دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحبا بالإخوة الكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتني إلى سلامة البث، صوت وصورة من بعد إذنكم، نبدأ الدرس مباشرة إن شاء الله.

الحمد لله، أهلاً وسهلاً، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. يبدو عندي جيداً، كيف عندكم؟ سليم؟ جميل، الحمد لله. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا مرحباً، عندي كذلك جيد الحمد لله. أرجو التفاعل مع البث يا إخوة ليظهر لإخوانكم لو سمحت.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، أما بعد؛ أيها الإخوة، هذا مجلسنا السابع عشر من مجالسنا في شرح كتاب "نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة" للدكتور شفيع السيد رحمه الله تعالى ونفعنا بما كتب وجزاه الله تعالى خير الجزاء.

ما زلنا مع العقاد أيها الإخوة، وختمنا أمس بالحديث عن موضوعات الشعر، وذكرنا كيف أن العقاد يختلف مع عبد الرحمن شكري في أن الشعر يتناول كل المعاني والأبواب، وأن المرجع في ذلك هو مدى تفاعل الإنسان مع الموضوع.

والطريف في هذا، أو المفارقة الجميلة الطريفة، أن كلاً من عبد الرحمن شكري والعقاد انطلقا من قضية العاطفة، ولكن عبد الرحمن شكري نظر إلى الشعر من حيث كونه عاطفة، فنظر في العاطفة الإنسانية العامة والقضية الإنسانية العامة، ونظر إلى أن الشعر يسمو بالنفس ويتقدم بها، وهو شبيه في ذلك بـ "وردزورث" الذي رفض فكرة الهجاء أو رفض قصائد الهجاء، وكان يرجو أن يكون معلماً مربياً حكيماً ومرشداً.

فهو تأثر به هنا، قال: «إن الشعر ينبغي أن يكون متعلقاً بالمشاعر الإنسانية العامة، لا بالحوادث الفردية الخاصة». أما العقاد فانطلق من فكرة العاطفة، فقال: إذاً العاطفة تتعلق بكل إنسان. وكان العقاد أكثر تدقيقاً، لأنه قال بما أن الأمر عاطفة، فالأمر إذاً يتعلق أو يرجع إلى صورة انفعال الإنسان مع الحدث؛ وإذا جاز لإنسان أن يتفاعل مع الحدث الذي تراه يومياً صغيراً كما يتفاعل مع الحدث الكبير، وإذا كان هناك من يتفاعل مع الحدث الصغير أكثر من تفاعل غيره مع الحدث الكبير، بل ربما لا تتفاعل مع الحدث الكبير الجليل، إذاً المرجع في ذلك هو ما يسدله الإنسان على الحدث من شعريته وعاطفته. وهذا الكلام قلنا أمس إنه مضبوط تماماً وصحيح تماماً.

وأذكركم دائماً بشيء، بأبيات وصف القوس للشماخ بن ضرار، عجيبة، عجيبة، عجيبة.

«تخيّرها القوّاسُ حلاها عن ذي الأراكِ عامرُ أخو الخِضْرِ يرمي حيثُ تُكوى النواحُ قليلُ التِّلادِ غيرُ قوسٍ وأسهمٍ كأنّ الذي يرمي من الوحشِ تارزُ مُطلاً بزُرْقٍ لا يُداوَى رميها مُطلاً بزُرْقٍ لا يُداوَى رميها وصفراءُ من نَبَعٍ عليها الجلائزُ تخيّرها القوّاسُ من نَبَعٍ ضالِهِ لها شَذَبٌ من دونها وحواجزُ»

يتكلم هنا عن وصف القوس، من أول وصف القوس التي مع عامر أخو الخضر، الذي يتقن الرمي بالقوس، ويحكي كيف اشتراها، فرجع إلى القوّاس الذي يصنع الأقواس من نبع ضال، لها شذب من دونها وحواجز، ويحكي أنها نبتت وظهرت في مكان، ما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها.

«فما زال ينجو كل رطبٍ ويابسٍ وينغل حتى نالها وهو بارزُ فانحى إليها ذات حدٍّ غرابُها عدوٌّ لأوساطِ العِضاهِ مشارزُ فلما اطمأنّت في يديهِ رأى غنىً أحاط بهِ وازَّرَ عمن يحاوزُ»

يعني الأصدقاء الذين يحوزهم يخالطهم، فلما اطمأنّت في يديه رأى غنى، شوف، رأى وهو ليس هناك غنى أصلاً، لكن رأى غنى أحاط به وازَّر عمن يحاوز، تفرغ للقوس فمضعها عامين ماء لحائها، وينظر منها أيها هو غامز، أقام القوس والطريدة درعها كما قومت درء الشموس المهامز، فوافى بها أهل المواسم، فنبرى له بائع يغلي بها السوم رائز، فقال له: هل تشتري؟ فإنها تباع بما بيع تلاد الحرائز.

فقال فظل يناجي نفسه بعد أن ذكر له ما يغريه بشرائها من ذهب ومن كذا، فظل يناجي نفسه: «أَميرُ القلبِ آياتي الذي يُعطى بها أم يُجاوزُ؟»، فقالوا له: «بايع أخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع حاجزُ».

فلما اشتراها، فاضت العين عبرة، «فلما اشتراها فاضت العين عبرةً وفي الصدرِ حزّازٌ من الوجدِ حامزُ».

ثم ينقل الكاميرا المشهد على الآخر الذي اشتراها، وذاق هذا البيت، هذا البيت بالمجرات بدون مبالغة، لأن فيه...

ظني أن فيه لحناً في قول هذه الحتة السريعة في الشعر الجاهلي، أو في نظرية الأدب، لكنها حتة تحلل الموضوع. فلما يقول الآخر الذي اشتراها، وهو أخو الخضر عامر: «وذاقه». هو أراد أن يقول جربها، أي أمسكها وجرب السهم فيها، فقال: «وذاق».

«وذاق فأعطته من اللين جانباً، كفى وله أن يغرق السهم حاجزه». ركز معي يا خالد عشان أنت مهكرني دائماً، وشوف لحن القول رايح فين، لو فهمتني ابتسم فقط. «وذاق فأعطته من اللين جانباً كفى وله أن يغرق السهم حاجزه». خذ بالك من لحن القول، بيلحن بنا على فين؟ «وذاق فأعطته»، لماذا؟ هو جرب، أي وضع السهم في الكبد، «وذاق فأعطته من اللين جانباً»، كفاه ليرمي السهم، خلاص، «وله أن يغرق السهم حاجزه».

قال: «وذاقه فأعطته من اللين جانباً، كفى وله أن يغرق السهم حاجزه، إذا خالط الضبي سهمها هتوف». طبعاً هناك إعرابان في هذا البيت، هذا البيت فيه روايتان: «هتوف» و«قذوف»، وفي كل وجه إعرابان، فله أربعة أوجه يوم أشرح القصيدة وأبينها إن شاء الله، لكنني أؤدي على الذي اخترته: «هتوف إذا خالط الضبي سهمها وارغى عنها أسلمته إلى النواقذ».

