما بعده. ولم يزالوا قديماً وحديثاً يحضرون الصبيان مجالس التحديث والسماع، ويعتدون برواياتهم لذلك؛ يعني كثير من الناس يحضرون أولادهم الصغار عند السماع ويجبرون هذا بالإجازة.
بالنسبة للصبيان إذا كان حين حضر مميزاً وروى بالإجازة، فهنا يقال ويقول في حديثه أخبرنا إجازة. وإذا كان حضوره قبل التمييز، يعني سنة أو سنتين، هذا صار المتأخرون يعتمدون على إحضاره للسماع وهو لا يعي صغير، فهذا لا بد أن يقول في حديثه حضوراً، أخبرنا فلان حضوراً في الأولى أو حضوراً في الثانية. وهذا أكثر أهل العلم لا يعتبرونه رواية مقبولة، ومن أهل العلم من يعتبره.
الثاني: قال أبو عبد الله الزبيري يستحب كتب الحديث في العشرين؛ لأنها مجتمع العقل. قال: وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض. أبو عبد الله الزبيري، قال: وورد عن سفيان الثوري قال: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة. ما شاء الله، هذا أهل الكوفة مشتهر فيهم أنهم يخصصون التحديث بعد العشرين فيما يبدو. فقيل لموسى بن إسحاق: كيف لم تكتب عن أبي نعيم؟ -أبو نعيم كوفي وهكذا موسى بن إسحاق- فقال: كان أهل الكوفة لا يخرجون.
أولادهم بطلب الحديث صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة. وقال موسى بن هارون الحمال: أهل البصرة يكتبون لعشر سنين، وأهل الكوفة لعشرين، وأهل الشام لثلاثين، والله أعلم؛ أهل البصرة كانوا يسبقونهم في الكتب.
قلت: وينبغي بعد أن صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد أن يُبكر بسماع الصغير في أول زمان يصح فيه سماعه، لماذا؟ لأن صار المقصود إبقاء سلسلة الإسناد، فإذا حضر صغيراً ألحق الأحفاد بالأجداد، وبقيت السلسلة بسند قصير. وأما الاشتغال بكتبة الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده، فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له؛ الحضور للسماع ينبغي أن يُبكر به، وأما كتابة الحديث وتحصيله وضبطه فهذا لابد أن يكون متأهلاً مستعداً لذلك، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وليس ينحصر في سن مخصوص كما سبق ذكره آنفاً عن قوم، والله أعلم. نعم، بعض الناس يكتب وهو صغير ويحفظون وهم صغار، يعني من الناس من انتهوا من الحفظ في السنة السابعة، والبخاري كتب الحديث وهو في العاشرة، بل ورد على شيوخه وهو في الحادية عشرة أو العاشرة.
اختلفوا في أول زمان يصح فيه سماع الصغير، فروينا عن موسى بن هارون الحمال أحد الحفاظ النقاد، ومر قريباً أنه سئل متى يسمع الصبي الحديث؟ فقال: إذا فرق بين البقرة والدابة، وفي رواية: بين البقرة والحمار. يعني ما زال صغيراً يمكنه أن يسمع. وعن أحمد بن حنبل أنه سئل متى يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط، هذا كله في التحمل. فذكر له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة يعني بلوغاً، فأنكر قوله وقال: بئس القول. وتعلمون أن هناك أحاديث في الصحيحين رواها بعض الصحابة الصغار وأخذوها وهم صغار.
قال: وأخبرني الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الأسدي، عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأشيري، عن القاضي الحافظ عياض بن موسى السبتي اليحصبي. أقول: القاضي عياض هو يروي عن القاضي عياض، طبعاً القاضي عياض ذكر هذا في كلامه هذا في الإلماع، كتابه وهو من أوائل الكتب في مصطلح الحديث، قال: قد حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع أظنه خمس سنين. محمود بن الربيع في روايته في الصحيح أنه عقل مجه رسول الله ﷺ في وجهه، وذكر رواية البخاري، هذا ما شاء الله أورده في صحيحه بعد أن ترجم متى يصح سماع الصغير. هذا كلام البخاري بإسناده عن محمود بن الربيع قال: «عقلته من النبي ﷺ مجه في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو»، وفي رواية أخرى: كأنه كان ابن أربع سنين.
