دخولتسجيل الدخول

الدرس 13

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

كان سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وغيرهما يقولون: قال قتادة: كل شيء بقدر إلا المعاصي.

يعني هذا ثابت عنه ثبوت الشمس في رابعة النهار. طبعا "إلا المعاصي" ممكن يتاولها أناس، لكن هؤلاء اعرف الناس به؛ تلاميذه، وضمرة عن ابن شوذب كلاهما -كلهم- ثقات. ابن شوذب ماذا يقول؟ ما كان قتادة لا يرضى حتى يصيح به صياحاً يعني بالقدر، حتى يصيح بالقدر. معناه أنه عنده شيء في القدر، وقد علق الذهبي على ذلك، قال: قد اعتذرنا عنه وعن أمثاله، فإن الله عذرهم في أحبذا، وإن هو عذبهم فإن الله لا يظلم الناس شيئاً، إلا له الخلق والأمر.

والامام احمد كان يقول أيضاً في ترجمة سعيد بن أبي عروبة -قال الإمام أحمد كلاماً قريباً من هذا- فقال: كان قتادة وسعيد -سعيد اللي هو تلميذه ابن أبي عروبة- يوقالن بالقدر ويكتمان.

فكونه يعني يقول بالقدر هذا ثابت عنه بلا شك ولا ريب، أما عرفوا بمعنى القدر من هذه التأويلات التي يجنح إليها بعض المتأخرين، يعني رعاية لأن هؤلاء من التابعين أو رعاية لا يكون للمبتدعة الشنيعين حجة أن فلاناً يقول أو فلان يقول، يعني قد يكون لهذه الأعذار محلاً من باب تحسين الظن وهذا النوع.

لكن هناك مسألتان لابد أن نفهمها؛ يعني صحيح أن قتادة قال بالقدر، لكن قد يكون قوله بالقدر من باب الرد على القدرية، يعني أراد أن يرد على القدرية فدخل في شيء من بدعة القدر الخفيفة، لأن قتادة كما تعلمون بصري، والبصرة هي منبع القدر، فظهر فيها معبد الجهني وظهر فيها غير واحد ممن يقول بالقدر، ظهر فيها الفرقتان؛ الجبرية والقدرية. الجبرية النافين للقدر، النافين لعلم الله سبحانه وتعالى ظهروا هناك، وكذلك الجبرية الذين يقولون الإنسان معذور لأنه مجبور على ما يفعل، فكان قتادة أراد أن يثبت القدر فاثبته لله سبحانه وتعالى، فجاؤوا يقولون له عن المعاصي فاستثنى المعاصي، فهو قال ذلك من باب الدفاع عن ما يراه صحيحاً لكنه أخطا في هذا، وهل رجع أو لم يرجع؟ هذا موضوع آخر، لكن الأئمة لم يتخلفوا في الرواية عنه، قال هذا الذهبي وغيره من أئمة هذا الشأن.

إذاً الاعتذار له جيد، لكن ثبوت القدر عنه هذا أيضاً ثابت. ماذا نستخلص من هذه المسألة؟ أنه قدر أن قتادة وأمثاله من أهل السنة الذين تلبسوا بشيء من البدعة، نسبتهم إلى البدعة ربما نستفيد منها فائدة أخرى مهمة جداً، وهي أن أهل الحديث أولاً العبرة عندهم بالصدق، فهذا جمهور أهل الحديث، فإذا كان الرجل صادقاً حافظاً ضابطاً قبل حديثه وإن تلبس بشيء من البدعة، هذا قول الجماهير، طبعا هناك من أهل العلم من لا يقبل قول المبتدع ومنهم من يخص ذلك بالداعية.

هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية في قبول حديث قتادة وأمثاله ممن تلبسوا بشيء من البدع، دليل على أن أهل الحديث لا ينجرون وراء اهوائهم أو معتقداتهم أو كما يذكر المتأخرون أيديولوجيتهم، فهم مع أنهم يرون أن قتادة ابتدع في هذا الشأن إلا أنهم قبلوا حديثه، وهنا شيء آخر، قتادة يروي أحاديث تنافي هذه البدعة التي تلبس بها، وهكذا غير واحد من أهل الحديث، فروايتهم لأشياء تعاند رأيهم دليل على أنهم لا ينطلقون من منطلق مذهبي، وإنما يوصلون ما سمعوه كما سمعوه أو يروون ما سمعوه كما سمعوه هؤلاء الثقات، فكانت العمدة عند المحدثين هي الصدق، كان هذا النظام عند المحدثين نظام متقن لا يمكن القدح فيه بحال.

يعني يأتينا هؤلاء المستشرقون ومن تأثر بهم مثل الجابري وغيره من هؤلاء الأدعياء نسال الله العافية والسلامة، ويقولون الحديث لا يمكن قبوله لأن أهل الحديث أصلاً ينجرون وراء أهوائهم ووراء أيديولوجيتهم، وأيضاً تاثروا بالسياسة والسياسة أثرت فيهم، فيقولون الاحاديث ويكذبون بها لأجل السياسة، ونحن نرى أن المحدثين يخالفون السياسيين في عصرهم فيردون عليهم، ويعني يقولون مثلاً عصر بني أمية وعصر بني العباس أثر على الاحاديث، نجد في هذه العصور من يرد على لا يقبل من الاحاديث إلا ما كان صدقاً ولا ويحدث ببعض الاحاديث أو بالاحاديث التي تخالف أهواء السياسيين، مما يدل على أن أهل الحديث إنما ينطلقون من منطلق الصدق والضبط للرواية دون التفات إلى أهواء الناس.

