دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا مرحبا بالكرام، يا مرحبا. طمئنوني يا إخوة إلى سلامة البث لو سمحتم، طمئنوني إلى سلامة البث كيف هو؟

طيب، الحمد لله كويس يعني. يبدو لي جيدا البث يا إخوة، يبدو لي جيدا، البث يا إخوة. تمام، فقط اسمحوا لي لحظة، اسمحوا لي لحظة يا. كده.

بسم، دقيقة ونبدا إن شاء الله يا إخوة، دقيقة ونبدا. أخونا يقول بعد السلام: يا شيخ أبا قيس، هل تسمح لي أن أفتح قناة تلجرام وأبث فيها تفريغات لفوائد من قناتك؟

إيه، لا باس إن شاء الله، لا باس، قناة تلجرام وتبث فيها تفريغات من فوائد من القناة، نعم. على أن تواصلني، ولو كانت هناك فائدة أو نص مققطوع أو كذا، نبهتك إليه أن يحذف أن يحذف، هذا شرطي، إذا نبهتك إلى نص أنه يحذف فليحذف، إن شاء. نبدأ الآن إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد؛ فكل من ألقى السلام؛ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيّا؛ حياك الله وبياك وعمت صباحا ومساء، أهلا وسهلا ومرحبا بالإخوة الفضلاء والأخوات الفضليات.

بقي أمران وفائدتان متقدمتان من تتميم الحديث في هذا الباب من عمود الشعر، ألا وهو باب التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. إحدى الفائدتين ترجع إلى النصف الأول من الباب، وهو الالتحام والالتئام، والثانية ترجع إلى الوزن.

أما الفائدة التي ترجع إلى الالتحام والالتئام، فهي أن هذه الهيئات التي يحصل فيها الالتحام والالتئام تتجاوز هذا القدر المشترك بين الشعراء، تتجاوز هذا القدر المشترك بين الشعراء إلى التوظيف في منازع الشاعر الواحد، فتعرف للشاعر نغمة من أثر المعاني والأغراض التي يسلكها، وما يختار لها من التراكيب والأساليب التي اعتاد النزوع إليها.

البث يا إخوة مستقر؟ يتقطع أمامي في اللابتوب، هذا التقطع يظهر عندكم أم هو عندي فقط؟ تمام. طيب، جيد، أكمل.

وإن الذي يدمن الشعراء، فإن الذي يدمن الشعراء تنطبع في نفسه نغمات التلاحم والتلاؤم عند كل شاعر أو في الشعراء الذين أدمنهم وبلغ من إدمانهم، أي المداومة على أشعارهم، حدا استقر في نفسه مذهب هذا الشاعر في منازعه وتراكيبه. وهذا الاختلاف بين صور الهيئات والنغمات له مثال ظاهر جدا، سهل التحصيل في كتاب الله.

أحدهم يقول غير مستقر، كيف عندكم يا إخوة؟ مستقر أو لا؟ خلاص، لو مستقر عند واحد فهو مستقر. أقول: له مثال ظاهر جدا، سهل التحصيل في كتاب الله، وهو نغم قصار السور ونغم طوال السور. نغم قصار السور ونغم طوال السور، فأنت لا تخطئ، لا تخطئ أن لقصار السور نغمة تعرفها إذا سمعت السورة. وذلك أقل ما يظهر به تقارب الفواصل.

فتقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6]. تقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6]. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3].

فإذا انتقلت إلى طوال السور، فأبرز مثال عندك آية الدين من سورة البقرة، مع انك تراها انتهت كذلك إلى فاصلة على قانون الفواصل في القرآن. وتقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ ما فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].

كل هذا آية واحدة، كل هذا آية واحدة، وهكذا. وترى الآيات التي فيها ذكر الأمثال طويلة، تشبيه طويل مركب، فهذا مثال سهل في هذه القضية.

وكذلك أشعار العذريين، لا تخطئ فيها الترسل وطول العبارة ورقتها، كما يقول المجنون: أراني إذا صليت يممت نحوها بوجهي وإن كان المصلى وراءيا، وما بي إشراك ولكن حبها وعظم الجوى أعيا الطبيب المداويا. خليلي إن ظنوا بليلى فقربا لي النعش والأكفان واستغفر لي.

ويقول كثير عزة: خليلي هذا ربع عزة فأقلا قلوصيكما ثم أبكيا حيث حلتي، ومسا ترابا كان قد مس جلدها وبيت وظل حيث باتت وظلتي. ولا تيأس أن يمحو الله عنكما ذنوبا إذا صليتما حيث صلتي، وما أنصفت أم النساء فبغضت إلينا وأما بالنوال فظنتي.