قلت: التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس فصاعداً: سمع، ولمن لم يبلغ خمساً: حضر أو أُحضر، هذا الذي ذكرته لكم قبل قليل؛ في الطباق يكتبون سمع وسمع، فإذا كان أقل من خمس سنين قالوا حضر، فلا بد إذا روى هذا الذي حضر يقول: حضوراً. والذي ينبغي في ذلك أن يُعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعاً عن حال من لا يعقل، فهماً للخطاب ورداً للجواب ونحو ذلك، صححنا سماعه وإن كان دون الخمس، هذا كلام ابن الصلاح، وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس، بل ابن خمسين؛ لأن المسألة على العقل.
وقد بلغنا، لكن التحديد هذا أضبط؛ لأنه يصعب معرفة كل هؤلاء الناس خصوصاً لنا نحن المتأخرين. وقد بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: رأيت صبياً ابن أربع سنين قد حُمل إلى المأمون، قد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إذا جاع يبكي؛ يعني صغير ولد لكنه حفظ القرآن ونظر في الرأي يعني في الفقه. وعن القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد العصباني قال: حفظت القرآن ولي خمس سنين، وحُملت إلى أبي بكر بن المقرئ لأسمع منه ولي أربع سنين، فقال بعض الحاضرين: لا تسمعوا له فيما قرئ فإنه صغير، فقال لي ابن المقرئ: اقرأ سورة الكافرين، فقرأتها، فقال: اقرأ سورة التكوين، فقرأتها، فقال لي غيره: اقرأ سورة المرسلات، فقرأتها ولم أغلط فيها، فقال ابن المقرئ: سمعوا له والعهدة علي. وأما حديث محمود بن الربيع فيدل على صحة ذلك من ابن خمس سنين مثل محمود، ولا يدل على انتفاء الصحة فيمن لم يكن ابن خمس، ولا على الصحة فيمن كان ابن خمس ولم يميز تمييز محمود، والله أعلم. لكن هذا الكلام الذي يذكره ابن الصلاح كلام يصعب تطبيقه؛ لأننا لا يمكننا معرفة حال كل صبي إلا للشيخ الذي سيحدث، ولذلك قول من قال: سمع وحضر، يعني هذا أضبط للقاعدة.
بيان أقسام طرق نقل الحديث وتحمله، طبعاً قولهم في من بلغ خمس: سمع، وفي من لم يبلغها: حضر، هذا الذي عليه أهل الاصطلاح وعليه أهل السماعات كلهم، يعني ما أظن أن فيه خلافاً غير هذا الذي ذكره ابن الصلاح. بيان أقسام طرق نقل الحديث وتحمله، الآن دخل إلى أقسام تحمل الحديث وطرق نقله. قال: ومجامعها ثمانية أقسام، القسم الأول: السماع من لفظ الشيخ، يعني أن يكون الشيخ هو الذي يحدثنا فلان حدثنا فلان، هذا يسمى السماع من لفظ الشيخ، وهو ينقسم إلى إملاء وتحديث من غير إملاء.