يكتمونه معناها الله يسلمك هنا سؤال قال: وما معنى يكتمونه؟ يكتمانه يعني كلام الإمام أحمد يعني لا يبينان هذا، هم يقولون بالقدر ولكن لا يبينون، فتاتيهم الأخبار من جهة أخرى أن فلان قال كذا، لكن أمام من يخافونهم من المحدثين ربما لا يبينونه، وهذا طبع البشر، قد يخفي شيئا عن بعض الناس ويبديه لبعض الناس.

الثانية عشرة: من اخذ على التحديث أجرا منع ذلك من قبول روايته.

قال ابن الصلاح: من اخذ على التحديث أجرا منع ذلك -أي أخذه- من قبول روايته عند قوم من أئمة الحديث. روينا عن إسحاق بن إراهيم -هذا ابن الراهويه هو ابن راهويه- أنه سئل عن المحدث يحدث بالاجر فقال: لا يكتب عنه. يعني ياخذ على الحديث مالاً، إذا جاءهم ناس لا يهم، جاءه من يطلب الحديث قال: ادفعوا وإلا ما حدثتكم. هناك قصة مشهورة عن -أظنه علي بن عبد العزيز- أنه كان يأخذ أجراً على الحديث البغوي، وأنه جاءه أصحاب الحديث وهو على الإسناد، جاءه أصحاب من أصحاب الحديث فرفض إلا أن يدفعوا، فدفعوا وبقي واحد منهم ليس عنده شيء فقير، فأبى إلا أن يحدث إلا أن يخرج أو يدفع، فقال: عندي قصعة أو عندي طعام أو شيء من هذا القبيل، فطلب منه أن يحضره، فلما أحضره حدثهم، ولذلك تكلم النسائي فيه أو غيره على ما أتذكر والله أعلم.

قال عن أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي نحو ذلك، فترخص أبو نعيم الفضل بن دكين مشهور، وعلي بن عبد العزيز هذا هو المكي وآخرون، أنا قلت البغوي قبل قليل وهو المكي ولا أدري هل هو البغوي أو غيره في أربعة.

نعم، في اخذ العوض على التحديث، وذلك شبيه بأخذ الاجرة على تعليم القرآن ونحوه، كأنه يرى أنه لا باس به، لكن عن الأئمة هؤلاء أحمد بن حنبل وأبي حاتم وأيضاً ابن راهويه أنهم منعوا ذلك، وترخص فيه أبو نعيم وآخرون. قال المؤلف: وهو شبيه بأخذ الاجرة على تعليم القرآن ونحوه، غير أن في هذا من حيث العرف خرم للمروءة، عند المحدثين في هذا خرم للمروءة الذي هو اخذ المال على الحديث، والظن يساؤ بفاعله إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفي ذلك عنه.

ليش الظن يساؤ بفاعله؟ لأن فاعله هذا الذي ياخذ على الحديث أجراً ربما يساء به الظن أنه وضع أحاديث أو أنه ربما زاد حتى ياخذ المال على ذلك. قال: إلا أن يقترن -يعني هذا مرخص فيه أو ممنوع منه إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفي عنه ذلك- يعني إذا اقترن بفعله عذر ينفي عنه إساءة الظن فلا باس به، كمثل ما حدثنيه الشيخ أبو المظفر عن أبيه الحافظ أبي سعد السمعاني أن أبا الفضل محمد بن نصر السلامي ذكر أن أبا الحسين بن النقور فعل ذلك لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي افتاه بجواز اخذ الاجره على التحديث، لأن اصحاب الحديث كانوا يمنعونه من الكسب لعياله. هذا ابن النقور هذا افتاه الشيرازي بجواز الأخذ لأن أهل الحديث يمنعونه، ليش يمنعونه؟ دائما عنده في البيت يريدون السماع لاجل علو اسناده، فصار لا يستطيع التكسب لعياله، فاجازه له الفقيه أبو إسحاق الشيرازي أن ياخذ الأجر على الحديث.

الثالثة عشرة: لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث.

يقول: هناك بعض المشايخ في هذا العصر يرفض أن نقرا عليه حتى ندفع له المال، هل مثل هذا نروي عنه؟ لا باس، ما في اشكاليه، أجازها بعض العلماء. ليش كانوا يبيعون الحديث يبيعون؟ المهم الثالثة عشر لأن بعض الناس في هذا الزمن عالي إسناد وفقير محتاج، فربما يقبل من الناس الهدية نسميها هدية.