ومثلها أشعار الغازلين على اختلاف، كقول عمر بن أبي ربيعة: فحييت إذ فاجأتها فتولهت، وكادت بمخفوض التحية تجهر. وقالت وعضت بالبنان فضحتني، وانت امرؤ ميسور أمرك أعصر. أريتك إذ هن تخف وقيت، وحولي من عدوك حضروا. فوالله ما أدري اتعجيل حاجة سرت بك أم قد نام من كنت تحذر؟

فقلت لها بل قادني الشوق والهوى إليك وما نفس من الناس تشعر. فقالت وقد لانت وأفرخ روعها: كلاك بحفظ ربك المتكبر. وستلمس في أشعار الغازلين كعمر بن أبي ربيعة نغمة حكاية الأقوال، إذ يقول: قلت وقالت، فقالت فقلت، فقلت فقالت، وهكذا.

نعم، تجد على الجملة مع اختلاف أشعار الغزليين عن أشعار العذريين نغمة متصلة، نغمة متصلة لا تقتضيك المعاني أن تقف على أجزاء الكلام. تجد نغمة متصلة لا تقتضيك المعاني أن تقف على أجزاء الكلام.

فإذا جئت إلى أبي تمام ألفيت نغمة من نمط آخر، كقوله: بيد الصفائح لا سود الصحائف في متونه جلاء الشك والريب. تجد أن هذه الفنيات الصناعية تقتضي تقطيع الكلام إلى عبارات.

وقريب من ذلك أو مثله قول أبي الطيب: على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتاتي على قدر الكرام المكارم. وتصغر في عين الصغير صغارها، وتصغر في عين العظيم العظائم. ترى اقتضاء للوقف غير مجرد الشطر العروضي. نعم.

وتسمع لشعر عن, وتجد طفرات من العبارات: أثني علي بما علمت فإنني سمح مخالقتي إذا لم أظلم. فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل مر مذاقته كطعم العلقمي. فتلمس من ذلك، حتى وإن وصلت الكلام، فتلمس من ذلك حتى وإن وصلت الكلام تفرات وموجات قصيرة فيها حدة وفيها طفر. هذا تشعر به إذا أدمِنت الشعراء.

فتسمع ربما القصيدة من بعيد وربما لا تتبين الألفاظ، لكن تقول: هذا لا يشبه شعر فلان؛ لأنك اعتدت من تراكيب فلان ومعانيه ومنازعه وأساليبه على نغمة معينة وعلى لحمة معينة من الكلام.

أما النابغه الذبياني، فرسل في ثقل، فتراه يقول: كليني لهم يا أميمة ناصبي، وليلبطء كواكب. تطاول حتى قلت ليس بمنقض، وليس الذي يرعى النجوم بأيب. وصدر أراح الليل عازب همه، تضاعف فيه الحزن من كل جانبي. علي لعمري نعمة بعد نعمة لوالدة ليست بذات عقاربي.

حلفت يمينا غير ذي مثنوية، ولا علم إلا حسن ظن بصاحبي. لئن كان للقبرين قبر بجلق وقبر بصيداء الذي عند حاربي، وللحارث الجفني سيد قومه ليلتمسا بالجيش دار المحاربين. فترى الكلام متصلا رسلا، ولكنك تضطر إلى الإبطاء لتحصيل المعاني وإيعابها.

بخلاف الرسل الذي وجدناه عند عمر بن أبي ربيعة، فعمر رسل، ولكنه رسل لا يحتاج إلى التأني. وهذا فرق ما بين الرسل المطبوع والرسل الثقيل والرسل الخفيف. الرسل الثقيل والرسل الخفيف؛ في رسل النابغة الذبياني تحتاج إلى التأني، في رسل عمر والعذريين لا تحتاج إلى التأني. نعم.

ولو أنك أسرعت في قراءة شعر النابغة مغترا بالترسلة وشده اتصال معانيه، خسرت شعره، فمن الضروري أن تبطئ وأن ترسله. وهذا تفريق دقيق بين مقامات الشعر.

أما امرؤ القيس، فإذا جئت إلى شعره وجدته على خلاف النابغة، فهو يقسرك قسرا، يقسرك شعره قسرا على قراءته جملا، بما فيه من كثافة وتقديم وتأخير وتقدير وحذف. تأمل قوله: وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورد فذلت صعبة أي إذلال.

لن يتأتى لك أن تقرا هذا البيت على الطريقة التي ترسلت فيها أو نعم ترسلت فيها بقراءة شعر النابغة الذبياني، لا يمكن. بل من الضروري قراءة هذا البيت على التقطيع للوقوف على معانيه وإدراك بعد مراميه. ولو جردته جردا على طريقة عبارات العذريين والغزليين، أو حتى على طريقة الترسل البطيء للنابغة الذبياني، لم تقف على دلالته.

