السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا بالكرام. أرجو أيها الكرام طمأنتي إلى سلامة البث صوتا، من بعد إذنكم.
يا مرحبا، جيد الحمد لله والصوت مستقر، يبدو مستقراً. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين. وبعد، هذا هو مجلسنا الثامن عشر.
الإضاءة، كيف هي أيها الإخوة؟ أشعر أنها تحتاج إلى زيادة. لحظة، معذرة، أقول هذا أيها الإخوة: هذا هو مجلسنا الثامن عشر من مجالسنا في شرح كتاب "نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة" للدكتور شفيع السيد رحمه الله تعالى وجزاه خيرا.
كنا توقفنا عند المقاييس النقدية عند العقاد، وتوقفنا عند المقاييس النقدية عند العقاد وقال هناك ثلاثة مقاييس. لقد جعل العقاد هذا المقياس -عندما نتكلم عن المقاييس أولاً- مقاييس عامة يقيس بها الشعر. وعجلت قلت لكم هذه المقاييس هي: وحدة القصيدة، والأصالة، وأن الشعر الصحيح لا تضره الترجمة.
تكلمنا عن المقياس الأول في المرة الماضية وقلنا هذا مقياس كارثي، ومع ذلك قلت من الجيد ومن شجاعة العقاد أن تكلم به، وهذا من اضطراد شجاعته رحمه الله. ومن الآثار المحمودة لهذه الشجاعة أن تكلم العقاد عن هذا المعيار؛ أن الشعر الصحيح لا يضره شيء، لأنه بذلك كشف عن أصول رومانتيكية خطيرة، لا أقول تهون من شأن اللغة نوعاً، بل تتجاوز قضية اللغة، ويكون المعنى محضاً هو المقصود.
وهذا يؤكد ما نقدهم به العقاد محمود شاكر في المقالات؛ أنه ظهرت بعد جماعة الإحياء والبعث التجديدية جماعة تأثرت بآداب الغرب فضعفت لغتها وعنيت فقط بالمعاني، فجاءت أشعارها ضعيفة. فجاءت أشعارها ضعيفة. فهذا يؤكد أن العقاد لما يقول إن الشعر الصحيح لا تضره الترجمة -بشرط أن يحسن الآخر في لغته- هذا تجاوز لقضية اللغات، واللغة في نفسها، لأن اللغات في خصائصها تتفاوت.
وهذا تناقض من العقاد أيضاً، خذ عندك هذا الانفعال الرومانتيكي. لماذا تناقض العقاد؟ لماذا وقع في التناقض؟ لأن هذا القول يلزمه أن يتبنى فكرة عدم تفاوت اللغات. عندما يقول العقاد إن الشعر إذا تُرجم لا تضره الترجمة بشرط أن يكون الآخر أيضاً بارعاً وعنده شعر، فلن تنقص القصيدة الجيدة العربية شيئاً لو ترجمت إلى لغة أخرى؛ هل هذا الكلام لشخص يرى تفاضل اللغات في خصائصها وأصولها؟ هل هذا لشخص يرى تفوق اللغة العربية على غيرها؟ أنا أسألكم الآن: هل هذا كلام لشخص يؤمن بتفاوت اللغات؟ لا، لا يؤمن بتفاوت اللغات.
الغريب أن كتاب العقاد نفسه، كتابه "اللغة الشاعرة"، ينضح بفكره ترجيح العربية على غيرها من حيث خصائصها. الكتاب اسمه "اللغة الشاعرة"، وقال في الكتاب: سميتها اللغة الشاعرة وليس اللغة الشعرية؛ لأن كل لغة يكتب فيها شعر، ألمانية أو فرنسية أو غيرها، يمكن أن توصف بأنها لغة شعرية، فأنا لا أتكلم عن اللغة الشعرية لأن اللغات التي فيها أشعار لغات شعرية، إنما أقول لغة شاعرة، لأقول إنها بخصائصها وبجسمها وبعناصرها الأولى شاعرة بذاتها، ليست شعرية بمعنى أنه يأتي الشاعر يستطيع أن يكتب عليها الشعر، وإنما هي لغة شاعرة لأنها في ذاتها كذلك، وجعل ذلك من خصائص اللغة العربية.
وهذا الرأي يقتضي أنه لا تتفاضل اللغات. طيب، ما الذي أدى إلى هذا التناقض عند العقاد؟ نحن الآن نحلل، وشرح كتاب العقاد موجود، وهنا رأي يقول بالقصيدة إذا ترجمت لا تنزل. طبعاً أنا لم أضع في حسباني المراحل الزمانية، وأن الإنسان قد يتغير، ممكن يكون هذا في مرحلة عمرية وهذا في مرحلة عمرية أخرى؛ لابد أن نضع حساباً لهذا، ممكن يكون هذا في مرحلة، والإنسان كلما كبر وكلما تقدمت به السن نضج أكثر وصار أهدأ وصار يتعامل مع الأمور بتريث أكثر وصار يعطي الأمور حجمها الحقيقي.
فالسؤال هنا: ما الذي جعله يتناقض؟ هي حماسة التوجه الرومانتيكي الذي ينظر إلى المعنى الإنساني والتجربة الإنسانية، فربما يغفل في ذلك قضية اللغة وخصائص اللغة. فلا شك أن العقاد لما ألف كتابه "اللغة الشاعرة" -العنوان وحده، ثم قوله في الداخل: أريد الشاعرة لا الشعرية لأن كل لغة يكتب فيها الشعر هي شعرية، إنما هذه لغة شاعرة بذاتها- لا شك إذاً هو يفضل العربية على غيرها.
وهنا يقول: الشعر الصحيح لا تضره الترجمة ولا تنقص القصيدة شيئاً. هذا تناقض لأنه يلزم منه عدم تفاضل اللغات، وكما نقول في مصر: "الركبة على الشاعر"، العبرة بالشاعر لا باللغة، كل اللغات تصلح، العبرة بالشاعر. هذا يلزم من يقول إن الشعر الصحيح لا تضره الترجمة إطلاقاً، أن يقول إن الشعر قيمة إنسانية، وهذا نص العقاد: «إن الشعر قيمة إنسانية وليس بقيمة لسانية، لأنه وجد عند كل قبيل وبين الناطقين بكل لسان، فإذا جادت القصيدة من الشعر فهي جيدة في كل لغة، وإذا ترجمت القصيدة المطبوعة -أي الصادرة عن طبع وموهبة شعرية- لم تفقد مزاياها الشعرية بالترجمة إلا على فرض واحد، وهو أن المترجم لا يساوي الناظم في نفسه وموسيقاه، ولكنه إذا ساواه -يعني الإنجليزي إذا ساوى العربي- ولكنه إذا ساواه في هذه القدرة لم تفقد القصيدة مزية من مزاياها المطبوعة أو المصنوعة».
كلامه كله صار في المعنى، وألغى تماماً وأهمل تماماً جانب اللغة. إذاً هذا تناقض. لماذا تناقض؟ أؤكد وأكرر لماذا تناقض؟ حماسة الفكرة الرومانتيكية. وأنا أعجبني أن قال العقاد بهذا الكلام، مع أنكم رأيتم كلام الجاحظ: «الشعر لا يمكن...».
أن يترجم ومحمود شاكر الشعر لا يترجم، لا يمكن. قرأت لكم كلام الجاحظ وكلام محمود شاكر وكلام علماء كثر يقولون هذا، وهذا يشهد به الواقع.
أقول أنا مما أسعدني أن قال العقاد هذا الكلام؛ لأنه قدم برهاناً صريحاً واضحاً على قوة أثر الفكرة الرومانتيكية والنشأة الرومانتيكية في الشخصية. نأتي الآن إلى موضوع اليوم، وهو المعيار الثاني عند العقاد، وهو وحدة القصيدة.
أولاً، هناك اعتراض من المؤلف الدكتور الشفيعي السيد على العقاد، لم نقرأه في المرة الماضية، قال: «وبقدر ما نسلم بهذه الحقيقة -وإذا وافقه فيما يظهر- بقدر ما نسلم بهذه الحقيقة نشير إلى أن العقاد يكاد يقتصر في هذا المقياس على الدلالة المعنوية وحدها، مغفلاً في الوقت نفسه حقيقة أخرى مؤداها أن بناء العبارة في لغة ما قد يكون له خصوصية في تشكيل الدلالة على نحو لا يتأتى مثلها في اللغة المترجم إليها».