قال: لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث، يعني هناك من يتساهل في سماع الحديث بنوع من التساهل، يعني مثلاً لا يسمع يكون القاري يقرا عليه هو ملتهن عنه، أو هذا في سماعه، هذا بالنسبة للتلميذ، الناس يقرؤون على الشيخ أو الشيخ يحدث وهو لاهن في شيء أو يكتب شيئاً، فهو غافل عن التحديث أو متساهل حتى في طرق الأداء، يعني هو قرأ على الشيخ أو هو أخذه إجازة فيقول أخبرنا، والإجازة ينبغي عليه أن يقول أنبأنا، أو في إسماعه يعني تساهل في إسماعه، شخص يسمع أشخاصاً ولكن هو لا يبالي، أما ينام مثلاً، وكمن يحدث لا من اصل مقابل صحيح، يعني شخص يأتون له بجزء -هذا قبل ما تعرف الطباعة كان الناس ينسخون أجزاء فلا بد أن هذا الجزء المنسوخ يكون وفقاً لأصل الشيخ- فبعض الشيوخ ربما يأتيه واحد بجزء ليس موافقاً لأصله فيقرؤه، فلا بد أن يكون هذا الجزء أو هذه النسخة مقابلة على الأصل.

وكمن يحدث الآن من أصل مقابل صحيح، ومن هذا القبيل من عرف بقبول التلقين، في الحديث هناك من يعرف بالتلقين بقبول التلقين، مثلاً يقولون: حدثك فلان وفلان، فيقول: نعم، وهم، لأن المحدثين عادة ماذا يحصل عندهم؟ يأتون الناس بأجزاء ويقراون عليهم على أساس أن هذه أجزاؤهم، فمن الناس من يعرف والمفترض أنه لا يأتي شخص بجزء يقرأ على الشيخ إلا وهو من مسموعه، يعني من أحاديثه، فكانوا يعرفون أنه ما يجيها أحد إلا بجزء سمعه أو أجيز به، لكن بعض التلاميذ أحياناً يأتي بشيء ليس من حديث الشيخ فيلقن الشيخ فيتلقن، أما من باب الاختبار أو من باب الاستكثار، فإذا وافق الشيخ اخذها وقال: حدثنا الشيخ فلان وفلان، وهو الذي لقنهم.

قال: ولا تقبل رواية من كثرت الشواذ والمناكير في حديثه. الشواذ يعني الأحاديث التي تخالف الأصول، والمناكير التي تخالف أيضاً الروايات المشتهرة. قال جاء عن شعبه أنه قال: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ. الحديث الشاذ الذي ليس عند اهل العلم، يعني فرد، لابد أن يوافقه غيره عليه وإلا لم يكن مقبولاً، أو كان مخالفا للأصول.

ولا تقبل رواية من عرف بكثره السهو في رواياته إذا لم يحدث من أصل صحيح، الشخص الذي تكثر فيه السهو هذا يصبح ضعيفاً، وكل هذا يخرم الثقة بالراوي وبضبطه، كل ما ذكره مما تقدم.

وورد عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدي وغيرهم أن من غلط في حديث وبين له غلطه فلم يرجع عنه وأصر على رواية ذلك الحديث، سقطت رواياته ولم يكتب عنه. نعم هذا شخص إذا بين له الغلط واتضح له، لابد أن يكون الغلط متضحاً له، يعني هو قنع غلط ومع ذلك استمر في رواية هذا الحديث، فهذا يسقط عدالته ويصبح ساقط الرواية، لكن لابد أن يكون هذا الإصرار مع علمه بخطئه، لأن من العلماء من يروي أحاديث ويصر عليها لأنه لا يرى أنه مخطئ، فإذا بين له وعرفت من بيانك أو عرفوا من البيان له أنه أدرك ذلك، طبعا هذه لا يدركها إلا من باشر الرجل، يعني مثلاً حصلت لبعض وهذا يحصل للناس، مره سئلنا سؤال في الدراسة وكان هذا السؤال جيد بالنسبة لي فأجبت عليه، فخطأنا الشيخ في جوابي فذهبت إليه، وكان الشيخ يعني من الذين يصرون على رأيهم، فذهبت إليه وجئت بالادله على صواب ما أجبت به، فأعرضت.

كان موقفه سلبياً، قال: أنت جدلي، أو نحو هذا الكلام، لكني في عرضي عليه وفي كلامه معي أيقنت أنه أدرك خطأه. فلما رأيت أنه أدرك خطأه تراجعت وتركت النقاش، كان أهم نقطة عندي أن أوصل له المعلومة، فوصلت إليه ومع ذلك لم يغير الدرجة. بخلاف شيخ آخر كنا اختبرنا، وكان معي جماعة من الطلاب منهم الدكتور أحمد سنوبر، الله يذكره بالخير وكان من الأذكياء، وكان السؤال في مادة أظنها تحليل النص أو شيء من هذا القبيل. فجاءنا السؤال في العلل، من علل الدارقطني، وكان سؤالاً جميلاً جداً لكني لا أتذكره الآن. لما رأيت السؤال قلت في نفسي: هذا السؤال ربما أنا أتفوق على أصحابي لأني دارس في الجامعة الإسلامية، كانت في كلية الحديث، فكانت كل دراستي حديثاً، بينما الذين أنا معهم الآن هم درسوا ليسوا في كلية حديث، وإنما في كلية أصول الدين، فدراستهم كانت مختلطة فيها أحاديث، وفيها شيء في الحديث، وشيء في العقيدة، ليست تخصصية؛ فعرفت أني في هذا الباب سأتفوق عليهم في هذا النص. وإن كان يتخالج ذهني أنه ربما الشيخ مستواه العلمي جيد، لكن ليس بهذه القدرة الفائقة على إدراك مثل هذا النص واختياره.