لأن قوله: وصرنا إلى الحسنى يقتضي منك سكتة؛ لأنك تدرك في الحسنى معنى جوامع الكلم، لأن العقل بفطرته وغريزته لابد أن يذهب بتأمله فيما يصدق عليه أنه الحسنى. فلو قلت واصلا كلامك: وصلنا إلى الحسنى ورق كلامنا، هكذا بالحذف للكلام، علمنا أنك لم تدرك ما أراد الشاعر من لفظ الحسنى؛ فهو لفظ من جوامع الكلم يحتاج منك إلى قليل تأمل لتدري ما هي الحسنى.

فضمها حسنى، وشمها حسنى، وحديثها حسنى، ومسها حسنى، شم رأسها حسنى، وضع رأسها على كتفه حسنى، تخذه أو هصره عودها أو خصرها حسنا. فأرادك أن تطلق رأسك أو تطلق عقلك وخيالك في هذا، فأتى بلفظة هي من جوامع الكلم، فقال: وصلنا إلى الحسنى، وتحتاج إلى تأمل لفظة وصلنا التي تدل على الانتقال من حال إلى حال بعد شيء من المعالجة في هذا السياق.

فإذا نطقت هذه العبارة: وصرنا إلى الحسنى، وكنت ممن يتأامل الكلام ويفهمه، ستُقصر قسرا على الوقوف؛ لن تستطيع أن تتمالك نفسك، لابد أن تقف. فإذا قال: ورق كلامنا، لابد أن تقف كذلك؛ لأن رقة الكلام هي شيء من خصوص الحسنى، ورقة الكلام تدل على شدة اطمئنان القلب.

والإ ما معنى أن تحذف الكلام فتقول: وصلنا إلى الحسنى ورق كلامنا؟ تكون قد أهدرت ما وراء ورق كلامنا من الإشارة؛ لأن رقة الكلام تدل على اطمئنان النفس، وعلى أنها بدأت تظهر له ما في نفسها مما تختزنه، وأنها متيمة به وقلبه عنده معلق. فلما اطمأنت رق الكلام، ولما رق كلام كلامهما، بثا أشواقهما، فكان ذلك بعض الحسنى التي هي جوامع الكلم والمعنى.

فإذا قال: وردت ثم قطع وقال: فذلت، تحتاج إلى سكتة كذلك حتى تفهم أن فذلت فيه حتى توعب أنه يعجل لك لأنه قطع الكلام ففاجأك. واصل الكلام: وردت صعبة أي إذلال فذلت، لأن إذلال هنا ليست مصدرا لذلة، ذلة هنا تقع في عبارة مستقلة معترضة.

وإنما الإذلال مصدر معنوي لردت؛ أي ردت رياضة، أي ردت رياضة، ردت رياضة فقال: ردت إذلالا فيكون قد حقق معنيين: الرياضة منه، والتذليل الذي يؤول إلى أن تخضع وتلين.

أما عبارة فذلت فهي معترضة مستقلة، عجل بها أثر عجل بها ذكر أثر الرياضة. وردت فذلت صعبة أي إذلال؛ أي أية رياضة؛ لأنه كان يجيب في القصيدة من قالت له إنك كبرت وأنه لا يحسن اللهو أمثالك. فأنت إذا قرأت ذلك تضطر إلى الوقوف، تضطر إلى الوقوف.

وههل تستطيع أن تهمل نغم التقطيع في قول تأبط شرا: حمال ألوية شهاد أندية قوال محكمة جواب آفاق؟ فإنك تجد هنا نغم الكلام والترصيع الذي في الكلام يقصرك قسرا على أن تقطع البيت إلى أربع إلى أربع عبارات.

وتأمل هل يمكنك أن تصل العبارة أصلا على طريقة العذريين والغزلين في قول أبي فراس: ومضطغن لم يحمل السر قلبه تلفت ثم اغتابني وهو هائب؟ لا يمكن لقاهم هذا البيت أن يصله في أداء واحد جردا أو حدرا في صلة واحدة فيقول: ومضطغن لم يحمل السر قلبه تلفت ثم اغتابني وهو هائب، كأنه قال: طلع ونزل وذهب وجاء. لا يمكن، مستحيل لمن يفهم البيت أن يفعل هذا.

على أقل تقدير، إن قوله تلفت فيه الانتهاء من الاطمئنان لعدم وجود الرقيب، واستعمل بعده ثم التي تفيد التراخي، فالسكته التي تقع بعد تلفت ضرورية في لمن يفهم الكلام. والذي يمكنك أن تصله عبارة الحال: وهو هائب، ثم اغتابني وهو هائب؛ لأن المقصود أنه اغتابه وهو هائب مع أنه تلفت وانتهى من تلفته، ثم اغتابه ومع ذلك بقي هائبا.