إملاء، ما معنى إملاء يا شباب؟ خلني أشوف إذا كان متابعة لي وفهم. ها يا شباب، من يخبرني ما معنى إملاء؟ الشيخ يملي على الطلاب. الاملاء يملي على الطلاب، إيش معنى يملي؟ طيب، يعني يقرأ على الطلاب والطلاب يكتبون وراءه، أحسنت، الإملاء هو ما تعرفونه، أن الشيخ حين يحدث يقول حدثنا فلان ويسكت، فيكتبون عن فلان ويسكت ويكتبون، فهو ينقلهم، فالحديث الواحد ربما يجلس عليه فترة من الزمن؛ لأن الكتابة في ذلك الوقت أيضاً فيها شيء من الصعوبة. وهناك تحديث من غير إملاء، يحدث الشيخ وأنتم تحفظون، منهم من يكتب والشيخ يحدث، ومنهم من يحفظ ثم إذا انتهى الشيخ يكتبون أو يتجمعون ويكتبون، يساعد بعضهم بعضاً. قال: وسواء كان من حفظه أو من كتابه، يعني الإملاء قد يكون إملاء من الكتاب أو إملاء من حفظه، والتحديث من غير إملاء قد يكون من الكتاب وقد يكون من غير كتاب من حفظه، فهي أربعة أقسام على هذا، وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير الذي هو الإسماع، والإملاء أرفعها أيضاً.
وفيما نرويه عن القاضي عياض بن موسى السبتي أحد المتأخرين المطلعين، قوله: لا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع منه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلاناً يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان. الحقيقة أن القاضي عياض جمع أشياء الناس صاروا يفرقون بينها مع أنه من المتأخرين، وفي السنة خمسين وخمسمائة وزيادة، أليس كذلك؟ هذا القاضي عياض عندنا الإلماع، نشوف أين الإلماع؟ كتاب الإلماع، هذا هو للقاضي عياض، متى توفي؟ 544 هـ، يعني في القرن السادس فهو من المتأخرين، أحد المتأخرين المطلعين، قال: يجوز أن يقول السامع في هذا السماع: حدثنا وأخبرنا، يجوز، نعم يجوز. لكن هناك اصطلاح استقر بين الناس أن حدثنا تقال في السماع، وأخبرنا تقال في القراءة، وأنبأنا تقال في الإجازة مثلاً، وسمعت في السماع أيضاً، وقال لنا أو ذكر لنا ربما مذاكرة.
قلت: ابن الصلاح في هذا نظر جميل، وينبغي فيما شاء استعماله من هذه الألفاظ، مخصوصاً بما سمع من غير لفظ الشيخ على ما نبينه إن شاء الله، ألا يطلق فيما سمع من لفظ الشيخ لما فيه من الإيهام والإلباس، والله أعلم. هو الجواز جائز؛ لأن السماع أرفعها، فإذا أورد لفظة أقل من المرتفع فلا إشكال فيه، لكن هذا يضعف الحديث أو يقلل مرتبته بالنسبة لما سمع.
وذكر الحافظ أبو بكر الخطيب أن أرفع العبارات في ذلك: سمعت، ثم حدثنا وحدثني، قال: فإنه لا يكاد أحد يقول سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس شيء ما لم يسمعه، يعني كلمة سمعت يقول إنها صريحة جداً في السماع من لفظ الشيخ، لأن أهل الإجازة ما يقولون سمعت، ممكن يقول أخبرنا، وقد يتجاوز بعضهم ويقول حدثنا في الإجازة وهكذا في المكاتبة، وقد يدلس بعضهم بحدثنا وأخبرنا مع أنها صريحة في العبارة، لكن يوجد بعض المدلسين من يفعل ذلك في التحديث بطريقة أو بأخرى وستأتي إن شاء الله، أما سمعت فما عثر على أن أحداً استعملها في غير السماع من لفظ الشيخ ولذلك قال هي أرفعها، لا يكاد أحد يقول سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه.