على العموم أنا أجبت بما رأيت أنه صواب، وهناك جواب ظاهري توقعت أن يقع فيه الطلاب، وخشيت أن يكون الشيخ أيضاً يفهم هذا الجواب الظاهري. المهم جاء الجواب وجاءت ورقة الاختبار، فإذا هو قد أعطاني، جئت أتذكر أني أخذت 18 من 20 وخطأني في هذا السؤال، فراحت علي درجتان، وأعلى الطلاب درجة كان قد أخذ 18 وقد أعطاه في هذا السؤال درجتين، يعني كان المفترض أنه قد أتى بـ 16 فقط. المهم بعد ما انتهى الدرس، ذهبت إليه في مكتبه وأخذت أشرح له ذلك الموضع، وأحاول أستدل بما ألهمني الله على صحة الجواب، وأن هذا المراد كذا وكذا وكذا، وجئت له للشيخ بكلام ابن حجر كان يعضد كلامي، فاقتنع الشيخ وتراجع عن فهمه للجواب. قلت له: لي عندك طلب أن لا تنقص الطلاب الذين جاؤوا بالدرجتين على فهمهم الظاهري، أن لا تنقصهم وإنما تزيدني أنا، وفعلاً فعل ذلك زادني ولم ينقصهم.

الشاهد من القصة: لما أتيتنا بهذا؟ ما الذي جاء به؟ يا ربي كنا نتكلم، نعم، وبين له غلطه فلم يرجع؛ فمن الناس من لا يرجع وأنت تدرك أنه اقتنع وفهم الغلط، ومن الناس من لا يكون مصراً على أنه قد أصاب، وهذا قد مر على بعض الأئمة خصوصاً في العصر المتأخر. وكان منهم شيخ يقدره الدارقطني رحمه الله عليه، وكان مصراً على روايته والناس يخطئونه فيها، وكان هو يعتذر له أنه قد ربما أخذهم من الشبيبة وهو صغير، وهو يقول الشيخ ذلك: والله لقد حدثنا به فلان من أصل كتابه، ليس من نسخة ولا من كذا، يعني كان متوثقاً من روايته، ومع ذلك أصر النقاد على أنه أخطأ في هذه الرواية، قال: سقطت رواياته ولم يكتب عنه. وفي هذا نظر وهو غير مستنكر، إذا ظهر أن في هذا نظر، لماذا يعني في هذا أن تسقط روايته مطلقاً؟ في هذا نظر، لابد أن يكون هناك تقييد ليس بإطلاق، وهو غير مستنكر إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد. نعم، يقول هذا القول الذي قاله أحمد بن مبارك وغيرهم، إذا كان على جهة العناد ظهر منه هذا الرجل عدم الرجوع على جهة العناد. وهو غير مستنكر إذا ظهر ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك والله أعلم، وأما بإطلاق ففيه نظر، لأن هناك من أصر على روايته ولم يتخلف الناس عن قبول روايته. وهناك من خطئوا ورجعوا عن خطئهم، منهم أبو داود الطيالسي في حديث يرويه عن شبابة عن شعبة، فحدث به، ما أنا أقوله من حفظي، وحفظي خوان للأسف، المهم أن أبا داود الطيالسي روى حديثاً كما رواه شبابة أو من تفرد به عن شعبة، رواه عن شعبة، فأصاح الناس به وقالوا: هذا ليس من حديثك، فرجع عنه.

الرابعة عشرة: أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط التي ذكرها سابقاً في رواة الحديث وفي المشايخ وفي الصحيح، قال: أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، فلم يتقيدوا بها في رواياتهم. هذا الكلام في العصور المتأخرة يعني الرواية بدون إمعان وبدون تساهل، قال: لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم، وعلى نحو ما كان عليه من تقدم. ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا؛ ليش تساهل الناس أو أعرضوا عن هذه الشروط الكثيرة التي تشترط في قبول الأحاديث وقبول المشايخ؟ قال: ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود قد آل آخراً إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد، والمحافظة على انقطاع سلسلتها. يعني الآن العمدة في روايات المتأخرين ليست على الأسانيد، بل على الكتب، الكتب أصبحت مشهورة ومعروفة، وأن هذا كتاب البخاري، وهذا كتاب فلان، وهي مروية بأسانيد، فسارت الأسانيد يوجد في أثنائها أناس ليسوا في الثقة والإتقان والضبط مثل ما يشترط في الحديث الصحيح ومع ذلك قبلوهم. يعني مثلاً من أعلى الأسانيد روايات أبي طالب الحجار لصحيح البخاري، وأبو طالب الحجار يقول عنه السخاوي وغيره أنه كان جاهلاً أمياً، لا يعرف الحديث، ومع ذلك روى عنه؛ لأنه سمع من شيخه، فكما أنه سمع من شيخه وإن كان غير ضابط قبل ذلك منه، فلا يعتبر في هذه العصور هذا الأمر.