الدكتور شفيعي السيد يوافقنا، أو ربما يقول نسلم به؛ بقدر ما نسلم بهذه الحقيقة، حقيقة أن القصيدة قد تترجم بلغة جيدة لكن لابد من التفاوت. حتى لا يكون هناك تناقض عند المؤلف، فإن الدكتور شفيعي السيد رحمه الله يدفع هذا بأنه يقصد: نسلم بسلامة الفكرة إجمالاً، أي أن القصيدة الجيدة يمكن أن تترجم ترجمة جيدة إذا كان الآخر شاعراً، لكن تبقى خصائص اللغة تؤثر في رتبة القصيدة.
هذا نص كلام الدكتور شفيعي نفسه، يقول: «مغفلاً في الوقت نفسه حقيقة أخرى مؤداها أن بناء العبارة في لغة ما قد يكون له خصوصية في تشكيل الدلالة على نحو لا يتأتى مثلها في اللغة المترجم إليها». إذاً صراحة يقول: خصائص اللغة العربية أو خصائص لغة ما تجعل قصيدة ما أرفع من ترجمة القصيدة نفسها؛ لوجود الخصائص، لو أن اللغة الأصلية فيها خصائص ليست موجودة في اللغة المترجم إليها، لا يمكن أن تتساوى القصيدتان.
كما قلت لكم مثلاً، من ظواهر العربية وجود علامة التأنيث في الفعل، وهذه مجردة في اللغات الأخرى. يعني العربي قبل أن يذكر الفاعل للفعل يؤثث الفعل، يجعل فيه معنى التأنيث عن طريق تاء التأنيث الساكنة. ودائماً أقول: «ضربت سعاد ولدها»، لا يقولون: «ضرب سعاد ولدها» و«ضرب زيد ولده» و«ضرب سعاد ولدها»؛ لأنني سأعلم التأنيث من سعاد. هم لا يجعلون الفعل مؤنثاً مثل: «سعاد ضربت»، ولهذا المبتدئون يغلطون في هذه التاء، يقولون تاء التأنيث هذه هي الفاعل، أو هي ضمير الفاعل، وهذا غير صحيح.
«ضربت» هذه التاء ليست الفاعل، الفاعل سعاد، إنما هذه التاء -كما يقول النحاة- تاء ساكنة يؤتى بها للدلالة على أن فاعل الفعل أنثى، أو على أن من أُسند إليه الفعل أنثى. تسمى تاء التأنيث، يؤتى بها للدلالة على أن من أُسند إليه الفعل أنثى. بس كذا، ما أنا سأعلم من سعاد؟ ليس لنا دعوة، نحن نقول لك هذه التاء ستدل على أن الفعل وقع من أنثى، أو أُسند إلى أنثى باللغة الدقيقة النحوية.
يعني أنت مطالب بهذا الشعور حين تنقل القصيدة إلى لغة أخرى، كل كلمة فيها. فإذا قلت: «قالت»، يجب أن تشعر بهذا التأنيث، هذا استحضار الأنوثة في الفعل، وهذا سيفقد في القصيدة المترجم إليها، فلن تكون في مستواها. هذا معنى كلام الدكتور الشفيعي السيد، وهذا هو الصواب.
ننتقل الآن إلى المقياسين الآخرين: مقياس وحدة القصيدة، ثم الأصالة. ويأتي معنا وحدة القصيدة هو موضوع اليوم، وأحاول بقدر الوسع ألا أطيل إن شاء الله.
طبعاً هناك من سبق العقاد إلى الكلام في موضوع وحدة القصيدة، وهو خليل مطران. وطبعاً هناك قاعدة للأسف الشديد عمت هذا الجيل، وهي عدم القراءة الكاملة للأدب القديم، حتى من أحسنهم. لو درست شعره سترى أن التجربة بكر. مثلاً، لو أردت أن تحاكم شعر البارودي على قانون إعادة التثبيج، ربما تخرج أكثر شعر البارودي مثبجاً.
ولهذا أعجبتني كلمة كنت أناقش بها الدكتور عبد القدوس القضاة، وطرحت معه استشفاف ما في رأسه حول البارودي، ولأن والده وعمه وأخوته يعملون في الأدب أيضاً. فقلت له في مرة ناقشته حول البارودي والشوقي: ما رأيك أحياناً تشعر في قصيدة البارودي أنها قوية السبك، ولكن أمامها مرحلة أخرى لا تستطيع أن تحاكمها مثلاً بقانون التثبيج؟ فوجدته يتحمس في الكلام وقال: «أوافقك في هذا، تشعر بأن حركة البارودي كانت حركة بكر، قطعت الطريق وكان ينبغي أن يكمل الطريق».
فأنت مثلاً لو أردت الآن النظر في قصائد البارودي وتحليلها أو نقدها بقانون التماسك الذي درسنا به معلقة امرئ القيس أو معلقة النابغة الذبيانية، سترى تقريباً لن يصمد أمام هذا النقد إلا المقطعات القصيرة. فهي تجربة وخطوة كان ينبغي أن تكمل.
بقطع النظر، ما المشكلة؟ هل لقلة الدواوين؟ هل لتأثير الغرب لا سيما على من بعد الإحيائيين وعلى بعض حركات الإحياء أيضاً كخليل مطران وتأثير الفرنسي؟ نحن الآن نرصد حالة. فخليل مطران قال: «أنا أريد أن أتجاوز الحالة التي كانت عند العرب في تفكك القصيدة»، إنما القصيدة ينبغي أن تعبر عن حالة صادقة متصلة وليست متفرقة.
خلاصة الكلام أنهم قالوا: العرب القدماء شعرهم فيه تفكك وهم يهتمون للبيت، يعني عندهم ثقافة جودة البيت، وأما اتصال الأبيات وتلاحمها وانتظامها فهذا ليس عند القدماء وليس معتبراً. طبعاً أنا سأثبت لكم اليوم.
إن هذا خطأ وقصور، أو تقصير، أو كلاهما بنسب متفاوتة؛ الفرق بين القصور والتقصير أن القصور ضعف غير مقصود، أما التقصير فمعناه أن الشخص وقع في تقصير يُلام عليه، فقد قصر عن كذا وكذا، وفعل ذلك قاصداً، أو ما كان ينبغي له أن يفعله وكان يتاح له ألا يفعل لكنه قصر فيه. أما القصور فهو ضعف، رغم أننا قد نكون مرغمين عليه.
هذا الكلام ينسب أثره في الأصل إلى من هو أقدم من تكلم في هذا الاتجاه، وهو خليل مطران، لكن كلامه مختصر جداً. وقد قرأت كلامه، والمهم أن تجدونه منقولاً في كتاب حسن بك الكبير في كتابه «تطور القصيدة الغنائية» من عام 1881 تقريباً، أي من العصرين السابقين على البارودي، من العصر العثماني في مصر إلى عصر البارودي وما بعده، وصولاً إلى عصر خليل مطران، وتحديداً إلى الأربعينيات من القرن العشرين. فقد تكلموا عن القصيدة فنريد قصيدة متصلة ذات وحدة موضوعية.
وبعد ذلك جاء عبد الرحمن شكري، وجعل ذلك تحت مبدأ الحديث في الخيال الذي نسخه عن كوليريدج؛ لأن نظرية الخيال والوهم يفرع عليها كذلك الكلام عن وحدة القصيدة. وقد مر معنا أن عبد الرحمن شكري تكلم في هذا، لكن الذي فصل في هذا تفصيلاً طويلاً هو العقاد.