قال: وكان بعض أهل العلم يقول فيما أُجيز له: حدثنا. وروي عن الحسن أنه كان يقول: حدثنا أبو هريرة، ويتأول أنه حدث أهل المدينة وكان الحسن إذ ذاك بها، إلا أنه لم يسمع منه شيئاً. نعم، هكذا قيل عن الحسن أنه قال: حدثنا أبو هريرة، أنه لم يسمع منه، وإنما أراد قد حدث أهل بلده. قلت: ومنهم من أثبت له سماعاً من أبي هريرة، مسألة محتملة. ثم يتلو ذلك يعني يتلو كلمة سمعت وحدثنا: أخبرنا، وهو كثير في الاستعمال، حتى أن جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون يخبرون عما سمعوه من لفظ من حدثهم إلا بقولهم أخبرنا، يعني كلمة أخبرنا أيضاً تلي حدثنا وسمعت في القوة؛ لأن هناك علماء لا يقولون إلا أخبرنا، سواء فيما سمعه من لفظ الشيخ أو فيما قرأوا على الشيخ، منهم حماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وعبيد الله بن موسى، وعبد الرزاق، ويزيد بن هارون، وعمرو بن عون التميمي، وإسحاق بنيه، وأبو مسعود أحمد بن الفرات، ومحمد بن أيوب الرازيان، وغيرهم.
وذكر الخطيب عن محمد بن رافع قال: كان عبد الرزاق يقول: وأخبرنا، حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقال له: قل: حدثنا، وكل ما سمعت مع هؤلاء قال: حدثنا، فكل ما سمعت ينبغي أن يكون هذا محمد بن رافع، كل ما سمعت مع هؤلاء قال فيه حدثنا، وما كان قبل ذلك قال: أخبرنا. وعن محمد بن أبي الفوارس الحافظ قاله: هشيم، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق لا يقولون إلا أخبرنا، فإذا رأيت حدثنا فهو من خطأ الكاتب، لكن يستثنى من هذا ما ذكره محمد بن رافع حين جاء إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق. نعم، قلت: وكان هذا كله قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بما قُرئ على الشيخ.
ثم يتلو قول أخبرنا: قول أنبأنا ونبأنا، وهو قليل في الاستعمال، الأكثر في الاستعمال حدثنا وأخبرنا. قلت: حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة أخرى، ما هي؟ وهي أنه ليس في سمعت دلالة على أن الشيخ رواه الحديث وخاطبه به، وفي حدثنا وأخبرنا دلالة على أنه خاطبه به ورواه له. حد يقول لي إيش معنى هذا الكلام؟ أنا بس أريد أحرك التفكير.
نعم، ربما الشيخ، واحد واحد من يتحدث الآن؟ أنا خالد. شيخ خالد تفضل يا خالد إبراهيم، جزاك الله خيراً، هو ربما سمع ولم يقصد الشيخ أن يقرأه أو يسمعه، يعني يكون الشيخ ممكن يقال حتى في الحديث الطبيعي يعني السوالف مثل ما نقول يعني. نعم، أو يكون سمعه من الشيخ والشيخ لم يقصد التحديث. لم يقصد التحديث نعم، هذا ما قصدته نعم، وهي أنه ليس في سمعت دلالة على أن الشيخ رواه الحديث وخاطبه به، يعني الآن ما الفرق بين لماذا يقولون هذا مذاكرة وهذا تحديث؟ المذاكرة الشيخ ليس مستعداً للتحديث؛ يعني هناك ثقافة عند المحدثين وهو أن فلاناً لما يجلس على كرسي التحديث هنا يتحفز ويجمع قوته في التحديث حتى لا يلحظ عليه خطأ أو يحسب عليه خطأ فتجده متحفظاً، فهنا المقصود حين يجلس على كرسي التحديث أن يحدث الناس سماعاً يسمعه ويقول ارووه عني، وأما إذا لم يجلس على كرسي التحديث فربما حدثهم بشيء وهو لم يجمع جراميزه فيه يعني لم يكن متحفظاً، وهذا يمكن أن يقال فيه سمعت.