وهذا عندي أجود بيت قاله أبو فراس، هذا عندي أجود بيت قاله أبو فراس، وليس في شعره ما يوازي هذا البيت في شرف المعنى وحسن الصناعة والتوفيق في الشعر. وهذا باب في الأخير يكفي فيه هذه ال يكفي فيه هذا الإجمال؛ لأنه يبقى بعد ذلك بابا يتعلق بالممارسة والتطبيق، وأن تكون عندك ملكة. فكل ما نفعله في هذه المقدمة وفي غيرها إنما هو مقدمات، والشان كل الشان بعد ذلك في الملكات.

أما الفائدة التي ترجع إلى الوزن، فهي أن ما يعرف بالزحافات والعلل والضرورات ليس مما يضطر إليه الشاعر على الحقيقة لضيق الوزن عليه، كما قد يفهم البعض من مصطلح ضرورة. فالبعض فهم أن قولهم ضرورة شعرية أن الشاعر يحرج في الوزن فيغير إلى هذه الوجوه، وهذا فهم باطل.

لأن الذي يوعب أقل علم بالشعر وبأحوال العرب وأحوال لغاتها، يعلم أن الشعراء لا يعوزهم ولا يحرجهم الوزن بذاته بحيث يضطرون إلى تغيير اللغة أو يضطرون إلى تغيير التفعيل لأجل استقامة الكلام، فليس شيء أسهل، ليس شيء أسهل عليهم من مطابقة الكلام.

بالوزن، وليس هذا هو المعتبر مجرداً في الشعر. أما العلماء فيعلمون أن معنى كونها ضرورة أنها ضرورة جمالية في الشعر خاصة، أنها ضرورة جمالية في الشعر خاصة، هذا هو معنى قولهم ضرورة شعرية، أي ضرورة تتعلق بالشعر من حيث تحقيق الجمال الشعري الخاص والبيان الشعري الخاص.

تأمل قول الإمام أبي علي السرافي في كتاب ضرورة الشعر، يتحدث هنا عن ماذا؟ عما يزاد في القوافي، الإطلاق، فيقول في صفحة 38 و39 من كتابه الشعر بتحقيق الدكتور رمضان عبد التواب، رحمه الله، العالم المصري الكبير: «وإنما جاز فيه هذه الزيادة في الشعر في القوافي لانهم يترنمون بالشعر ويحدون به ويقع فيه تطريب لا يتم إلا بحرف المد».

وإنما جازت هذه الزيادة، يقول: «وإنما جازت هذه الزيادة في الشعر في القوافي لأنهم يترنمون بالشعر ويحدون به ويقع فيه تطريب لا يتم إلا بحرف المد، وأكثر ما يقع ذلك في الأواخر، وكان الإطلاق بسبب المد الواقع فيه للترنم». فهو يصرح أنها ضرورة جمالية، هذا معنى كونه ضرورة. فأول ضرورة شعرية مذكورة في كتاب ضرورة الشعر للسيرافي هي ما يزاد في القوافي، الإطلاق.

هذا لا اضطرار فيه بمعنى الحرج، وإنما هي ضرورة جمالية. ثم يصرح فيقول: «وليس تخرجها جودتها عن ضرورة الشعر، إذ كان جوازها بسبب الشعر». يعني كونها جميلة لا يخرجها عن التعبير ضرورة الشعر، ثم يعلل لماذا سميت بضرورة شعر؟ يقول: «إذ كان جوازها بسبب الشعر». إذاً، نحن بعيدون هنا تماماً عن قضية الإضرار. وتأمل قول الخطيب التبريزي في كتابه الكافي في العروض والقوافي، الصفحة السابعة، يقول: «والزحاف جائز كالأصل، والكسر ممتنع». ففرق بين انكسار الوزن وبين الزحافات؛ فالزحافات من اصول الأوزان. ثم يقول: «وربما كان الزحاف في الذوق أطيب من الأصل».

الخطيب صاحب كتاب الكافي في العروض والقوافي، من الكتب الأمهات في علم العروض، الخطيب التبريزي توفي عام 502، يقول: «وربما كان الزحاف في الذوق أطيب من الأصل»، وعده جائزاً كالأصل. الفرق فقط هو ماذا؟ الكثرة والاستعمال؛ أن الأصل هو مفاعيل ثم قد يكون مفاعل، الأصل هو مستفعل ثم قد يكون متفعل، الأصل هو مفاعيل ثم قد يكون مفاعيل بالكف كما في الهزج.