الشاهد في البيت، أو الذي أرجع إليه، يقول: «وذاق». ذاق تعني ماذا؟ سنقول «ذاق» استعارة لـ «جرب». جرب يعني هو أخذ واشترى، فـ «ذاق» هذه ليست مجرد تجربة، لأنه كان رائزاً في الأول، فوافى بها أهل المواسم، فانبرى له بائع يغلي بها السوم، فهو رائز يختبر ثم اشتراها بعد أن عرض عليه أموالاً عظيمة وقيمة، ثم اشتراها فـ «ذاق». يعني هو راح يذوق، ليس مجرد تجربة. استعمال «ذاقه» هنا يحتاج وقفة، ثم الاكتفاء بلفظ «كفى» يحتاج وقفة؛ كفى في ماذا؟

«وذاق فأعطته»، لا يا خالد، أنا أريدك أن تقف لتنتبه لحاجة، قوله: «وأعطته من اللين جانباً». ما هو هذا الجانب؟ هو أراد أن يقول إن القوس شديدة جداً وموترة، ليست لينة بحيث لما تشد السهم في كبدها تنحني انحناءً بعيداً، هي قوية، لكنها انحنت أو تقوست تقوساً قليلاً، هذا معنى «أعطته من اللين جانباً»، أي لينة ولكن «أعطته جانباً».

ركز معي يا عبد الله، «وذاق فأعطته من اللين جانباً» هي التي تحكمت. «كفى» يعني كان اللين القليل الذي يوضع في السهم كافياً لقذف السهم واختراق الرمية مهما كانت بعيدة. «وذاق فأعطته من اللين جانباً كفى وله أن يغرق السهم حاجزه». هنا حاجز يمنع السهم من الإغراق، فقالوا له: «بايع أخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهزه صارف»، أي يحركك أو يذهبك عنها.

هو جاهلي طبعاً، وهذا أجهل الجاهلية. «وذاق فأعطته من اللين جانباً»، التخيل هنا صعب، طبيعي، «وذاق السهم» يعني كان مستمتعاً ويجرب، «فأعطته من اللين جانباً»، أعطته ليناً على قدره، ليست لينة جداً. «وأعطته من اللين جانباً» هي التي أعطته جانباً، في حاجة تسمى أن القوس جعلته كأنه إنسان، هي التي تحكمت فيه واستعلت، كأنها «غانية من الغواني» على مذهب العرب في التعبير، مستغنية بنفسها، أعطته جانباً.

يتكلم عن القوس المدللة، الشديدة، الجديدة، يقول: «فكرت فيها لكن ما ظننت تقصيدها». نحن نتحدث مع لغة، وأنا أرى اللغة هنا غريبة؛ تخيل المعنى الأصلي وكيف يعبر عنه، وتخيل المعنى الفني وإلى أين ذهب باللغة. يقول: «وذاق فأعطته من اللين جانباً»، هل يقال في القوس «أعطته من اللين جانباً»؟ انظر إلى الاختصار في «كفى»، «وله أن يغرق السهم حاجزه»، أي أن هناك حاجزاً يمنعه من إغراق السهم. «جانباً» ليس مقداراً، المشكلة أنه «أعطته من اللين جانباً» وليس مقداراً؛ لو كان مقداراً لفهمنا، لكنه أعطاه جانباً، أي أن هذه القوس هي المتحكمة، هي التي أعطتك وهي التي منعتك، وإن ذقت، ذق على قدرك.

بعد ذلك يأتي البيت الذي فيه «ذاقه» بعد حسرة، فلما اشتراها فاضت العين عبرة وفي الصدر حزاز. يقول: «فمضعها»، التمضيع أن تتركها في الظل لتشرب ماءها وتجف، مثلما تنشر الشيء في الظل ليبقى رطباً، فالجفاف في الظل غير الجفاف في الشمس؛ لأن الشمس تسرع وتبخر الماء وتضعف الخشب، أما «فمضعها»، أي شربها: «عامين ماء لحائها». يظل يراقبها في الظل عامين وينظر إليها.

«أقام الثقاف والطريدة درعها»، الثقاف هو القالب الذي يشد فيه الرمح أو عود النبع ليصبح مستقيماً، والطريدة هي الخشبة التي تُبرى لإزالة الزوائد والعقد، «أقام الثقاف والطريدة درعها كما قومت در الشموس الخيل الشموس المهامز».

«فلما اطمأن في يديه رأى غنى»، أي بعد أن استقرت في يده، «أحاط ط به وازور عن من يحاوزه»، ذهب عن أهله وجالسه. في الأخير، «فلما اشتراها»، فظل يناجي نفسه، «وأميرها آياتي الذي»، أي الذي يعطى بها، «فقالوا له بايع أخاك ولا يكن لك...».

اليوم عن ربح من البيع لاهزوا فلما شراها، فاضت العين عبرة وفي الصدر حزاز من الوجد. وذاق الذي اشترى عامر أخ الخض وذاق فأعطته من اللين جانبا. كفى وله أن يغرق السهم حاجزه ما يقدرش، يزيد أكثر من كده الصلبة شديدة، عند القواس الذي صنع وعند الرامي الذي اشتراها.

قصة إذا انبطح الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلا، أوجعتها الجنائز هتوف. إذا خالط الضبي سهمها وإن راغ عنها أسلمته النواقض. هي هتوف، سواء اخترقه السهم أو لم يخترقه، صوتها أروع فأوقف مكانه فيؤخذ باليد. إذا خالط الضبي سهمها وإن راغ عنها أسلمته النواقض، وهذا وجه من وجهي الإعراب، وهناك رواية: النواقض قذوف. لما نشرح القصيدة إن شاء الله نفصل في هذا كله.

فهنا نحن مع العقاد في هذا، لكن قلنا أين المشكلة؟ ما مستوى الانفعال الذي يرضيك يا عباس محمود العقاد بوصفك رومانتيًا؟ قلنا هذا كل المشكلة. دائماً مع الرومانتي نعود إلى الأصل؛ هذه المشكلة مع الرومانتي وتظل قائمة. أنا معك، الشاعر هو الذي يسدل ويسبغ على الحدث من انفعاله فيكون شعراً أو لا يكون، هذا حلو، لكن علشان يكون شعراً يا عقادي، ما نوع الانفعال؟ هذا هو.