فابن الصلاح يقول: حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة أخرى، وهي أنه في حدثنا وأخبرنا يكون المحدث قد رواه له، يعني كان جاهزاً ومستعداً لأن يحدثه به بخلاف سمعت، نعم، أو هو ممن فُعل به ذلك. وأخبرنا دلالة على أنه خاطبه ورواه له أو هو ممن فُعل به ذلك، ما معنى هذا يا مشايخ؟ حد يقول لي، أنا الآن لا أفهم معناه، لكن سأحاول أن أفهم. لا أدري هل سيقوله سيذكره بعد ذلك أو لا؟ ها وين خالد الشباب؟ فُعل به ذلك أي قصد تحديثه ممكن يا شيخنا. قال حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة أخرى وهي أنه ليس في سمعت دلالة على الشيخ رواه وخاطبه به، وأما في حدثنا وأخبرنا ففيه دلالة على أنه خاطبه به ورواه له، أو هو ممن قيل به ذلك. أي التحديث. كيف يعني؟ يعني الحديث كان موجهاً له ولمن كان معه، الشيخ الآن لما يقولون عنه حدثنا معناه أن الشيخ خاطب التلميذ به ورواه له، نعم، أو هو يعني الشيخ ممن فُعل به ذلك، يعني طلب منه التحديث.
أو ربما يكون شيخنا فعل بالشيخ، أي قُرئ على الشيخ، أو هو ممن فُعل به ذلك، يعني طُلب منه التحديث أو القراءة، سمع عليه.
شوف الشباب إيش قالوا، يقول: "وأخبرنا دلالة على أنه خاطب به ورواه له، أو هو ممن فُعل به ذلك". الشباب يتحدثون في شيء آخر مختلف عما نتحدث فيه. على كل حال، أو هو ممن فُعل به ذلك، يبدو أنه طُلب منه التحديث، أما أنه حدث ابتداءً فهذا يدل على "حدثنا" و"أخبرنا" على أن الشيخ خاطبهم به. أو هو ممن فُعل به ذلك، يعني طُلب منه، وقصد بالتحديث يا شيخ: هل سمعت كذا وكذا وكذا؟ فيحدث. لا أدري هل هذا هو المعنى المقصود أو لا، على كل حال تبقى عندنا ونتأملها.
أحد عنده شيء فيها يا شباب؟ يا شيخ، ربما لم أفهمك يا سعيد، تفضل.
نعم، أظن أن "أخبرنا" دلالة على أنه خاطبه به ورواه له؛ هذا يعني لما الشيخ يخاطب أو يحدث تلميذاً واحداً. وفي الثانية "أو هو ممن فُعل به ذلك" يعني لما يكون التلاميذ جماعة.
لم أفهم. المتحدث أحمد سلمان، نعم، أعد حديثك مرة أخرى.
في الجملة الأولى يقصد أن التلميذ واحد. أي جملة أولى؟ أعد الجملة.
نعم، وفي "حدثنا" و"أخبرنا" دلالة على أنه خاطب، من هو العائد عليه؟ على الشيخ، أي أن الشيخ خاطب التلميذ به، ورواه للتلميذ.
تلميذ واحد؟
أيوه، تلميذ واحد، أو "هو ممن فُعل به ذلك" يعني يكون التلميذ من بين جماعة من التلاميذ، مثل الفرق بين "حدثني" و"حدثنا".
كيف؟
الكلام الآن على الشيخ وعلى الصيغ التي تنقل عن الشيخ، فالتلميذ الآن ليس في صدد أنه يُحدث، بل في صدد أنه يتحمل. فكيف يتحمل؟ هل الشيخ قال "أخبرنا"؟ هل هو يقول عن الشيخ "أخبرنا" أو "حدثنا"؟ هذا سبق في الأول، و"أخبرنا" دلالة على أنه لما يقول التلميذ عن الشيخ "أخبرنا" و"حدثنا" فهذا دليل على أنه خاطبه به، أو هو الشيخ وليس التلميذ ممن فُعل به ذلك، يعني ممن قُصد بالتحديث. الله أعلم أن هذا الذي أفهمه، لم أفهم ما ذكرته، على كل حال لا نقف كثيراً عند هذا، ربما يفسرها لنا بعد ذلك.