فهذه الزحافات مطلوبة لذاتها في مواضع يختارها فيها الشاعر، وليس أنه يضطر إلى ارتكابها لأجل ألا يغير اللفظة التي هي الصواب. ولا أدل على ذلك من المشاهدة الفنية التي تقضي باستمراء زحافات كالقبض والكف والخبن والعصب والإضمار، فهذه كثيرة ملتئمة مع نغم الكلام، يطلبونها لتحقيق غاية، ولا يذهبون إليها اضطراراً. ولاجل ذلك جازت هذه الضرورات الشعرية الجمالية للشعراء في كل عصر؛ لأن القدماء لم يتورطوا فيها وإنما قصدوا إليها للجمال.

فلما ذهب البعض إلى أنه لا يجوز للشعراء المولدين الذين عنوا بعلم الشعر ودرسوا أعارضه إلى آخر ذلك، إلا أنه لا يجوز لهم أن يقعوا في هذه الزحافات وهذه الضرورات الشعرية، رد عليهم العلماء في ذلك، وعلى رأسهم ابن جني. يقول ابن جني في الخصائص رداً على من يمنع الضرورة عن المتأخرين: يرد بوجوه على من يمنعوا المولدين من أن يأتوا ما يسمى الضرورة الشعرية. فيقول: «وثالث، أي وجه ثالث، كثرة ما ورد في أشعار المحدثين من الضرورات كقصر الممدود، وصرف ما لا ينصرف، وتذكير المؤنث ونحوه، وقد حضر ذلك وشاهده جلة أصحابنا من أبي عمرو إلى آخر وقت، والشعراء من بشار إلى فلان وفلان، ولم نرى أحدا من هؤلاء العلماء انكر على أحد من المولدين ما ورد في شعره من هذه الضرورات التي ذكرناها وما كان نحوها، فدل ذلك على رضاهم به وترك تناكرهم إياه».

يقول: «فإن قلت فقد عيب بعضهم كأبي نواس وغيره في أحرف اخذت عليهم؟ قيل هذا كما عيب الفرزدق وغيره في أشياء استنكرها أصحابنا، فإذا جاء عيب ارباب اللغة وفصحاء شعرائنا، كان مثل ذلك في أشعار المولدين أحرى بالجواز». فينتفي في الأخير ابن جني إلى أن المولدين لا يمنع عليهم ذلك.

ويقول أبو علي الفارسي، فيما نقله السيوطي في الشيرازيات، وذلك في كتاب الأشباه والنظائر، المجلد الأول، صفحة 202: «رب شيء يكون ضعيفا ثم يحسن للضرورة». تأمل هذه العبارة من إمام في العربية نحوي، بل من إمام لم يأت أعلم منه بعد سيبويه في العربية، يقول: «رب شيء يكون ضعيفا» يعني خارج الشعر، «ثم يحسن للضرورة» أي للشعر. تأمل كيف لم يقل يجوز أو يضطر إليه، قال: «بل يحسن». والححسن هنا معناه إضافة وليس مجرد الجواز والمرور.

ونرجع إلى ابن جني في المجلد الثاني من الخصائص، صفحة 394، يقول: «فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها وانخراق الأصول بها، فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه، و إن دل من وجه على جوره وتعسفه، فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله وتخمطه، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته، بل مثله في ذلك عندي مثل مجري الجموح بلا لجام ومولد الحرب الضروس حاسرا من غير احتشام، فهو وإن كان ملوما في عنفه وتهالكه، فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته، ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر في سلاحه، أي تغطى، أو أعصم بلجام جواده لكان أقرب إلى النجاة وأبعد عن الملحاة، لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله، إدلالا بقوة طبعه ودلالة على شهامه نفسه».

ويقول القاضي الجرجاني في كتاب الوساطة للفصحاء: «وللفصحاء المدلين في أشعارهم ما لم يسمع من غيرهم». أما ابن عصفور النحوي فله كلام صريح جداً في كتابه ضرائر الشعر لابن عصفور، يقول -وهذا كلام خطير وصريح-: يصرح بأن الشعر لما كان كلاما موزونا اجازت العرب فيه ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه. يقول: «الشعر لما كان كلاما موزونا اجازت العرب فيه ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه»، إذاً نفى فكرة الضرورة على المعنى المفهوم. ما رايكم؟ صريح هذا أم غيره صريح؟

يقول: «اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه، لأنه موضع الفت فيه الضرائر». دليل ذلك قوله: كم بجود مقرف نال العلا، وكريم بخله قد وضعه. في رواية من خفض مقرفاً: ألا ترى أنه فصل بين كم وما أضيفت إليه بالمجرور؟ والفصل بينهما من قبيل ما يختص بجوازه الشعر. الفصل بين كم وما أضيف إليه مما يختص به الشعر، قال: «والفصل بينهما من قبيل ما يختص بجوازه الشعر مع أنه لم يضطر إليه»، إذ يزول عن الفصل بينهما برفع مقرف أو نصبه.

