دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام، أرجو أيها الكرام طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة، من بعد إذنكم.

يا مرحبا، مستقر الحمد لله. لحظة واحدة أطمئن إليه من عندي. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً يا محمود علي، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته حبيبنا خالد الشيباني، يا مرحباً. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، صوت جيد الحمد لله. أرجو التفاعل مع البث يا إخوة حتى يصل أو حتى يُرفع إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا أيها الإخوة هو مجلسنا السادس عشر من مجالسنا في شرح كتاب نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة. ونحن اليوم نقف مع رواد مدرسة الديوان أو جماعة الديوان، وهو الكتاب الذي ألفه العقاد وصديقه إبراهيم المازني. ويقال إن جماعة الديوان تُنسب إلى العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري، وإذا رتبنا الترتيب الزمني فعبد الرحمن شكري ثم العقاد ثم المازني. وعرفتم الوجه الذي به يُنسب الجميع إلى جماعة الديوان، وهو وجود رومانتيكية في مصر. وبعده بعشرة أعوام، في عام 1932، سيظهر ما يعرف بجماعة أبوللو، وسيكون لنا معها كلام إن شاء الله تعالى بإذن الله.

توقفنا في الكلام عن العقاد في الصفحة هذه من النسخة التي معي، التي هي مكتبة الآداب بمصر. نبدأ الحديث عن الشاعر عند العقاد. أول معلم من معالم نظرية الشعر عند العقاد هو كلامه في الشاعر وتعريف الشاعر والشعر. وهو اتفق مع زميليه عبد الرحمن شكري والمازني في كون الشعر صدوراً عن العاطفة، وهذا أمر رومانتيكي، لابد أن يقول هذه القاعدة، ونحن لا نختلف مع الرومانتيكيين في كون الشعر صادراً عن عاطفة، أي في كون الشعر ينبغي أن يكون صادراً عن هياج صدري.

بل عندنا تقعيد علمي في هذه القضية، وهو كلام حازم القرطاجني لما تكلم عن الميل الطبيعي للموضوع وللمعاني، وتكلم عن الميل التشبهي للمعاني، وتكلم عن الطبع وعن ملكة التشبه. وبعد ذلك قال: «وأما إذا فقد الإنسان الطبع في المعنى، وفقد التشبه بمن له الطبع في المعنى، ولم يبقَ له إلا أن يتكلم على أساس من الدربة والخبرة، خير له ألا يتكلم؛ لأنه سيقول كلاماً متكلفاً». هذا قاله القرطاجني وعرفته.

فهو يتفق مع زميليه شكري والمازني في صدور الشعر عن العاطفة. يقول الدكتور شفيع السيد متأثراً في ذلك -لحظة يا إخوة- مثلهم بما قال الرومانتيكيون الإنجليز وغيرهم. يقول العقاد قال ذلك متأثراً مثلهم بما قال الرومانتيكيون الإنجليز وغيرهم، ولكنه لم يقتفِ خطى وردزورث مثلما فعل عبد الرحمن شكري. وكما قلت لكم في المرة الماضية، سيصرح الدكتور بأن شكري لم يكن أصيلاً تماماً في أفكاره، وأنه تقريباً نسخ أفكار وردزورث.

العقاد لم يكن كذلك؛ الذي أعطاه تميزه النقدي هو أنه كان يتأثر، ولكن كان يأخذ الأفكار ويهضمها ويبحثها من مصادر عدة، ثم يخرجها أفكاره هو، وهذا عرفناه في المرة الماضية، وقرأنا كلامه في قوله إنه يصدر عن نفسه فقط. وقد صرح الدكتور بأنه قد يكون بالغ في ذكر أصالته، وبالغ في أنه لا يتأثر أو أنه ليس أصيلاً تماماً في كل ما يقول، لكن لا شك أنه كان يصدر عن نفسه وعن قناعات على الأقل.

قال إنه لم يقتفِ خطى وردزورث مثلما فعل شكري، الذي توشك عبارته في هذا الصدد أن تكون ترديداً لما قال وردزورث. تصريح الدكتور شفيع السيد أن عبارة عبد الرحمن شكري في قضية العاطفة ترديد لما قاله وردزورث، وإنما نرى العقاد ينهج نهجاً مستقلاً يؤكد أصالته في التفكير والنظر. ففي حديثه عن هذا المعنى، يرد كلمة الشاعر في العربية إلى دلالتها المعجمية؛ وهذا جديد لم يفعله عبد الرحمن شكري. يرد كلمة الشاعر إلى دلالتها المعجمية التي تشترك فيها مع الشعور، وهو أمر انفردت به العربية بين لغات العالم.

فليس الشاعر إذاً من يتكلم بكلام موزون مقفى فحسب، فذلك ناظم أو ناثر، وليس هو الذي يستخدم ألفاظاً جزلة وعبارات فخمة، فذلك ليس بشاعر أكثر مما هو كاتب أو خطيب، وليس هو الذي يأتي برائع المجازات وبعيد التصورات، فذلك رجل ثاقب الذهن حديد الخيال؛ إنما الشاعر من يشعر، يشعر ويشعر. ونحن نعرف أن الشاعر هو الذي يشعر بما لا تشعر به الناس. الربط بين أصل الدلالة المعجمية للشعر وبين مصطلح الشاعر هذا أمر كما قلت يا دكتور انفردت به العربية؛ واشتراك المصطلحين مع الشعور، أن يكون الشعر والشاعر مرتبطان بمادة الشعور، هذا أمر انفردت به العربية من بين اللغات.