وقد كنت أنا قبل في بداية الطلب أمر على المشايخ فإذا رأيتهم لا يتقنون أتركهم، أريد أن أطبق ما يطبقه المحدثون السابقون، وكان هذا خطأً، وقد تندمت على ذلك، فقد أدركت مشايخ وقرأت عليهم، فبعضهم يكون ينعس وأنا أقرأ، وبعضهم يشتغل بالسبحة يسبح، فكنت أمتحنهم أحياناً، فمثلاً أقرأ صحيح البخاري فأتجاوز أحاديث إلى أحاديث أخرى، أريد أن أعرف هل هو معي أو ليس منتبهاً؟ فإذا رأيته ليس منتبهاً تركت القراءة وهذا خطأ. يعني أحدهم قرأت عليه ما يقرب من ثلث البخاري ثم تضايقت من كونه غافلاً عني ويسبح، وهو من الصالحين، فأردت أن أختبره فأتيت بأحاديث أخرى فرأيته لم ينتبه به، فقلت هذا معناه السماع عليه ليس بصحيح. لكن هذا قال الحفاظ المتأخرون: إن السماع الآن المقصود منه فقط بركة الإسناد وبقاء السلسلة، وليست عليها العمدة، ليست العمدة على هذه الأسانيد المتأخرة.

هنا واحد يقول: أريد الكتاب بي دي إف، والله ما أدري بي دي إف موجود الكتاب، على كل حال، قال: فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده، ما يليق ببقاء السلسلة، مثل ايش؟ يعني أن يكون اسمه موجوداً مكتوباً اسمه، نحن متيقنون أنه سمع هذا الكتاب على فلان. قال: وليكتفى في أهلية الشيخ بكونه مسلماً بالغاً عاقلاً غير متظاهر بالفسق والسخف، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتاً بخط غير متهم، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه، يعني هذا يكفي في عصرنا كذلك؛ أن يكون يقرأ عليه من صحيح البخاري المطبوع طبعة السلطانية مثلاً أو بعض الطبعات المشهورة. وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي، يقول هذا الإعراض في العصور المتأخرة سبق إليه الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى، فإنه ذكر فيما روينا عنه قال: توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم؛ في زمن البيهقي، توفي البيهقي في سنة 458، في ذلك الزمن في القرن الخامس توسعوا في هذا، فما بالك في أزماننا أو في زمن ابن الصلاح! ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم.

لماذا توسعوا وتساهلوا في هذا؟ قال: ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث؛ يعني الأحاديث الصحيحة والأحاديث التي بين الصحة والسقم مترددة، كل هذه الأحاديث قد جمعها الأئمة في الجوامع، فلا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم؛ لا يمكن أن نقول إن هذه الكتب -مسانيد وسنن وجوامع وصحيحة ومستدركات- هذه الكتب التي اشتهر أئمتها من أهل القرن الرابع فما قبله، هؤلاء الأئمة جمعوا الأحاديث، ولا يجوز أن يذهب شيء من الأحاديث على جميعهم. يجوز أن يذهب على بعضهم، لكن على جميعهم لا، الأحاديث الصحيحة أو الموقوفة بين الصحة والسقم -يعني التي فيها شيء من الضعف- وإن جاز أن يذهب على بعضهم شيء منها، لضمان صاحب الشريعة حفظها؛ لأن رب العالمين سبحانه وتعالى ضمن حفظها، كيف ضمن حفظها؟ قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. وحفظ الذكر إما أن يكون تدخل السنة فيه في اللفظ؛ لأن الذكر يعني الوحي، أو يكون الذكر المقصود به القرآن، وتدخل الشريعة لزوماً أو اقتضاءً، أقصد السنة؛ لأنه يلزم على حفظ القرآن أن تحفظ السنة؛ لأن السنة هي الشارحة للقرآن فهي بيان القرآن. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ حافظون لألفاظه وحافظون لبيانه. فيقول صاحب الشريعة قد تكفل بحفظ ذلك.

قال يعني البيهقي: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته هنا هو الشاهد، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلاً بحدثنا وأخبرنا، يعني أن تبقى السلسلة الإسنادية وهي من خصائص الأمة، أن تبقى إلى آخر الزمان، وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفاً لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم، والله أعلم. طبعاً لا يدخل في هذا الرواية الأشياء المنكرة أو الموضوعة، لأن هناك من يروي أشياء موضوعة ويسلسل فيها التسلسل، وهذا لا يجوز، بعضها نعرف أنه وضع قريباً، يعني سمعت أن هناك أحداً يسند في الأذان في أذان بلال، وأذان بلال لا أعلم أحداً سلسله أبداً أو رواه مسلسلاً.