ولذلك مع اتفاقنا معه في الأصل، نظل نرى كثيراً من انفعالات الرومانتيكيين في أشعارهم ليست عالية، نراها انفعالات رخيصة أو مبتذلة أو شعبية. هل هذا لأننا نختلف معهم في الأصل بأن الأحداث مفتوحة وأننا الذين نصبغ عليها؟ لا نختلف، ودليلنا الشماخ ابن ضرار، لكن مشكلتنا اللغة، نرجع إلى اللغة. هتقول لي طيب، هل هناك مشكلة في اللغة بيننا وبين الرومانتي؟ مر عليك عبد الرحمن شكري، ومر عليك كوليج، ومر عليك وردز، وورث، والآن سترى تصريحاً لأن العقاد شجاع وباسل.

يعجبني في الحقيقة العقاد، كان ينقص أن نتفق معه في المذهب لأعمل له تمثالاً في البيت، لولا شخصيته وطريقته ودخوله. يعجبني العقاد أكثر من شكري وأكثر من إبراهيم المازني، مع أنه أيضاً مصارح، لكن الصراحة مع خفة، أما العقاد فسيصارحك اليوم بحقيقة ناهية في هذه القضية، أن القضية قضية لغة بيننا وبينهم، أكثر ما تكون قضية لغة، وأنهم أهملوا قضية اللغة كما قال محمود شاكر: «أهملوا اللفظة لما اهتموا بالمعنى والانفعال وأداروا الأمر على العاطفة». مشكلته رومانتي أدار الأمر على العاطفة فضاعت اللغة، وأيضاً مهد للحداثة التي دعست اللغة.

الشعر بين العاطفة والفكر. يقول العقاد: «وإذا كانت دعوة وردز وورث إلى ربط الشعر بالعاطفة قد أثارت بين مواطنيه وقرائه في إنجلترا تساؤلاً حول نصيب الفكر في الشعر ودوره فيه، فإن هذه الدعوة نفسها التي تبنتها جماعة الديوان في مصر قد أثارت شبهة قريبة». يا بتوع العواطف، أين الفكر؟ هناك من يصارعهم أيضاً في فكرة أخرى هي الفكر. إذ بالغ بعض الناس في الإيمان بها حتى ذهبوا إلى القول بأن الشعر وجدان، وأن الشاعر لا يتأمل ولا يفكر، وإلا قيل في شعره إنه كلام يوحيه الوجدان. قالوا الشاعر ينبغي أن يتكلم ولا يتأمل ولا يفكر.

بعض من الرومانتيكية بالغ في هذا، وكان على الذين يقودون دعوة التجديد أن يجلوا حقيقة الموقف. وقد قدمنا رأي شكري في هذا الشأن وإيمانه بأن الشعر عاطفة وفكر معاً، وبالمثل كان رأي العقاد متفقاً في مجمله مع رأي صاحبه، لكنه تميز عنه باستفاضة القول وبسط الحجة والاعتماد على منطق العقل الذي لا يسع القارئ إلا التسليم به في أكثر الأحيان عند العقاد.

ويقول خلاصة كلام للعقاد حتى نختصر ونجمّل: «لو كان الشعر هو الوجدان، فالهمجي له وجدان»، الشخص الهمجي له وجدان، فالشعر لو كان وجداناً فإنه أيضاً له وجدان. ثم يدلف إلى التفكير العقاد فيراه أمراً جوهرياً في الإنسان، ويشير إلى أن الحقيقة التي لا مراء فيها أن الأدب الرفيع لم يُخلق من عنصر التفكير، يشهد لذلك أدب الفحول من شعراء الأمم المختلفة.

طبعاً ما معنى الفكر هنا؟ الفكر الفلسفي والمعاني الفلسفية والاجتماعية والنفسية والحقائق الإنسانية، هذا الفكر الذي يقصده. الأدب الرفيع لم يُخلق من عنصر التفكير، يشهد لذلك أدب الفحول من شعراء الأمم المختلفة، أمثال شكسبير في الإنجليزية، وجيتا في الألمانية، والخيام في الفارسية، وأبي الطيب المتنبي في العربية. بل إنه يقول العقاد عن رباعيات الخيام إنها يصح أن تسمى «فكر الخيام»، لأن الرباعية منها تدور على فكرة أو خلاصة أفكار، ولا يمنعها الشعور أن تكون شعور إنسان من المفكرين.

وبعد ذلك يقول إن شعر المتنبي خير مثال لذلك في العربية، فليس في قصائده قصيدة واحدة يقول القائل إنه أهمل الفكر فيها وإنها وجدان بغير تفكير، وكثيراً ما يصوغ قضية من القضايا في بيت واحد، وضرب أمثلة: «وإذا لم يكن من الموت بدٌّ ... فمن العجز أن تكون جبانا» «وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادة لي بأني كامل»

تذكرون كلام عبد القاهر في من رجحوا الشعر بمعناه، هو قضية الفكر. وتذكرون كلام محمود شاكر لما قال: «اهتموا بالمعاني وأهملوا النظم أو اللفظة»، يعني أهملوا فن الشعر. محمود شاكر حتى في آخر الكلمة قال: وهذا هو الشعر أصلاً ليس الفكر. إذاً هذه القضية يخالفها محمود شاكر، ويخالفها من قبله عبد القاهر والجرجاني الذي قال: «المعاني مطروحة في الطريق»، يعني متاحة للشعراء وغير الشعراء. يسوءني شديداً.

إنني ما زلت أرى البرامج المسمى الآن البودكاست، أنا لا أعرف ما معنى بودكاست، وإن كان بعضهم قال نريد أن نعمل معك بودكاست وكذا من بعض البلاد، لكن لا أعرف ما معنى بودكاست الذي يسمى بودكاست وكذا، كلهم يتكلمون: انظر إلى الفكر الذي عبر عنه الشاعر، انظر كله كلام على الفكر، انظر إلى جمال الحكمة، انظر إلى كذا، انظر إلى كذا.

وعبد القاهر يقول: «ما وجدت أحداً من أهل العلم إلا ويزري ويضع من شأن من يرجح الشعر بهذا المذهب». يقول: «ما وجدت أحداً من أهل العلم المعتبرين إلا وهو يزري على من يقول هذا ويحط منه»، يزري به ويحط منه، لا يراه شيئاً. كل برامجنا الآن هكذا؛ شوف الفكرة ويحكي لك في الفكرة والتجارب الإنسانية، يعني يأتي مثلاً إلى بيت المتنبي وإذا يقول لك: انظر، يقول المتنبي أبو الطيب: «وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأني كاملُ».

ثم يتكلم في التجربة الإنسانية، فأين الشعر؟ طب ما تشرح حكمة ابن عطاء الله السكندري، ما هي حكمته؟ في الأقوال المأثورة، مؤلفات قديمة وحديثة في الأقوال، هات كتاب الأمثال للميداني واشرحه، الله قول الله من هنا للصبح، هتقول الله للصبح هيعجبك جداً، لكن هذا شعر ينبغي أن أشرحه من حيث كونه شعراً. في غلط في الكلام هذا يا إخوة، كله يتكلم، ولهذا في الآخر يقول لماذا أبو قيس متنكب وناقم على البرامج وعلى الموجود؟ لأنكم تلعبون، لأنكم لا تحترمون المنطق، تقولون كلاماً في الشعر وليس في الشعر.