قال: "سأل الخطيب أبو بكر الحافظ شيخه أبا بكر البرقاني الفقيه الحافظ -رحمهم الله تعالى- عن السر في كونه يقول فيما رواه لهم عن أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الأبادوني: سمعت، ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا". فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عسراً في الرواية، فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره، فيسمع منه ما يحدث به الشيخ الداخل إليه.
يعني الشيخ يحدث الداخل إليه، فلذلك يقول "سمعت" ولا يقول "حدثنا" ولا "أخبرنا"؛ لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده. وأما قوله: "قال لنا فلان" أو "ذكر لنا"، فهو من قبيل "حدثنا فلان"، غير أنه لائق بما سمعه منه في المذاكرة. شوف، ربما هذا يفسر ما سبق.
قال هنا: "وأخبرنا دلالة على أنه خاطب به ورواه له، أو هو ممن فُعل به ذلك". "فُعل به" أو "هو ممن فُعل به" ربما به ذلك، يعني قصد غيره. فآخذ على كل حال.
الإشكالية أحياناً تكون في الضبط الذي يضبط به المحقق، ربما أحياناً الضبط هو الذي يلتبس علينا. نرجع إلى قوله: "وأما قوله قال لنا فلان وذكر لنا فلان فهو من قبيل قوله حدثنا فلان، غير أنه لا يقوم بما سمعه في المذاكرة، وهو به أشبه من حدثنا في المذاكرة؛ يقول ذكر لنا وقال لنا حتى يتبين أنه أخذه منه مذاكرة، أو يقول حدثنا مذاكرة".
وقد حكينا في فصل التعليق، عقب النوع الحادي عشر، عن كثير من المحدثين استعمال ذلك معبرين عما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات، اللي هو: "قال لنا" و"ذكر لنا". وأوضح العبارات في ذلك أن يقول: "قال فلان"، يعني لا يقول "قال لنا"، وإنما يقول "قال فلان" أو "ذكر فلان"، وأوضح، يعني أقلها مرتبة من غير ذكر "قوله لي" و"لنا" ونحو ذلك.
وقد قدمنا في فصل الإسناد المنعنع أن ذلك وما أشبه من الألفاظ محمول عندهم على السماع إذا عُرف لقاؤه له وسماعه منه في الجملة. يعني إذا كان يقوله في مجلس التحديث: "قال فلان"، فمعناه أنه حدثه مثل عن فلان، هذا ينبغي أن يُحمل على هذا، إلا إذا كان مدلساً. لا، سماً إذا عُرف من حاله أنه لا يقول "قال فلان" إلا فيما سمعه منه، فهو محمول على السماع غالباً.
وقد كان الحجاج بن محمد الأعور يروي عن ابن جريج كتبه ويقول فيها: "قال ابن جريج"، مع أن الحجاج من أوثق الناس عن ابن جريج، وهو ممن يُعلم ما إذا جاء الحديث عنه عن ابن جريج فمعناه أنه ليس فيه تدليس، فحملها الناس عنه واحتجوا برواياته، وقد كان قد عُرف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه.
وقد خصص الخطيب أبو بكر الحافظ القول بحمل ذلك على السماع بمن عُرف من حال من عادته مثل ذلك، يقول الخطيب: خصص هذا قوله "قال فلان" أنه يحمل على السماع ممن عُرف منه ذلك، وأما إذا لم يُعرف عنه ذلك فكأنه يراه منقطعاً. والمحفوظ المعروف -ما قدمنا ذكره- يعني هذا الذي عليه أكثر أهل العلم؛ أن المحدث إذا قال عن شيخ له: "قال فلان"، فهو محمول على السماع ولو لم يصرح بالتحديث، إلا إن كان مدلساً مشهوراً بالتدليس.