الخامسة عشرة: في بيان الألفاظ المستعملة بين أهل هذا الشأن في الجرح والتعديل، وقد رتبها أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ولد أبي حاتم، في كتابه الجرح والتعديل، فأجاد وأحسن. الآن سيتكلم عن الألفاظ المستعملة في التجريح والتعديل، قال: ونحن نرتبها كذلك ونورد ما ذكره ونضيف إليه ما بلغنا في ذلك عن غيره إن شاء الله. قال: أما الفاظ التعديل، فعلى مراتب، الأولى قال ابن أبي حاتم: إذا قيل للواحد إنه ثقة أو متقن فهو ممن يحتج بحديثه، يعني هذه الألفاظ المشهورة، ثقة، متقن، ثبت، وهكذا. قلت: وكذا إذا قيل ثبت أو حجة، وكذا إذا قيل في العدل إنه حافظ أو ضابط، شوف هنا قيده بالعدل، يعني شخص نعلم عدالته أنه لا يكذب، فإذا قيل فيه حافظ أو ضابط فهو أيضاً في هذه المرتبة، بل هو أعلى، وحجة ربما تكون أعلى من ثبت، هي في طبقة واحدة لكن هذه الطبقة الواحدة بعضها أقوى من بعض. الثانية قال ابن أبي حاتم: إذا قيل إنه صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية؛ ما معنى ينظر فيه هنا؟ ليس معناها أنه متوقف فيه، وإنما معناه أنه إلى القبول أقرب، لكن ينظر فيه أيضاً، يعني يراعى فيه القرائن، وهو في المرتبة الثانية بعد الأولى؛ صدوق، محله الصدق، لا بأس به، هذا مقبول الحديث لكن هنا.

قال ممن يكتب حديثه يكتب على جهة القبول وينظر فيه؛ فكان حديثه يحتاج إلى نظر وإن كان مقبولاً في الأساس. قلت: هذا كما قال؛ لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويختبر حتى يعرف ضبطه. والأصل في أحاديث مثل هؤلاء القبول، لكن النظر فيها لا بد منه؛ يعني وإن كانوا مقبولي الحديث ويعتبرون من مرتبة الصحيح أو الحسن عند المتأخرين، إلا أنه لا يخلو حديثهم من أن ينظر فيه، لا بد من النظر فيه.

وأما هؤلاء الذين قيل عنهم حجة وثبت، فهؤلاء النظر فيهم متى يكون؟ عندما يكون هناك داعٍ للنظر، إذا كان هناك من يخالفهم مثلاً أو هناك استغراب لحديثهم. هي مراتب دقيقة جداً.

قال وقد تقدم بيان طريقه في أول هذا النوع، طريقة معرفة الضبط وهي السبر، وإن لم يستوفِ في النظر المعرفة لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطاً مطلقاً واحتجنا إلى حديث من حديثه، اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا هل له أصل من رواية غيره، كما تقدم بيان طريق الاعتبار في النوع الخامس عشر. يقول هذا الذي قيل فيه ذلك، قلت: هو كما قال، وقد تقدم بيان طريقه في أول هذا النوع لأنه قال فينظر في حديثه ويختبر حتى يعرف ضبطه، كيف يعرف ضبطه؟ بعرضه على أحاديث غيره. فإذا وجدنا أن غيره يتابعه احتجنا بحديثه وعرفنا أنه ضابط، وإن لم يستوفِ النظر المعرفة لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطاً مطلقاً، يعني هذا النظر لا يجعله ضابطاً مطلقاً، وإنما يكشف لنا أنه ضبط هذا الحديث.

قال واحتجنا ها، لا هذا استئناف كلام، هناك قال ينظر في حديثه ويختبر، حتى يعرف ضبطه بمتابعة غيره له، وقد تقدم بيان ذلك يعني في الاعتبار، وإن لم يستوفِ النظر المعرفة لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطاً مطلقاً واحتجنا، إذا هذا المحدث لم ندرك في النظر في أحاديثه أنه ضابط مطلقاً بحيث نقبل حديثه مباشرة، واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا هل له أصل من رواية غيره، كما تقدم بيان ذلك بطريقة الاعتبار.