أما المقياسان الآخران فقد عرض لهما وطبقهما العقاد في دراساته الأولى؛ أحد هذين المقياسين هو وحدة القصيدة، وقد مر حديث شكري في هذا الموضوع وتشبيهه للقصيدة بالصور أو بالصورة التي يضعها النقاش وما يقتضيه فنه، ومر أن هذا كلام عبد القاهر في حديثه عن توزيع الأضواء والظلال عليها توزيعاً ملائماً، وهو يتكلم في نظرية النظم، وهذا شيء آخر. والمهم أن حديث شكري كان مقتضباً لا يتجاوز سطوراً قليلة، في حين أفاض العقاد في البيان واسترسل في القول، وجاءت عبارته واضحة الدلالة على ما ينبغي أن تكون عليه القصيدة من تماسك أبياتها وإحكام بنائها، قبل أن نخوض في المسألة وقبل أن تثبت على العرب تهمة التفكك التي أتى بها المستشرق.
يجب أن نحرر أولاً قطب المشكلة في هذه المسألة ابتداءً يا إخوة. لا يختلف أحد، ركزوا معي في الكلام، لا يختلف أحد؛ لا جاهلي ولا إسلامي ولا بيزنطي ولا إغريقي ولا روماني، لا يختلف أحد في وجوب تماسك الأبيات والفصول في القصيدة. لماذا؟ لأن القصيدة حدث قولي واحد، فهي تقوم بذاتها وليست أحداثاً. القصيدة ليست خمسين بيتاً فكل بيت حدث، فهي ليست خمسين حدثاً، بل هي خمسون بيتاً بمعنى خمسين روعة بيانية، لكن الحدث والاتصال موجود في القصيدة.
هذه فكرة الاتصال وفكرة قيام القصيدة بذاتها كحدث واحد؛ لأن القصيدة باتصال أدائها وبنائها على بحر واحد وروي واحد هي في الأخير حدث قولي واحد، لابد إما أن يكون ذا موضوع واحد، أو أن يكون ذا موضوعات بينها صلة تحت معنى واحد. هناك الموضوع، وهناك الاتجاه والغرض الأعم، وهذا إدراكه هو الأصعب.
فالقصيدة تتماسك إما تحت ما يسمى بالوحدة الموضوعية كما يقول محمود شاكر، وإما أن تكون تحت غرض ومرمى معين وتتعدد الموضوعات تحته. والموضوع هو الجهة التي تترابط فيها المعاني، الجهة الواحدة التي يأخذ فيها الشاعر وينتقل من باب إلى باب، ويختلف في لونه وفي مضمونه ويغرق فيه الشاعر بعيداً عن الأول.
ولهذا أنا رجحت أن عينيات أبي ذؤيب موضوعها واحد؛ لأنه ذكر الموت في ذاته في الأول، ثم تمثل بأمثلة: «والدهر لا يبقى على حدثانه..»، «والدهر لا يبقى على حدثانه..»، «مستشعر حلق الحديد مقنع..». هي أمثال بدأت بعبارة واحدة، فالمطلع ولو جاء شخص واختلف معي وقال: أنا أراها موضوعات وإن كانت أمثالاً، لن أقول له أنت مخطئ، فأنا نفسي ترددت من قبل بين كونها موضوعات تحت غرض وبين كونها موضوعاً واحداً، ثم رأيت أنها موضوع واحد؛ لأن بدايته بقوله: «والدهر لا يبقى على حدثانه» جعل ما بعده مثلاً واحداً أو تمثلاً واحداً بالحياة وكذا، وإن طال فيشبه التشبيه الذي يطال ويركب تركيباً طويلاً. فالموضوع يتجه بجهة واحدة؛ فالقصيدة بعد ذلك إما أن تكون موضوعاً واحداً، أو لها موضوعات مركبة وجهة واحدة.
لابد أن تكون الجهة والغاية واحدة في القصيدة في الأخير لأن القصيدة حدث قولي واحد، أما الموضوعات فلا تساوي الغاية والغرض؛ لابد أن نفرق بين الاثنين. وحتى لا يقال لي: فصلت في هذا تفصيلاً طويلاً، فإنني إن شاء الله تعالى فصلت في كتابي «التأسيس لأصول الفن الشعري عند العرب»؛ حيث فرقت بين الموضوع الذي هو جهة المعاني، وبين الغاية التي تراد من الموضوع.
حتى إنني كنت في سنين ماضية أعتقد أن القصيدة ذات الموضوع الواحد غايتها موضوعها، لكن الكتاب لم يطبع ولم يخرج، فأنا أؤلفه منذ خمسة أعوام وما زلت أؤلفه، وهو كتاب كبير محرر وجامع. وقد فصلت في حلقات مختلفة لأن هناك من لا يحضر إلا هذا المجلس الأكاديمي، فيقول ربما يحتاجها لتدوين، فأقول له هو مدون موجود. كنت في فترة من الفترات أقول إن القصيدة ينفك فيها الغاية عن الموضوع إذا تعددت الموضوعات.
مولانا، زال الغبش بفضلكم، الحمد لله. الحمد لله، كنت أقول: القصيدة ذات الموضوع الواحد غايتها موضوعها، والقصيدة ذات الموضوعات غايتها تختلف عن موضوعها، ثم انتبهت إلى أن مادة الغاية تختلف عن مادة الموضوع، وأن القصيدة ذات الموضوع الواحد لها موضوع ولها غاية.
بدليل أن القصائد قد تتفق في موضوع كالهجاء أو الغزل أو كذا، لكن تختلف غايتها من قصيدة إلى قصيدة. عمر بن أبي ربيعة يقول قصيدة في الغزل، وله قصيدة أخرى في الغزل، هل القصيدتان تطابقتا من جهة الموضوع ومن جهة الغاية؟ لا، الغاية هي التي يختلف بها النظم في كل قصيدة، وهي التي تحكم القصيدة، وهي التي سماها محمود شاكر «زمن النفس» أو «زمن القصيدة»، أو «وحدة النفس».
«زمن النفس» أو «زمن القصيدة» هي التي تجعل الشاعر يختار تراكيب دون تراكيب؛ مسألة دقيقة بعض الشيء دعكم منها الآن، لكن المهم أن القصيدة ذات الموضوع الواحد لها موضوع ولها غاية، والقصيدة ذات الموضوعات لها موضوعات ولها غاية، فالغاية تنفك في كل الأحوال. وكنت قديماً أرى أن القصيدة ذات الموضوع الواحد غايتها موضوعها، وهذا غير صواب، مادة الموضوع تختلف عن الغاية.
الغاية قصد وهدف وغرض يحققه الشاعر من القصيدة، وعلى أساسه ينظم الأبيات في الموضوع، أما الموضوع فهو مجال المعاني. فالغاية غير الموضوع. كانت هذه مشكلة ارتباك اصطلاح في ذهني قبل سنوات، لم تختلف معي في القصيدة المركبة متعددة الموضوعات، لكن حصل الاشتباه في الأول في القصيدة البسيطة، عكس المركبة. اصطلح عليها بالبسيطة كما استعملتها الدكتورة مي يوسف خليف، رحم الله والدها، وأسأل الله -لا أدري إذا كانت ما زالت على قيد الحياة- أسأل الله أن يرحمها ويرحمنا في كل الأحوال. الدكتورة مي يوسف خليف لها كتاب عن الدراسة، فتقول: القصيدة البسيطة والمركبة، فكنت أرى القصيدة البسيطة موضوعها غايتها، والصواب لا، الموضوع غير الغاية، والغاية منفكة في كل الأحوال.
هل يلزم للغايـة تصريح الناظم بها؟ ده تبقى مصيبة لو صرح بها! ده أنت تشد على قصيدة السيفون لو صرح بها؛ يا رجل يقول لك: «وأنا قصدت أن أقول كذا»، لو صرح بها تشد عليها السيفون. حتى مما فرقت فيه في كتاب التأسيس بين الموضوع والغاية، أن الموضوع جهة محسوسة، سواء بالعقل، جهة المعنى، جهة محسوسة معينة محدودة، انما الغاية غاية، اسمها غاية اسمها غرض، أنت ترمي إلى غرض عن طريق سهم، السهم هو المعاني، جهة السهم هي الموضوع، والغاية هو ما رميت إليه.