أشهر العلماء وأظهر العلماء الجاحظ وعبد القاهر وشاكر، كل هؤلاء يقولون لكم هذا ليس المذهب في الشعر، وأنتم تصرون على أن تتكلموا في هذا، فلماذا أحترمكم وأحترم برامجكم؟ لماذا أكون ليناً أو هيناً في قبول الدعوات أو في قبول الكلام أو في كذا؟ لماذا تجانبنا؟ لماذا تهاجم هذه البرامج؟ أهاجم طبعاً، لأن كلامك كله في الحكمة، شوف الحكمة، شوف الفكر، ليس هذا.

طيب، هجيب لك خمريات أبي نواس وطلع لي الحكمة والفكر، أجيب لك مجونياته طلع لي الحكمة والفكر؟ تعثرات الفرزدق، آتي ببيت الفرزدق وهو يشبه فرج أم جرير، وهو محلوق بوجوه الترك، لأنهم يحلقون، العرب لا تحلق، العرب ما كانت تحلق، خلاص، وهو يشبهها بوجوه الترك عريضة ومحلوقة، قل لي المعاني والحكمة يا أستاذ، أستاذ حكمة؟ اشرح لي المعاني والحكمة، اشرح لي السر الإنساني الاجتماعي في هذا التشبيه في هذا البيت في فائية الفرزدق، اشرح الحكم في فائية الفرزدق، أقول لك شيئاً لن يعجبك؛ أخرجها من الشعر الجيد، يلا، أخرجها من الشعر الجيد، ما هي ليست شعراً، ما في حكمة، بيقول لك أم جرير كانت معجبة بنفسها تتأهل لزوجها فخلعت ثيابها أو تلبس ثيابها، نظرت إلى فرجها وهو محلوق كوجوه الترك، فكذا فذهبت فإذا ضرتها حمار، فقالت يعني يا لعلاب الزمن الذي تكون فيه درتي حمار، ما هو ابن الأتان يتكلم على ابن الأتان، عنده يعني استغفر الله هذا ابن الأتان، عنده جرير صاحبه، فأين الحكمة وأين البيان؟ فقط بيان، بيان فقط، بيان، نتكلم في علم يا إخوة بالمناسبة، هذا ضروري البيان الذي أقوله ضروري.

و«إذا أتتك مذمتي من ناقص» ستجد إخوة البودكاست يجلبون لك الحكمة، فأين الشعر؟ اشرح الشعر الذي فيه: «تصفو الحياة لجاهل أو غافلٍ عما مضى منها وما يتوقع، ولمن يغالط في الحقائق نفسه ويسومها طلب المحال فيصومها طلب المحال فتطمعه».

وينتهي العقاد في هذا الصدد إلى تقرير بعض الحقائق الخاصة بملكتي التفكير والإحساس عند الإنسان؛ رأيتم تأثير العقاد؟ مهما بدا أصيلاً لازم يتأثر، لازم يتأثر. وينتهي العقاد في هذا الصدد إلى تقرير بعض الحقائق الخاصة بملكتي التفكير والإحساس عند الإنسان، فكلتاهما جزء من طبيعته وتكوينه، وليس حظه من كل منهما واحداً عند كل الناس، إلا أن نقص إحداهما لا يكون لحساب الأخرى، إلى آخر ما قال. وتكلم عن امتزاج التفكير بالإنسان، بالإحساس، وقال: «ومن جهة أخرى قد ينقص فكر الإنسان وينقص حسه على السواء»، وهنا تأتي حقيقة أخرى أسس عليها العقاد حجته في تأكيد دور الفكر في الشعر، وتكمن في امتزاج عمل الملكتين وتشابقههما في نفس الإنسان: التفكير والإحساس، تفكير وإحساس، لازم يكون حكيماً مفكراً وكذا، ما إحساس؟ كل العلماء ما...

إذا كان التفكير مقصوداً به تفكيراً خارج إطار البيان، وأن يكون تفكيراً يتعلق بالعلوم، الإنسان يعني إجالة النظر في العلوم الإنسانية التي تسمى الفكر، الفكر الإنساني من فلسفة وعلم نفس واجتماع، الذي يقصد هنا كل هذا ليس من عمل الشاعر، يتناوله الشاعر، وأنا قلت من قبل عبارة قلت: الشاعر حكيم رغم أنفه، غصب عنك ستأتي بحكم، وأبو الطيب فقط يأتي بها، القيس يأتي بها والنابغة يأتي بها، «ولست بمستبق أخاً لا تلمه على شعث، أي الرجال المهذب»، فكلهم يأتي بها، يستعملها في الشعر، لكن الشاعر بالمقام الأول مبين، مؤثر، مخيل، ليس مفكراً.

ولهذا الآمدي نفسه قال -والآمدي هو أبو القاسم الحسن بن بشر، الذي توفي عام 270 أو 271، صاحب الموازنة- قال: «نسميك شاعراً، نسميك حكيماً، نسميك فيلسوفاً، فلنسميك عالماً، لكن لا نسميك شاعراً»، هذا شيء آخر، الشعر له شروط، نعم، وإذا توفرت ليس يشترط أن يكون المعنى حكمة وفكراً في الاجتماع أو الإنسان أو الفلسفة.

بل العقاد تقدم إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ قرن الشعر بالفلسفة في ضرورة الفكر والخيال والعاطفة لكل منهما؛ إذ قارن الشعر بالفلسفة، الشعر كالفلسفة في دور الفكر والخيال والعاطفة لكل منهما مع اختلاف في النسب وتغير في المقادير. يعني إذا جعل الفكر والخيال والعاطفة، لا يعني، لا ينفك الشعر كالفلسفة، لا ينفك من...

الفكر لازم يكون فكرة إنسانية، اجتماعية، فلسفية. اسمع يقول العقاد: «فلا بد للفيلسوف الحق من نصيب من الخيال والعاطفة، ولكنه أقل من نصيب الشاعر، ولا بد للشاعر الحق من نصيب من الفكر، ولكنه أقل من نصيب الفيلسوف». فلا نعلم فيلسوفًا واحدًا حقيقيًا بهذا الاسم كان خلوًا من السليقة الشعرية، ولا شاعرًا واحدًا يوصف بالعظمة كان خلوًا من الفكرة الفلسفية.

