الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. يقول الناظم: باب الآنية يباح مطلقا إناء طهور لنقضوا لكن صح أن تطهرا. وضبة الفضة يسيرة تباح للحاجة لا الكبيرة. وعند جهل حال ثوب الكافر أو الإناء فإن ذاك طاهر. ولا تطهر جلد ميتة دباغا ولكن اليابس فيه سوغا. من طاهر حيا وغير طاهرين لبن ميتة وما كحافرين. والشعر مثل حيه وما تحل فيه حياة مثل ميت ان فصل.
يباح مطلقا إناء طاهر، أو يباح مطلقا إناء طهورا. مطلقا يعني سواء كان من باب الاتخاذ أو من باب الاستعمال؛ فجميع الآنية الطاهرة إناء طهور، يعني كل إناء طاهر سواء كان ثمينا أو غير ثمين، سواء كان ثمينا كالجواهر والزمرد، أو كان من نحاس أو من شيء آخر ليس بثمين، فهو مباح.
لنقضوا، لكن صح أن تطهرا؛ النقد المقصود به الذهب والفضة، فالإناء من الذهب والفضة لا يجوز استعماله، ولكن قال: لن نقضوا لكن صح أن تطهرا، يعني لو أنه استعمل قدحاً من ذهب أو من فضة في الوضوء أو في الطهارة، هل يصح تطهره؟ نعم يصح، لكنه يحرم عليه ذلك الفعل؛ يعني هناك الجهة منفكة، فالفعل أو استعمال ذلك القدح حرام، وأما التطهر بالماء الذي في القدح فهو صحيح مطهر للحدث.
وضبة الفضة يسيرة تباح للحاجة لا الكبيرة؛ لكن هنا استثناء، هناك ما يمكن أن يستعمل من آنية النقد أو مما فيه النقد بشروط: أن تكون ضبة، وأن تكون من فضة، وأن تكون لحاجة، وأن تكون الحاجة غير كبيرة، حاجة صغيرة؛ إذاً أربع شروط: أن يكون الإناء مضببا، وأن تكون الضبة فضة، وأن تكون يسيرة لا كبيرة، وأن تكون لحاجة.
وعند جهل حال ثوب الكافر أو الإناء فإن ذاك طاهر؛ هذه مسألة أخرى، وهي ثوب الكافر سواء كان هذا الكافر من أهل الكتاب أم من غير أهل الكتاب، ثوبه وإناؤه، أو ثيابهم وآنيتهم طاهرة؛ لأن الأصل فيها الطهارة. لكن هذا عند جهل الحال، أما إذا علمنا أو تيقنا نجاسة ثيابهم أو نجاسة آنيتهم، أو أنهم يستخدمون قد استخدموا فيها شيئاً نجساً، هنا المسألة تختلف، لكن هذا عند عدم العلم بنجاستها.
وهم يستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استقى من مزادة مشركة في سفر، وجدوا مشركة وأخذوا مزادتها، وجاءوا بها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمر الصحابة بأن يتطهروا منها وأن يستقوا، ثم ردها إلى صاحبتها ولم ينقصها شيئاً. وهذا من المعجزات، القربة أخذوها وتطهر منها الجيش وشربوا منها ولم ينقص من القربة شيء. وهم يستدلون بهذا استخدام النبي صلى الله عليه وسلم هذه المزادة المشركة أن هذا دليل على أن ثيابهم وآنيتهم الأصل فيها الطهارة. لكن قد يقول قائل إن هذا معجزة، أن الماء الذي في القربة نفسها لم يستخدم وإنما كان منبعاً أو سبباً لنبع الماء الطاهر أو الطهور الحقيقي.
ولا تطهر جلد ميتة دباغا ولكن اليابس فيه سوغا؛ هذه مسألة أخرى، وهو أن جلد الميتة، والميتة هنا من ماتت حتف أنفها أو كان لا يذكى، مثل ما فوق الهرة من السباع والحيوانات غير المأكولة إذا ماتت فهذه ميتة. وهكذا الحيوان المأكول إذا مات، فإن جلده لا يطهره الدباغ، وهذا مذهب الحنابلة، وأظنه مذهب المالكية إن لم يخنّي الذاكرة، وأما مذهب غيرهما فيطهر ذلك الجلد. ومع ذلك جوز الحنابلة استخدامه في اليابس، وهنا الحديث الذي ذكرته قبل قليل وهو حديث المزادة يشكل على هذه المسألة؛ لأن مزادة المشركة ستكون من قربة، وجلد القربة بالنسبة للمسلمين يعتبر جلد ميتة، اليس كذلك؟ لأن المشركة لا يجوز أكلها، فالصحابة أخذوا من هذه المزادة، وهذا يشكل على مذهب الحنابلة.
المذهب الحنابلي يقولون لا تطهر جلد الميتة، طيب كيف النبي صلى الله عليه وسلم استقى من مزادة المشركة وتطهروا منه وشربوا منه؟ قد يكون هذا من باب الإعجاز كما ذكرت لكم سابقاً، أو هناك جواب آخر وهو أن الحنابلة لهم روايتان، رواية أن الدباغ يطهر جلد الميتة، ثم عدل عن ذلك الإمام أحمد في آخر حياته وقال بحديث عبد الله بن عكيم، وهو في السنن أن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهرين، فكان يقول: هذا آخر الأمرين. فلعله ذاك الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان في البداية، ثم النبي صلى الله عليه وسلم نسخ ما كان سابقاً بحديث عبد الله بن عكيم، وفي هذا كلام أيضاً ومناقشة.
نعم، وهكذا الحنابلي، ولكن اليابس فيه سوغا، يمكن استخدام الشيء المدبوغ من جلد الميتة في اليابسات، في الأشياء اليابسة، يعني يوضع فيه شيء للحفاظ أو نحو ذلك. عبد الله بن عكيم هذا في السنن، قال عبد الله بن عكيم: أتانا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهرين بأن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، فقال: هذا آخر الأمرين، ينسخ حديث ابن عباس: «هل انتفعتم بإهابها». والآخرون يقولون إن حديث عبد الله بن عكيم فيه كلام، وكان يناقشه بعض النقاد الكبار، حتى إن التلميذ نقل عنه في السنن أنه رجع إلى قول الجمهور، أحد أصحاب الإمام أحمد، محمد بن الحسن أظن اسمه، ذكره الترمذي أن الإمام أحمد نوقش في ذلك، وأنه قد روي هذا الحديث حديث عبد الله بن عكيم في رواية أخرى، رواه فلان، وذكر له أنه قال: إن عبد الله بن عكيم قال: إن أشياخاً من جهينة ذكروا لنا، فأصبح كأن فيه جهالة. فكان الإمام أحمد يقول، وهذا تلميذه يروي ذلك عنه الترمذي، أن الإمام أحمد رجع بعد ذلك عن حديث عبد الله بن عكيم، لكن المذهب أو أهل المذهب يؤكدون أن الإمام أحمد ما زال يقول بأن جلد الميتة لا يطهره الدباغ، وشيخ الإسلام يقول إنه رجع عنه ويقرر هذا في كتبه.
من طاهر حيا وغير طاهرين لبن ميتة وما كحافرين؛ إذا كان هذا الجلد من طاهر حيا، يعني حاله كونه حياً، فيدخل في هذا المأكول كالشاة وغير المأكول كالهر وما دونه في الخلقة، أما السباع كالذئب مثلاً والأسد، فهذا لا يدخل ولا يطهره ولا يباح دبغ جلده أصلاً. وقوله وغير طاهرين، يعني ونجس، هذه الواو استئنافية، فليس بطاهر ما جاء بعدها، غير طاهر: لبن الميتة وما كحافرين؛ أي مما كان من أجزاء الميتة كالحافر وما تحله الحياة، والعظم والقرن. إلا الشعر؛ الشعر لا تحله الحياة عندنا، وأما الحافر والعظم فيستدلون على أن فيها الحياة بقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78]، فإذاً الحياة تدخل أو تدب في العظام. فما كان كالحافر مما تدخله الحياة من الميتة يعتبر نجساً، وهكذا اللبن؛ اللبن لماذا اعتبر نجساً؟ لأنه مائع صادف نجاسة وكان قليلاً فتنجس بها، هكذا يقولون.
والشعر مثل حيه وما تحل فيه حياة مثل ميت ان فصل؛ هذه مسألة أخرى، والشعر مثل حي أو مثل حيه، الشعر بسكون العين للوزن، وفيه لغة الشعر بالفتح بفتح العين. والشعر بسكون العين، وهكذا يقول كثير من النحاة أن كل ثلاثي مفتوح الفاء حلقي العين يجوز فيه وجها التحريك والسكون مثل الشعر والنهر والزهر، وهكذا والظعن، يجوز الظعن والطعن والزهر والزهر والشعر والشعر، وكل ما كان ثلاثياً من الأسماء مفتوحة الفاء حلقي العين يجوز فيه الوجهان.
والشعر مثل حيه، يعني حكمه مثل حكم حيه، فالحي إما أن يكون الحي من الحيوان إما أن يكون نجساً حال الحياة وإما أن يكون طاهراً، فالطاهر حال الحياة هو المأكول وما دون الهر في الخلقة، والهر وما دونه في الخلقة، وكذلك المأكول، هذا يعتبر طاهراً عند الحنابلة، فشعره طاهر سواء كان ميتاً أو حياً. وأما النجس من الحيوان وهو ما فوق الهرة من السباع، فهذا شعره يعتبر نجساً سواء كان ميتاً أو حياً.
وما تحل فيه حياة مثل ميت ان فصل؛ هذه مسألة أخرى، إذا انقطع من الحيوان شيء من أعضائه وتحله الحياة، وما تحل فيه حياته مثل الحافر أو القرن أو العظم، فهذا يعتبر مثل ميتة ذلك الحيوان، فإذا مثلاً سقط من مأكول اللحم قرن أو ظفر أو قطع ذيل، فهذا يعتبر حكمه حكم ميتته لو مات، فيعتبر نجساً. وأما إذا كان مما لا يموت أو لا يتنجس بالموت كالإنسان والسمك والجراد وهي ثلاثة أشياء، السمك والجراد والإنسان، الجراد طبعاً يدخل فيه أيضاً ما لا نفس له سائلة، فهذا إذا قطع منه شيء فيعتبر طاهراً؛ لأن ميتته طاهرة. ولذلك قال هنا: وما تحل فيه حياة مثل ميت ان فصل.
د. سعيد المري