ونُقل عن العقاد في كتاب من أوائل كتبه، كتاب «خلاصة اليومية» الذي صدر سنة 1913 ثم أعاده مرة أخرى بعد أكثر من ثلاثين عاماً، وفي تقديمه الثاني لـ «ديوان شكري لآلئ الأفكار» في العام التالي مباشرة، أي عام 1914، ردد هذا المعنى مرة أخرى؛ فذكر أن الشعر هو ترجمان النفس والناقل الأمين عن لسانها. وعن هذا المفهوم صدر في تحديده لدلالات بعض المصطلحات التي كانت تتردد في عالم الشعر آنذاك، مثل: الشعر المطبوع، وشعر التقليد، والشعر العصري أو الجديد.

فالشعر المطبوع يقول العقاد: «هو الذي يعبر عن ذات الشاعر وأحاسيسه الخاصة». ننتبه هنا يا إخوة، فالشعر المطبوع يقول العقاد إنه الذي يعبر عن ذات الشاعر وأحاسيسه الخاصة؛ ولو كان يفسر مصطلحاً تراثياً -انتبهوا لو كان يفسر مصطلحاً تراثياً وليس ما يريد أن يحمل عليه المصطلح- فانظروا كيف حمل الكلام على مذهبه. كلمة الشعر المطبوع ما المقصود بها؟ لو قصد أن يقول الشعر المطبوع يعني يتكلم بتعبيره الشخص المعاصر، فكل شعر جيد مطبوع، صح يا خالد الشيباني؟ أي شعر جيد عبر عن معانٍ سليمة وعن انفعالات صحيحة.

وعن انفعالات عالية دون ما تكلف، ودون فساد في الدلالة ولا فساد في الذوق؛ هو شعر مطبوع، بتعريفهم صحيح، أحسنت بتعريفهم.

لكن لو كان يفسر مصطلحًا تراثيًا -وليس ما يريد حمله على المصطلح فقط، يعني المعاصر لو كان يفسر مصطلحًا تراثيًا- فانظر كيف حمل الكلام على مذهبه، وهذا يصطدم مباشرة مع استعمال القدماء الذين جعلوا المطبوع نوعًا مقابلاً للمصنوع، كالمرزوقي وابن المعتز. المعتز في طبقاته يقول: «وهو شاعر مطبوع»، يأتي في بعض الشعراء وهو شاعر مطبوع، ولا يقول هذا عند بعض الشعراء، بل يقول هو شاعر مطبوع عند بعضهم.

وأيضًا المرزوقي وغيره نبهوا إلى أن أبا تمام كان يعجب في اختياراته بالشعر المطبوع، في حين أن شعره مصنوع. وشعره المصنوع ليس رديئًا، هو شعر جيد، لكنه شعر صنعه، وليس المعنى الصنعة هنا كما عرفتم الصنعة العامة للشعر، لا؛ الشعر كله صنع، لكن منهما هو مطبوع ومنهما هو مصنوع. وعندكم محاضرة المطبوع والمصنوع لمن أراد التفصيل في ذلك، المحاضرة التي ألقيتها في الأردن، لو بحثت عنها في القناة "محاضرة المطبوع والمصنوع"؛ هذه فيها تفصيل.

فقالوا: أبو تمام يختار في حماسته الشعر المطبوع مع أنه يحسن المصنوع، وجعلوا ذلك دليلاً على أن أبا تمام عالم وليس ينقاد لهواه، وأنه يعرف الشعر؛ لأنه يفرق بين ما يميل إليه نفسه عند القول، وبين ما يستجاد عامة. لأن أبا تمام يفرق بين ما يدرى به قوله ويستجيده في القول، في الإنشاء وفي الصناعة، وبين ما يستجاد عامة؛ فربما يستجاد ما يخرج عن مذهبك، لأن أكثر الناس لا يستجيد إلا إذا وافق مذهبه، ولكن أبا تمام يستجيد المطبوع دون أدنى دافع عنه؛ لأنه لا يقوله لمجرد القول.

فانظر لو كان العقاد يفسر مصطلحًا موجودًا، فهذه مشكلة. فالشاعر المطبوع هو الذي يعبر عن ذات الشاعر وإحاسيسه الخاصة؛ جعلوا الشعر المطبوع الذي يعبر عن المشاعر الذاتية الخاصة مشكلة. فهو قطعة من النفس، لهذا يكون أعمق تأثيرًا وأغنى فائدة في حياة الفرد والمجتمع، في حين أن شعر التقليد هو المقابل له.