فأنت ما ينفعش تصرح بالغاية ولا بالموضوع، أنت تترك المعاني؛ تصرح بالموضوع؟ المعاني تمشي في الموضوع، لا يصرح به، الموضوع هو مجال اتجاه المعاني، مجال سير المعاني، مجال تدفق المعاني، هذا الموضوع. الموضوع هو مجال اتجاه المعاني، الجهة التي يمشي فيها المعنى. لو صرحت بالموضوع أو الغاية، ده أنا آخذك كده أنت والقصيدة، أو أنت والموضوع والغاية وسيفون، عارفين السيفون؟ كده أنتم الثلاثة مع بعض لو أنت صرحت بالموضوع والغاية.
فالقصيدة يا إخوة حدث واحد، ولا أحسب أن أمة من الأمم أو عاقلاً من العقلاء يرفض فكرة التماسك في القصيدة، أن القصيدة تكون متماسكة، لا يوجد أحد يقول هذا. ولكن المشكلة أين؟ المشكلة هي في فهم معيار هذا التماسك، في فهم معيار هذا التماسك. يعني يا أيها الرومانتيكي، أنت تقول: لا بد للقصيدة من التماسك، طيب، ثم قلت: واحدة موضوعية، يعني موضوع واحد، ثم قلت: واحدة عضوية، يعني اتصال قصصي سردي فقط، وفي الأخير، على تفاوتهم، أكثرهم أو كلهم لم يصلوا إلى الوحدة التي في القصيدة العربية.
هذه المشكلة يا أخي، نحن كالحال في مسألة الخيال والوهم، وفي مسألة لغة الشعر والتعبير الجميل عن الشعور الصادق كما رأينا العقاد في الحصة الماضية، لا نختلف معهم في الأصول التي نصوا عليها في هذه المسائل، إنما اختلفنا. يرجع مرة أخرى، ندور وندور، ليس في غسالة الملابس، ندور وندور، ونرجع مرة أخرى إلى نفس المشكلة المكملة التي بيننا وبين الرومانتيكية، وهي قصورهم عن إدراك مراداتهم في قصيدة العرب.
لماذا؟ لأن النشأة الرومانتيكية منعتهم هذا. هتقول لي يا بقيسي، ألا يكون في ذلك شيء من التجني والمبالغة في الأمر أنهم لم يعرفوه؟ ليس في ذلك شيء من التجني، دليلنا عندنا كلام صريح في كتاب «العمدة» لابن رشيق، له بابان: باب اسمه «التثبيج» تكلم فيه عن عيب التثبيج، باب مستقل قل فيه: «إعادة التثبيج»، وهي اضطراب الأبيات بحيث لا تنسق تنسيقاً يجعلها متينة.
وعندنا رؤب العجاج الذي قال لأبيه: «أنا أشعر منك»، فقال: «لماذا؟»، قال: «لأنني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه». ورأيناهم ينقدون بعض الشعر بأنه كبعر ثور متفرق، أو أنهم «أولاد علة» لا تتماسك أبياته، «أولاد علة» يعني هذا يعيبه القدماء أصلاً، القدماء جداً. ووجدناهم يمدحون بعض الشعراء بأنه «أشد أسر شعر»، أشد أسر قصيدة، يعني إذاً من أركانهم بناء القصيدة على التماسك.
طيب تعال الآن نرجع إلى باب التثبيج، اذهب اقرأ باب التثبيج في «العمدة» لابن رشيق، خذ عندك هذا الآتي في الباب الثاني، باب النظم، قطع ابن رشيق خطوة في التدقيق في المسألة. أنا لا أدري كيف مرت على الرومانتيكيين، إذا كانوا طبعاً لم أحط بكل ما كتبوا وربما قرأت ونسيت، أتكلم عن جيل المؤسس، الجيل المؤسس من الرومانتيكية.
هناك نص عند ابن رشيق في «العمدة» يا أخي عجيب، عجيب من بلغ أخذ خطوة من الدقة والتفصيل، كيف بعد ذلك قالوا: «نحن نخالف قواعد النقد القديم الذي بنى على البيت الواحد»، كلهم قالوا هذا تقريباً، قالوا: النقد القديم بنى على البيت الواحد. طبعاً أنا لن أقف على منبر ولن أخطب وأقول: بل لغتنا العربية انتبهت إلى كل جميل وكل حسن، ولا أنا سأتركك تذهب تناقش من يقول هذا بموضوعية، بنقل تقول له: كيف غاب عنكم هذا؟ واسمع جوابه.
خلاص واسمع جوابه، لم أتبنَّ، أنا كنت مستعداً في لحظة أن أتبنى حتى الفكرة الغربية كاملاً لو ظهر الحق فيها، كنت مستعداً أتبنى، ليس عندي عزيز في معرفة الحق في ذاته، مستعد أتبنى الفكرة الغربية. وأنا قلت من قبل: الرواية الأجنبية فوق الرواية العربية بمراحل، مع أنها فن عربي موجود الآن، لكن اعترافاً بالحق، الرواية الأجنبية -أنا رأيت هذا عندي، روايات بعضها مترجم وبعضها باللغة الأصلية- ما فيش مقارنة في الفكر في الاتساع في التشعب في كذا.
يكفي أنهم يعدون الرواية تكون مبدأة برواية محترمة من ٥٠٠ صفحة، لما تبدأ من ٥٠٠ صفحة تحت ذلك يعني كالهواة؛ لأن هذا تشعب وفكر، فأنا مستعد لهذا وليس عندي أي إشكال.
لكن أنا وجدت القصيدة العربية ظُلمت وأُجحف بها إجحافًا، وعلى يدك البث محفوظ وبالجزء والصفحة. واذهب وقل أبو قيس يتكلم بكلام عاطفي، إن البعض يقول لك أبو قيس يسخن ويتكلم، دعك من الأسلوب ومن الثورة والغضب، كن في المضمون؛ انظر أبو قيس قال لك حقًا أو لا، وانظر في المعطيات العلمية البحثية التي قدمها لك، أو عناصر البحث أو عناصر النقل، واذهب وانظر فيها، انظر في أفكاره.
في باب النظم من كتاب «العمدة» لابن رشيق، وهو كتاب قديم من القرن الخامس، وكلهم يقولون القصيدة منهج القدماء في اعتبار البيت الواحد؛ تخيل كلهم يقول لك هذا، كلهم نظر إلى البيت الواحد، النقاد القدماء المعيار عندهم هو البيت، وأما القصيدة فلا يعطونها اهتمامًا، ينسخون كلام المستشرقين.
في باب النظم، صفحة ٤٠٩ و٤٢٠، آخر فكرة، آخر مقطع في باب النظم، تعال فانظر ماذا يقول ابن رشيق: «ومن الناس من يستحسن الشعر مبنيًا بعضه على بعض»؛ مثل شعر عمر بن أبي ربيعة، ليس أصل الارتباط سينبهه هو الآن، ومن الناس من يستحسن الشعر مبنيًا بعضه على بعض بطريقة عمر بن أبي ربيعة، البناء السردي والقصصي.
يقول من النقاد من يحب هذا، وأنا استحسن ابن رشيق يقول: «وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائمًا بنفسه»، يعني تاما في معناه، لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير. هو يقول لا أحب وحده البيت، البيت تم الكلام فيه، ومن الناس من يحب ربط الأبيات ببعضها: فبدت رفيقا فبدت رقيبا ... للرفاق على شجن أحاذر منهم من يطوف وانظر إليهم متى يستمكن النوم منهم ولي مجلس لولا اللبانة أوعر...
اسمع ماذا قال ابن رشيق: «وما سوى ذلك فهو عندي تقصير إلا في مواضع معروفة مثل الحكايات وما شاكلها». الحكاية؛ فقلت لها وقالت لي، وذهبت إليها وخرجت بها؛ هذا لا بد أن يبنى الكلام فيه على بعض ويدخل فيه التضمين وسيلة، بشرط ألا تخل.
فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد. يعني يقول لك الأسلوب الذي أحبه، بعض الناس أسلوب أن تكون الأبيات أو يكون الشعر مبنيًا بعضه على بعض، هذا أجود في الحكايات وما شاكلها، فإن بناء اللفظ على اللفظ -الضمير يعود على بيت سابق كذا- فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك في هذا النوع، الحكاية السردية من جهة السرد.