يستنكر العقاد المفهوم المعهود بأن شعراء الأمم الفحول كانوا من طلائع النهضة الفكرية ورسل الحقائق والمذاهب في كل عصر نبغوا فيه. وفرق بين أن يكون الشعراء مؤثرين في النهوض، وبين أن يكون كل الشعراء مؤثرين في النهوض. فهمتم الفرق؟ فرق بين أن يكون الشعراء أثروا في النهوض، لأن الشاعر -عندك الجواهري وأحمد شوقي- مؤثرون، وبين أن يكون كل شاعر مؤثرًا في النهوض.

خلاص، نعم من المؤثرين في النهوض الشعراء لأن مجالهم يطلب هذا في التهييج وفي توثيق الوقائع، أما الشعر نفسه لا يلزمه أن يفعل هذا في كل باب، ولا يلزم الشعراء جميعًا أن يفعلوا هذا، فالأحداث في حاجة إليهم لكن ليس كل شاعر يقول في كل الأحداث.

كان البحتري متأثرًا أو تابعًا للأحداث وليس مؤثرًا فيها، وترى شعره... أنتم تعلمون كيف شعر البحتري. الذي قال فيه: «لولا علي بن مر لاستمر بنا... خلف من العيش فيه الصاب والصبر». هجاه بعد ذلك أصلاً، غضب على بعضهم وهجاه بعدها. أنت تسمع هذا تقول مستحيل، خلاص مستحيل.

هنا يتكلم خصوصًا عن موقف العقاد من المتنبي، أو عن مكانة المتنبي عند العقاد وعند من يذهبون إلى قضية الفكر مع العاطفة ويركزون عليها شديدًا. هذا هو العقاد بالمناسبة، وهذا هو الذي يجعل بعض الرومانتيكيين يضعون هذا الأمر على رأسهم. المتاثرون بالعقاد كالدكتور رحمه الله أبو همام، عبد الحكيم عبد اللطيف أبو همام صاحب الأدب الإسباني، هو عقادي تمامًا في هذا، وتراه يقول عن نزار قباني: ليس عنده فكر، وأنا أريد شعرًا أفكر في أفكاره ولغته. ولهذا أيضًا يعجب بابن الرومي ويقول ما عنده من الفكر والفلسفة، تأثروا بالعقاد في هذا وهو تلميذ قوي مباشر للعقاد، أبو همام رحمه الله الدرعمي تلميذ قوي مباشر للعقاد ومنتسب له، مع أنه تلميذ لشاكر أيضًا لكنه منتسب للعقاد أشد من انتسابه لشاكر، أو العقاد متجذر فيه أكثر من تجذر محمود شاكر.

وإيمانًا من العقاد بأهمية الفكر في تكوين الشاعر العظيم، إلى جانب دقة الشعور ولمحة الخيال بالطبع، جاء وصفه للمتنبي بأنه من شعراء العربية العظام. لماذا؟ العقاد كتب كثيرًا عن المتنبي وأشاد به، وله في سلسلة تراث الإنسانية ديوان المتنبي الذي تولى الكتابة عنه. لماذا؟ لهذا الشيء: الفكر. الشاعر العظيم هو الذي تتجلى في شعره صورة كاملة للطبيعة بجمالها وجلالها وإعصارها، أو يستخلص من مجموع كلامه فلسفة للحياة ومذهبًا في حقائقها وفروضها، أياً كان هذا المذهب وأياً كانت الغاية الملحوظة فيه؛ لازم فكر ولازم مذهب وفلسفة.

طبعًا هذا يعود في الأخير إلى ثمرة الفكرة الرومانتيكية في نشأتها، وأنها جاءت للتعبير عن الإنسان من حيث كونه إنسانًا في الطبقة التي كانت البرجوازية التي نشأت، وهي ما تحت طبقة النبلاء وفوق طبقة العمال البروليتاريا، واهتموا بالتجارة والعمل الفردي وكونوا الرأسمالية. الرومانتيكية نشأت في هذه الفكرة الإنسانية. ستقول لي: استنى، لا هي فكرة لغوية، لا هي إنسانية وقيمة إنسانية وليست لسانية كما يزعم العقاد، وسترى اليوم إن شاء الله نأتي لها.

وأذكركم بالرسالة البيانية عند العرب، وأنا تكلمت عنها. لماذا الرسالة عند العرب؟ معنى كون البيان رسالة عند العرب يعني أن ذلك وصول أولًا للكمال الإنساني عند العربي، وثانيًا وصول لتأكيد الهوية العربية؛ لأن العربي فخور بعربيته، فكلما أغرق في اللسان وأبان فيه كان أشد عروبة، وهو يبحث عن الكمال بالبيان كما يبحث عنه بالفروسية.

ولهذا وضعوا الشاعر العربي في مرتبة عالية، بغض النظر إذا أبان عن أي موضوع. ولهذا توارى عند العرب فكرة الموضوع؛ امرؤ القيس وضع على العرش عندهم، هل وضع لأن موضوعه خدر عنيزة يرمز إلى شيء في الحياة؟ هل لأن موضوع الطرد والصيد الذي يذكره في شعره ووصف الفرس ينتهي إلى شيء في الحياة؟ هل لأن لهوه مع الفتيات في الأيام الصالحات سينتهي به بشيء في الحياة أو بفلسفة في الحياة؟ لا، بل لأنهم رأوا أنه بلغ مرتبة من المنحة الإلهية للإنسان العربي؛ العربي مبين، وكلما استطعت التعبير عن المعاني أضرب في صدرك وأبعد في البيان والمعنى، كلما ذهبت فوق عند العرب.

لأن أداة البيان أنت كائن مبين، أنت عندك قدرة ليست عند أحد. الشاعر العربي هو "فارس شاعر"، جاءت فارس مع شاعر على طول، لأن فارس تشمل كما شرحت الأخلاق والشمائل الأخلاقية، وشاعر تشمل أو تتضمن البيان اللساني، إذاً هو كملت كمالته الإنسانية، يبين عما في نفسه؛ لأن العربية عميقة الشعور، فكلما أبان بنظم صحيح عن الشعور الداخلي والمعقد داخله، عبر بذلك عن كمال إنسانيته.

وإن كان موضوعًا مزريًا في أصله، ليس شريفًا في أصله، حتى لو كان ليس شريفًا في أصله. ورأيتم جميعًا كيف أن جلالة الموضوعات التي أتى بها، من أسلمت على يديه المعلقات وأراها ارتدت أصلاً تزندقت، هذا الذي يوسف العظم رحمه الله لما قال «أسلمت»، ماذا لو أسلمت المعلقات؟ رأيتم كيف أن جلالة المعاني لم تنفق عندنا؟

لماذا؟ المعاني جليلة وفلسفة وفقه ليست بشيء، لأن النص لم يدل على شريف معنى له عمق في القلب. لأن المعاني ليست بنوع المعنى، بل ببعده وفنه وبعد مرماه. المعاني التي أتى بها يوسف العظم سخيفة جداً، طفولية جداً، وإن كانت في ذاتها جليلة وحكمة وإسلام وإيمان وشهادة وجهاد.