ويصرح ابن عصفور كذلك بعباره شديدة القطع والشرح، يقول ابن عصفور: «الشعر نفسه ضرورة وإن كان يمكن الخلاص بعباره أخرى». أي الشعر في ذاته وأنت فيه بجماله ضرورة بما يتطلبه من الخصائص التأثيرية والإنهاضية والتخييلية، هو ضرورة وإن كان يمكن الخلاص من الضرورة بعبارة أخرى لا هي اختيارية في الشعر، وهذا كلام صريح قاطع كما قلت.

والشاطبي كذلك له كلام ملخص من شرحه على الألفية: أن الضرورة عند النحاة -هذا الكلام منقول بتصرف الدكتور عبد الحكيم راضي- ليس معناها أنه لا يمكن في الموضع غير ما ذكر، إذ ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره. هو أنت فاكر الشاعر الضرر؟ يقول لك الشاعر الضر، فغير الناس تفهم الشعرية بهذا المعنى، مين اللي اضطر؟ امرؤ القيس اضطر في الوزن؟ النابغة اضطر في الوزن؟ الذي يفهم هذا ممسوح العقل اللغوي والفهم، الذي يفهم أن هؤلاء اضطروا، العلماء أنفسهم صرحوا أنهم لا يضطرون، ده أنت لو بتغني يا عيني يا ليل وتزنقت في الوزن هتجيب كلمة لن تخل بالوزن! هذا فهم الأطفال. إذ ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره. وانما معنى الضرورة -الشاطبي يقول-: «وإنما معنى الضرورة أن الشاعر قد لا يخطر بباله إلا لفظة ما تضمنته ضرورة النطق به في ذلك الموضع إلى زيادة أو نقص أو غير ذلك، بحيث قد ينتبه غيره إلى أن يحتال في شيء يزيل تلك الضرورة، ثم أقول إنه قد يكون للمعنى عبارتان أو أكثر، واحدة يلزم فيها ضرورة إلا أنها مطابقه لمقتضى الحال» -يعني البلاغة، تحقق البلاغة- «ولا شك أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة، إن عنايتهم بالمعاني أشد من عنايتهم بالألفاظ». هذا كلام الشاطبي. «وإذا ظهر لنا في موضع أن ما لا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمن أين يعلم أنه مطابق لمقتضى الحال؟».

تعالوا إلى أبي حيان الأندلسي النحوي، قال أبو حيان -وهو طبعا يرد على ابن مالك-: لم يفهم ابن مالك معنى قول النحويين في ضرورة الشعر، فقال في غير موضع: ليس هذا البيت بضرورة لأن قائله متمكن من أن يقول كذا. يقول أبو حيان: فعلى زعمه لا توجد ضرورة أصلاً، لأنه ما من ضرورة إلا ويمكن إزالتها ونظر تركيب آخر غير ذلك الترتيب. يقول أبو حيان: «وإنما يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصة به، ولا يقع في كلامهم النثر، وإنما يستعملون ذلك في الشعر خاصة دون الكلام، ولا يعني النحويون بالضرورة أنه لا مندوحة عن النطق بهذا اللفظ، وإنما يعنون ما ذكرناه، وإلا كان لا يوجد ضرورة، لأنه ما من لفظ إلا ويمكن الشاعر أن يغيره».

إلا و«الممكن الشاعر أن يغيره». فأقول بعد هذه النقول: فعلى اختلافهم، أقول: على اختلافهم، على اختلافهم في التصور والتعليل والتعبير كما نرى الفرق بين كلام ابن جني وكلام غيره، نجد هنا اتفاقهم على أن الضرورة لا تعني العجز في كل الأحوال. على أن الضرورة على كل حال لا تعني العجز؛ بل تعني أنهم أتوا بذلك لأجل الشعر، وضرورة كونهم في شعر.

والشعر بين أن يسمح بهذا وأن يطلبه، ولا يتسع المقام لأكثر من هذا البيان؛ لأن هذه المقدمة إنما هي مقدمة، وأما دراسة ذلك فبابها واسع. والذي أنصح به في هذا المقام كتاب ثمين في هذا الباب، وهو كتاب الدكتور محمد حمادة. أنا أهبط أحياناً أخرج الكتابة يعني بصعوبة لأني أجلس، هذا الكتاب يا إخوة: كتاب الضرورة أو كتاب لغة الشعر دراسة في الضرورة الشعرية للدكتور محمد حمادة عبد اللطيف رحمه الله، العالم المصري الدرعمي الكبير. كتاب دار في مثل هذا، هو أصل لهذه المسألة، وجمع كلام العلماء فيها وحررها. كتاب لغة الشعر دراسة في الضرورة الشعرية، كتاب كبير، نعم، هو رسالة الدكتوراه له تقريباً.

قال: «وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن الطبع واللسان؛ فما لم يتغير الطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمر أي الطبع واللسان بل استمروا فيه واستسهلاه بلا ملال ولا كلال، فذاك يوشك أن يكون القصيدة منه كالبيت والبيت كالكلمة تسالما لأجزائه وتقارنا».

وأن لا يكون كما قيل فيه: وشعر كبعر الكبش فرق بينه لسان داعي في القريض دخيلي وكما قال خلف: وبعض قريد الشعر أولاد علة يكد لسان الناطق المتحفظ. وككما قال رؤبة لابنه عقبة وقد عرض عليه شيئاً مما قاله فقال: قد قلت لو كان له قران.

وإنما قلنا على تخير من لذيذ الوزن؛ لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظومه. ولذلك قال حسان: تغن في كل شعر أنت قائله، إن الغناء لهذا الشعر مضمار.

قال: «وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن الطبع واللسان». وهذا كلام ظاهر صحيح، فالطبع واللسان هما الحاكمان؛ لأنها أمور حسية. الالتحام والالتئام واختار الوزن هذه أمور حسية، فمرجعها إلى الطبع واللسان.

ولذلك أقول هنا لحق العلم واحتياطاً: قد يحسن عدم وضع قواعد أو ضوابط معينة التحديد أو شديدة التحديد لضابط التلاؤم، كقولهم: ما توالت فيه حروف الحلق ثقل، ويذكرون في هذا قول أبي تمام: كريم متى أمدحه أمدحه والورى معي كريم متى أمدحه أمدحه مع أن ذلك واقع في القرآن؛ أي تجاور حروف الحلق: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: 40]، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 49]، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ [الإنسان: 26]. وأشد من ذلك، قيل: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: 48]. هذا أصعب مما عند أبي تمام على الحلق أو على النطق أو على الناطق، أصعب على الناطق مما عند أبي تمام.

وهذه أمور ظاهرة بالحس وإنكارها لا يجدي؛ وإنما الذي يجدي هو أن ننظر في عيارها. فالذي أثبته هنا احتياطاً للقرآن وللعلم أن يكون مرجع ذلك كما نص إلى الطبع، لأننا إذا أثبتنا الطبع وجعلناه واللسان وجعلناهما المعيار كما في عمود الشعر هنا، سيظهر لنا أو ظهر لنا شأن آخر، وهو أثر الدربة. فكثير مما يثقل على ألسنة المعاصرين لا يثقل على ألسنة القدماء، ويسهل عليهم تخليصه.

وهذا ظاهر في تجويد كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وخلوه من أي عيب، ففيه عسر محسوس على ألسنة المعاصرين، فيه عسر يشهد به الحس والمشاهده على ألسنة المعاصرين. ولذلك قال ابن الجزري في المقدمة: وليس بينه وبين تركه إلا رياضة امرئ بفكه. إذاً يحتاج إلى الرياضة، حتى كان الشيخ أيمن رشدي سويد يحكي في ذلك قول لذلك متعلم التجويد سيشعر أن فكه يؤلمه في الأول من التدريبات.

فإذا كان هذا حاصلاً في القرآن، فهو حاصل في أشعار القدماء كذلك بلا فرق من هذا الباب. وإذا كان لنا أن ننظر إلى كلامهم؛ أي كلام القدماء وما قد يقع فيه من ثقل، فالأولى أن ننظر إلى ضعف أهل عصرنا وأنهم يستثقلون ما ليس بثقيل، حتى إن القرآن الذي هو مقطوع بخلوه من كل عيب هو على ألسنتهم وفي حقهم ثقيل.

وحسبك تخليص الصفات في قوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29]. فتأمل فقط فاستغلظ، وكيف وقعت الصفة الضعيفة في اللام بين الصفة القوية في الغين والظاء، بين الصفتين القويتين في الغين والظاء، حتى إن من أكثر اللحن الذي يقع على ألسنة المعاصرين أن يفخموا اللام. وأهل عصرنا يكثرون تفخيم اللام في الصلاة، قطع النظر فيها لغة أو لا، لكنهم لا ينوونها لغة، وإنما يعلمون أنها بتخفيف اللام، ومع ذلك يكونون الصلاة بسبب غلبة قوة الصفة التي في الصاد على الصفة التي في اللام. فكيف إذا وقعت الصفة الضعيفة بين صفتين قويتين: فاستغلظ؟ نعم، فاستغلظ، هكذا فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع (ليس الزراع ذرا، لا، يعجب الزراع) ليغيظ بهم الكفار.

فهذا كله يحتاج إلى تدريب، وما زال المصريون يقولون الرشد، ويريقون شديداً في مجالس ترتيل القرآن لتخليص الشين من هذا اللحن. فهذا شيء ينبغي أن ننظر إليه، فأنبه إذاً إلى ضرورة اعتماد الطبع واللسان، وعدم وضع أوصاف حاده قاطعة في ذلك، وأن ننظر تفريعا على ذلك إلى أن أهل العصور المتاخره لنت ألسنتهم شديداً فربما ضعفت حتى عن تخليص الفصيح.

قال: «فما لم يتعثر الطبع بابنيته وعقوده»؛ يعني إذا جاء وهو ينطق إلى أبنية الكلام وإلى الانتقال من الكلمة إلى الكلمة، وفي إسناد الكلمة إلى الكلمة، كان طبعه ينتقل سلساً دون أن يشعر بتنافر؛ لأن هذا التنافر هو أساس تنافر اللسان، أو مما يقوي تنافر اللسان ألا يكون بين اللفظتين إسناد معهود فيشعر القارئ أو السامع أو الذي ينشد هذا الشعر أو هذا النص يشعر بأن الكلمة تتبرا من الكلمة.

«ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله»؛ يعني اللسان وهو ينطق بالكلمة وينتقل من الحرف إلى الحرف أو من الكلمة إلى الكلمة، لا ينحبس من الثقل، كما رأيتم في قبر حرب في الانتقال من كلمة إلى كلمة أو من هرعع، هناك حبس وثقل على اللسان.

فما لم يتعثر الطبع بابنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمر فيه واستسهلاه؛ يعني استمر الطبع في الانتقال من الكلمة إلى الكلمة في الأبنية والعقود واستسهلا النطق بلا ملال ولا كلال، لم يقع بذلك ملل ولا إرهاق، فذاك يوشك أن يكون القصيدة منه كالبيت؛ أي أن القصيدة سهلة على اللسان فكأنك أنشأت بيتاً، والبيت كالكلمة تسالما لأجزائه وتقارنا؛ أي بالسلامة أو التسليم بين الألفاظ وباقترانها ببعضها. فالطبع لا يرفض ذلك حينما يدخل الطبع من ال في بناء الكلمه وفي ارتباطها بغيرها وانعقادها بغيرها لا يرفض ذلك، واللسان لا يتعثر، فهذا هو الذي تحقق فيه هذا الباب.

قال: «وأن لا يكون كما قيل فيه: وشعر كبعر الكبش فرق بينه لسان داعي في القريض دخيلي». وهذا المعنى عام يا إخوة، هذا المعنى معنى عام، الشعر الذي يكون كبعر الكبش عام في الألفاظ وفي المعاني، بل هو في معاني الألفاظ أظهر. وككما قال خلف: وبعض قريد الشعر أولاد عله يكد لسان الناطق المتحفظ. أولاد عله؛ يعني أبناء رجل واحد من أمهات مختلفة، فبينهم شحناء، وهذا البيت صريح في أنه في نطق اللسان.

ثم يقول: وكما قال رؤبة لابنه عقبة وقد عرض عليه شيئاً مما قاله فقال: قد قلت لو كان له قران. الحقيقة أن هذا البيت ليس في قضية الألفاظ بالاصالة، وإنما في قضية المعاني، وهو موجود في نصه موجود في البيان والتبيين، أو لو شئت قلت البيان والتبيين. يقول الجاحظ هذا يا إخوة، المجلد الأول صفحة 205 و206: تقول عبيد الله بن سالم لرؤبة، وقال عبيد الله بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحاف إذا شئت! قال: وكيف ذاك؟ قال: رأيت اليوم عقبة بن رؤبة ينشد شعراً له أعجبني. قال: فقال رؤبة: نعم، أنه ليقول، ولكن ليس لشعره قران.

وقال الشاعر: مهاذبة مناجبه قران منادبه كأنهم الأسود. يريد بقوله قوله قران: التشابه والمواقفة. يقول وقال الشاعر: مهاذبة مناجبه قران منادبه كأنهم الأسود. يريد بقوله قران: التشابه والمواقفة أو الموافقة، التشابه والموافقة.

وقال عمر بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك! قال: وبما ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وانت تقول البيت وابن عمه. فظاهر هنا أن القران في غير ما استشهد به المرزوقي رحمه الله وسياقه الأصلي إنما هو في المعاني، وهذا ظاهر جداً في كلام الجاحظ رحمه الله.

قال: «وإنما قلنا على تخير من لذيذ الوزن، لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظومه، ولذلك قال حسان: تغن في كل شعر أنت قائله، إن الغناء لهذا الشعر مضمار». وهذا كلام شارح نفسه، وشكرا لكم وجزاكم الله خيراً، ونلتقي غداً إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.