إذاً هذا إن لم يستوفِ في النظر، هنا قال لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويختبر حتى يعرف ضبطه، وقد تقدم ذلك، يعني هذا الكلام كأنه شرح له. أنا لا أفهم هذا الكلام بعد ذلك الذي هنا، يتكلم عن هذا النوع الثاني الذي هو إذا قيل فيه صدوق، قال هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط، نعم صحيح. إذاً لا تشعر بشريطة الضبط وإن كانت مقبولة عندي في فهمي لصنيع الأئمة، بس هو يقول هنا لا تشعر بشريطة الضبط، طيب ماذا؟ فينظر في حديثه ويختبر حتى يعرف ضبطه. هل يقصد به ينظر في حديثه مطلقاً؟ ينظر في حديثه عامة لا في حديثه هذا الذي جاء من طريقه وإنما قيل فيه صدوق، فينظر في حديثه مطلقاً، فإن كان عرف ضبطه خلاص تقدم وقد قبلناه. يعني هو كأنه يقول يكتب حديثه وينظر فيه، يعني ينظر في مكانته هو، وإن لم يستوفِ النظر المعرفة لكون المحدث في نفسه ضابطاً مطلقاً. يعني إذا نحن رأينا حديثه كأنه يريدنا أن نسبر، يعني بعد أن نجد هذا الكلام من الأئمة الصدوق ومحله الصدق، كان ابن الصلاح هنا يريدنا أن نسبر حديثه، فإما أن نجده ضابطاً فخلاص نقبل حديثه، يعني كأنه يفسر كلمة وينظر فيه. والحقيقة أن كلمة ينظر في حديثه لا فيه هو، لأنهم نظروا فيه فأعطوه هذه الجملة، وإن لم يستوفِ النظر المعرفة لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطاً، واحتجنا إلى حديث من حديثه هنا جاء الاعتبار الثاني. يعني كأنه عنده عند ابن الصلاح هذا الرجل الذي قيل فيه صدوق عندنا فيه حالتان: إما أن ننظر في حديثه مطلقاً فنرى أنه ضابط فنقبل حديثه بشكل مطلق، أو النظر عندنا لم ندرك أنه ضابط مطلقاً، واحتجنا إلى حديث من حديثه فأعطينا ذلك الحديث نعتبره، اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا هل له أصل من رواية غيره، يعني إذا كان متابع قبلناه على ما تقدم في الاعتبار في النوع الخامس عشر.

وضحت يا شباب قوله؟ يبدو أن هذا هو معنى كلام ابن الصلاح فيما فهمته أنا. في البداية كنت أستغرب، هنا كان ابن الصلاح أراد منا أن نسبر حديثه بشكل عام كما يسبر الأئمة، أو أنه يذكر صنيع الأئمة أن الأئمة يفعلون ذلك، يسبرون حديثه بشكل عام، فإن وجدوه ضابطاً قبلوه، وإن لم يجدوه ضابطاً مطلقاً فانتقل عندهم إلى مرتبة الصدوق واحتجوا إلى حديثه، يعني اعتبروا ذلك الحديث. يعني كلام ابن الصلاح إما أن يقول هذا عن أهل عصره أنهم في حديث الطبقة الثانية بين أمرين، إما أن يبحثوا عن حديثه مطلقاً بحيث يترجح عندهم أنه ضابط أو لا، فإذا لم يترجح عندهم أنه ضابط مطلقاً واحتجوا لأحاديثه اعتبروا تلك الأحاديث بالطرق الأخرى. يعني هناك اعتبار أو سبر لأحاديث الراوي بشكل عام، وهذا لا يقوم به الأئمة الكبار، وهناك سبر لهذا الحديث بعينه بحيث نعتبر وننظر من تابعه أم أو لم يتابعه. فإما أن ابن الصلاح يقصد أن هذا صنيع فعل المتأخرين وهذا فيه نظر في الحقيقة في الشق الأول منه، وإما أن يقصد أن هذا هو ما يصنعه الأئمة وعبر ونسبه إلى نفسه أو قال اعتبرنا يقصد نحن أهل الحديث، يعني هذا صنيعنا والله أعلم. مفهوم يا شباب هذا الكلام؟ هل هو متضح لكم؟

ومشهور عن عبد الرحمن بن مهدي القدوة في هذا الشأن أنه حدث فقال: حدثنا أبو خلده، فقيل له: أكان ثقة؟ فقال: كان صدوقاً وكان مأموناً وكان خيراً، وفي رواية كان خياراً. الثقة شعبة وسفيان، هنا لما يقول لك الثقة شعبة وسفيان، شعبة وسفيان ليسوا ثقة فقط هم أئمة، فيقول كلمة الثقة عنده كأنها كلمة قوية، فجعل مرتبة الصدوق أقل ومرتبة المأمون أقل. ثم إن ذلك مخالف لما ورد عن ابن أبي خيثمة، قال: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول فلان ليس به بأس وفلان ضعيف، قال: إذا قلت لك ليس به بأس فهو ثقة. ما معنى ثقة؟ يعني أنه مقبول، وليس به بأس هذا أيضاً مقبول، لكنه يقول هنا ابن الصلاح أن ما ذكره ابن أبي حاتم مخالف لما ورد عن موافق لما قاله ابن مهدي، لكنه مخالف لما قاله ابن معين. لماذا؟ لأن ابن أبي حاتم جعل الأولى ثقة، شايفين المرتبة الأولى أطلق عليها الثقة، وجعل المرتبة الثانية الصدوق. وهذا مشهور عن التفريق هذا مشهور عن ابن مهدي، صدوق طبعاً ولا بأس به كلها في مرتبة واحدة. وأما ابن معين قال: فورد عنه ما يخالف ذلك، كيف جعل لا بأس به بمرتبة الثقة؟ قال: وإذا قلت هو ضعيف فليس هو بثقة، لا يكتب حديثه.