الله، كم بقي عندنا من دقائق القسم الثاني من أقسام الأخذ والتحمل؟ حمل القراءة على الشيخ، وأكثر المحدثين يسمونها عرضاً؛ من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأ، كما يُعرض القرآن على المقرئ. وسواء كنت أنت القارئ أو قرأ غيرك وأنت تسمع، أو قرأت من كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أو لا يحفظه لكن يمسك أصله، أو هو أو ثقة غيره، ولا خلاف أنها رواية صحيحة.
يعني العرض أن يكون التلميذ هو الذي يقرأ الحديث، سواء من حفظه أو من كتابه أو من أصل، والشيخ عنده كتابه أو يسمع من حفظه أو أحد يمسك كتابه أو أصله هو أو غيره، كل هذا يسمى عرضاً؛ إذا كان الحديث الذي يتلفظ به التلميذ وليس الشيخ نفسه، هذا يسمى عرضاً واضحاً، والشيخ يسمع ويؤكد.
وهناك عرض آخر، وهو بعد السماع؛ أحياناً يكون هناك سماع أو إملاء ويكتب الطلبة أجزاءً، ثم بعد ذلك يأتون إلى الشيخ ويعرضون عليه، هذا عرض آخر وهو أقوى من العرض الأول. قال: "ألا وهو -وهي رواية صحيحة- إلا ما حكي".
عن بعض من لا يعتد بخلافه، أي بلا خلاف، أنها رواية صحيحة. هذه العبارة صحيحة، لكن هناك من لا يعتد بخلافه؛ فقد كان بعض العراقيين يتشددون في العرض، ويريدون أن يسمعوا من لفظ الشيخ، وكان مالك بن أنس رحمه الله لا يحدث وإنما يقرأ عليه الموطأ.
فجاء أحد الكوفيين، لا أدري أما هشام بن عمار، وغضب عليه مالك، ما أدري طرده أو نحو هذا. واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة، أو دونه، أو فوقه؛ فنقل عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما ترجيح القراءة على الشيخ، أي السماع من لفظه. ولهم وجهة نظر، يقولون: إذا قرأ على الشيخ فالشيخ الآن يسمع القارئ، وإذا مر به خطأ أو شيء نبهه عليه، بينما إذا حدث ممكن أن يخطئ ولا أحد ينبهه عليه.
وروي ذلك عن مالك أيضًا، وروي عن مالك وغيره أنهما سواء: القراءة والتحديث. وقد قيل إن التسوية بينهما مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة، ومذهب مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومذهب البخاري وغيرهم. والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ، أي الأصح أو الأقرب، والحكم بأن القراءة عليه مرتبة ثانية؛ هذا هو الصحيح، أو هذا هو الذي عليه أهل الاصطلاح، وقد قيل إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق، والله أعلم.
العبارة عن مالك، أكثر الرواة عن مالك يقولون: «أخبرنا مالك»، إلا واحدًا نسيته، قلت ربما هشام بن عمار، يقول: «حدثنا مالك»، فيطلق التحديث على القراءة. وأما العبارة عن القراءة عند الرواية، فهي على مراتب، أجودها وأسلمها أن يقول: قرأت على فلان، وهذا الذي في المسند كثير، من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن مهدي أو يحيى القطان، يقول: «قُرئ عليه على مالك كذا»، أو «قرأت على مالك»، أو «قُرئ على فلان وأنا أسمع فأقرئ به»، فهذا سائغ من غير إشكال.
ويتلو ذلك ما يجوز من العبارات في السماع من لفظ الشيخ مطلقة، إذا أتى بها هنا مقيدة بأن يقول: «حدثنا فلان» في قراءة عليه. ألفاظ السماع يجوز أن تقول: «حدثنا فلان»، لكن تقيدها بكلمة قراءة، أو «أخبرنا قراءة عليه» ونحو ذلك، مع أن «أخبرنا» أصبحت في العرف هي معناه «قرأت عليه»، فلا داعي أن تقول قراءة عليه، وكذلك «أنشدنا قراءة عليه» في الشعر.