يقول لك السرد والقص والقصة والحكاية محتاجة اتصال حتى تصح. عيئية أبي ذئب أغلبها هكذا، وزهير الشماخ ابن ضرار أغلبها هكذا، هات أفصل أي بيت في زهير الشماخ غير الأبيات الأولى، أفصل الحكاية، حكاية الحمر الوحشية: فحلاها عن ذي الأراك عامر ... أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح هذا لأنه سرد وحكاية بني على سابقه ضروري، لو قلت: «فحلا الحمر» حشو، صح ولا يا شيخ خالد الشيباني؟ صح. لو قلت: «فحلق الحمر» سيقول لك: كررتها ليه؟ تقول له: حتى يكون البيت مستقلاً، يقول لك: هذا سرد وحكاية.
اسمع، «وبناء اللفظ على اللفظ أجود هنا من جهة السرد». شوف دقة ابن رشيق، ابن رشيق قطع شوطًا في هذا، من الرومانتيكية منه يقول لك هم أصحاب البيت. يبقى حصل ظلم ولا لا للنقاد العرب القدماء؟ وهذا أشهر كتاب نقدي أو جمع أصول النقد ومسائل النقد، «العمدة في صناعة الشعر ونقده» لابن رشيق، الجاهل يعرف العنوان على الأقل.
أنا وأنا صغير وأنا أدرس علومًا شرعية ولم أتطرق إلى الأدب، أعرف العنوان وأعرف موضوعه وأعرف عصره عمومًا ولم أقرأه قبل أن أخوض في الأدب والشعر.
اسمع شعر ابن رشيق، بأنه يحتاج إلى تنبيه في فكرة فصل الأبيات حتى لا يُحمل الكلام على ما نقد به شوقي مثلا أو ما نقدوا به القصائد التي تفرقت أبياتها. فقال لك ابن رشيق: «ولم أستحسن الأول الذي هو النوع الأصلي الذي هو خلاف السرد والحكاية ومشاكلها، ولم أستحسن الأول على أن فيه بُعدًا ولا تنافرًا».
يعني لما قلت لك أيها القارئ لكتابي بأنفصال الأبيات، ليس على أنه منقطع، أقصد فقط لا يبتني على بعضه ولا تضمن، «ولم أستحسن الأول على أن فيه بُعدًا ولا تنافرًا لأنه إن كان كذلك فهو الذي كرهت من التثبيج الذي بينته قبل كذا».
يعني إن استحسنته على التنافر والبعد بين الأبيات، تنافر أو بعد حتى أبيات مفرقة عن بعضها، «ضعف الأسر إن كان كذلك فهو الذي كرهت من التثبيج». فلا يوجد أحد من العرب القدماء يقول بالتفرق. الوجهان اللذان يتكلم عنهما هما: أن تبني الأبيات بالضمائر والتضمين، أم تجعل الأبيات متميزة عن بعضها فقط. وحتى لو جعلتها متميزة عن بعضها في غير الحكاية التي حُسن فيها البناء بالتضمين وبالضمائر، إذا أردت أن تميز الأبيات فشرطها أن ترتب وأن تُثبّج، يعني شرطها أيضًا إذا غيرت الأبيات أفصت النسق.
«إذا غيرت الأبيات غيرت قصد الشاعر، وابن رشيق جاء وحرر». هذه من المسائل التي أخذت قدراً من التحرير في علم النقد. نرى الناس قلنا ما نضج وما احترق، لكن هذه أخذت خطوة.
بعض الناس نراهم يحبون الشعر المسرود، القصص المبني بعضه على بعض، وبعض الناس تحب تمايز الأبيات. فجاء ابن رشيق قال: هذا موجود وهذا موجود. هذا السرد الذي تحبه، وهذا الفصل الذي تحبه وقيام كل بيت بمعناه، مطلوب بشرط ألا يُثجب، وأن يكون الترتيب كعدمه. وأما ابتناء الأبيات على بعضها بالضمائر والتضمين، إلى آخر هذه الصور التي تشد الأبيات إلى بعضها وتجعلها مبنية بعضها على بعض، فهذا حسن في السرد والحكاية. فهذا له نوعه ونمطه، وهذا له نمطه. هذا ابن رشيق في «العمدة».
جميعهم يتكلم... لحظة، أنا آتي لكم بالكتاب أقرأ لكم كلام خليل مطران. هذا كتاب حسن أحمد الكبير، «تطور القصيدة الغنائية في الشعر العربي الحديث من عام 1881 إلى عام 1981». لأنهم جعلوا المرحلة من قبل البارودي على مرحلتين: من الحملة الفرنسية عام 1798 إلى ولاية إسماعيل عام 1863، ومن ولاية إسماعيل 1863 إلى الثورة العرابية عام 1881. هذه الفترة كلها قبل البارودي، من الحملة الفرنسية إلى الثورة العرابية 1881، هي التي مهدت لنهضة البارودي. هذا كتاب مفيد يا إخوة، طبعاً أجزله، هذا شكل الكتاب لكن لا أظنه موجوداً. «تطور القصيدة الغنائية في الشعر العربي الحديث»، حسن أحمد الكبير، دار الفكر العربي بمصر. لا أدري إذا كان موجوداً الآن، أحسب أنني حصلت على آخر نسخة تقريباً.
في كلامهم على خليل مطران في وحدة القصيدة، اسمعوا مثلاً هذا النص: «دعوة مطران إلى التجديد كانت تسبق كثيراً من دعوات التجديد الأخرى، وعلى الأخص أنها مصحوبة بالمثال الفني...». هذا من مقدمة ديوانه، يقول مطران موضحاً مذهبه في الشعر في مقدمة ديوانه لنفسه، يقول: «هذا شعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن والقافية على غير قصده».
والله! أما القدماء فكانوا كذلك، عندنا يقال فيه: «المعنى الصحيح باللفظ الفصيح»، ولا ينظر قائله إلى جمال البيت المفرد ولو أنكر جاره وشاتم أخاه، ودابر المطلع أو قاطع المقطع وخالف الختام. بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه، إلى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها وفي تناسق معانيها وتوافقها مع نضارة التصوير وغرابة الموضوع ومطابقة كل ذلك للحقيقة، وشفوفه عن الشعر الحر، وتحري دقة الوصف واستيفائه فيه على قدر...».
وبعد ذلك ينقلون، أظن، عن طه حسين قوله: «فهو يكره هذا الشعر الذي تستقل فيه الأبيات وتتنافر وتتدابر، ويريد أن تكون القصيدة واحدة ملتحمة الأجزاء، حسنة التأليف فيما بينها، ثم فوق ذلك كله مقتصد، يرى أن الشعر ليس خيالاً صرفاً ولا عقلاً صرفاً، وإنما هو مزاج منهما».
أول حاجة: وحدة القصيدة. لقد دعا مطران إلى وحدة القصيدة، وذلك بأن تكون ذات وحدة فكرية مرتبطة الأجزاء، لا يُحذف منها بيت أو يقوم بيت مكان آخر وإلا اختل المعنى. فهم ذلك وإن لم يصرح به من قوله في مقدمة ديوانه التي يفخر فيها بأن شعره شعر عصري، ولو أنكر جاره وشاتم أخاه، ودابر المطلع وقاطع المقطع وخالف الختام، بل ينظر إلى البيت في ذاته وفي موضعه، وإلى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها وفي تناسق معانيها وتوافقها.
يقول: «فهل كان الشعر العربي على تلك الصفة التي وصف بها خليل مطران؟ وهل كانت الدعوة تحمل طابعاً جديداً وفكراً ثورياً؟» وفي الإجابة على ذلك نقول: إذا كان مطران قد نحى بالقصيدة العربية نحو تلاحم أجزائها وترابط أفكارها، فإنه بذلك قد اجتاز... اسمع المؤلف ماذا يقول حسن أحمد الكبير: «إنه يعتبرون خليل مطران طور القصيدة العربية».