قلت: ليس في هذا حكاية ذلك عن غيره من أهل الحديث فإنه نسبه إلى نفسه خاصة، بخلاف ما ذكره ابن أبي حاتم، هو يريد أن يجمع بين كلام أبي حاتم وكلام ابن معين، فيقول ابن معين نسب ذلك إلى نفسه، إذا قلته ليس به بأس فهو ثقة، وأما ابن أبي حاتم فينسبه إلى أهل الحديث. والحقيقة أن بينهم تقارب، فقول ابن معين ليس به بأس وقوله ثقة المرتبة الأولى والمرتبة الثانية كلهم مقبول الحديث، فهو يقول له كأنه يقول تفسير كلام ابن معين إذا قلت لك ليس به بأس فهو ثقة، يعني مقبول الحديث. لأن المحصلة أو المراد من هذه الألفاظ إما القبول أو الرد، فكأنه لما رأى أن ابن أبي خيثمة مستشكل ما معنى قولك ليس به بأس قال معناه ثقة يعني مقبول الحديث. لكن هل هو بالمرتبة العليا من الثقة؟ لا، إذا قال ليس به بأس فهو في المرتبة الثانية أو الدنيا من الثقات، يعني ليس هذا مخالفة حقيقة إذا قارنا بين الكلام، قال وإذا قلت لك هو ضعيف فليس هو بثقة، معناه أن الثقة مقبول الحديث والضعيف لا يقبل حديثه لا يكتب حديثه، كلمة لا يكتب حديثه يعني صالحة للضعيف وصالحة للضعيف جداً، وقد يكون الضعيف يكتب حديثه.

قلت: ليس في هذا حكاية أن أراد أن يجمع بينهم. الثالثة، قال ابن أبي حاتم الدرجة الثالثة إذا قيل شيخ فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية. هنا يعني نفس العبارات كررها في كلمة شيخ وفي كلمة صدوق، والحقيقة لا صحيح أن لأنه قال هنا إلا أنها دون الثانية، دون الثانية لأن الثانية يترجح فيها القبول، وهذه يترجح فيها التوقف. كلمة شيخ يعني هذا لا بد أن يعضده عاضد، فهي منزلة أقل وإن كانت هي من أنواع التعديل صراحة فيمكن قبوله، لكن في بعض الأحاديث دون بعض، ولذلك قال ينظر فيه.

الرابعة، إذا قيل صالح الحديث فإنه يكتب حديثه للاعتبار، للاعتبار يعني هل تبعه غيره أو لا، أو يتابع غيره. وصالح الحديث قريبة من لا بأس به، وقوله يكتب حديثه الاعتبار يعني وينظر فيه، لكنه أقل من الدرجة الثانية، يعني كل هؤلاء من المقبولين، لكن أحياناً الأول منهم مثلاً يقبل بلا تردد، الثاني يقبل مع التردد، الثالث قبوله أقل أكثر تردداً فيه، الرابع هكذا يزداد التردد فيهم، نعم وإلا كلهم من ألفاظ التعديل.

قلت وقد جاء عن أبي جعفر بن سنان قال: كان عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف وهو رجل صدوق، صدوق من حيث اللسان لكن فيه ضعف من حيث الضبط فيقول رجل صالح الحديث، يعني هذا كأنه يعضد كلمة أنه يكتب حديثه الاعتبار، وإن كان وضعوها صالح الحديث في ألفاظ التعديل صالح الحديث يعني ماشي مقبول، فيه لين فيه ضعف، حتى كلمة فيه ضعف وفيه لين كل هذا قريب من كلمة صدوق ومن كلمة صالح الحديث. وكلمة شيخ، طبعاً هذه الألفاظ ليست حدية لأن العلماء يمكن في شخص واحد واحد يقول صالح الحديث والآخر يقول لا بأس به، لأن هذه موازين متقاربة جداً. وأما ألفاظ بعضهم وخصوصاً إذا نظرنا إلى الأحاديث نفسها التي يروونها ففي بعض الأحاديث التي يروونها ممكن يكون لشخص أنه لا بأس به، ففي حديث آخر يرويه باعتبار السند والمتن يقولون هذا صالح الحديث، وربما قالوا ضعيف وهم قد قالوا في لا بأس به، لأنهم يعتبرون أشياء كثيرة ليست فقط، فليست هي حدية هذه الألفاظ ألفاظ التعديل، وكذلك ألفاظ التجريح إلا بعض الألفاظ، حجة مثلاً ثقة ثبت، هذه ألفاظ تدل على أنها حديثاً مقبولة، لكن الألفاظ التي دونها هذه ألفاظ مترددة ويعتبر فيها المتن ويعتبر فيها السند. الذي أريد أن أقوله أن هذه الألفاظ أو هذه المراتب هي في الحقيقة خلاصة سبر لروايات الراوي، فالدرجة تأتي بعد سبر روايات الراوي، وليست هي حكم على الرواية بحد ذاتها حكم مطلق، هو حكم لكن مقيد بالنظر. وأما ألفاظهم في الجرح فهي أيضاً على مراتب. بقي عندنا فقط دقائق معدودة، انظر إذا كان يبدو أن الكلام في الألفاظ كثير فنتوقف عند هذا الحد ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله، هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.