لكن رأيتم جميعًا -وأسف أقولها وهي صعبة- هذا القرف الذي سمعتموه، سمعتم القرف، صح؟ لكن لماذا تعجبكم معاني المعلقات مع أن كثيراً منها يعارض أصلاً ما تؤمنون به، ويعارض ما تلتزمونه من أخلاقيات؟ لأنكم لا تنظرون إلى جنس المعنى، بل رأيتم المعنى خارجًا من عمق في النفس، معنى معقد مركب في النفس، بعيد عبرت عنه اللغة، هنا تحصل النشوة.

معنى بعيد عبرت عنه اللغة، رأيتم ماذا حصل؟ كما قلت في الأول في أبيات القوس: تخيرها القواص من فرع ضالة ... لها شذب من دونها وحواجزُ وبعد ذلك يحكي وصل إليها كيف اطمأنت في يده بعد وصوله إليها، فلما اطمأنت في يديه رأى غنى، يعني ماذا يعني رأى غنى؟ يعني رأى أنه سيرعاها وكذا وستجلب له الغنى، جعله رأى غنى أحاط به، وأزور عمن يحاوز؛ لأنه يسعى الآن للغنى الذي رآه أحاط به مجازًا باعتبار ما سيكون. شفت التعبير؟ رأيت التعبير؟

أقول أيضًا، عرفتم الفكرة عند العرب أين هي؟ وهذا الفكر الذي عند العقاد حول قضية الفكر عند الشعر، المعاني الفلسفية، سيوقع الرومانتيكيين العرب في ورطة؛ لأنه سيضعهم أمام تراث كبير ليس على هواهم ولا شرطهم. ولهذا ترونهم يتكلمون عن المتنبي، ولكن يعلمون أنهم لو رفعوه على امرئ القيس سيصطدمون مع الشعر العربي مع التاريخ.

السؤال الآن الذي جاءني كثيراً، والله يا إخوة سنين يراودني هذا السؤال، قطعا شعرتم بهذا، كثرة إدارتكم الكلام على النابغة وعلى المتنبي وأنه أعظم شعراء العربية، قطعًا هذا يتضمن التصريح بأنه فوق امرئ القيس والنابغة، لماذا لم تصرحوا بذلك؟ لأن هذا سيجعل الرومانتيكيين أمام أنفسهم قبل أمام التاريخ العربي، متنكبين تاريخهم العربي، سيجعلهم مخالفين للنهج العربي قطعًا.

لأن هذا ليس اختلاف تقدير، يعني أنا وأنت ممكن نختلف في قصيدة للنابغة وقصيدة للأعشى أو لزهير، ممكن نختلف بين الأمشاق بن ضرار والألمش بن ضرار الذي قال الأصمعي: «لا يقل عن أخيه شعراً»، ممكن نختلف أبو ذئيب أشعر أم أبو متسلم الضبع، ننظر الخنساء أم ليلى الخيالية، الأصمعي يشير إلى كلام يقول فيه ليلى الخيالية أشعر من الخنساء وإن كانت الأخرى أشهر، خلاص ممكن. لكن أن تقول المتنبي فوق كل هؤلاء، هذا اختلاف منهج، خلاص، هذا اختلاف منهج وليس اختلاف تقدير وتطبيق.

فسيواجهون أنفسهم أولًا، نحن اصطدمنا مع التاريخ العربي، وأنا أعتقد أن أمثال العقاد سيخاف من النطق بهذا أمام نفسه لولائه لأدب العرب أكثر من أن يخاف الناس. ماذا سيقول؟ العربية فضلت هؤلاء البدو، فضلت صاحب الخمريات على المتنبي، ونصوصهم صريحة في هذا. ابن طباطبة وابن قتيبة، هذان الرجلان تحديدًا هم أهل المعاني من عبيد الشهادة، ما شاء الله. وأهل المعاني هذه الرتبة الرابعة التي ذكرها المرزوقي في مقدمة المقدمة الأدبية، لم ينتقدوا امرأ القيس لكن حطوا على عمر بن أبي ربيعة، لم يستطيعوا الولوج لامرئ القيس لما قالوا نفعية المعنى، اشتراكية المعنى، يعني كونه مشتركًا ونافعًا ومنتشرًا.

بعد ذلك، وحين يشرح العقاد طبيعة التكوين كذا كذا، يمضي في اتجاه الرومانتيكيين، هذا الذي يقوله الدكتور شفيع السيد المؤلف، وهو محايد أكثر مني بكثير طبعًا، يمضي في اتجاه الرومانتيكية التي خلعت على الشاعر معنى النبوة وما يرتبط بها من الوحي. وحين يشرح العقاد طبيعة التكوين الفكري والشعوري للشاعر العظيم الذي يستحق بها هذه المنزلة، نراه يمضي في اتجاه الرومانتيكية التي خلعت على الشاعر معنى النبوة وما يرتبط بها من الوحي والإلهام.

لكنه لا يستخدم هذه الصفة، صفة النبوة، لأنه مسلم وله ميل ديني إسلامي، وإنما يعمد إلى بعض التشبيهات الحسية الدالة على الوصول إلى أدق الأسرار المحتجبه وبلوغ أبعد آفاق المجهول في الكون والحياة. ثم أخذ ينقل عبارات عن العقاد، نقل قطعة عن العقاد فيها مثلا قوله: «وليس يفوتها علم شيء دق أو جل»، يتحدث عن قوة نفس صحيحة الإحساس قوية لا يغيب عنها قريب ولا بعيد ولا ظاهر ولا باطن مما يحيط بها من مشاهد الحس والخيال، «وليس يفوتها علم شيء دق أو جل» إلى آخره.

فإذا اتجه الشاعر العظيم إلى الطبيعة -الطبيعة صدفة لا، وردزورث أيضًا وكولرج- فإذا اتجه الشاعر العظيم إلى الطبيعة فهو الذي يسمعك الخليقة الأولى منظومة، وله في لفظ ﴿وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ﴾ منظومة في لحن، ويبثك من هذه الدنيا الإلهية نبضات أغوارها وصدحات أفلاكها، وما توسوس به وما تزمجر من نغمات رضاها وغضبها وطلاسم صلواتها وتعاويذها، أو هو يكتب لك بهيروغليفية الإلهام، كل ما في معجم الطبيعة أيضًا، معجم الطبيعة من الكلمات والرموز وما يجري بها، لسانها الملغز من الأسماء والحروف، فإذا الطبيعة بقدها وقضيبها مجموعة لديك، وإذا بك تعيش في كل ناطقة وصامتة، وكل متحرك وكل متحركة وساكنة من ذلك العالم السرمدي الرحيب، فكرة النبي، شعر النبي.

ثم يقول الدكتور شفيع، وأحسب أنه استصفى هذا المعنى وكثفه تكثفًا في بيت واحد من الشعر تجاوز فيه وأساء التعبير دينيا، إذ قال هذا البيت من بحر البسيط: والشعر من نفس الرحمن مقتبس ... والشاعر الفذ بين الناس رحمنُ

الدكتور يقول في التعليق: البيت من قصيدته «الحب الأول» في ديوان «يقظة الصباح» إلى آخره، قال: والإساءة في الشطر الثاني لأن الوصف بالرحمن مقصور على الله عز وجل ولا يجوز وصف غيره به. الرحمن خصوصًا، حتى لا تقول يعني بالمؤمنين رؤوف رحيم، وهو النبي ﷺ رؤوف ورحيم، الله الرؤوف والرحيم، لكن الرحمن لا يصح هذا البناء، لأنه كبير عام يشمل الخليقة كلها. وبناء على هذا، انتقل العقاد إلى إحاطة الشاعر.

القول في كل ضروب الشعر، والسير في كل دروب. الشعر: القول في كل ضروب، بالضاد؛ الأنواع، أنواع الشعر. والسير في كل دروب، بالدال. الشعر هذا تعبير ليس في الكتاب، خلاص.

يقول كلامًا خلاصته أن الشاعر الحق ليس الذي يقتصر على باب واحد؛ بناءً على فكره أن الشاعر يعبر عن الكون. هو عمال ينتقل، الشاعر المفكر، الشاعر الذي ينظر إلى الكون كله، فهو مفكر، فشبهه بالنبي في نفس السياق. عنده فكرة نقدية، ما هي هذه الفكرة النقدية؟ إن الشاعر الأعلى هو الشاعر الذي يقول في كل أبواب الشعر، ويتكلم بكل ما يستطيع الوصف به؛ لأنه لا بد أن ينطلق من الطبيعة والإحساس، فهذا لا شك من حيث الفكر والفلسفة، أوعب من الذي يتكلم في فرع أو فرعين؟ هذا خلاص هذه خلاصة القضية.

فإن الشاعر الذي لا يخاطب النفس إلا من ناحية واحدة، كالآلة الموسيقية التي ليس فيها غير وتر واحد، فهي تنطق بصوت واحد من أصوات هذه الحياة، ولكنها لا تتسع لتمثيل روايتها الكبرى بأصواتها المنوعة وأصدائها المختلفة المتجاوبة. أنا قلت هنا في التعليق قديمًا: هكذا صار الشاعر فيلسوفًا مفكرًا عند العقاد؛ لأن الفيلسوف هو المطلوب أن يفكر في كل شيء يتعلق بالكون، والذي لا يستطيع الإحاطة فهذا فيه نقص وقصور. ونرى كيف صار الشاعر فيلسوفًا مفكرًا عند العقاد، ونرى كيف أن البيان هو آخر شيء يأتي في الكلام البين باللغة.

أما مقاييسنا، فلدينا قاعدة مراتب البواعث في تحديد ما يحسن به الشاعر وما لا يحسن، وما ينبغي إقدامه عليه وما ينبغي تنكمشه. لو قال أحدكم الآن مثلًا: يا أبا قيس، أنت ماذا ترى؟ العقاد انطلق من فكرة الإحاطة، وأن الشعر فكر ونظر في الطبيعة، وأنه يشبه ببعض صفات النبي الذي يتكلم في الكون ويذكر المثل العليا وينقلها، فيعبر عن الطبيعة الإنسانية والاجتماعية والفلسفية، أو يعبر عن مذهبه الخاص.

طيب، يا أبا قيس، ماذا ترى أنت هنا؟ أرى هنا ما قاله ناقد كالقيرواني؛ القضية قضية بيان. وعندنا مراحل في التعبير في البواعث من حيث علاقة الشاعر بالمعنى أو الموضوع: هناك شاعر مطبوع على هذا المعنى، وهناك شاعر عنده قوة تشبه بالمطبوع، هذان يقولان قصائد في مستوى واحد؛ لأن قوة التشبه تساوي قوة الطبع، لأنه يكون في حكمه لما يصنع العمل ويتشبع بالمعنى. ثم هناك مرتبة ثالثة ساقطة، وهي ألا يكون مطبوعًا على المعنى، ولا عنده قوة التشبه بالمطبوع على المعنى؛ يعني لا مطبوعًا على المعنى ولا مطبوعًا على قوة التشبه، هذه الرتبة الثالثة هي أن يصنع ذلك بما علمه من دربه قراءة الشعر، فيبدأ بمحاكاة أصحاب هذا الموضوع في هذه الطريق بالعبارات التي يقولونها.

هنا يقول القيرواني سيسقط؛ لأن الناقد سيكشفه، أنت متكلف. هنا تقولون شعر متكلف. يعني شخص لا هو مطبوع على الغزل، لكن ممكن يكون غير مطبوع على الغزل لكن عنده قوة تشبه بالمطبوع؛ أتخيل أني أنظم غزلًا وأستطيع على ذلك، وأهيج نفسي وأعمل وأبدأ أنظم أيضًا مثله، وقد يحسن عن الأول إذا كانت عنده أدوات أخرى في الشعر أقوى. هو ساواه في الباعث، في الفطرة، في الغريزة، بقيت الأدوات إذا كانت الثانية عندها أدوات أقرب فهو متفوق.

فشخص لا عنده طبع غزل، ولا عنده طبع تشبه بمن عنده، سيبدأ بقوله: «وإني حينما أحببتك صرت أتلفّت حولي بحثًا عنك». يقولون كذلك، ماذا يقولون أيضًا؟ هات وريني، وفي الأخير يقول لك هو الشات جي بي تي، الذكاء الاصطناعي. يستطيع أن ينظم قصيدة؟ لا يمكن؛ لأن هذا يحتاج إلى باعث طبعي، أو باعث أيضًا وهبي وهو التشبه، أما الآخر فسيظل يخلط الموجود ويحاول صناعته. لن ترى إنسانًا، لن ترى شاعرًا، هو الشعر طق طق طق، يقول: هل يستطيع الإنسان الشات جي بي تي؟ نعم يا أبا قيس، سيعمل؛ لأنك عندما تقول لي الشات جي بي تي عمل لي قصيدة وتقرأها وتكون عاجباك جدًا جدًا، فأنت حمار جدًا جدًا؛ لأنك لم ترَ شيئًا.

الكلام لجنس هؤلاء يقول لك الشات جي بي تي عمل قصيدة؛ يا حبيبي لا عنده طبع للموضوع ولا عنده باعث ولا عنده طبع للتشبه، هذا يجمع الدربة وليس عنده دربه. صاحب الدربة عنده ملكة إنسانية، إنما هذا يجمع تك تك تك، الشات جي بي تي يكتب لك قصيدة غزلية، واتفرج عليها، ولو عجبتك اعتبر أبا قيس قال لك أنت حمار، بس هدية من عندي.

بعد ذلك، تحت عنوان مقاييس نقدية، يقول: يستطيع القارئ المتأمل لما كتب العقاد في دراسات كثيرة متنوعة في مجال الأدب والنقد، وجمع فيها بين التنظير والتطبيق، أن يستبصر ملامح رؤيته النقدية، ويرصد عددًا من المقاييس الفنية التي كان يستند إليها وينطلق منها. وكان لشوقي، أبرز شعراء العصر الحديث، من دراسته وتحليله نصيب موفور، هو حط على شوقي مسك، شوقي بيتغاظ من شوقي. وإن شئنا قلنا إنه كان المضمار الواسع الذي صال فيه العقاد بقلمه وجنانه.

ومع ما شاب تلك الممارسات النقدية من تحامل حينا وتعسف حينا آخر، كانت تجربة غنية ولا شك دفعت حركة التجديد دفعة قوية إلى الأمام، وأسفرت عن ظهور المقاييس التي ألمحنا إليها والتي كتب لها الذيوع بعد ذلك في أوساط الدارسين. على أن أغلب هذه المقاييس اهتدى إليها العقاد في صدر شبابه، وواحد منها لم يتهيا له اكتشافه إلا بعد أن استحصد تفكيره النقدي. والطريف أن هذا المقياس جاء من وحي الكلام عن شعر شوقي أيضًا، وإن كان معه حافظ إبراهيم هذه المرة.

حين سئل العقاد بمناسبة الاحتفال بذكراهما عن مقام كل منهما بين شعراء العرب وشعراء العالم، حافظ إبراهيم وأحمد شوقي، وإلى أي حد غير الزمن من رأيه فيهما، وكان ذلك عام 1947، أي بعد 15 عامًا من رحيلهما؛ العقاد هاجم شوقي في حياته، وقبل أن يموت بعوام، وبعد أن مات بـ 15 عامًا، يعني بعد أن نقده بـ 25 عامًا.

لقد جعل العقاد هذا المقياس أول مقاييس ثلاثة عامة يقيس بها الشعر، وهذه المقاييس الثلاثة التي يقيس بها الشعر هي: الشعر الصحيح -قلت لكم سيأتي العقاد بكلام صريح يفارق بيننا وبين الرومانتيكية- المقياس الأول الذي يقيس به العقاد الشعر الصحيح هو: لا تضره الترجمة. المقياس الثاني: وحدة القصيدة، والمقياس الثالث: الأصالة. دعنا الآن من قضية الأصالة ووحدة القصيدة، نأتي فيهما إليهما في المحاضرة القادمة إن شاء الله.

لكن الشعر لا تضره الترجمة؛ لقد جعل العقاد هذا المقياس أول مقاييس ثلاثة، المقياس الذي تأخر اكتشافه عنده، وفيه يقول إن الشعر قيمة إنسانية وليس بقيمة لسانية؛ صراحة، إن الشعر قيمة إنسانية وليس بقيمة لسانية لأنه وُجد عند كل بشر، عند جماعة من الناس، أمة، وبين الناطقين بكل لسان، فإذا جادت القصيدة من الشعر فهي جيدة في كل لغة. وإذا ترجمت القصيدة المطبوعة، أي الصادرة عن طبع وموهبة شعرية، لم تفقد مزاياها الشعرية بالترجمة إلا على فرض واحد، وهو أن المترجم لا يساوي الناظم في نفسه وموسيقاه، ولكنه إذا ساواه في هذه القدرة لم تفقد القصيدة مزية من مزاياها المطبوعة أو المصنوعة، كما نرى في ترجمة الزجر، كيف لا وهي تنطق إنجليزية، لكن لا أدري كيف تنطق هنا في زجر لرباعيات الخيام.

من الجيد أن واجهنا العقاد بهذه الشجاعة، لأن رأيه هذا هو أكبر دليل على مفارقة منهج رومانتيكي العرب لمنهج العرب، بل صرح بأنه قيمة إنسانية وليس قيمة لسانية، وهو عندنا يا إخوة قيمة لسانية على الوجه الذي ذكرته، من جهة كمال البيان وكمال الخلقة الإنسانية عند العرب وكمال العروبة.

لكن العجيب هنا أن العقاد تناقض تناقضًا صريحًا مع نفسه ومع ما كتبه في "اللغة الشاعرة"؛ لأن العقاد في "اللغة الشاعرة" بين فضل العربية في خصائصها، وهذا يلزم منه فضل شعراء العرب وتفوق شعراء العرب على شعراء غيرهم. وهذا العجيب! أنت عندك من العلماء من نص على نفي ذلك من القدماء؛ الجاحظ في المجلد الأول من كتاب "الحيوان"، ومحمود شاكر في "نمط صعب".

أختم لكم بالكلمتين للجاحظ ومحمود شاكر. يقول الجاحظ في كتاب الحيوان، الجزء الأول، صفحة 75: «والشعر لا يستطاع أن يُترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوِّل تقطَّع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب، لا كالكلام المنثور».

كيف تناقض؟ تسأل دينا أبو زيد: كيف تناقض العقاد؟ لأنه في كتاب "اللغة الشاعرة" -ارجعي إلى الشرح الذي شرحته لهذا الكتاب، أظن في ستة مجالس في الأردن، موجود على قناتي، كلامه عن شاعرية اللغة العربية وأنها لغة شاعرة بنفسها، وأن فيها من الخصائص ما ليس في اللغات الأخرى- فكيف يقول بعد ذلك بأن النص إذا نُقل عن هذه اللغة الشاعرة بذاتها، والتي رُفعت بعد ذلك بشاعرية أعلى شاعرية الشاعر، إذا عبر عنها في لغة أخرى، فإن القصيدة لم يذهب حسنها وظلت بنفس المستوى؟

كلام الجاحظ يقول: «والشعر لا يستطاع أن يُترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوِّل تقطَّع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب، لا كالكلام المنثور». هذا كلام الجاحظ. ومحمود شاكر، قطعًا وضعت أنا رقم الصفحة، صفحة 34 في كتاب "نمط صعب" لمحمود شاكر، وهو نمط صعب ونمط مخيف؛ يقول في صفحة 34 إن حكى قصته مع ترجمة القصيدة الألمانية ومن الألمانية إلى العربية، يقول: «وتبين لي يومئذ فرق ما بين الترجمة والأصل»، وأظنه كان فرقًا عظيمًا يدل على أن الشعر يفقد نفسه إذا ترجم مهما كانت منزلة المترجم.

نقول: الشعر يفقد نفسه إذا ترجم مهما كانت منزلة المترجم، وهذا له تفصيل لا يسع له المقام، ونكمل في الحصة الثامنة عشرة إن شاء الله. وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.