وأما إطلاق «حدثنا» و«أخبرنا» في القراءة على الشيخ، فقد اختلفوا فيه على مذاهب؛ فمن أهل الحديث من منع منهما جميعًا، أي لا بد أن تقيد، وقيل إنه قول ابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي، وأحمد بن حنبل، والنسائي وغيرهم. ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك، وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق «حدثنا» و«أخبرنا» و«أنبأنا»، يعني حتى ما يقول بدون أن يقول قراءة عليه. وقيل إن هذا مذهب معظم الحجازيين والكوفيين، وقول الزهري ومالك والشافعي وسفيان بن عيينة ويحيى القطان، وآخرين من الأئمة المتقدمين، وهو مذهب البخاري صاحب الصحيح، وجماعة من المحدثين؛ يعني أنهم يطلقون «سمعت» و«حدثنا» و«أخبرنا» سواء في السماع من لفظ الشيخ أو في القراءة عليه، ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضًا أن يقول: «سمعت فلانًا».
والمذهب الثالث: الفرق بينهما في ذلك، والمنع من إطلاق «حدثنا» وتجويز إطلاق «أخبرنا»، وهو مذهب مسلم صاحب الصحيح وجمهور أهل المشرق، بل ذكر صاحب الإنصاف، محمد بن الحسن التميمي الجوهري المصري، أن هذا مذهب الأكثر من أصحاب الحديث. هذا صحيح، الأكثر من أصحاب الحديث الآن يفرقون بين «أخبرنا» و«حدثنا»، فـ«أخبرنا» في القراءة، لا يحصيهم أحد، وإنهم جعلوا «أخبرنا» علامة، يقوم مقام قول قائله: أنا قرأته عليه.
وممن كان يقول به من أهل زماننا أبو عبد الرحمن النسائي في جماعة مثله من محدثينا. قلت: وقد قيل إن أول من أحدث الفرق بين اللفظين ابن وهب بمصر، وهذا يدفعه أن ذلك مروي عن ابن جريج والأوزاعي، حكاه عنهما الخطيب؛ يعني ابن جريج والأوزاعي يفرقون بينهما هكذا، روي عنهما، إلا أنه أول من فعل ذلك بمصر، والله أعلم.
الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عناء وتكلف، وخير ما يقال فيه إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، «أخبرنا» سار على القراءة؛ هذا مجرد اصطلاح، وإلا هو من حيث اللغة يمكن إطلاقه على السماع من لفظ الشيخ، ثم خصص النوع الأول بقوله «حدثنا» لقوة إشعاره بالنطق والمشابهة، والله تعالى أعلم.
ننهي هذا ونقف عند التفريعات، ومن أحسن ما يحكى عمن يذهب هذا المذهب ما حكاه الحافظ أبو بكر البرقاني عن أبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي، أحد رؤساء أهل الحديث بخراسان، أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري -وهناك ضبطان فيه: الفربري بالفتح أظنه هو الأكثر- وكان يقول له: وفي كل حديث «حدثكم الفربري». فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه إنما سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه، فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله، وقال له في جميعه: «أخبركم الفربري»، والله أعلم.
يعني هنا بعض الشيوخ، أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري، صحيح البخاري، وكان يقول له في كل حديث «حدثكم الفربري»، يعني هذا الشيخ الخراساني يقول لشيخه: «هذا حدثكم الفربري»، والحقيقة أن ذلك الشيخ إنما قرأ على الفربري، فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه إنما سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه، فكيف هذا؟ أبو حاتم يقول للشيخ: «حدثكم الفربري»، والحقيقة أنه ما حدثه، بل أخبرهم قراءة، يعني قرأ عليهم أو قرئ عليه. قال: فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله على نفس الشيخ الراوي عن الفربري، وقال له في جميعه: «أخبركم»، يعني قراءة، هذا والله تعالى أعلم.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذا الدرس المبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قلنا فيه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري