الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا الدرس الأول من شرح كتاب «ملح الناد في نظم الزاد». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. تعلمون أن العلم هناك ممكن أن يبدأ الإنسان بمقدمة في الترغيب في العلم، وهذا يطول، ولكننا نريد أن نشرع في شرح الكتاب. فقط نذكر بمسألتين: الأولى إخلاص النية؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما تعلمون: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». والأمر الثاني: طرف من فضيلة العلم وخصوصًا الفقه؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما تعلمون في الصحيحين: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».
هنا يقول الناظم عفا الله عنه: حامدًا أبو محمد صلاة ربي وسلام سرمدي على النبي أفضل الأنام وآله وصحبه الكرام وبعد فالعلم أجل مقصدي لا سيما فقه الإمام أحمد فهو من الأئمة الكبار وأعلم الجميع بالأثار وحاز في الفقه وفي العبادة والحفظ والزهد ذروة السيادة وقام بالإسلام حين أحجم كل عن الحق فلم يفتح فما فكان قدوة لكل قدوة وشيخ الإسلام بغير مريتي وطالما سئلت من ذوي الحجى نظمًا لزاد جاء عن أبي النجا لأنه في فقه ذا الإمام خص من الناس بالاهتمام لذا استعنت الله أن يسهل نظمًا من النثر يكون أسهلا سماهم ملح الناد للمستمع في نظم نثر الزاد للمستقل فعن بحفظه ولا تبالي يا طالبًا للعلم والمعالي
يقول حامدًا أبو محمد: الذي هو الناظم سعيد بن محمد بن حمد بن مسفر المري البديوي. يقول: صلاة ربي وسلام سرمدي؛ سرمدي يعني أبدي، على النبي أفضل الأنام؛ على النبي محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي، صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الخليقة على الإطلاق بإجماع المسلمين. قال: على النبي أفضل الأنام وآله وصحبه الكرام؛ رضوان الله تعالى عليهم. قال: وبعد، فالعلم أجل مقصدي؛ العلم بشكل عام هو أجل المقاصد التي يقصدها المؤمن، ومن أشرف أنواع العلوم علم الفقه، لا سيما فقه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، وهو الإمام أحمد بن حنبل الشيباني. قال: فهو من الأئمة الكبار؛ يعني من الأئمة الأربعة المتبوعين الكبار، وهم أجل الأئمة على الإطلاق.
وقال: وهو أعلم الجميع بالآثار؛ يعني أعلم جميع أئمة الفقه الكبار بالآثار، وهذا بشهادة الكبار. هذه المسألة في العادة الإنسان لما يمدح ممدوحًا من الناس يأتي بصيغ المبالغة في المدح، فهنا فهو أعلم الجميع بالآثار قد يكون فيها شيء من المبالغة، وإن كانت إذا تمعنا رأيناها صائبة؛ لأن الأئمة الكبار يشهدون له بذلك، منهم الشافعي رحمه الله عليه. الشافعي من أكبر أئمة الفقه، بل والحديث، فهو إمام في الحديث وإمام في الفقه، ومع ذلك هو إمام في الحديث بالنسبة لزمنه، وبنسبة لزماننا نحن الآن قد يكون عندنا من المحدثين الكبار الذين نجعلهم في مصاف النقاد وهم في الحقيقة بالنسبة للشافعي كالطب. والشافعي يقول للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الحديث فأخبرنا حتى نرجع إليه، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح فعلمني حتى أذهب إليه كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا، هذا كلام من كلام الشافعي رحمه الله عليه.
وأبو عبيد القاسم بن سلام، إمام اللغة والحديث والفقه، يقول: إني لأتدين بذكر أحمد، ما رأيت رجلًا أعلم بالسنة منه. وهكذا يقول أبو عاصم النبيل، تعرفون أبو عاصم النبيل شيخ للإمام أحمد وهو شيخ للبخاري أيضًا، الضحاك بن مخلد، يقول: ممن تعدون ممن طلبته يومًا؟ فقالوا: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبا خيثمة، وعدوا أناسًا. قال: فمن تعدون بالبصرة؟ قالوا: علي بن المديني وابن الشاذكوني وأمثالهم. قال: فمن تعدون بالكوفة؟ قالوا: ابن أبي شيبة وابن نمير وغيرهما. فقال أبو عاصم النبيل، وهو شيخ الإمام أحمد، وتنفس: ما أحد من هؤلاء إلا وقد جاءنا ورأيناه، فما رأيت في القوم مثل ذلك الفتى أحمد بن حنبل. وإبراهيم الحربي أيضًا من أهل الحديث الكبار ومن أهل العلل، يقول: كان الله قد جمع له -يعني للإمام أحمد- علم الأولين من كل صنف، يقول ما يرى ويمسك ما شاء. وابن حزم ادعى لمحمد بن نصر المروزي أنه أعلم الناس بآثار الصحابة، فعلق الذهبي عليه قال: ولو ادعى أحد ذلك لأحمد بن حنبل ونظرائه لأمكن ذلك، أو يمكن الدعاء لمثل ذلك لأحمد بن حنبل ونظرائه. هذا الشاهد من قولي وأعلم الجميع بالآثار.
قال: وحاز في الفقه وفي العبادة والحفظ والزهد ذروة السيادة؛ حاز الإمام أحمد في هذه الأشياء المذكورة أعلى المراتب، ولو أن كل واحدة منها تكلم الإنسان عنها لأكتب في ذلك أوراقًا أو أجزاء. ويكفي أن نسوق بعض كلام الأئمة الكبار في مثل هذه الأمور التي اجتمعت لأحمد؛ يقول الشافعي رحمه الله عليه: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة؛ يعني في الاعتقاد في الأصول. وقال ابن وارة، محمد بن مسلم بن وارة وهو نظير للإمام أحمد: كان أحمد صاحب فقه وصاحب حفظ وصاحب معرفة. صاحب فقه للاستنباط، يعني استنباط الأحكام، وصاحب حفظ يعني في الحديث، وصاحب معرفة يعني في النقد؛ نقد الأحاديث في العلل. وقال النسائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد والصدق. ولذلك قال الذهبي رحمه الله عليه: وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علمًا وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأسًا في الزهد والورع والعبادة والصدق. هذه هناك جمل من كلام الأئمة عن الإمام أحمد في هذه الخصال التي ذكرتها في النظم.
ثم قال: وقام بالإسلام حين أحجم كل عن الحق فلم يفتح فما. وهنا كلمة كل أيضًا من باب المبالغة، ويجوز أن يتخلف عن كلمة كل بعض الأفراد القليلة، لكنه يقصد هنا الناظم عفا الله عنه كل من يشار إليه بالبنان يعني من الكبار أمثاله. فهو قام بالإسلام وقت المحنة حين أحجم نظراؤه من أهل العلم ولم يستطيعوا أن يصمدوا حيال هذه الفتنة العظيمة. ولذلك قال علي بن المديني رحمه الله عليه وهو من الناس الذين لم يصمدوا، وهو نظير لأحمد في النقد، بل إن البخاري كان يقول عنه: ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرت عند علي بن المديني وهو شيخه. لكن علي بن المديني يقول: أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل في يوم المحنة. وهكذا قال إسحاق بن راهويه وهو نظير أحمد بن حنبل في الفقه والحديث والعلم: لولا أحمد بن حنبل وبذل نفسه لما بذلها لذهب الإسلام. ويحيى بن معين أيضًا من نظرائه الذين لم يصمدوا في المحنة قال: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله ما نقوى على ما يقوى عليه، ولا على طريقة أحمد؛ لا نقوى على ما يقوى عليه أحمد بن حنبل ولا نقوى على طريقته في التقشف والزهد والورع.
وعلي بن خشرم يقول: سمعت بشر بن الحارث، وهو أكبر سنًا من أحمد بن حنبل أو من نظرائه على أقل تقدير، وسئل عن أحمد بن حنبل بعد المحنة فقال: أنا أسأل عن أحمد بن حنبل؟ أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر، إن ابن حنبل أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر. وقال السمسار علي بن شعيب: عندنا المثل الكائن في بني إسرائيل من أن أحدهم كان يوضع المنشار على مفرق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه، ولولا أن أحمد قام بهذا الشأن لكان عارًا علينا أن قومًا سبكوا فلم يخرج منهم أحد. لذلك هذا ينطبق على كلمة لما قال لم يخرج منهم أحد وأنا قلت كل.
وقام بالإسلام حين أحجم كل عن الحق فلم يفتح فما. لكن هناك من قام في هذه المحنة خير قيام، ولكنهم قليلون وأيضًا غير معروفين. هنا قال: وقام بالإسلام حين أحجم، أحجم، الألف هنا في أحجم ألف يسمونها ألف الإطلاق أو ألف الترنم، هذه الألف هي متولدة من إشباع حركة الفتح، ويسمونها ألف الترنم أو ألف الإلحاق، والإلحاق يكون بثلاثة أحرف: بالالف والواو والياء. ولذلك يسمون التنوين الذي يلحق هذه القوافي المطلقة التي فيها الألف، تحذف الألف منها ويدرج بدله التنوين؛ يسمونه تنوين الترنم، أو في الأصح من أهل العلم أن يقول: تنوين ترك الترنم، ويستشهدون على ذلك بأشياء منها: أقل اللوم عاذل والعتابا، وقولي إن أصبت لقد أصابني. أصلها أقل اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابني، فلما وضع بدل الألف التنوين قالوا تنوين الترنم أو ترك الترنم.
قال: فكان قدوة لكل قدوة، وشيخ الإسلام بغير مريتي. كان الإمام أحمد بسبب ذلك قدوة لكل قدوة من العلماء، يعني ليس قدوة للناس فقط بل لمن يقتدى بهم. ولذلك نجد كبار العلماء والنقاد وهناك فقهاء كبار يقولون: علي بن المديني وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة وجماعة من الكبار، يقولون: جعلنا أحمد بن حنبل بيننا وبين الله حجة؛ يعني هذه كلمة كبيرة جدًا، يقول: نكتفي بهذه حجة بيننا. ولذلك يقول ابن أبي شيبة: إذا قال أحمد لكم قولًا فلا تقولوا من أين، فإنه لا يقول إلا بسنة. يعني حتى اختباءه لما اختبأ عند أحد تلامذته، اختبأ ثلاثة أيام ثم قال: حولني، قال: نخشى عليك وكذا، قال: حولني. فلما حوله إلى بيت آخر وسأله لماذا أمرت؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم اختبأ في الغار ثلاثة أيام ثم تحول؛ يعني إلى أي درجة كان يتبع السنة في كل صغيرة وكبيرة رضي الله تعالى عنه. فكان قدوة لكل قدوة، وشيخ الإسلام بغير مريتي، بحيث أصبح هذا الإمام علمًا على الاعتقاد الصحيح وعلمًا على التمسك بالسنة، ولذلك أصبح الناس يقولون هذا حنبلي، يقصدون به الاعتقاد أنه صحيح الاعتقاد؛ يعني لشدة تمسك هذا الإمام بالاعتقاد الصحيح ولكونه صار علمًا على ذلك. ولذلك يقول الهروي رحمه الله أبو إسماعيل الهروي: أنا حنبلي ما حييت، وإن مت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا؛ ويقصد في سلامة المعتقد. وكلام الأئمة في الإمام أحمد كثير جدًا، وقد ترجموا له أناس من الكبار، ابن عساكر وابن الجوزي وأبو يعلى الحنبلي، والذهبي في السير، على الذهبي ترجمة له في 70 صفحة، وهي أكثر ترجمة في سير أعلام النبلاء.
قال: وطالما سئلت من ذوي الحجى، نظمًا لزاد جاء عن أبي النجا، لأنه في فقه ذا الإمام خص من الناس بالاهتمام. وطالما سئلت من ذوي الحجى؛ يعني من قبل بعض ذوي الحجى، وأقصد بهما رجلين من أصحابنا وهما: أبو مصعب يوسف بن يوسف اليطي وهو مدير إذاعة القرآن حاليًا، وكذلك أبو عبد الله محمد بن محمود المحمود، مدير إدارة الدعوة في وزارة الأوقاف هذه الأيام. كانوا طلبوا مني ذلك قبل فترة في سفر كنت أشاكس وأقول: أنتم فقهاء والحديث هو المعتمد، وقالوا: يا شيخ، أنت الله أعطاك النظم فلو نظمت لنا زاد المستقنع وتركتنا من هذه الطرحات التي تتكلم بها، فوقع في نفس لكان خيرًا لك، ولكان شيئًا يعود عليك بالنفع ويبقى بعد ذهابك. فوقعت كلمتهم مني موقعًا وبدأت بهذا النظم.
قال: نظمًا لزاد، نظمًا النظم كما هو معلوم الشعر أو الكلام المنظوم وخلافه الكلام المنثور، وسياتي ربما تفصيل له بعد قليل. ذوي الحجى؛ ذوي العقول. قال: نظمًا لزاد، زاد المقصود به زاد المستقنع في اختصار المقنع، وقد قال جاء عن أبي النجا، أبو النجا هو الحجاوي موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي بفتح الحاء، نسبة إلى حجة من قرى نابلس، وقد توفي سنة 968 وهو صاحب الكتاب المشهور من أوسع كتب الحنابلة، وهو الإقناع، وقد شرحه البهوتي في كتابه كشاف القناع في شرح الإقناع. قال هنا: لأنه في فقه ذا الإمام؛ يعني في فقه الإمام أحمد، خص من الناس بالاهتمام؛ ولا سيما من أهل الجزيرة، اعتنى به أهل الجزيرة في خصوصًا في الأوقات المتأخرة عناية بالغة. وقالوا فيه من المسائل الشيء الكثير، حتى منهم من قال فيه 6000 أو 6000 مسألة، ومنهم من قال 3000، لكن 3000 فيها مبالغة نوعًا ما. طبعًا 6000 مسألة من جهة المفهوم والإشارة والإيماء، حتى أنهم قالوا: ذكروا بيتًا: متن زاد وبلوغ كافيان في نبوغ. متن زاد الذي هو زاد المستقنع، وبلوغ الذي هو بلوغ المرام. متن زاد وبلوغ كافيان في نبوغ، هذا اشتهر عند أهل الجزيرة.
قال: إذ استعنت الله أن يسهل نظمًا من النثر يكون أسهلا. لما تقدم من أهمية الكتاب وسؤال الشيخين، استعنت الله أن يسهل لي نظمًا؛ يعني أن أعمل نظمًا أو شعرًا منظومًا أو كلامًا منظومًا. طبعًا أصل النظم هو التأليف والجمع، ومنه نظم الخرز في الخيط، ولذلك سمي النظم الذي هو الشعر نظمًا؛ لأنه جاء على طريقة جمع فيه الكلام، وجاء على طريقة واحدة بقافية واحدة، فسمي نظمًا من أجل هذا، وأما الشعر فالذي ليس يعني...
الكلام الذي ليس مربوطًا بقافية سُمي نثراً، من نثر الشيء؛ يقولون مثلاً: هذا نثر الدر، أي ألقاها وتفرقت، فهو شيء متفرق. أصل النثر هو إلقاء الشيء وتفرقه. وطبعاً من أهل العلم من جمع كلمة النثر والنظم في بيت واحد جميل أحببت أن أذكره لكم، وهو أبو هلال العسكري يقول يمدح شخصاً: كأنك في خد الزمان تورد، وفي فمه ضحك وفي وجهه بشر. فمن يك محموداً بنظم يصوغه، فإنك محمود بك النظم والنثر.
قال: نظماً من النثر يكون أسهل في الحفظ وأعلق في الذهن، وهذا معروف. ولذلك أهل العلم يقولون: الشعر أسهل حفظاً من النثر. ويقولون: بقي من الشعر تسعة أعشاره وذهب عشره، وبقي من النثر عشره وذهب تسعة أعشاره. ولذلك يقول أهل الأنظمة، والبدوي الموريتاني في المغازي لعلها بالنظم هلهلا على من رامها نظماً تكون أسهله. والعمري يقول: نظمته مستوفياً لعلمه، مسهلاً لحفظه وفهمه، فالنظم فيه تسهيل.
قال: سماه «ملح الناد، للمستمتع في نظم نثر الزاد» للمستقل. سماه بضم السين والقصر، هذه لغة في الاسم، ولغات الاسم المشهورة خمس لغات ذكرها أهل المعاجم: اسم بكسر السين، واسم بضمها، وسم بكسر السين مع نقص الهمزة، وسم بضمها، وسما بالقصر مع ضم السين. هذه أشهر اللغات وعليها شواهد. وهناك من زاد هذه اللغات وأبلغها إلى ابن عقيل في شرح ابن مالك زاد في «سما» فصارت ستة، والفيروزبادي زاد فيهما التثليث في «سمن» و«سما» فصارت ثمانية، والأشموني في شرحه جعلها عشرة، وجاء بها في بيتين.
فاذكر -طبعاً- هذا الكلام كله عند قول ابن مالك: «ومعرب الأسماء ما قد سلما، من شبه الحرف كأرض وسما». فهم يذكرون في «سما» لغات الاسم؛ لأن «سما» هنا في كلمة ابن مالك المقصود بها الاسم. يقول الأشموني: لغات الاسم قد حواها الحصر في بيت شعر، وهو هذا الشعر: اسم وحذف همزه والقصر، مثلثات معصومات عشر. هذه عشر. الصبان أوصلها إلى ثماني عشرة لغة: اسم، وسم، وسما بالقصر، وسمة، وسماء، وسمات، وقال كلها مثلثات، هذه ستة في ثلاثة بثماني عشرة. لكن الأشهر من هذه اللغات هي الخمس الأولى وهي: اسم، واسم، وسم، وسم، وسما. ولذلك ابن جني؛ هذه الخمس اللغات عليها شواهد، أما بقية الزيادات فلا شاهد عليها مع التتبع.
هذه الخمس عليها شواهد، منها «سما». من الناس من احتج على «سما» بالكسر لما قاله ابن عقيل بقول الشاعر: «والله أسماك سماً مباركة، أثرك الله بآثارك». قالوا: سماً ورد سما وسماً، فهنا يدل على أن هناك فيه لغتان. لكن رد عليهم ابن هشام وقال: هذا يجوز أن يكون من المنقوص من «سمن» وهو منصوب، والألف ألف نصب وليست ألف قصر، وبالتالي لا حجة فيه. وإنما الوارد «سماك»، ما سماك؟ قال: سمعوا العرب يقولون ما سماك؟ أنا ما أريد أطيل في هذا الشأن، لكن هذه من باب الفائدة. واللهم صلِ على سيدنا محمد.
وابن جني قال إن «سما» لا توجد، نص على ذلك. لما جاء بالشواهد على «سما» جاء بأبيات منصوبة فقال: هذا إما أن يكون إذا كان بالضم، إما أن يكون من لغة النقص أو لغة القصر. وما روي بالكسر فليس له إلا وجهاً واحداً وهو لغة النقص، لا القصر، قال: لأن العرب لم تسمع كذا وكذا، واستدل بأنه لا يوجد على هذا الوزن على رضاه. والله تعالى أعلم، لكن المسألة تحتاج إلى مزيد تعقب ومزيد بحث.
قال: ما هو ملح الناد؟ الملح بكسر الميم وهو المعروف. والناد بحذف الياء، ياء الاسم المنقوص، وحذف ياء الاسم المنقوص مشهور، جاء في القرآن كثيراً في قراءة حفص وغير حفص، مثلاً عندنا: ﴿وَالْعَاكِفِ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ أصلها والبادى. وكذلك ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾، وقول الله تبارك وتعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾. ﴿بِالْوَادِ﴾ كالجواب، وهناك كثير مما ورد فيه الألف واللام من المنقوص مع حذف الياء، وإن كان إثباتها هو الأكثر والأشهر. وقلت أنا في نظم لي على قطر الندى: ويا قاضٍ احذف وأثبت فيه أل، والعكس فيه ما أتى، والياء فيهما لنصب ألفا. لكن ذا التنوين يعطى ألفا؛ يعني المنون إذا كان منصوباً يعطى ألفاً عند الوقف.
والعجيب أن كلمة «النادي» -أنا لماذا أكثرت من الكلام في كلمة النادي مع أنها واضحة أنها من النادي بالياء ياء المنقوص- لأنه بلغني أن من الناس من انتقد هذه الكلمة وقال: كيف هذه من الناد يعني الشارد أو من النادي وحذف الياء ولا يجوز حذفها؟ فأردت أن أبين، وإن كان هذا أمراً واضحاً وجلياً، ومن قرأ النحو، من قرأ ألفية ابن مالك أو غيرها من كتب النحو، يتبين له أن المنقوص إذا كان محلى بأل يجوز فيه حذف الياء، بل ورد في الحديث كلمة «الناد» محذوفة الياء في الصحيحين. تعلمون حديث أم زرع التي تذكره عائشة، قالت: التاسعة زوجي رفيع العماد، كثير الرماد، قريب البيت من الناد، قريب البيت من الناد. معناه أن الناد هو مجلس القوم، سُمي الناد مجلس القوم لأنهم يندون إليه، يذهبون إليه للتشاور، ومنه سُميت الندوة، دار الندوة بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا يجتمعون التي بناها قصي بن كلاب، يجتمعون فيها للتشاور، فهو قريب البيت من النادي. والله سبحانه وتعالى ذكر النادي في القرآن: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ يعني أهل ناديه. ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرُ﴾ والنادي هنا المقصود به اسم الجنس يعني في مجالسكم. وهكذا ملح الناد، المقصود به اسم الجنس، يعني ملح للمجالس كما أن الطعام ملح، كما أن الملح ملح للطعام.
فهو قال أو قالت: قريب البيت من الناد. يقول العلماء: قريب البيت من الناد معناه أن هذا الرجل كريم في غاية الكرم، بحيث إنه لا يبعد عن النادي الذي هو مجلس القوم الذي يقصده الضيف؛ لأنه يريد أن أهل النادي يأتون إليه، سواء الضيفان أو من يجلس في النادي، لما يأخذون منه ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب والإيدام وغير ذلك، فلا يقرب بيته من النادي إلا من كان كريماً. طبعاً كلمة ملح الناد أيضاً فيها استعارة تصريحية، والاستعارة التصريحية كما هو معلوم هي تشبيه لكنه قد حُذف منه أركان التشبيه إلا ركناً واحداً، وهو المشبه به الذي هو المستعار منه. فالتشبيه عندنا أركانه أربعة أركان: مشبه، ومشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه. الاستعارة استعارة تصريحية ومكنية، التصريحية لم يبقَ من أركان التشبيه فيها إلا المشبه به الذي هو المستعار منه، وهو هنا كلمة الملح. والمكنية هي التي لم يبقَ حتى المشبه به، وإنما بقي شيء من لوازمه. يعني مثلاً قال شخص: رأيت أسداً، أو خطب اليوم أسد، يعني خطبة مدوية، هذه تسمى استعارة تصريحية، وهي من قبيل المجاز. لكن لو قال: خطب اليوم أبو الأشبال خطبة مدوية، أبو الأشبال، يعني هو من لوازم الأسد أن الأسد يكون له أشبال، فهنا لم يذكر المشبه به بالصيغة الصريحة أو باللفظ الصريح. وهكذا إن ذكر المشبه به باللفظ الصريح فهو استعارة تصريحية، وإن لم يذكر بالتصريح وإنما ذكر شيء من لوازمه فهو استعارة مكنية.
ملح الناد؛ يعني معناه أن هذا الكتاب بالنسبة للنوادي كالملح بالنسبة للطعام، وهذا مستخدم في اللغة العربية، منهم من قال: وإني لأصحاب القبور لغاب بسوداء إذ كانت صدا لا أزورها، سوداء امرأة. وإني لأصحاب القبور لغاب بسوداء إذ كانت صدا، صدا يعني جثة أو جسماً ميتاً، إذ كانت صدا لا أزورها، ثم قال: وإن تك سوداء العشية فارقت، لقد مات ملح الغانيات ونورها. فسماها ملح الغانيات أو ملح الغانيات للمستمع، وهو العالم وطالب العلم، في نظم نثر الزاد، وهو الكتاب المشهور للمقنع به، إن شاء الله عن غيره، وهو إشارة إلى اسم الكتاب، وهو زاد المستقنع في اختصار المقنع. فعن بحفظه وفهم معانيه، فعن بحفظه ولا تبالي يا طالباً للعلم والمعالي، فعن يعني بحفظه وفهم معانيه، ولا تبالي بالعادل عنه لحسد أو تكاسل أو تعالٍ أو عدم قناعة.
يا طالباً للعلم والمعالي، والمعالي جمع معلاة، كم سعاة، والمقصود بها كسب الشرف، المعالي هو ما يكتسب به الشرف.
د. سعيد المري