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. قرأتم الآن قول ابن رشيق، لم يطلعوا على كلام ابن رشيق، وهذا غريب. أنا عارف أننا لم نقطع في الكتاب، لكن هذا التقديم مهم. والله صدقت يا شيخ خالد الدبيخي، صدقت والله، سنكمل.
يقول: «إذا كان مطران قد نحى بالقصيدة العربية نحو تلاؤم أجزائها وترابط أفكارها، فإنه بذلك قد اجتاز بالقصيدة العربية مرحلتها الحرجة التي وقعت فيها بين أيدي شعراء العصر العثماني والمملوكي، من ضعف ملكاتهم الشعرية، وتحكمت فيهم المحسنات البديعية، واتخذوا الشعر صناعة وحرفة».
السؤال: هل هذا الكلام يصدق فقط، أو يرمون به فقط القصيدة العثمانية؟ إذا كانوا يقصدون العثمانية فماشي، لكن هم قالوا: «اعتبروا ذلك تقدماً في القصيدة العربية عموماً». الوحدة الموضوعية، وستقرأون الآن كلاماً لمحمد مندور وغنيمي هلال.
يقول: «وإذا كان البارودي قد أعاد للشعر العربي ديباجته الصافية وأسلوبه القديم، فإننا نستطيع أن نقول إن مطران بتقديم نموذج الحي للقصيدة المتحدة البناء، إنما كان مثله كمثل البارودي، حيث أزال الحجب وفتق الغيم الذي أحاط ببناء القصيدة العربية، وبث فيها حياتها وأعاد إليها شبابها ونضارتها».
ولكن يبدو أن مطران كان معجباً بعمله، سعيداً بما أحرزه من التوفيق في هذا الصدد، فقال كلامه السابق وكأنه لم يكن أمامه وهو يقول ذلك إلا شعر البديعيات مما خلف عصر الأتراك والمماليك، فهذا الشعر وحده هو الذي كانت تحمله ضرورات الوزن والقافية على غير قصده حيناً، أما ما سبقه من شعر... هذا كلام صحيح في ذاته جداً. أما ما سبقه من شعر في كافة العصور، وأما ما كان بعده مما عاصر مطران من شعر البارودي وشوقي وحافظ، فما عرفت هذه الضرورة أو الضرورات ولا لجأ إليها.
إذا كان يقصد ضرورات ماذا؟ يعني أي الضرورات؟ ضرورات داخل البيت، ممكن إلى حد كبير مع طبعاً إعطاء مساحة للخطأ البشري، إنما ضرورات بمعنى أن القصيدة فكك بناؤها وكذا وكذا؛ لا، أنا العكس، أنا أرى أن كثيراً من شعر البارودي مثجب. شوف بقى العكس هنا، أنا عكس ما يقول، أرى كثيراً من شعر البارودي مثجباً.
فإذا رجعنا إلى ما كان ينشره مطران قبل تلك المقدمة في مطلع هذا القرن، لوجدنا أنه قد حرص على الدعوة إلى وحدة القصيدة؛ إذ نراه ينعى على القصيدة العربية تعدد الأغراض فيها، ومن ثم لا نجد ارتباطًا بين معانيها، ولا تلاحمًا بين أجزائها، ولا مقاصد عامة تقوم عليها بنيتها وتوطد بها أركانها.
وربما اجتمع في الواحدة منها ما لا يجتمع في أحد المتاحف من النفائس، ولكن بلا صلة ولا تسلسل. وناهيك عما في الغزل والثناء وشكوى الدهر ووصف الجواد والناقة وميادين الحروب وضرب الأمثال؛ هو يتكلم عن القديم، وضرب الأمثال وإرسال الحكم من المواضيع التي لا تضمها موضع إلا أن تتشاتم وتتلاكم وتتناكب وتتناهب في ذهن القارئ، ذاهبة به كل مذهب بين السماء والأرض.
فإن ذلك يكشف لنا عن بدء اتجاهات مطران التجديدية ويؤرخ لها مع بداية هذا القرن، مما سبق به نجيب شاهين الذي دعا إلى البعد عن التقليد ومجاراة العصر والاهتمام بوحدة القصيدة في مقاله «الشعراء المحافظون والشعراء العصريون» الذي نشر بمجلة المقتطف، وما بعدها ممن يخالف الدكتور كمال نشأة؛ الذي اعتبر نجيب شاهين بمقاله ذلك أسبق في الدعوة إلى وحدة القصيدة من مطران. ونضيف أن مطران كان واضحًا كل الوضوح في دعوته؛ لأنه كتب شعره بوحدة قصيدة، ونقل بعد ذلك كلامًا عن النقد العربي القديم وأوصى بذلك.
سنرى كلامًا هنا. نرجع الآن، مفترضًا أننا الآن حررنا المسألة، أو أعطينا أطرًا عامة للمسألة، ورأيتم كيف أن القدماء كابن رشيق تكلموا في هذه المسألة وفصلوا فيها تفصيلًا لم يعرفه المعاصرون حتى الآن. وبالمناسبة، تكلم فيها القرطاجني أيضًا في المباني في بناء القصيدة، وتكلم فيها كثيرون.
لكن عند المعاصرين كان تفعيل الأفكار الغربية أكثر من تفعيل الأفكار النقدية العربية. كيف يحقق ذلك أشخاص يقولون: نحن نطلع على النقد العربي؟ أو كما قال أحدهم أمس وهو أخونا حسين الجنيد -وهو يجلس مع حذافة العرجي- يقول حذافة: ماذا استفدنا من موازنة أبي تمام والبحتري؟ لماذا نحن مولعون بالموازنة والمفاضلة بين الشعراء؟ فيرد عليه الجنيد يقول: عقلية العرب المفاضلة بين أي شيئين.
كيف سيصل هؤلاء إلى تحقيق كلام القرطاجني وابن رشيق؟ هم أصلاً ليس أمامهم الوقت والفرصة ليفعلوا هذا. من يقول لك نحن نطلع أيضًا على الآداب العربية القديمة، يطّلعون ولا يقصرون أيضًا. حلقة أمس كانت مهمة جدًا يا إخوان، البث الذي قبل هذا في قائمة القناة حول قضية المفاضلة بين الشعراء، وأنها ركن في مسألة إعجاز القرآن، وفي البناء البياني نفسه أصلًا.
نرجع الآن؛ طبعًا جاءت عبارة العقاد واضحة الدلالة على ما ينبغي أن تكون عليه القصيدة من تماسك أبياتها وإحكام بنائها. ثم أخذ قصيدة شوقي في رثاء مصطفى كامل، التي مطلعها: المشرقان عليك ينتحبان قاسية ما في ماتم والدان... إلى آخره. وقال: أتهم هذه القصيدة بأن لا وحدة لها. إذاً أنا أرجع وأذكر أننا تكلمنا عن هذا؛ نتفق على وجوب التماسك، لكن نختلف في معايير هذا التماسك.
ونرجع إلى نفس المشكلة عند الرومانتيكية في كل ما سبق من أبواب، كباب لغة الشعر والتعبير الجميل عن الشعور الصادق، وباب الخيال والوهم عند شكري وكولي. نرجع إلى نفس المشكلة، وأن النشأة الرومانتيكية جعلت الخلاف بيننا وبينهم تطبيقًا وإدراكًا أكثر منه في الأصل. وأضيف إلى هذين الموضوعين موضوع الشعر تعبير عن الشعور الصادق، ومسألة الوهم والخيال، أضيف مسألة انفتاح الموضوعات عند العقاد.
لو تذكرون، قلت لكم الموضوعات منفتحة عندنا أيضًا في النقد العربي، وليست كعند شكري؛ عند شكري جعلها طبقات معينة من الموضوعات. العقاد خالف وردزورث في رفضه الهجاء كما عرفنا في الحصة الماضية، وخالف عبد الرحمن شكري بأن فتح الموضوعات للناس. ولكن نرجع ونقول: ستجد كثيرًا من شعر العقاد فيه ابتذال؛ ليس لأنه فتح الموضوعات، بل بالنظر إلى شرف المعنى في الموضوعات. فلما يقول الدكان أو كذا، أنا لا أقول إنقدت قصيدة الدكان، فربما يرى العاطفة السطحية بالنظر إلى القصيدة العربية وبلاغتها السطحية، يراها بلاغة صحيحة لأن الموضوع مفتوح. ونحن نتفق معه في أن الموضوع مفتوح، لكن تظل المشكلة الرئيسة: النشأة الرومانتيكية جعلت سقفًا منخفضًا لإدراك البلاغة.