جعل شعر التقليد مقابلًا للشعر المطبوع، يعني الشعر المطبوع هو كل الشعر صادق الإحساس، وهذا مصطلح خاص بهم، ولو كانوا يريدون حمل المطبوع على المصطلح التاريخي فهذه مشكلة، والظاهر هو هذا؛ أنه يشرح مصطلحًا تاريخيًا علميًا، وهذا يدلكم على أن هذه المدرسة الرومانتيكية، جماعة الديوان، قد تقدمت على الإحياء والبعث، وتقدمت على الدراسات التي سبقتها قريبًا كدراسات الأستاذ الشيخ حسين المرصفي في كتاب الوسيدة الأدبية بالبحث، لكن لم تنضج.

وها هو كلامهم في الشعر المصنوع؛ مدرسة لم تنضج. الشعر المطبوع والشعر المصنوع موجود في استعمال العلماء القدماء، وهو هنا يفسره باتجاه آخر، فهو مدرسة لم تنضج على طريقة العرب. فهو قطعة من النفس، لهذا يكون أعمق تأثيرًا وأغنى فائدة في حياة الفرد والمجتمع، في حين أن شعر التقليد شعر لا ينبع من الذات، وإنما يحاكي الشاعر فيه غيره من الشعراء ويقتفي آثارهم، فلا جدوى منه، ولا يتجاوز أثره القرطاس الذي يكتب فيه أو المنبر الذي يلقى عليه، فشتان كما يقول بين كلام هو قطعة من نفس، وكلام هو قطعة من طرس.

هذا كلام العقاد، وجريًا على عادة العقاد في تقديم أفكاره بأساليب متنوعة وتأكيدها بضرب أمثلة لها من عالم الحس والمشاهدة، نراه يمضي في جلاء الفرق بين نمطي الشعر السابقين، مشيرًا إلى أنه فرق ما بين الصدق والادعاء، أو فرق ما بين الأصالة والزيف.

ونقتبس هنا نص كلامه الذي رد به ما سبق، قال: «فالشاعر العبقري معانيه بناته، فهن من لحمه ودمه، وأما الشاعر المقلد فمعانيه ربيباته، فهن غريبات عنه وإن دعاهن باسمه، ولا يثمر شعر هذا الشاعر مهما أتقن التقليد كالوردة المصنوعة، يبالغ صانع في تنميقها ويصبغها أحسن صبغة، فيشم منها عبق الورد ويرى لها لونها ورويَّها، ولكنها عقيمة لا تنبت شجرًا ولا تخرج شهدًا، ويبقى بعد هذا الإتقان في المحاكاة زخرفًا باطلاً. ألا وإن خير الشعر المطبوع ما ناجى العواطف على اختلافها، وبث الحياة في أجزاء النفس بأجمعها».

ثم يتكلم عن مصطلح الشعر العصري أو الجديد، فكان أيضًا من المفهوم العاطفي للشعر جاء بيانه لمعنى الشعر العصري أو الجديد. فهو يرفض وصف الشعر بأنه عصري أو جديد لمجرد حديثه عن بعض المخترعات الحديثة كالقطار أو الطائرة مثلاً، وفي المقابل يرفض أيضًا أن يوصف الشعر بأنه قديم لأنه يصف الإبل والصحراء وما إليها مما يتصل بحياة العرب القدماء، أو كان من قبيل المديح والهجاء وغيرهما من الأغراض التقليدية الموروثة.

وإنما مناط الأمر في هذا هو طبيعة إحساس الشاعر بموضوعه وكيفية استجابته له، بغض النظر عن كونه من آثار القدماء أو ابتكار المحدثين. ومن ثم جاء قوله عن الشعر إنه «التعبير الجميل عن الشعور الصادق». طبعًا هذه الفكرة فكرة مضبوطة، لكن يبقى بعد ذلك الكلام على "العصري"؛ لماذا العصري؟ هل ما قبلك كان كاذبًا؟ ما قبل العقاد في زمانه كان لعبًا وتقليدًا.

فتخيل هو يقول الشعر العصري أو الجديد، ليس الذي يتكلم عن الناقة أو الإبل أو كذا، فهذا قديم. وأما الذي يتكلم عن القطار والطائرة فهذا كل؛ لا، العبرة بماذا؟ العبرة بالشعور الصادق، العاطفة؛ لأنه جعل مسألة الشعر العصري مرتبطة بالشعور الصادق والعاطفة.

تخيلوا أنه جعل العصرية هي الصادق، إشارة إلى أن ما سبقه كان كاذباً، متكلفاً، متعملاً، عبثاً لفظياً، مجرد محاكاة خالية من الروح. يا أستاذنا، العقاد إلى أي زمان يرجع هذا؟ لا شك أنه إلى ما قبله في الدولة العثمانية، ونحن رأينا الشعر الذي يكون كذلك، لا شك أنه سخيف ولا شك أنه ضعيف. فتخيل أن جعل العصرية أو الجديد مرادفاً للصادق، صادق المشاعر. إذاً هذه ليست قضيتنا أصلاً، نحن الآن في النهضة الحالية، هذه ليست قضيتنا من الأساس.

قال الدكتور شفيع السيد: «وهي عبارة تتسم بالإيجاز والوضوح كتلك العبارة التي جرت على لسان وردز وورث؛ الشعر تدفق تلقائي للعواطف القوية». وإذا كان العقاد قد تأثر بها، فقد جاء تأثره على طريقته في تمثل أفكار الآخرين التي تخرج في النهاية خالصة إليه، ويتجلى هذا فيما فطن إليه من عنصر التوصيل اللغوي الذي أغفله وردز وورث.

ويتجلى هذا فيما فطن إليه العقاد من عنصر التوصيل اللغوي الذي أغفله وردز وورث، وطبقاً لمقولة العقاد هذه، يصدق التعبير الجميل عن الشعور الصادق. مصطلح أو عبارة العقاد أدار الأمر أيضاً إلى اللغة على الكلام بشكل واضح. وطبقاً لمقولة العقاد هذه، فإن التعبير الجميل عن الشعور الصادق يصدق على كل ما تحقق فيه المعيار السابق، وإن كان مديحاً أو هجاءً، فهو بذلك يخالف وردز وورث الذي يرفض الهجاء؛ تذكرون وردز وورث كان يرفض الهجاء، هو بذلك العقاد يخالفه لأنه قال: "التعبير الجميل".

يقول الدكتور شفيع السيد: «وطبقاً لمقولة العقاد هذه، يصدق الشعر على كل ما تحقق فيه المعيار السابق، وإن كان مديحاً أو هجاءً أو وصفاً للإبل والأطلال، أما ما لم يتحقق فيه ذلك فليس بشعر، وإن كان قصة أو وصف طبيعة أو مخترع حديث».

ولا يتعارض وصف عصرية الشعر هنا مع ما قاله في موضع آخر من أن المعول عليه في وصف الشعر بأنه عصري إنما هو كيفية الوصف ووجهة النظر. ذلك أن كيفية الوصف ووجهة النظر ليست إلا استجابة الشاعر النفسية لما يصوره وصدق إحساسه به. هو قال في موضع آخر: «إن المعول عليه في وصف الشعر بأنه عصري إنما هو كيفية الوصف ووجهة النظر»، وهذا لا يتعارض مع قوله "التعبير الجميل عن الشعور الصادق"؛ لأن كيفية الوصف ووجهة النظر ليست إلا استجابة الشاعر النفسية لما يصوره، وصدق إحساسه به. فإذا كنت صادقاً في إحساسك خرج نصك صادقاً، فلا تعارض.

إذاً هذا هو الشاعر عند العقاد؛ الشاعر خلاصة القضية هو الذي يشعر، ويشعر. وأدار القضية كما فعل صاحبا شكري والمازني في قضية العاطفة، لكنه أخذ خطوة لم يأخذاها؛ لم يأخذها شكري الذي سبقه بالكلام، أو سبق حتى في السن على الأقل وسبقه في الدراسة. هذه الفكرة هي إرجاع الشعر والشاعر إلى المادة المعجمية وهي "الشعور"، وهذا ما تتميز به العربية؛ ربط الشعر والشاعر بمادة الشعور في المعجم. هذا ليس إلا في العربية، ليس في أي لغة من لغات العالم، كما قال الدكتور شفيع السيد: «لم يشتق اسم الشعر واسم الشاعر من مادة الشعور في أي لغة أخرى، له اسم جنس هكذا، لم يشتق من مادة الشعور (الشين والعين والراء) في الصدر، وهي مادة العلم الدقيق».

فهو سبق صاحبيه في هذا، وقال: الشاعر هو الذي يشعر بما لا يشعر به غيره، والشعر هو التعبير الجميل عن الشعور الصادق. وبعد ذلك، تعليقنا على قضية العاطفة عند العقاد هو تعليقنا على قضية العاطفة عند شكري وغيره من الرومانتيكيين؛ لا نعترض على أن الشعر عاطفة، هذا ما قلناه سابقاً، لكن نعترض على إدارة الأمر إلى العاطفة فقط.

وقد قلت لكم هذا هو الذي أخذه عليهم محمود شاكر في بعض مقالاته، وقرأت لكم أن أناساً اهتموا بالمعاني، لكنهم كما قال محمود شاكر في مقال "الينبوع": «تأثروا بالمذاهب الغربية، فضعفت لغتهم وضعف بيانهم، وصار شعرهم لا يعرف إلا بالرجم والتخمين وتوقع المعاني، وليس بصياغة الشعر نفسه». وبين محمود شاكر أن الشعراء إنما يتفاوتون لا بالمعاني، وإنما بصياغات الشعر.

نأتي إلى قضية أخرى عند العقاد، وهي قضية موضوعات الشعر؛ لا توجد عند العقاد موضوعات شعرية.

ولعلّه بذلك يخالف عبد الرحمن شكري. نرجع إلى صفحة 65، عبد الرحمن شكري قال: «ومن مقتضيات هذه النظرة أن الشاعر الحق لا يرتبط بالحوادث اليومية الصغيرة». هذا عبد الرحمن شكري، وقد قال الدكتور الشفيع السيد إنهم يختلفون في التفاصيل؛ فأن الشاعر الحق لا يرتبط بالحوادث اليومية الصغيرة، ولا بالأحداث المحلية التي تجري في قريته أو حتى في وطنه، فهمومه أكبر من ذلك. وقلت لهم حينها إن هذا يختلف فيه مع العقاد، فهذا موضع كلام العقاد.

وبتأثير المفهوم العاطفي للشعر أيضًا تغيرت النظرة إلى الموضوعات الشعرية عند العقاد، فهو يرفض أن تكون هنالك موضوعات شعرية وأخرى غير شعرية؛ خلافه لعبد الرحمن شكري. فهو يرفض أن تكون هنالك موضوعات شعرية وأخرى غير شعرية، الأولى موضوعات فخمة جليلة، والأخرى مبتذلة متدنية، ويرى أن المعول عليه في كل الحالات مدى الإحساس بالأشياء.

وأنا مع العقاد هنا وهنا بالمناسبة؛ فهو يرى أن المعول عليه في كل الحالات هو مدى الإحساس بالأشياء. يا أخي، هبَّ الهواء، هبت الريح فالتصق الدرع على جسد المحبوبة، فبان تمثالها أمامك، ما الذي يمنعك أن تقول حتى قصيدة كاملة طويلة؟ ما الذي يمنعه؟ يا عم هذا هواء هبَّ ولزق على جسمها براحته كما شاء.

«وناهدة الثديين قلت لها: اتكي على الرمل في ديمومة لم تمهدي، فقالت: على اسم الله أمرك طاعة، وإن كنت قد كلفت ما لم أعوه». أين الموضوع الشعري الجليل؟ هذا هو قاعد مع بنت كاعب، مع فتاة صغيرة، والجو حولهم صحراء، يا ليت حتى حولهم خضرة وزرع وعشب، لكن حولهم صحراء. يقول لك: الخضرة والماء والوجه الحسن، لا خضرة ولا ماء ولا وجه حسن، بل حتى لا خضرة ولا ماء، «وناهدة الثديين قلت لها: اتكي على الرمل في ديمومة لم تمهدي، فقالت: على اسم الله أمرك طاعة، وإن كنت قد كلفت ما لم أعوه».

بلاش، أ وصفه لنهود الأرداف والثدي، لما قال: «أبت الروادف والثدي لقمصها، مس البطون وإن تمس ظهورها». كل واحد دفع القميص عن العضو الذي يلتصق به. وأبو نواس يقول: «وليلة دجن قد سرت بفتية، تنازعنا نحو المدام قلوب، إلى بيت خمار ودون محله، قصور منيفات لنا ودروب، ففزع من أدلاجنا بعد هجعة، وليس سوى ذي الكبرياء رقيب، تنام خوفًا أن تكون سعاية، وعاوده بعد الرقاد وجيب، فلما دعونا باسمه طار ذعره، وأيقن أن الرحل منه خصيب، وبادر نحو الباب سعيًا ملبيًا، له طرب بالزائرين عجيب، وأطلق عن بابيه وانكب ساجدًا، لنا وهو فيما قد يظن مصيبة».

هل يذهب العقاد مذهبًا صحيحًا؟ وسأقول الشيء الوحيد الذي نستدرك به على هذا المذهب: يرى أن المعول عليه في كل الحالات هو مدى الإحساس بالأشياء، وفي ذلك يقول العقاد إن إحساسنا بشيء من الأشياء هو الذي يخلق فيه اللذة، ويبث فيه الروح، ويجعله معنى شعريًا تهتز له النفس، أو معنى ذريًا تصد عنه الأنظار وتعرض عنه الأسماع.

هذا صواب من العقاد مما أصاب فيه تمامًا. تذكرون المعلقات التي "أسلمت"؟ من يذكر المعلقات المسلمة؟ صار بعض الإخوة والأخوات من مصر لما أقول سنقرأ معلقات يقول: كفرنا! والنبي مش عايزينها، مش عايزين المعلقة المسلمة! آخر الشيباني يقول: الحمد لله ما أتذكر منها شيئًا، رديئة جدًا. رحم الله يوسف العظم، كان حسن النية، يعني ولكن دخل بسذاجة وبقلة خبرة شديدة جدًا وقال: "أنا الآن تحديت الشعراء الكبار الفحول جميعًا". كان غلبان كما نقول بالمصري، مسكين، ناس طيبين قوي يا خال.

رحم الله يوسف العظم، رجل فاضل وله نظرة مخلصة إلى القدس وإلى كذا، رحم الله رحمه الله. الكلام عندنا في العلم والفن، طبعًا الأشخاص مقاماتهم على رؤوسنا، لكن نحن نعطي الكلام في العلم حقه، ننفعل في العلم ونعطيه حقه. وفي الفن، فن القول، فإن عندكم القصائد التي في التصوف، هي أردأ القصائد، مع كونها من أرفع المعاني.

فتح تحويل المعلقات الكافرة إلى معلقات مسلمة عن طريق أسلمة المعلقات، ماذا لو أسلمت المعلقات؟ هذا جلالة الموضوع لا تعطي الموضوع جودة، ولا تعطي القصيدة جودة إطلاقا. ليس كأبيات "خدر عنيزة" في الدنيا؛ "خدر عنيزة" هو في الآخر واحد دخل لها الخدر، ومال الخدر وفضل يقبل ويضم ويشم إلى آخره، وأنت على مر التاريخ عمال تدرس يا معلم، غصب عنك هتدرس اقتحامه خدر عنيزة حصل حقيقة أو افتراضًا، ستدرس وستظل الدنيا تدرس.

قال العقاد: إن إحساسنا بشيء من الأشياء هو الذي يخلق فيه اللذة ويبث فيه الروح ويجعله معنى شعريًا تهتز له النفس، أو معنى ذريًا رديئًا جدًا أو مرذولًا، أو معنى ذريًا تصد عنه الأنظار وتعرض عنه الأسماع. وكل شيء فيه شعر إذا كانت فينا حياة أو كان فينا نحوه شعور. هذا ما لا أحبه في الرومانتيكية، هذا التوسع في مجال التنظير؛ هذه العبارة لا تقال في باب التنظير. ويستوي بعد ذلك أن يقول الدكتور الشفيع السيد: ويستوي بعد ذلك أن يكون ذلك الشيء جليلاً مهيبًا أو مألوفًا مبتذلًا مثلا.

ثم ينقل نص العقاد أيضًا مرة أخرى: «فليست الرياض وحدها ولا البحار ولا الكواكب هي موضوعات الشعر الصالحة لتنبيه القريحة واستجابة الخيال، وإنما النفس التي لا تستخرج الشعر إلا من هذه الموضوعات كالجسم الذي لا يستخرج الغذاء إلا من الطعام المتخير المستحضر، أو كالمعدم الفقير الذي يظن أن المترفين لا يأكلون إلا العسل والباقلاء».

يقول العقاد إن النفس التي لا تستخرج الشعر إلا من هذه الموضوعات، كالجسم الذي لا يستخرج الغذاء إلا من الطعام المتخير المستحضر. أنا لا أحتاج بروتينًا إذا أكلت عدسًا أو بيضًا أو شربت لبنًا، أنا أريد لحمًا. وماذا لو كنت فقيرًا وعندك عدس أو بيض أو لبن؟ لا شك أنك ستأخذ البروتين الذي تريد. أنا أريد الفوسفور من الاستاكوزا وقشريات البحر التي ثمن الواحدة منها براتب موظف، لكن والله الفسفور موجود في أشياء كثيرة جدًا وفي أسماك رخيصة، كالسردين مثلاً، فيه فسفور عادي.

ينقل العقاد: «وإنما النفس التي لا تستخرج الشعر إلا من هذه الموضوعات، البحار والكواكب... كالجسم الذي لا يستخرج الغذاء إلا من الطعام المتخير المستحضر، أو كالمعدم الفقير الذي يظن أن المترفين لا يأكلون إلا العسل والباقلاء». ثم يحدد الدكتور العقاد الموضوع الذي يصلح أن يكون مادة للشعر وفقًا للاعتبار السابق، فيقول: «كل ما نخلع عليه من إحساسنا ونفيض عليه من خيالنا ونتخلله بوعينا ونبث فيه من هواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا هو شعر وموضوع للشعر».

أنا أحب العبارة الأولى، أما قوله "لأنه حياة وموضوع للحياة" فهذا كلام مجازي لا أحبه في السياق العلمي؛ تلاحظون كلامًا مجازيًا في السياق العلمي. مرة أخرى: «كل ما نخلع عليه من إحساسنا ونفيض عليه من خيالنا ونتخلله بوعينا ونبث فيه من هواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا هو شعر وموضوع للشعر».

يستدير العقاد إلى الموضوع مرة أخرى ويقلب النظر فيه ليؤكد أن المعول عليه في العملية الإبداعية إنما هو طاقة الخلق الشعرية عند الشاعر نفسه. هذا صحيح تمامًا، ومدى ما تكون عليه من كفاءة واقتدار، فهي تتدفق بالشعر في أي موضوع يهتز له الشاعر، مضبوط تمامًا وتنفعل به نفسه ولو كان تافهًا مبتذلًا.

في حين يتعثر ضعيف الموهبة أمام أجل الموضوعات وأعلاها شأنًا، وراقبوا يوسف العظم رحمه الله أمام المعلقات التي أسلمها، في حين يتعثر ضعيف الموهبة أمام الموضوعات الإسلامية التي أرادها.

ويؤكد د. العقاد هذا المعنى بمثال يسوقه من واقع الحياة إذ يقول: «والجائع السليم الذي يزدر الرغيف القفار، يحس في أكله من اللذة والاشتهاء ما لا يحسه من يجلس إلى المائدة الفاخرة وهو مدخوم أو ممعود، وإنما اختلفت الرغبة واختلف الاشتهاء فاختلف الذوق والشعور». والله كلام في غاية الصواب، لكن شرط ذلك أن يتحول الموقف إلى حالة وتجربة كما يسمونها، لا أن يبقى على حجمه وإلا كان هزلاً.

بالمناسبة، وكلام العقاد هذا في الجملة هو ما أرد به على من يرجحون أشعار المتأخرين على أشعار الجاهليين. هذا ما أرد به على من يقولون المتأخرون أشعر، لأن عندهم من المعاني الجليلة والفخمة ما ليس عند الجاهليين. الجاهلي ماذا رأى؟ إلا الصحراء، وزهرة الأقحوان، والبسباس، وسير الإبل، والشمس والقمر والنجوم؛ أشياء محدودة.

هذه الأشياء المحدودة أخرج منها الجاهلي شعرًا لن يأتي مثله إلى أن يبعث الله الأرض ومن عليها، والأطلال الخربة؛ أخرج الجاهلي منها شعرًا لأن القضية قضية تذوق لغوي. إنما يأتي بالمعاني الكثيرة. رأينا ماذا فعل الأستاذ رحمه الله حين قال: "سأسلم المعلقات". والله العظيم إحدى الأخوات لما طلبت قراءته، قالت: "والنبي يا شيخ، معلقة كفرت، والنبي يا شيخ مش عايزاها مسلمة، أبوس إيدك مش عايزاها".

فكلمة العقاد صحيحة تمامًا، فالعقاد لم يقف عند حد دعوة النظرية لفتح أبواب الشعر أمام كل الموضوعات، ولكن أيضًا أيد ذلك بالتطبيق، فأخذ يكتب في موضوعات لا تشغل تفكير أحد كما يقول الدكتور شفيع السيد، مثل واجهات الدكاكين، وعسكري المرور، والفنادق، وبعد صلاة الجمعة، وكواء الثياب، وسلع الدكاكين، والمتسول، وما إلى ذلك من موضوعات.

بعد ذلك أخذ يجيب على السؤال: ما هو مصدر فكرة موضوعات الشعر عند العقاد؟ في الآخر يا إخوة، سأتكلم عن موضوعات الشعر وأختم بالكلام عن الشيء. هناك استدراك وحيد على العقاد في هذا، وهو تنبيه لما يأتي مكانه إن شاء الله، يتكلم عما هو مصدر فكرة موضوعات الشعر عند العقاد؛ فكرة موضوعات الشعر أنها مفتوحة، من أين أخذها؟

إزاء هذا التوجه للعقاد في فتح أبواب الشعر أمام كل الموضوعات، أيا كانت تافهة أو مبتذلة، نتذكر ما قلناه سلفًا من حرصه على أن تكون آراؤه خالصة النسب إليه مهما بدا من شبه بينها وبين أفكار الآخرين، ولعل هذا سبب ما نراه من اختلاف بين النقاد والباحثين حول مصدر هذه الفكرة عنده. فمن قائل بأنها ترجع إلى ابن الرومي، ودائمًا تذكر ابن الرومي، فهو أكثر شاعر أحبه الرومانتيكيون، لاسيما العقاد والمازني، والدكتور محمد النويهي انظر ما قاله في كتاب "ثقافة الناقد".

فمن قائل بأنها ترجع إلى ابن الرومي، فهو الذي وجهه هذه الوجهة إذا كان من شعرائه المفضلين، كما كان مفضلًا عند صاحبه المازني أيضًا، ودفعهما الإعجاب به إلى الكتابة عنه، وقد ضرب بسهم وافر في هذا النمط من المشاهدات اليومية العادية، أي شعر عابر سبيل، فقال فيها مقطوعات شعرية كتلك التي قالها في الخباز والأحدب وغيرهما. ابن الرومي تكلم في أشياء أعجبت الرومانتيكيين، وتذكر دائمًا أن ابن الرومي يعجب الرومانتيكيين، وكذلك العذريون والغزلون يعجبون الرومانتيكيين.

ومن قائل بأن العقاد أخذ فكرة ديوانه من شاعرين؛ أحدهما وردزورث، والثاني توماس هاردي. وردزورث في ديوان قصائد غنائية، وتوماس هاردي الذي كان يحرص على أن تكون الحياة العامة الحقيقية موضوعًا لقصائده، فنظم قصائد مثل: فندق، وفي غرفة الانتظار، ومنزلان، وعلى محطة القطار. ولم يفد صاحب هذا الرأي، وهو الدكتور إبراهيم عبد الرحمن، وهو هناك كتاب مهم جدًا أقول لكم عليه، والإخوة من خارج مصر يحرصوا على تحصيله لمن يدرس هذه الأبواب.

هذا الكتاب يا إخوة مهم جدًا: "مناهج نقد الشعر في الأدب العربي الحديث" للدكتور إبراهيم عبد الرحمن محمد. هذا كتاب مهم جدًا، صادر عن الشركة المصرية العالمية للنشر (لونجمان)، أو شركة أبو الهول للنشر بالقاهرة. هذا كتاب كبير وليس صغيرًا، وهو الباحث الذي قصد الدكتور شفيع السيد، فقال: "ولم يفد صاحب هذا الرأي الذي أرجعه إلى توماس هاردي ووردزورث، وكلاهما رومانتيكي، ولم يفت صاحب هذا الرأي أن يصل العقاد ببعض شعراء العربية القدامى أيضًا مثل ابن الرومي وغيره من الشعراء".

يقول الدكتور شفيع السيد في هذا الكتاب: «وقد صاغ العقاد هذه التأثرات صياغة عربية على نمط ابن الرومي في وصف أحداث الحياة العامة، وأبي العتاهية في سهولة اللغة، وغيرهما من شعراء العامة في القرن الرابع للهجرة». ثم يقول الدكتور شفيع السيد: «وكأنما أراد أن يجمع في مصادره التي تأثر بها بين مصادر أوروبية ومصادر عربية، وليس بعد ذلك زيادة لمستزيد. ونحن نرى أن اتساع دائرة تأثر العقاد على هذا النحو وتعدد خطوطها ومصادرها، إنما يؤكد غلبة عنصر الذاتية عنده، وطغيان شخصيته الفكرية على ما يصب في وعيه من هنا أو هناك من ألوان المعارف والثقافات، فهو لا ينقاد لكل ما يأتيه، وإنما يتلقى ويهضم ويضيف، بحيث تجري الأفكار على قلمه في النهاية ممهورة بتوقيعه وحده، وتلك آية الأصالة الحقيقية».

هنا تم الكلام على موضوعات الشعر عند العقاد، وأنا علقت على هذا قديمًا بحاشية، ومنهج العرب لا يختلف مع العقاد في نص الفكرة، وهو انفتاح جميع المعاني للشعر دون حد من دين أو مذهب أو خلق. فالمعاني الإنسانية حاضرة في التراث النقدي العربي عند القدماء؛ فالشعر لابد أن تكون المعاني الإنسانية المشتركة فيه، لابد أن يكون ذا معنى مشترك، أي ليس خاصًا بعلم من العلوم يفهمه فئة معينة، بل ما سماه المعاني الإنسانية أو الجمهورية.

والجاحظ يقول: «المعاني مطروحة في الطرقات»، وإنما الشعر صياغة. نحن سابقون العقاد بقرون في هذا، فلا تقل لي وردزورث ولا توماس هاردي، فأين المشكلة؟ إنما يبقى مع كل رومانتي ما يفترق به عن غيره، وهو نوع هذه العاطفة وحيثيتها.

ومن هنا يمكن أن يتكلم الرومانتيكي في موقف حياتي، ويأتي على مذهبه بكلام ويكون عندك أنت هزل؛ ليس لأن موضوعه لا يصلح، بل لأن الشاعر الرومانتيكي لم يرتقِ في بلاغته إلى مرتبة تجعله في رتبة شرف المعنى الشعري. هذه مشكلتنا مع العقاد في هذه المسألة، بس يا أبا قيس، أنت لازم تطلع مشكلة مع الرومانتيكي حتى في الذي وافقته فيه غالباً؛ لأن الرومانتيكي تصحبه في كل أفكاره، الفكرة اختلفت معه فيها، ما هو طبيعي.

هو لما يجي رومانسي يقول لك: نحن لا نقيد الشاعر في الموضوع، حتى لو عبر عن نفسه في فسق أو كفر أو فجور، فيبقى ماذا؟ كيف عبر عن نفسه؟ رجعنا إلى نفس القضية. أنا معك، نحن في ميدان واحد الآن يا عقاد، لكن تبقى المشكلة التي تأثروا فيها بوردز وورث وكلمنت على الخصوص، والنقاد الآخرين، في فكرة لغة الشعر، فسيعود الأمر إلى لغة الشعر.

الدبوس هذا حداثي، هذا ما لنا علاقة به، هذا رجل، الله يكون في عونه، الحداثي مشكلته ثانية خالص، هذا عنده خلل عقلي. الرومانتيكي ما عنده خلل عقلي، كثير من الرومانتيكيين نبلاء وأهل فن، أنا أعترف: محمود حسن إسماعيل، أحمد زكي أبو شادي، علي محمود طه، عبد الله شحاته في السعودية ثم الكويت، فهد العسكر؛ هؤلاء عندهم فن، أهل فن. مشكلتنا معهم أنهم اتبعوا فكراً خفض لهم السقف، وهي هذه المشكلة معهم.

أذكركم دائماً بكلمة محمود شاكر يقول: «أناس أحسنوا المعاني فتأثروا بالأدب اللغوي، فعملوا اللفظة والتركيب والنظم، لم يتمحضوا في شعر العرب، لم يأخذوا منه نصيبهم الكافي، فوقع لهم هذا». فكذلك كل ما نوافق فيه العقاد، وتبقى المشكلة وهي نفس المشكلة التي ستعرض عليها الشعر العقادي نفسه وشعر تلامذته.

بمناسبة هذا، هذا شيء ربما أول مرة أقوله، ملحوظة أول مرة أقولها: الرومانتيكيون أجدر بالنثر، الرومانتيكيون أفضل من أحسن النثر. بعيداً عن السياسة وعن الدين وعن أي شيء، لم أرَ من أحسن النثر كسيد قطب الأديب المصري، من أجود النثر، هو طبعاً توارى في الظل للسياسة والمشاكل السياسية ومشكلته مع النظام وكذا، لكن قلت دائماً: من سيدرس الأدباء الناثرين المصريين ويتجاوز سيد قطب، فكلامه ساقط ورسالته ساقطة، أنت أضعت ركناً كبيراً.

هذا أديب رومانسي قلمه سيال عجيب، يحلق بك قلمه النثري، تقرأ شعره؟ أوف، لا، بعيد، أنت ناثر، أنت ناثر بس. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.