بعد ذلك نقد قصيدة شوقي وقال إنها على لغتنا مثبجة، وليس أدل على ذلك من أنه بوسعنا تقديم بعض أبياتها على بعض أو تأخير بعضها عن بعض؛ لأنه ليس بينها من الارتباط المعنوي ما يتطلب ترتيبها بشكل معين. ويشبه العقاد هذا النمط من القصيدة بالرمل المهيل؛ لا يغير منه أن تجعل على عاليه سافله أو وسطه في قمته، ورأى أن القصيدة المذكورة نموذج لذلك، وهي رثاء شوقي لمصطفى كامل.
قدم وأخر في أبياتها ملتزمًا بعددها كله، وعلق على ترتيبها الجديد المخالف لترتيبها الأصلي عند شوقي بأن القصيدة لم تخسر حسنة كانت لها، بل لعلها ربحت وعادت أحسن نسقًا وأقرب نظمًا. يتحدث بعد ذلك العقاد: ما طبيعة الوحدة في القصيدة؟ يقول في مقدمة الحديث عن هذا العيب في شعر شوقي كما يراه العقاد، جاءت الفقرة التي تحدد طبيعة الوحدة التي ينشدها في القصيدة، المهم يقول فيها: إن القصيدة ينبغي أن تكون عملاً فنياً يكمل فيه تصوير خاطر أو خواطر متجانسة، كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه؛ بحيث إذا اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنع وأفسدها.
فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي، يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته؛ لا يغني عنه غيره في موضعه، كما تغني الأذن عن العين، أو القدم عن الكف، أو القلب عن المعدة، أو هي كالبيت المقسم لكل حجرة مكانها وفائدتها وهندستها. ثم يقول إن شوقي خفف هذه اللهجة بعد ثلاثين عامًا.
قال الدكتور أجمل: «خفف اللهجة»، وسأقفكم على السر العلمي في تخفيف اللهجة، ما الذي انتقل إليه العقاد؟
قال: «وإذا كان التشبيه يعكس رأي العقاد حين ذاك في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، فما ينبغي أن تكون عليه وحدة القصيدة من صرامة، فقد تخفف منها بعد نضج تجربته». كان في أوائل الثلاثينيات، حينها كان عمره 32 عاماً عندما ألف الديوان، وكان عمر المازني 31 عاماً.
فقد تخفف منها بعد نضج تجربته، وجاء تعبيره عنها في أواخر الأربعينيات، ما يقرب من 30 عاماً، في صيغة مرنة يقول فيها: إن القصيدة بنية حية وليست قطعاً متناثرة يجمعها إطار واحد، فليس من الشعر الرفيع شعر تغير أوضاع الأبيات فيه، ولا تحس منه تغييراً في قصد الشاعر ومعناه.
كان هائجاً في التعبير الأول، هنا يقول لك: أين الاختلاف والهدوء؟ فقط يقول لك حصل تغيير في قصد الشاعر ومعناه. من خطأ وفساد وكذا، إلى تغيير في قصد الشاعر ومعناه؛ أي فقط حصل تغير في قصد الشاعر والمعاني التي يريد، وكون القصيدة صارت لها اتجاه آخر ومعنى آخر، لا يعني أنها فسدت. هو موضوع بسيط في قصد الشعر، وقد أعطى مساحة لتعدد المقاصد بتغيير مواضع الأبيات.
شفت الفرق الذي حصل عند العقاد بعد 30 عاماً؟ فليس من الشعر الرفيع شعر... هو قال نعم سيتغير معنى وقصده، لكن لن تفسد القصيدة، ستظل قصيدة لها اختلاف آخر في المقصد والمعنى. قال لك: «كالقلب مكان المعدة، والمعدة مكان القلب، والكف مكان القدم». هنا قال فقط تغير غير قصد الشاعر ومعناه، تخفف.
ثم ينبه الدكتور إلى أن العقاد لم يستعمل كلمة الوحدة العضوية، بل استعمل كلمة الوحدة الفنية والوحدة المعنوية، ويقول: «ليس من المعروف على وجه اليقين أول من صك عبارة الوحدة العضوية، وإن كنا نرى أن تشبيه العقاد السابق للقصيدة بالجسم الحي ذي الأعضاء التي لا يغني بعضها عن بعض أسهم في توليده وصياغته الوحدة العضوية».
ثم ينقل كلاماً عن ابن طباطبة في الوحدة العضوية، قال: «ومن جهة أخرى نرى ابن طباطبة العلوي...». يقال إنه لقب بابن طباطبة لأنه كان عنده شيء في لسانه فكان يقلق القاف طاءً، كان يقول «طبا طب»، وهذا نقد كبير، صاحب كتاب «عيار الشعر»، وقد توفي عام 322هـ.
ابن طباطبة العلوي، كان قد طلب من أحدهم أن يناوله القباء، والقباء كالعباءة يلبسها، فأتى له بشيء آخر فقال: «لا، طبا طب، ليس هذا، طبا طب، قلت لك طبا طب، قبا، قبا، قبا، لا طبا طب»، فلقب بابن طباطبة. المهم، هذا مر عليّ، لا أضبطه، ولا توجد علاقة بالتفكيكية، فالتفكيكية لم تكن قد ولدت هنا أصلاً.
فقال من نقاد القرن الرابع الهجري ابن طباطبة العلوي: «وأحسن الشعر ما ينتظم القول فيه انتظاماً، يتسق به أوله مع آخره، على ما ينسقه قائله». الله، الله! الكلام لما يأتي من الكبار يكون موزوناً. «وأحسن الشعر ما ينتظم القول فيه انتظاماً، يتسق به أوله مع آخره، على ما ينسقه قائله»، أي على الغرض الذي أقامه له قائله، فإذا غيرته أفسدت تأليفه، وأحدثت غرضاً آخر ربما، أو أفسدت الوحدة بالكامل على حسب التغيير وعلى حسب نوع القصيدة.
يعني لو قصيدة سردية حكائية وغيرت أبياتها فبسلامة الله. لو جئت بقصيدة حكائية، مثل عمر بن أبي ربيعة مثلاً، ومتّ مبدل الأبيات، فما في قصيدة أصلاً، ففي كلام يقرأ بالمقلوب، وهو ممن يقول بالصرف. جربوا أن تغيروا أبيات السرد والحكاية: «أَمِنْ إِلَى نَعَمٍ أَنْ تُغَادِرَ فَمُبْكِرَا؟» جرب تغير كذا، «فَحَيِّتْ إِذْ فَاجَأَتْهَا فَتَوَلَّهَتْ...» وهكذا.
هذا ليس تحدياً، لكن بعض القصائد ممكن، ولكن «فإن قدم بيتاً على بيت»، يقول ابن طباطبة: «فإن قدم بيتاً على بيت دخله الخلل كما يدخل الرسائل والخطب إذا نُقض تأليفها». «على ما ينسقه قائله»، حلوة؛ لأنك ربما تفسد كلام قائله وتفسد الغرض، فتنزل بالقصيدة.
بل أقول لكم شيئاً، بعض الإخوة من شعراء دول الخليج العربية، أصدقاء كرام، قال لي: «أظن حصل نقاش في قصيدة له»، فقلت له قبل أن يطبع الديوان: «انظر في هذا البيت، ما رأيك لو قدمته على هذا؟»، وشرحت له السبب، فقال: «والله يا بقيس، صح». قلت له: «ما رأيك لو قدمت كذا على كذا، والعلة أنك لو رفعت هذا البيت إلى فوق سيكون الام معه اليق به لأنه يمهد لك»، ثم يأتي هذا. شرحت له، ووافق على ذلك جداً وكان سعيداً وطبع الديوان كذلك. قد يكون التغيير للأحسن، فليس كل تغيير مفسداً، فهمتم؟
بل إن الحاتمي، وهو من نقاد القرن الرابع أيضاً، توفي عام 388هـ، قال كلاماً مدهشاً في هذا الموضوع حتى لا نظن ظناً أقرب إلى اليقين أن العقاد قرأه واطلع عليه، لأنه استخدم نفس التشبيه الذي استخدمه العقاد، قال: «فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب، غادر بالجسم عاهة تتخول محاسنه وتعي معالم جماله».
ومع هذا التطابق بين كلام العقاد وكلام الحاتمي، أبى نقاد العرب المعاصرين إلا أن يجعلوا تأثر العقاد في ذلك بالرومانتيكيين الغربيين، واتجهوا إلى اعتبار حديث العقاد عن القصيدة، عن وحدة القصيدة بالمعنى الذي أشار إليه، وليد تأثره بما قرأ في الثقافة الأوروبية. فهذا الناقد محمد مندور، وهو من أشهر النقاد، يسمى بشيخ النقاد بالمناسبة، محمد مندور المصري، وطبعاً يغلب عليه النفس الرومانتيكي، وهو صاحب مصطلح «شعر الهمس»، ابحثوا بكلمة «شعر الهمس» هكذا.
هذا أذكر أنه صاحب مصطلح شعر الهمس، وتقول لي وهو رومانسي وشيخ النقاد. هو في الأصل أن الاتجاه النقدي الغربي، ثم في المشهد العربي العصر الحديث، لم ينشأ اتجاه علمي نقدي إلا على يد الرومانتيكيين، ولهذا بدأ في هذا الكتاب؛ تذكرون الدكتور بدأ في نظرية الأدب بالرومانتيكية، وتكلم عن الكلاسيكية الحديثة في القرن السابع عشر والثامن عشر ليمهد لظهور الرومانتيكية. لكن النقدية والنظرية الحديثة والعلمية، والعصر العلمي النقدي عند الغرب بدأ من الرومانتيكية.
أصبح أيضًا عندنا النقد الحديث تبعًا لهم، لكن نحن عندنا النقد... أنا قرأت لكم كلام ابن رشيق الآن في القرن الخامس، رأيتم النقد في القرن الخامس؟ دقة في المسألة لم تقل حتى الآن من هؤلاء أصحاب هذه التوجهات. دقة لم تقل حتى الآن عند ابن رشيق في مسألة أنماط ترتب الأبيات وابتناء الأبيات، وجعل ذلك تابعًا لأنماط الموضوعات؛ السرد والحكاية شيء، وسائر المعاني شيء. كلام ابن رشيق في "العمدة" آخر باب النظم، آخر فقرة في كتابه. في باب النظم من كتاب "العمدة" لابن رشيق في القرن الخامس، كلام من الدقة.
هم الآن يخترعون المخترع عندنا، ولو تفرغوا... لو سمحت أنا لا ألومهم، الظروف تمنعهم أن يتفرغوا لهذه المصنفات. لكن الآن ما فيش، أبو قيس بقى خلاص كان هيتوه وسط الزوبعة، كان هيبقى تايه وسطها؛ لأن خلاص كان هيبقى علم النقد مستقرًا، أو كنت سأعني بنقد أبني على موجود بناء أكبر. نحن عمالون نرمم القديم، نطلعه ثاني، لسه بنكلمكم في ابتناء القصيدة، لسه بنتكلم في ابتناء الأبيات ومذاهب العرب في ابتناء الأبيات، في شيء حرره ابن رشيق في القرن الخامس.
يا عيني يا مهكرني يا خالد، والله أنت مهكرني أكثر مني، فإنه يعلم ما أردت أن أقول وما لم أؤدِ أن أقول، يقول: "كنت تفرغت للشعر". والله إنك دخلت في سويداء دماغي، شفت اللي جوه مما أخفيه مما أسى له. والله يا خالد الشيباني، أخوك خالد الشيباني من السعودية، أنت دخلت في معاناتي اليومية، في الأزمة التي تسيطر علي طيلة يومي؛ لماذا أنا هنا الآن؟ لماذا لا أستطيع أن أنخلع الآن وأذهب في مكان آخر أريده وأحبه؟
شوف، أنت دخلت وقلت: "كنت تفرغت للشعر"، هذا عذابي أصلاً، أنا مش حابب الكلام ده، أنا كوليدج وشوكري ووردز وورث والمازني وخليل مطران، أنا مالي؟
وحلاها عن ذي الأراكِ عامرُ .. أخ الخضر يرمي حيث تكوى النواحُ قليل التلاد غير قوس وأسهمِ .. كان الذي يرمي من الوحش تارزُ مطلا بزرق ما يداور ورميها .. وصفراء من نبع عليها الجلائزُ تخيرها القواس من نب من فرع ضال لها شذب من دونها وحواجزُ نمت في مكان كها واستوت به .. فما دونها من غيلها متلاحظُ فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل .. حتى نالها وهو بارزُ فانحى إليها ذات حد غرابها .. عدو لاوساط العضاه مشارزُ فلما اطمانت في يديه رأى غنى أحاط به .. وأزور عما يحاوز فمضغها عامين ماء لحائها وينظر منها أيها هو غامزُ .. أقام الثقاف والطريدة درها .. كما قومت درء الشموس المهامزُ فوافى بها أهل المواسم فنبرى له بيع يغلي بها السوم رائزُ فقال له هل تشتريها؟ .. فإنها تباع بما يباع التلاد الحرائزُ فقال أزار شرعابي .. وأربع من السياراء أو أواق نواجزه ثمان من الكيري حمر كأنها .. من الجمر ما ذكى على النار خابزُ وبردان من خال وتسعون درهماً .. ومع ذاك مقروض من جلد ماعزُ فظل يناجي نفسه وأميرها .. أياتي الذي يعطى بها أم يجاوزُ؟ فقالوا له بايع أخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهزوا فلما شراها فاضت النفس عبرة .. وفي الصدر حزاز من الوجد حابزُ.
آه، سايبين ده؟ أقول لك كوليدج ووردز ولف ومش عارف إيه وهنري إيه ومش عارف مين، إحنا مالي بالكلام ده؟ ترابك يا شماخ!
عندك محمد مندول كما قلت من نقاد الرومانتيكية الكبار، هذا ولد عام 1907 وتوفي عام 1960، قال إن الوحدة الموضوعية في القصيدة أصل من الأصول المشتركة بين العقاد وغيره. شوف، أنا آتي بكلامي وكلام غنيمي هلال؛ خلاص بين العقاد، أنا أقول سآتي بكلامهم لتعلموا أنهم إلى حد كبير، للأسف، كانوا بمعزل عن تحقيق ما قاله النقاد القدماء، أو عن فهم بناء القصيدة العربية. وبالمناسبة هذا ما رآه محمود شاكر أيضًا، وما يدندن كثيرًا حوله الدكتور محمد أبو موسى كذلك.
قال إن الوحدة العضوية في القصيدة أصل من الأصول المشتركة بين العقاد وغيره من رجال مدرسة التجديد في الشعر العربي الحديث. خلاص، اترك ابن رشيق على جنب، ابن رشيق غير موجود والحاتمي غير موجود من القرن الرابع والخامس. وقريبًا من ذلك ذهب غنيمي هلال، ولد عام 1916 وتوفي عام 1968، حين أشار إلى أنها كانت من أوائل معالم التجديد في الشعر العربي الحديث، ومن بواكير مظاهر تأثرنا المحمود بشعر الغرب، ثم أشاد بدور العقاد في عمق دعوته إليها بالقياس إلى ما جاء عنها في كلام خليل مطران وعبد الرحمن شكري.
ثم يبين الدكتور، ولكن نؤجل هذا، يعني وصف ما ينبغي أن تكون عليه بدا النقد للمؤلف؛ بدا نقد المؤلف، أسفًا للعقاد، فيبين ويقول: التشديد في هذه الوحدة التي تكلم بها العقاد لم يستطع هو نفسه الولوج إليها وتحقيقها. وكذا، وهنا سيكون لنا كلام آخر إن شاء الله يناسب أن يكون في حصة آتية.
شكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد