السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا مرحباً، يا أهلاً وسهلاً، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. كيف الصوت يا إخوة؟ جيد، الحمد لله. يبدو عندي جيداً كذلك، الحمد لله. أرجو التفاعل مع البث يا إخوة لو سمحتم؛ فالتفاعل معه يرسله إلى العديد من الـ... يقدمه في الظهور.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا هو لقاؤنا الخامس عشر من شرح كتاب نظرية الأدب، دراسة في المذاهب النقدية الحديثة، بالدكتور شفيق السيد رحمه الله تعالى.
كنا ما زلنا عند عبد الرحمن شكري، نقف عند الدكتور عبد الرحمن شكري أو الأستاذ عبد الرحمن شكري رحمه الله، وهو العلم الأول في التناول من أعلام المدرسة الرومانتيكية. وقد ذكره أولاً لأنه توفي أولاً وولد أولاً؛ ولد عام 1886، أما العقاد فولد عام 1889. أما عبد الرحمن شكري فتوفي عام 1958، وأما العقاد فتوفي عام 1964، فعاش العقاد 75 عاماً وعاش عبد الرحمن شكري 72 عاماً.
وقفنا في الكلام معه عند قضية التشبيه التي بناها على قضية الخيال، ووقفنا عند بعض التطبيقات، وهو ينتقد قول أبي العلاء المعري في ديوان سقط الزند: واهجم على جنح الدجى ولو أنه *** أسد يصول من الهلال بمخلب
أبو العلاء المعري يقول في سقط الزند: «واهجم على جنح الدجى ولو أنه أسد يصول من الهلال بمخلب». فشبه الليل بالأسد، وشبه الدجى أو الهلال بمخالب هذا الأسد. يقول الدكتور شفيق السيد: «ففي البيت تشبيه ضمني، يقوم على تصوير الليل المظلم مشتملاً على الهلال بشكله المعقوف بصورة الأسد بمخلبه المخيف».
لقد استحسن البطليوسي -أحد شراح الديوان- هذا التشبيه، معتبراً إياه من النوادر، أو على حد تعبيره إنه مخترع ولم أحفظه لغيره. لكن شكري استسخفه وعده مثالاً للوهم، كما قدمنا: الوهم أو التوهم؛ إذ إن أبا العلاء افتعل علاقة المشابهة بين الطرفين، وتمحلها تمحلاً دون أن يكون لها أصل في الواقع أو يكون نابعاً من عاطفة صحيحة.
وأنا أيها الإخوة أوافق عبد الرحمن شكري رحمه الله في تقبيح هذا التشبيه، وأرى أنه صناعي سخيف. هذا البيت قول أبي العلاء المعري: «واهجم على جنح الدجى ولو أنه أسد يصول من الهلال بمخلب»، أرى سوء هذا البيت وأنه صناعي متكلف. لماذا؟ لأنه لا شيء في الليل يجعله أسداً، ولا شيء في الهلال يربطه بالأسد يجعله مخلبه.
كل ما فعله أبو العلاء المعري هنا -ولهذا كان المتنبي أشعر- أنه جعل الليل أسداً، وربما أوحى له بهذا كلمة «هجوم»، فجعل الليل أسداً، ومن أين نأتي بالمخلب؟ فرأى الهلال يشبه المخلب فجعله كذا، والتشبيه مركب صناعي؛ لأن الليل ليس فيه ما يشبهه بالأسد إذا هجمت على جنح الليل. أنت إذا أردت أن تصف الإنسان البئيس في الليل لن تقول إن الليل يهجم عليه كالأسد، ولو جعلت الليل يهجم عليه كالأسد فلا معنى في الهلال ليكون مخلباً، فنحن نحتاج إلى مخالب، على الأقل مخالب وليس مخلباً واحداً.
أبو العلاء المعري رأى صوراً أخذ يركبها على بعضها صناعة، ولم تذهب النفس إلى هذا. هذا طبعاً عبر عنه عبد الرحمن شكري بأنه ليس له أصل في الواقع، وليس نابعاً من عاطفة صحيحة، وأنا سأبين الضابطة في هذا في الأخير إن شاء الله.
«واهجم على جنح الدجى»؛ الدجى الظلمة يعني، «ولو أنه أسد يصول من الهلال بمخلب». هذا تركيب شكلي، لا أقول لا أريد أن أعبر تعبيراً مجازياً، بل أقول لا علاقة فيه، لا التقاء فيه بين المشبه والمشبه به، فهذا أخل بعمود الشعر، وهو مقاربة المشبه للمشبه به باشتراكهما في العلة. أما جنح الدجى وأسد وهلال، فهذا تشبيه مركب؛ اتخذ هذا الأسد -الذي هو الليل- الهلال مخلباً. هذه صور أطمعت أبا العلاء المعري وأتى ببيت رديء.
وبالمثل كان رأيه في تصوير شعري آخر للمعري، وذلك قوله في النجم المسمى بسهيل: درجته دماً سيوف الأعادي *** فبكت رحمةً له الشعراني
هذا على بحر الخفيف: فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن. تعالوا نحلل لماذا أسقط عبد الرحمن شكري هذا الكلام أيضاً بأنه تشبيه أو فيه تصوير غير صحيح. الأصل أن هذا النجم كما جاء في كتب التراث يوصف بأنه أحمر، وكانت العرب تقول إن الشعريين أختاه، وتسمى إحداهما الشعر العبور والأخرى الشعر الغميصاء، وكانت الثلاثة مجتمعة.
هو كان يتكلم عن النجم المسمى بسهيل، وهناك سهيل وهناك الشعريان: الشعر العبور والشعر الغميصاء. مما يروى في ذلك أن الثلاثة كانت مجتمعة، فانحدر سهيل فصار يمانياً، وتبعته العبور فعبرت إليه المجرة فهي تنظر إليه، وفي عينها عبرة أي دمعة. أما الغميصاء فقد بقيت في المجرة فهي لا تنظر إليه، وقد غمضت عينها من كثرة البكاء، فهي أقل نوراً من العبور لأن الغميصاء غمضت عينها والعبور دمعت.
وجعل سهيلاً لاحمراره واعتزاله الكواكب الشامية كأنه قتيل مدرج بالدماء، وجعل الكواكب اليمانية بينه وبين المضرية أحقاداً قديمة وعداوة عظيمة، وهكذا جعل المعري حمرة سهيل الناشئة عن...
هجوم أعدائه من الكواكب الشامية عليه. وهكذا جعل المعري حمرة سهيل ناشئة عن هجوم أعدائه من الكواكب الشامية عليه، وضربهم له بسيوف قد تلطخت بدمائه. من أجل ذلك بكت أختاه الشعريان أسى وحزنا عليه.
وفي رأي شكري أن هذا التصوير الشعري وليد الوهم أو التوهم كسابقه، وليس كشفًا لحقيقة كامنة أو نابعًا عن شعور صحيح في نفس أبي العلاء. هنا قد أخالف عبد الرحمن شكري؛ لأن الشاعر له أن يصبغ طبيعته، أو أن يصبغ ما في نفسه، وأن يسدله، وأن يعلل الأشياء من حوله كذلك.
وعلى هذه الفكرة، ربما لا يعجب عبد الرحمن شكري قول الشاعر الأندلسي: «ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى لما كنت أدري علة للتيمم»؛ لأنه على مذهبه لا يمكن أن يصبغ أو أن يسدل الشاعر مشاعره وتعليلاته إذا لم تكن واقعية، وهذا شيء الشاعر حر فيه.
فوقع بين الشامية والمضرية أمور، فنظر إلى النجم اليماني وجده مدرجًا، ونظر إلى النجوم التي يحكى عنها اللمعان على أنها عبرات ودموع، فقال: جعل هذا من تأثرات الحروب التي بين اليمانية والشامية، وهو أدخل النجوم اليمانية والشامية في المعركة، وله ذلك.
أنا وافقته في البيت الأول الذي هو: «واهجم على جنح الدجى ولو أنه أسد يصول من الهلال بمخلبه»؛ فهذا قبيح ومتقطع، ولا يمكن تصور التشبيه، فالتشبيه لا يؤدي وظيفة أصلاً، هو تالف. أما هنا: «على النجم سهيل درجته سيوف الأعادي فبكت رحمة له الشعريان»، فالشاعر أدخل النجوم في الحرب، ولا بأس بذلك؛ فمن قديم الشعراء من يخاطبون النجوم ويحكون عنها الأساطير، وأنها جالسة، والقمر يسايرنا ويطلع علينا يضحك لنا ويبكي لنا، والشمس تلاعبنا وتضاحكنا، كل هذا عند الشعراء معروف، وما وقع منه بالفعل وما هو قريب الوقوع عادي، وليس مشكلة عند الشعراء.
قال شكري مثالًا للتخيل بأن يقول قائل: «إن ضياء الأمل يظهر في ظلمة الشقاء»، حيث جعل للأمل شبه الضياء، وشبه الشقاء بالظلمة. ثم يعقب ذلك بقول البحتري: «كالكوكب الدري، أخلص ضوءه حلك الدجى حتى تألق وانجلى»، فهذا التشبيه كما يقول هو تفسير لحقيقة وإيضاح لها وليس من صور الخيال الصحيح.
ومن صور الخيال الصحيح أيضًا عنده قول الشريف الرضي: «ما للزمان رمى قومي فزعزعهم تطاير القعب لما صكه الحجر». والقعب هو القدح الضخم الغليظ، فهو يشبه تفرق قومه بتطاير أجزاء الإناء الذي صكه حجر فحطمه، فلن يعود إلى سابق عهده من القوة والصلابة كما كان، وهكذا قومه سوف يتعذر التئام شملهم وعودتهم أقوياء كما كانوا قبل أن يدب الخلاف بينهم وتتفرق كلمتهم؛ فالصورة تشبيهية توضح حقيقة لا خلاف عليها.
إذن المشكلة في تفسير البيت في الخيال هي نفس المشكلة التي كانت عند كولريدج؛ قضية لغة وقضية تصور ما يفعله العرب. قلت لكم مرارًا يظل الرومانتيكي يعمل في القريب، وأول ما يدخل في البعيد من اللغة يفقد إدراك اللغة. وهذه مشكلة، وهذا كلام محمود شاكر وغيره، مشكلة الرومانتيكي من قديم هي مشكلة اللغة.
دعونا إذن نحرر القضية. شكري دار حول قضية التشبيه الصحيح، وحاول وضع ضابط له، حتى قال في الصفحة السابعة والستين: «وإنما قيمة التشبيهات في إثارة الذكرى أو الأمل أو عاطفة أخرى من عواطف النفس، أو إظهار حقيقة في النفس، ولا يراد التشبيه لنفسه».
وهنا كذلك قال عندما قال: «دون أن يكون لها أصل في الواقع، أو يكون نابعًا من عاطفة صحيحة»؛ هذا كلام هو محاولة لتأكيد المسألة وعقلنتها لوضع تعريف. دعونا نأخذ هذه الخطوة فنقول: إذا كان الأمر يتعلق بالنفس، فيمكننا القول إن التشبيه الفاسد هو أن يتمادى في إيراد الأوصاف من غير أن يكون المشبه به أو المستعار أو الصفة مما تتناوله النفس بحسب مقتضى الغرض.
ركزوا معي، التشبيه الفاسد هو الذي لا يؤدي وظيفته؛ ألا يكون المشبه به، أو المستعار، أو حتى الصفة، مما تتناوله نفس المتكلم بحسب مقتضى الغرض من الكلام. يعني أنت ذهبت في بيت أبي العلاء المعري الأول لما قال: «واهجم على جنح الدجى ولو أنه أسد»، أنت تكلفت هذا؛ لأن النفس في وصفها الليل لا تجد رابطًا بين الليل والأسد. ركزوا في هذا الكلام، فهو كلام ثمين؛ النفس لا تجد رابطًا، وهذا التعبير طبعًا هو من تعبيراتهم الرومانتيكية المترجمة، وليس مما في لسان نقاد العرب.
هم لم يجدوا المتكلم، لم يجد ترجمة أو لم يجد تعلقاً بين المشبه والمشبه به في هذا التشبيه الضمني، ولو أنه أسد يصول من الهلال بمخلب؛ أيضاً لم يجدوا في المخلب في الهلال ما يجعله مخلباً لأسد الذي هو الليل.
إذًا ما الذي حصل هنا؟ إنما ينسى المتكلف نفسه. هذا التحليل لما يقع في مثل هذه الأبيات؛ الذي يتكلف ويتعمل ينسى المتكلف والمتعمل نفسه ويشطح بغرض المبالغة والإحسان فيفسد. متى؟ حين يغفل عن الغرض وما يقتضيه الغرض في التشبيه أو الاستعارة أو الوصف. هنا يشطح، وهذا وقع مع بعض القدماء من العباسيين، لا سيما العباسيين.
نأخذ مثالاً على ذلك، مثل صريع الغواني، مسلم بن الوليد صديق أبي نواس. أراد أن يعلي على امرئ القيس، ركزوا معي، انظروا كيف يقع هذا؛ فبلغة الرومانتيكية خرج من الخيال الصحيح إلى الوهم الفاسد، خرج من الخيال إلى الوهم. لا، ليس أصحاب الصنعة، لا تخلط يا مروان، الصنعة التي هو شعر مصنوع؟ لا.
امرؤ القيس ماذا قال؟ قال: من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الأتب منها لأثر.
«القاصرات الطرف» هذه كناية عن المنعمات؛ لأن قاصرة الطرف هي الفتاة التي لا تتحمل إطالة النظر إلى الرجال بسبب عدم اعتيادها عليهم، بسبب أنها تمكث في بيتها، لا تخدم ولا تخرج ولا تخالط الرجال. ليست ممن تخدم الأضياف وتقدم الطعام وتصنع وتجلس تحت الأثاث أو بجواره وتضع الحطب وتحمل الماء من العيون إلى الأحواض في الحي. فهي منعمة في البيت، كما قال امرؤ القيس: أهٍ غرائر في كن وصون ونعمة .. يحلين ياقوتاً وشذراً مفقراً
«كن» يعني بيت، «صون» يعني حماية، و«نعمة» رفاه. «يحلين» أي يجلب لهن الحلي، لأنها من بنات السراة، فهي في بيت مصون، منعمة فيه. وكما قال النابغة الذبياني في معلقته: والراكدات ذيولها ريت فانقها .. نعّمها رفّهها فانقها برد الهواجر
«برد الهواجر» يعني داخل البيوت يكون رطباً وبرداً وجميلاً في وقت الهجير في الخارج، فهي لا تخرج في وقت الهجير ولا تعمل ولا تعلف الخيل والإبل ولا ترعى ولا تجلب الماء ولا تطبخ، بل تجلس في معرس المرجل وتطبخ وهكذا، لا تفعل شيئاً.
هذه النسوة العرب يصفونهن بصفة هي قصور الطرف؛ لأنها لم تعتد رؤية الرجال والخروج للرجال، ولم تخدم ولم تخالط، فبالتالي إذا كلمت رجلاً انكسر بصرها كثيراً، تنظر إليه وينكسر، فهذا معنى قاصرة الطرف، وهذا كناية عن التنعم والمكث في الديار.
فجاء الشطر الثاني من الكلام من أثناء الشطر الأول؛ قال: «من القاصرات الطرف»، ثم بنى على هذه الكناية بالتصريح على التلميح، فقال: «لو دب محول من الذر»، يعني هي قاصرة الطرف لأنها ماكثة في البيت ولأنها كانت منعمة رقيقة الجلد أو بيضاء، ولم يتعرض جلدها للشمس والعمل فيثخن، أو حتى سمرة من الشمس.
«لو دب محول من الذر»؛ «الذر» يعني النمل، و«محول» يعني نملة طفلة عندها حول، كما نقول أحدنا نملة في حضانة. لو دب محول من الذر فوق الأتب، و«الأتب» ثياب البيت، نوع من الذي قالوا يشبه القميص ليس له أكمام، قاعدة في البيت بذراعها. «لو دب محول من الذر فوق الأتب منها لأثر»، ترك خطاً أحمر.
ما الذي فعله امرؤ القيس هنا؟ اسمه خيال؛ أتى بالمعاني كما يسمي الرومانتيكية صادقة وصحيحة تناسب الغرض، لها حقيقة وتناسب العاطفة وتناسب الحقيقة. أما إذا خرجت وبالغت فأنت تركت هذا ودخلت في العمل العقلي البعيد عن العاطفة. امرؤ القيس كان معروفاً بأنه كان صادق العاطفة الشعرية من قرب الأوصاف؛ «من القاصرات الطرف، لو دب محول من الذر فوق الأتب منها لأثر»؛ توجد مبالغة لكنها قريبة ومقبولة شعرياً.
ركزوا معي الآن، كيف وقع في الفخ؟ فخ الوهم أو التوهم. صريع الغواني، مسلم بن الوليد، الشاعر العباسي المعروف الذي كان صاحباً لأبي نواس وفي طبقته، وهو الذي اعتمد عليه وعلى أبي نواس أبو تمام؛ يعني هو يعتبر أستاذاً أو مصدراً لأبي تمام في الصنعة البديعية، حتى يقال هو جعلها مذهباً، جعل الصنعة البديعية مذهباً وأبو تمام تطرف في هذا المذهب.
هذا صاحب قصيدة «أديروا علي الراح لا تشربوا قبلي»، وصاحب قصيدة «وساحرة العينين لا تحسن السحر». أراد أن ينافس امرأ القيس، وكان ينبغي بعد هذه النية أن يبدأ في إحضار الخيال الصحيح، لكن هو ماذا فعل؟ وقع في الفخ. نظر في صفة ذكرها امرؤ القيس، وهي أنه إذا مشت النملة على الأتب أثرت في جلدها، فقال: طيب، نحن سنحسن أكثر لو زدنا على التأثير.
وقع في الفخ؛ لأن التأثير هو ما يقتضيه المقام، بعد ذلك يقبح ولا يؤدي الصورة، دخلت في منطقة فاسدة. أراد أن يزيد على هذا الوصف، فماذا قال؟ أجرى على لسان جارية تتحدث: وجلدي لو يدب عليه ذر .. لأدمى الذر جلدي بالدبيب
قال لك امرؤ القيس: «أثر»، أنا جعلته «أدمى»، يلا! فخرجت إلى صورة قبيحة لا تعبر عن رقتها، بل تعبر عن نملة حديدية مشت على الجلد فقطعته، وصار مشهداً من فيلم رعب قبيح. وتعالى، وقع في خطأ في أصل المعنى؛ امرؤ القيس كان يصف القاصرات الطرف وأشار إلى تنعمهن.
لو دب محول هذا تعليل، أو ثمرة مبنية، ثمرة عن كونها قاصرة الطرف. لو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثر. الآخر أجرى على لسان جارية، أو توجد امرأة تتكلم عن نفسها هكذا. ويصح كلامها عن نفسها؟ أو توجد امرأة تمكث في البيت وتتحدث بهذه الصيغة؟
«وجلدي لو يدب عليه ذر لأدمى الذر جلدي بالدبيب». فقد وقع أصلاً في أصل المعنى، أي أفسد في أصل المعنى، لاحظ. فقد وقع في خطأ في أصل المعنى. ثم خذ عندك، نصف البيت حشو: «وجلدي لو يدب عليه ذر لأدمى الذر جلدي بالدبيب»، فجلدي وذر ودبيب مكررة، وما ليس مكرراً هو «أدمى» فقط. والبيت كله هكذا وهكذا.
«وجلدي لو يدب عليه ذر لأدمى الذر جلدي بالدبيب». هل أدمى الذر جلدي ثانية؟ تعرف لماذا؟ لأنه كان مشغولاً فقط بـ «أدمى» مقابل «الثرى»، والباقي ليس همه. كان مشغولاً بـ «أدمى» دون سائر المعاني، وهنا وقع صريع الغواني. وطبعاً كلامه لا يخفى على النقاد، حتى لو سكت عنه كل هذه القرون يتكلم الآن؛ لأن هذا الكلام يُحلل علمياً.
خرج «صريع الغواني» بلغة الرومانتيكية من الخيال إلى الوهم، ومن صحة الوصف إلى قبح الوصف، ومن الإمكان إلى الإحالة، وإحالة غير مقبولة. لأنه لما قال: «لأدمى الذر جلدي بالدبيب»، هذا ليس المستحيل الذي يرد به أقصى الممكن، لأنه جاء به في صيغة استدلال، فيؤكد على أنه هكذا.
امرؤ القيس قال: «من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثر»، وهذا كلام صحيح وأوصاف تصدقها. هذا هو المعنى الذي أراده عبد الرحمن شكري، وهو صدق العاطفة؛ فإذا كنت صادق العاطفة ستتناول المعاني الحقيقية، أما إذا كان قصدك التعلي على الآخرين وما انتبهت، فستفعل مثل صريع الغواني، وتغلط الغلطة، وتدخل في المعاني التي لا تقبل والمعاني القبيحة التي لا يمكن اعتبارها، فتذهب إلى شيء يقال فيه إن الشاعر غير صادق، لأنه أخذ يفكر عقلاً بعيداً عن التكلف.
هذا ليس خطأً في المعاني فحسب، بل هو غلط في المعنى نفسه؛ فالغلو المفسد غلط في المعاني. وهذا مختلف عن قول ابن زيدون في النونية: «إذا تأود آدته رفاهية.. تؤم العقود وأدمته البرالين». هذا مع كونه مختلفاً أيضاً فيه درجة من القبح، لكنه غلو أقل، فكلمة «أدمته» هناك فيها درجة من حمله على التأثير الشديد، أما صريع الغواني فماذا فعل؟ لما كان منشغلاً جداً بالتنافس أو بالغلبة انشغالاً كاملاً، قال: «وجلدي لو يدب عليه ذر لأدمى الذر جلدي بالدبيب»، فأكد وقوع ذلك عن طريق الدبيب فأفسد.
مرة أخرى، دار عبد الرحمن شكري حول قضية التشبيه الصحيح وحاول وضع ضابط لها عن طريق العواطف والواقعية والحقيقة في النفس وخارج النفس. وأنا أقول هنا: إذا كان الأمر يتعلق بالنفس، فيمكننا القول إن التشبيه الفاسد هو أن يتمادى في إيراد الأوصاف من غير أن يكون المشبه به أو المستعار أو الصفة مما تتناوله النفس بحسب الغرض الذي ترمي إليه. هذا معنى النفس، لكن الرومانتيكي أدارها على العاطفة. وإنما ينسى المتكلف والمتعمد نفسه ويشطح بغرض المبالغة أو الإحسان، فيفسد.
بقيت المشكلة؛ وما هي المشكلة بيننا وبين عبد الرحمن شكري؟ هي نفس المشكلة بيننا وبين كولريدج، فهو ناسخ لكولريدج هنا، وسيأتي في كلام العقاد التصريح بهذا. مشكلتنا هي طبقة اللغة، متى تُدرك؟ نحن نتفق معك يا عبد الرحمن شكري ويا كولريدج من قبلك في وجوب أن يكون التشبيه موافقاً، وأن تكون العلاقة قائمة بين المشبه والمشبه به، وهذا في عمود الشعر، وأن تكون المقاربة حاصلة، وأن تكون هناك مناسبة بين المستعار والمستعار له، وأن يحصل الإصابة في الوصف. يبقى السؤال: هل ستدركون كل طبقات الدلالة العربية أم ستأتون إلى بعضها فتصعب عليكم، فتقولون هذا وهم وليس خيال؟
مشكلتنا الأزلية مع الرومانتيكية أن اللغة عندهم قريبة، وتحت هذا المبدأ ضع كل شيء: التعبير المباشر عن المشاعر الفياضة، وقرب اللغة من لغة العامة، هذه أساس البلاء. وتحتها تكلم في الخيال والوهم، وتكلم في وحدة القصيدة، وتكلم في كل شيء. هذا ضابط أقوله لك لم أره منصوصاً في مكان: مبدأ قرب الغور عند الرومانتيكي يندرج تحته ويشتمل على كل مشكلة فنية وقضية فنية أخرى بين العربي وبين الرومانتيكيين.
ونقلت لكم كلام الدكتور محمد النويهي حين قال عن امرئ القيس: إنه أراد أن يصف النخيل فلم يخالف التقاليد، فتظاهر بأنه يشبه الضعائن، فإذا به يذهب في النخيل يصف. والنويهي يبتسم تهكماً ويقول: ومن الطريف في هذا أن الشعراء كمرؤ القيس مثلاً يريد أن يصف النخيل، فلا يخالف التقاليد؛ إذ لا يوجد عند الجاهليين وصف الطبيعة هكذا، فيتظاهر بأنه سيشبه ضعائن النساء الحبيبة، ويتذرع بالتشبيه ليصف حائط النخيل بألوانه وخضرته وحمرته وارتفاعه، والحقيقة أن امرأ القيس فعلاً ظل يصف الضعائن عن طريق التشبيه المركب.
لكن ما الذي حصل؟ النويهي لأنه رومانتيكي انقطع نفسه في التشبيه، ومشكلة المعاصرين مع الشعر القديم هي النفس الطويل. فلما انقطع نفس النويهي عن التشبيه، لم يستطع أن يرى التشبيه المركب الذي استفاض فيه امرؤ القيس، ولم يستطع أن يرى وجوه الشبه المركبة هذه في المشبه.
قال الشاعر: «أخذ يصف لا يشبه، ولكنه تذرع بالتشبيه في الأول». هكذا مشكلة الرومانتيكي، هكذا يتكلم الرومانتيكي، هذه مشكلته معنا. الرومانتيكي نفسه قصير؛ نتفق معه في كثير من القضايا، أصل فكرة الخيال والوهم لا نختلف معه فيها، لكن عملياً سيقول في كثير من كلام العرب إنه وهم وليس خيالاً، لأن مشكلته اللغة.
وهكذا سيتكلم الرومانتيكي، يقول لك: "أهذه مشكلة هنا، الشاعر لم يستطع أن كذا فنقل إلى كذا"، هو لم ينتقل، خلاص. هذه قضية التشبيه والخيال والتخييل، المقابل للوهم والتوهم عند عبد الرحمن شكري وكولريدج، لخصتها لكم.
بعد ذلك يقول: وليس الخيال عند شكري مقصوراً على التشبيه، بل يشمل روح القصيدة وموضوعها وخواطرها. وقد تكون القصيدة ملأى بالتشبيهات، وهي بالرغم من ذلك تدل على ضآلة خيال الشاعر. أقول لكم شيئاً من هذه القصائد؛ أبو الحسن التهامي في الرثاء، من أقبح ما قرأته في حياتي على احتفاء الناس بها، عجيب! أعجب بها عبد الرحمن شكري.
مصيبتنا مع الرومانتيكية هكذا. أنتم الآن أنا قرأت لكم قصائد التهامي، أنتم لو قرأتم قصائد أبو الحسن التهامي ستعجبون من وضعها، وقرأتها لكم من قبل والناس قالوا: ما هذا التكلف؟ لم يكن صادقاً، كان يريد أن يقال أنا رثيت ابني فقط. غريب! أعجب بها عبد الرحمن شكري.
أنا أقول أوافقه في فكرة التخييل أو الخيال والتوهم، كما ترجمت عن كولريدج، العمدة الكبير. الخيال والوهم أنا أوافقه فيها، ولكن لا أعتمد قصائد التهامي، وهم أعجبوا بها. الذي سيفقد الممارسة اللغوية والتمكن والدربة اللغوية لن ينفعه شيء. فكر وكن مفكراً وناقداً كما تشاء، إذا لم تكن مليئاً بالشعر العالي كل يوم وتقرأ وتحفظ وتتأمل وتدرس وتغوص وتطيل نفسك، لن ينفعك شيء.
أنا لا أدري كيف لمن يتعصب لنظرية الخيال والتوهم الكونية يعجب بقصائد التهامي. غريب، هذا طبعاً ليس في هذا الكتاب، هذا في "دراسات في الشعر العربي" الذي جمعه له تلميذه محمد رجب البيومي. تعجب من قصائد التهامي؟ وربما قرأناها مع بعضنا مرة، لا أدري إذا كانت ما زالت موجودة على الهاتف أو لا في القناة، أذكر أنني استقبحتها فحذفتها، أذكر أنني استقبحت قراءتها فحذفتها أصلاً، لكن ممكن نقرأها مع بعضنا يوماً إن شاء الله، لكن ليس هذا المجال الآن.
قد تكون القصيدة ملأى بالتشبيهات، وهي بالرغم من ذلك تدل على ضآلة خيال الشاعر، من ذلك أن تعجب بفن معين كالتورية أو التشبيه، أو تتعمد أن تكثر من ذلك، فإذا أكثرت من ذلك بان أنك تقصد التشبيه، خرجت عن غرض القصيدة، خرجت إذاً عن العاطفة والصدق بتعبير الرومانتيكية. وقد تخلو من التشبيهات ومع ذلك تدل على عظم خياله، وتكون من أروع الشعر وأقواه تأثيراً في النفس.
قال هذا مويلك المذموم، أحد شعراء العصر العباسي، يرثي امرأته التي رحلت عن الدنيا وخلفت وراءها بنتاً صغيرة، فقال يصف حال هذه الطفلة بعد موت أمها:
فلقد تركت صغيرة مرحومة *** لم تدري ما جزع عليك فتجزع فقدت الشمائل من لزامك حلوة *** فتبيت تسهر أهلها وتفجع وإذا سمعت أنينها في ليلها *** طفقت عليك شؤون عيني تدمع
القول الشعري هنا لا يتجاوز تقديم أو تخييل ما حدث ويحدث مع تلك الطفلة التي فقدت أمها في سن باكرة لا تعي فيها معنى الحزن والجزع، إلا أن سلوكها وأفعالها هو الجزع بعينه؛ فبسبب ما فقدته من حنان الأم وصادق عطفها وحسن رعايتها، تظل طوال الليل مسهدة في مضجعها لا تنام ولا تنيم، مستثيرة بذلك لدى أهلها إحساساً عظيماً بالهم والفجيعة. كل هذا صواب، جميل جداً.
وإذا سمع أبوها أنينها في الليل انهمرت دموع عينه أسى وحزناً عليها. ويعلق شكري على ذلك فيقول: إن الشاعر لم يعلمك شيئاً جديداً لم تكن تعرفه، ولم يبهر خيالك بالتشبيهات الفاسدة والمغالطات المعنوية، ولكنه ذكر حقيقة، ومهارته في تخييل هذه الحالة ووصفها بدقة، وهذا أجل التخييل.
ومن هذا الخيال اللطيف قول ابن الدمينة في وصف حياء الحبيبة:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له *** ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل *** به سكتة حتى يقال مريب
فالشاعر يمجد حبيبه الذي يلجمه حياؤه وأدبه الرفيع عن الرد على من يسيئون له ويتهمونه بما هو منه براء، ويظل على حاله من الصمت، لا يحير جواباً حتى يصبح مظنة الشبهة والريبة. فهذا الوصف الشعري على بساطته يصل إلى أعماق النفس ويهزها هزاً، والشعر ما أشعرك وجعلك تحس عواطف النفس إحساساً شديداً.
كل هذا صواب، لكن خذوا هذه الملاحظة التي لم تقال في الكتاب: كل ما سيمثل به عبد الرحمن شكري أو الرومانتيكيون مما ستقول نعم هذا صواب، هو من الذي تحت. ذهب إلى ابن الدمينة مخضرم الدولتين العباسية والأموية، وذهب إلى شاعر عباسي "مويلك المذموم" أحد شعراء العصر العباسي. أما تصعد فوق مع الكبار الفحول الأركان سيتعثرون في هذا. وأنا أظن أنهم كانوا يتجنبون كثيراً أن يقولوا: والله هذا عند امرئ القيس أو زهير خيال أو وهم، فلذلك كانوا يلعبون تحت. أبو العلاء المعري وكذا يرفعون عليه أبياتاً لمويلك المذموم وابن الدمينة، لا إشكال هنا، لكن الشعر العالي خطر، خطر حتى في المواجهة.
الحقيقة نحن كل ما سنراه سنوافقهم عليه ونقول كلامهم صحيح، لن تراه من الذي يحتاج إلى طاقة عالية وذوق عالٍ ودربة عالية لفهمه كـ امرئ القيس. امرؤ القيس أكثر شاعر يحتاج إلى دربة قبله لتعي كلامه، وهذا قاله ابن رشيق، قال: «هو المقدم لا محالة، وإن وقع في ذلك بعض الخلاف، فبعد التفتيش والنظر والإنصاف سيزول الخلاف».
حتى لو كان بعض الناس قليلين، فضل أحد على امرئ القيس إذا فتشوا وأنعموا النظر سيزول الخلاف. هذا قاله ابن رشيق في كتاب "العمدة" في نقد أشعار العرب، في صدر الكتاب في الصفحات الأولى. قالها ابن رشيق القيرواني.
فهذا يحتاج إلى دربة قبله. الرومانتيكي لم يعطِ نفسه هذه الفرصة؛ لأنه من الأول -وكما قال محمود شاكر: «لا أتّهمهم»- هم أيضًا قالوا هذا من الأول، هم متأثرون بالأدب الغربي. لن يتأثر بالأدب الغربي أحد ويعطي نفسه الوقت الكافي للإنعام في شعر العرب؛ شرق وغرب، ثرى وثريا، مستحيل. شخص يغرق في آداب الغرب ويرى اشتراكات بيننا في اللغة وكذا، ثم سيجد عنده وقتًا كافيًا ليغوص في أشعار العرب، هذا يحتاج إلى منقطع على أشعار العرب. الرومانتيكية لا يمكن للرومانتيكي أن ينقطع على أشعار العرب، لهذا الرومانتيكيون قاطبة أشعارهم قريبة، فيهم شعراء ومحسنون، لكن يظلون تحت سقف، وأنا قلت هذا مرارًا وشرحته من قبل مرارًا.
بعد ذلك دخل في قضية لغة الشعر، إذًا قضية الخيال انتهينا منها. كلام كولريدج بالضبط؛ قضية لغة الشعر. ومن جوانب نظرية الشعر التي تطرق إليها شكري الصياغة اللغوية؛ فهو ممن ذهبوا إلى القول بأن لغة الشعر -وهو إذًا مع كولريدج على ووردزوورث- ينبغي أن تكون فخمة جليلة، ولا يعني ذلك أن تكون غريبة غير مألوفة، وهذا صواب جدًا.
وينعي على من يخلطون بين الفخامة وحسن الديباجة وغرابة المفردات والألفاظ، في حين أن فخامة العبارة لا تستلزم استخدام مفردات غريبة. هذه قاعدة جلية في عمود الشعر، وهي جزالة اللفظ واستقامته. ما تفسير العلماء لجزالة اللفظ؟ هي قوة اللفظ بحيث ينبو عن استعمال السوقة، واللفظ والتركيب أيضًا، لكن لا تنبو دلالته وطبقته الأولى من الدلالة عن الفهم. هذا معنى جزالة اللفظ واستقامته، وهذا تسقط به الحداثة فورًا؛ لأنهم يستعملون ألفاظًا وتراكيب مبتذلة ودلالات غير موجودة، نزلوا هنا ونزلوا هنا.
العرب ماذا قالوا؟ قالوا أن تستعمل التراكيب والنظم، قالوا جزالة اللفظ معناها أن تعلو اللفظة على استعمال السوقة، ولا تعلو على عقول الفصحاء والفاهمين للعربية؛ يعني لا تكون من كلام السوقة، الكلام المحكي في الشارع وبين الناس.
«أهواك سلكيًا ولاسلكيًا، وأحب فيك رنتك الأصلية»؛ هذا ليس كلام السوقة، هذا كلام الطفل الذي ذهب مع أمه في السوق ويدندن ليقول شيئًا مع أمه، فهذا تحت كلام السوقة، لا تحت كلام العامة من الفصحاء. معنى الجزالة أن يعلو التركيب، أن يعلو اللفظ، وخذوها قاعدة من الآن: الأصل كلمة «لفظ» عند العرب -وهذا استعمال عبد القاهر والعرب من قديم- ويراد بها النص والتركيب، أي تشمل الألفاظ المفردة والتراكيب، ويراد بها كل شيء حسب السياق.
فألا ينزل اللفظ إلى استعمال السوقة، فلا يكون نثريًا عاديًا ككلام السوق في السوق أو كلام العامة المحكي، وألا يعلو على أفهامهم، يعني لا يعسر على الأذهان إذا أرادت أن تفهمه. أما الحداثي فقد أتى بتراكيب السوقة وبمعانٍ لا يفهمها الناطقون، لأنها في بطنه في أحشائه، بين رفث ودم، أتى بمعانٍ لا يفهمها أحد وأتى بتراكيب السوق. بينما العرب يتركون تراكيب السوقة ويأتون بمعانٍ مفهومة.
في حين أن فخامة العبارة -وصحيح هنا كلام عبد الرحمن شكري فهو عين الصواب- أن فخامة العبارة لا تستلزم استخدام مفردات غريبة، فقد يكون الشعر جزلاً فخماً ومع ذلك يخلو من الكلمات الغريبة أو يقل وجودها فيه. وأوضح دليل على ذلك المعلقات، فهي أسلس وأجزل شعر الجاهليين بعد الغزل، وهي في الوقت ذاته أقل غرابة وتعقيدًا. وأفخم شعر الشريف الرضي ما لم يتكلف فيه الغريب، فإذا جئنا إلى شعر الحريري في مقاماته وجدناه حافلاً بالغريب، ولا يكسبه ذلك رونقًا وجمالًا بقدر ما يطبعه بطابع الثقل والتكلف.
ويخلص شكري إلى أن للشاعر أن يستخدم كل أسلوب صحيح، سواء أكان غريبًا أم معهودًا أليفًا، وليس أن يتكلف بعض الأساليب؛ وهذا كلام ممتاز من عبد الرحمن شكري رحمه الله تعالى، ونجت يمينه عند الله. ثم يبين أنه ليست هناك ألفاظ شريفة وألفاظ وضيعة وإنما الحكم للسياق، ويرفض شكري تقسيم الألفاظ إلى شريفة ووضيعة على أساس كثرة الاستعمال وقلته، فالرأي عنده أن الفيصل في الحكم على الكلمة بالشرف أو الوضاعة هو السياق، فاللفظة التي يستدعيها السياق هي اللفظة الشعرية.
في الأخير قالوا إنه تأثر في ذلك بعبد القاهر، ومما يشهد لذلك أن نجد أجل الشعر قد كثر استعمال عباراته كقول المتنبي: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه.. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»، وقول أبي العلاء: «خفف الوطء ما أظن أديم...».
هذا الخفيف، بحر الخفيف. «خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد». وقول أبي نواس: «إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق».
ويستشهد شكري بشعر الشعراء الغزلين من أمثال جميل وكثير وابن الدمينة وغيرهم، ويرى أن الشاعر الكبير يأتي بالأسلوب الرائع، بالأسلوب رائعًا جميلًا من غير تكلف. أما المبتدئ فهو الذي يتكلف الغريب كي يخفي به ركاكة عبارته، هذا كلام مضبوط تمامًا.
أما المبتدئ فهو الذي يأتي يتكلف الغريب كي يخفي به ركاكة عبارته، وكذلك الوزان؛ الوزان الذي يعمل الأوزان فقط، أي الناظم الذي يأتي يركب كلامًا على وزن. ليس الوزان بتاع المسلسلات المصرية، بل الوزان الذي يتكلف الغريب كي يخفي به جمود طبعه وقلة معانيه.
أهلًا دكتورة شيماء، رضي الله عنكم. هذه الدكتورة أكاديمية في جامعة مصرية. والواقع أن ربط حسن الكلمة بموقعها من السياق فكرة التفت إليها عبد القاهر الجرجاني قديمًا في كتابه دلائل الإعجاز، وبنى عليها نظريته في النظم. والدكتور شفيق السيد يقول: ويغلب على الظن أن شكري تأثر بها، إذ كان كتاب الدلائل من أمهات الكتب التراثية التي حازت إعجابه وإعجاب صاحبيه المازني والعقاد.
حلو الكلام؟ طبعًا أقول هذا في ذاته صحيح، يبقى بعد ذلك تصورهم لسقف القصيدة؛ تلك مشكلة الرومانتيكي كما قلت مرارًا، اللغة في كل شيء، بناء القصيدة. الرومانتيكي لا يختلف معنا في ضرورة إحسان النظم، مشكلته العاطفة، سيطرتها عليه تجعله ربما يستحسن الرديء ويستفحل الجيد، يرى الجيدة فحلًا.
بعد ذلك يتكلم عبد الرحمن شكري عن بناء القصيدة. يقول الدكتور شفيق السيد: النقطة الأخيرة في حديث شكري عن الشعر تتعلق ببناء القصيدة، وهو في هذا الصدد يؤمن بترابط العمل الفني أو العمل الشعري وتماسك أبياته معنويًا وفكريًا، مخالفًا بذلك التقليد السائد الذي كان امتدادًا لما كانت عليه القصيدة العربية في عصورها الماضية من اعتبار البيت وحدة مستقلة.
هذا غلط شنيع تمنيت لو كان الدكتور شفيق السيد رحمه الله ليس ممن وقع فيه، لأن هذا فيه اتهام للقصيدة العربية بالخطل. وأي خطل فوق أن تكون القصيدة أبياتًا تحت موضوع عام؟ وكأنه لم يعرف عيب التثبيج، وكأنه لم يعرف استحسانهم قوة أسر القصيدة. لكن عزائي في هذا أن الدكتور شفيق رحمه الله من الذين يدرسون الدراسة العامة، من قبله الأدب المقارن والمذاهب النقدية وكذا، وليس من المغرقين في تحليل القصيدة العربية أو الأدب الجاهلي.
فلذلك، من عرف نفسه غير متخصص في باب أو كذا فليتجنب المجازفة أو المخاطرة فيه حتى بالعموميات المشهورة، فقد تكون عمومية مشهورة خطأ. في الأوساط الأكاديمية يقولون القصيدة العربية مفككة، وهذا خطأ شديد وهو شنيع، وعلماء كبار بينوا بطلان هذا، ومع ذلك ومع حجمهم الكبير كمحمود شاكر لم يصلوا إلى التأثير الأكاديمي. ونحن الآن نؤثر في الجماهير في هذا، ونثبت بالتفصيل وبالتدقيق وبالتطبيق على قصائد كثيرة أن هذا غلط.
ولكن كما قلت هو الممارسة العامة في الأدب جعلته يسلم بمقدمة مشهورة أكاديميًا مرفوضة تحقيقيًا. عبد الرحمن شكري يرى القصائد القديمة مفككة، ويؤمن بترابط العمل الشعري وتماسك أبياته معنويًا وفنيًا مخالفًا بذلك التقليد السائد الذي كان امتدادًا لما كانت عليه القصيدة العربية في عصورها الماضية من اعتبار البيت وحدة مستقلة. طبعًا هذا كلام غلط، وهذا تأثر بالثقافة الأكاديمية المنتشرة في هذا الوقت، وأنا مؤمن جدًا بحمد الله أن الجيل القادم من الأكاديميين مختلف، لأن عددًا منهم، سواء من المتابعين أو من الطلبة الخواص في المجموعات الخاصة، أكاديميون الآن يحضرون وبعضهم معين في الجامعة، فهذه الفكرة إن شاء الله مكتسحة في الجيل الآتي بإذن الله تعالى.
ونصيحتي العامة: كل من لم يمارس شيئًا معينًا فليتجنب القول به، أو القول بشيء دقيق فيه وإن وجد سمعة مشهورة بذلك من حوله، فليقل: «على ما يشاع في الأمر»، لماذا؟ لكي أحمي نفسي، فربما يكون هذا الشائع خطأ، وإذا علم أحد المحققين في هذا العلم خطأ هذا الشيء الشائع ينظر إلي نظرة مستهجنة، فأنا دائمًا أحتاط في هذا الشيء الذي لم أتخصص فيه، أقول: «على ما يشاع عند هؤلاء، أو عند أهل هذا المجال يشاع كذا»، حتى لو كان ذلك خلاف التحقيق عند بعضهم، لا يُنظر إلي نظرة استهجان أو جهل.
خالف شكري عن ذلك وذهب إلى أن قيمة البيت إنما هي في الصلة بين معناه وموضوع القصيدة، فهو جزء مكمل لها، ولا يصح أن يكون شاذًا عن مكانه في القصيدة بعيدًا عن موضوعها. عجيب أن تكلم فيه رحمه الله، هذا بالضبط عندنا نفس المشكلة. وما زلت أؤكد: من لم يبحث شيئًا ويأتيه بالسمع أو بالانتشار، فليقل: «على ما يشاع، على ما يردد، على ما يتردد، على ما يقال». ويتجلى إيمانه بهذه الوحدة في تشبيهه لها.
باللوحة التي يبدعها النقاش، ويوزع فيها الأضواء والظلال بمقادير متناسقة إلى آخره؛ هذا عين كلام ابن طباطبا. فيقول إن الشاعر الذي لا يعنى بإعطاء وحدة القصيدة حقها، مثل النقاش الذي يجعل نصيب كل أجزاء الصورة التي ينقشها من الضوء نصيبًا واحدًا. وكما أنه ينبغي للنقاش أن يميز بين مقادير امتزاج النور والظلام في نقشه، كذلك ينبغي للشاعر أن يميز بين جوانب موضوع القصيدة وما يستلزمه كل جانب من الخيال والتفكير.
يقول الدكتور: «ولسنا ندعي بهذا أن شكري كان سباقًا إلى هذه الدعوة إلى وحدة العمل الشعري وتناسق بيانه أو بنائه، وإنما هي إشارة فحسب إلى ما أسهم به من أفكار أساسية في نظرية الشعر، بغض النظر عن مدى حظها من الطرافة والجدة». وإلا فإن التشبيه السابق سبق أن استخدمه ابن طباطبا العلوي، المتوفى في أوائل العقد الثالث من القرن الرابع الهجري، إذ يقول في معرض حديثه عن اتحاد القصيدة على أنها كالجسم الواحد والأعضاء المتلاحمة المتناسقة إلى آخره.
وكذلك في العصر الحديث، نبه خليل مطران إلى وحدة القصيدة كذلك. فطبعًا خليل مطران هو الجسر بين الاتجاه القديم، اتجاه إحياء البارودي، وله مرثية في البارودي ونوع جيد، وبين الاتجاه الجديد؛ فقد هيأ لذلك أيضًا، وخليل مطران من المراجع في هذا.
بعد ذلك، بعد أن نقل كلام مطران، قال الدكتور وختم: «وربما لم يضف شكري إلى ما قال مطران شيئًا فيه غناء كبير». وانتهينا إذاً بالكلام على الخيال وبناء القصيدة من الحديث عن عبد الرحمن شكري، ونرى أنه كان كوليردج تقريبًا.
بعد ذلك يأتي الكلام عن عباس محمود العقاد، المولود في عام 1889، وهو أصغر من عبد الرحمن شكري بثلاثة أعوام، ولكنه عاش بعده ستة أعوام؛ لأنه توفي عام 1964، وعاش 75 عامًا، في حين عاش عبد الرحمن شكري 72 عامًا. هذا الحمد لله نوعًا طالت أعمارهم، أما صديقهما إبراهيم المازني فعاش 59 عامًا فقط، مات قبل بلوغ الستين.
حاضر يا شيخ خالد، قصيدة مطران في رثاء البارودي، ستكون بإذن الله تعالى في أقرب وقت إن شاء الله. وأيضًا أريد أن أقرأ معكم زائية الشماخ. كنت أستبعدها قديمًا لأنها خشنة ودلالتها دقيقة، بعد ذلك قبل أيام انتبهت. أنا أجلتها من قبل أيام حين صدرت العذري وبفراس الحمداني والأشعار القريبة، فطويت في ذهني طيلة هذا العقد.
قبل أيام انتبهت، كنت أراجع محفوظي وأبحث عن القصائد التي أحفظها من قديم وتحتاج إلى ضبط، فوجدت منها زائية الشماخ. قلت هذه تحتاج إلى مراجعة، فأخرجتها وأقرأ هكذا أراجع، وإذا بي أقفز من مكاني، قلت هذا وقتها الجماهير الآن مستعدة لها، ليروا الشعر صح.
قال الدكتور هنا كلامًا طويلًا في أن العقاد، على اعترافه باتصاله المباشر مع صاحبيه بالثقافة الأوروبية، وأنهم قرأوا أعمال الكبار من أدباء الثقافة الأوروبية وشعرائها، وتفاخره بتميز جيله من الشعراء في هذا الجانب على جيل شوقي وأضرابه؛ حيث يقول إن شوقي وأضرابه ما تأثروا بالثقافة الأجنبية كما تأثرنا نحن. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن تأثره بما قرأ اختلف في طابعه وتكوينه عما كان عند زميليه.
أنا أحترم العقاد عالمًا، يخالفني أو يوافقني، يخالف الاتجاه العربي أو يوافقه، أنا أحترم العقاد عالمًا. الذي يأتي ويقول إن العقاد جاهل، أقول له أنت الجاهل؛ والله لو كان جاهلاً ما ترددت أن أقول إنه جاهل، لكن ليس جاهلاً. العقاد مليء، وكان أولى عندي من طه حسين بأشياء كثيرة.
أيضًا لا علاقة لي بالمعركة بين الطاهيين والعقاديين، الذين كانوا يتصارعون مع المتعصبة لطه حسين. أنا أتكلم عما قرأته، عما أعرف؛ ففي جوانب من النقد على الأقل كان العقاد أولى من طه حسين بالتقديم. لكن طه حسين كان عميدًا في الجامعة وذهب إلى فرنسا وأخذ الشهادات، والعقاد لم يكن معه ابتدائية.
أنا متعاطف جدًا مع العقاد؛ لأنه بالفعل عالم في مجاله وقادر على التنظير، ثم ظُلم في الجوائز في الأكاديمية. العقاد تعلم اللغات الأجنبية وقرأ بها وهو في بيته، وكان ينبغي أن يكون مثالًا يحتذى به ويعلن للناس على المثابرة والعصامية في العلم، وهذه قمة احترام الإنسان لإنسانيته؛ أنه لم يُجبر على الدراسة ولم تُتح له الدراسة فثقف نفسه وعلم نفسه في بيته حتى صار الرمز.
العقاد رحمه الله، من هذا الجانب أنا أجل العقاد جدًا وأقول هو من النوادر. آخذ عليه طبعًا أنه كان طائشًا في الكلام عن شوقي، وتحامل عليه ولم يكن صادقًا في نقده له، وكان في غنى عما أساء به لنفسه في حق شوقي، لكن العقاد شخصية جليلة، شخصية عصامية علمت نفسها، وكان ينبغي أن يكون للناس مثالًا.
يُحتذى به في الرقي الإنساني شخص لم يُجبر على الدراسة، ولم ينتظم في دراسة، بل الحياة منعته من ذلك لفقره وفقر أسرته، ومع ذلك تعلم اللغات وقرأ باللغات الأجنبية وقرأ للجميع في بيته؛ فيعني إنسانًا راقيًا جدًا، هذا هو العقاد.
ثم كان أبيا جدًا، متعالياً في نفسه، وأحبه الناس أيضًا لهذا، فقد كان صاحب إباء وأنفة شديدة. ومن إبائه وأنفته أنه يستقبل أي أحد، حتى لو زاره تلفزيون، بملابس البيت، بالروب والكاسكيتا والكوفية. تكون غرفة المكتب صغيرة ومكتظة بالكتب، وتجلس معه المذيعة وهو لا يبالي، يجلس هكذا لا ينظر لأحد، يتكلم بتلقائية هي نفسها التي تراه يتكلم بها في أي موقع آخر، ولا يظهر احتفاءً أو بسطًا بزيارتهم، فليس في "بودكاست" معه كرافات وبدلة.
هذا من إبائه؛ الشخص الذي يرى نفسه في مكانة يستقر فيها، لا يعبأ بما يلبس، ولا يتجمل للناس ولا يتواضع لهم، لأن التواضع من الرياء كما قال محمود شاكر: «أنا لا أتواضع بما عندي»، لأن التواضع رياء.
كان بعضهم يأتي يسألني بمناسبة محمود شاكر في هذا الموقف: «ما هي أضبط تسجيلات للشعر على الإنترنت؟»، فأقول له: «تسجيلاتي». يسألني: «ما أضبط تسجيلات وأصح تسجيلات من جهة الروايات للشعر؟»، فأقول: «تسجيلات أبي قيس». فينظر لي ويبتسم. فمثلاً إذا سأل: «ما أفضل شرح على ألا عين صباحاً؟»، أقول له: «شرحي الأدبي»، فما هو تقريبًا الشرح الأدبي الموجود الذي جمع الفوائد الأدبية؟ فهو ينظر ويبتسم، فأقول له: «حاضر، أنا أريد أن أتواضع لك، اذهب لفلان وفلان»، وأنا أعلم أنهما لم يضبطا النصوص كما ضبطتها، ولم يسجلا روايات معتمدة، ولم يبحثا في الروايات ولا علم لهما بتحقيقها. اذهب واسمع، أنا لكي أتواضع أضللك!
فمحمود شاكر يقول: «أنا لا أتواضع لأحد، أنا أعمل أقدر ما عندي كما هو»، أنا أعلم ما عندي هنا أو هنا، وعلى هذا الأساس أتعامل مع الناس، لأن التواضع رياء؛ لأنك تخشى أن يقولوا غير متواضع، والتواضع رياء وهذا خطأ كبير.
فأنا أعجبني العقاد في الحقيقة، لا يتواضع لأحد، هو هكذا. والتجمل للناس عين الرياء، يتجمل حتى يقول الناس... وأنا لا أحب هذه الأجواء، يعني مراعاة الناس أحسن. لو شخص استقبل بالروب، يمكن أن تتعلق بالأطباع، فمثلاً أنا لن أستقبل بالروب إذا كنت لا ألبسه أصلاً، لكن لو كنت ألبس شيئًا من هذا القبيل كبنطال "ترنج" مثلاً، فقد أستقبل الناس في لقاء وتصوير. المهم ألا تعبأ كثيرًا بالناس وكلامها. أنا مثلاً لا أحب الكرافات، فلا ألبسها تقريبًا، ولا أظن أنني سألبسها، ولن أتجمل بها لأحد جاء لعمل لقاء أو تصوير، وكنت في العراق لم ألبسها، وفي لقاءات رسمية لم ألبسها، لأنني لا أحبها ولا تعبر عني.
فرحم الله العقاد، كان عصاميًا، معتزًا بنفسه، وكان يتشرب ما يقرأ ويتمثله تمثلاً جيدًا حتى يمتزج بنفسه ويغدو جزءًا من كيانه. وبعد ذلك يقول الدكتور شفيق السيد ربما بالغ في هذا، أي بالغ في إحساسه بنفسه. يقول: «ولعله وعى هذه الحقيقة عن نفسه فعبر عنها في مقدمة كتابه مراجعات في الأدب والفنون تعبيرًا ينم عن إحساسه العارم بالتفرد والإعجاب بالذات».
إذ قال العقاد: «كل ما يأتي الآن كلام العقاد كامل. وسواء أكانت المناسبة التي تدعوني إلى الكتابة كلمة استوقفتني في كتاب أو رأيًا سمعته من قائل أو مشاهدة حركتني إلى البحث، فليس شيء من ذلك بفاصل عن جذورها أو عن جذوعها التي نبتت عليها، إلا وهو مخرجها عن الأصل الذي امتزجت به فيه أيامها بأيامي واتصلت سيرة حياتها بسيرة حياتي. فلو أن للخواطر يوم بعث ترد فيه إلى مناشئها، لخلت أن ستبعث معي في جسد واحد يوم ينفخ في الصور الموعود، أو لعادت معي حيث كنا في الحياة ولو كان لها ألف شبه يربطها بآراء المرتئين وكتابات الكاتبين، فإنما أنا عشتها وغذوتها».
أنا علقت على هذا في الكتاب قديمًا قلت: نحن لا ننكر صدق العقاد باعتبار ظنه، ولكن نفس التأثر يكون أعمق من مجرد تلقي الفكرة كما هي بعينها. فمن يتتبع هذا الوقت الذي كان يتكلم فيه العقاد، يعلم أنهم كانوا مقتنعين بأن الحياة الأوروبية في هذا الوقت هي ما ينبغي أن يحصل مثله هنا؛ انظر إلى ما كانوا فيه ثم وجدوا كذا، فوافق منهم شيئًا لأنه الموجود، لم يكن عندهم هذا الاستقلال الذي هو عند كثير منا الآن. نحن الآن يخجل أحدنا أن يقول: «أتأثر بأوروبا»، يخجل أحدنا أن يقول: «أنا متأثر بالأوروبيين وبفلان وعلان». وبالمناسبة نعود ونقول للأزهر دور كبير في هذا، الآن أيضًا، نعم، لكن التفصيل يطول.
قوله: «فقد كان يتشرب ما يقرأ ويتمثله تمثلاً جيدًا حتى يمتزج ويغدو جزءًا من كيانه»، هذا تلميح سيأتي بعدها، تلميح بأن عبد الرحمن شكري كان صريحًا في تأثره بما يشبه النقل. وفي الأخير هو يقول، بقطع النظر هل بالغ في الكلام على نسبة الكلام لذاته أو بالغ في إبائه، فإنه في الأخير كان يتمثل ويخرج الكلام فكره هو وليس كعبد الرحمن شكري. يقول هنا: «مثلما فعل شكري الذي توشك عبارته في هذا الصدد أن تكون ترديدًا لما قاله وردزورث، وإنما نرى العقاد ينهج نهجًا مستقلًا يؤكد أصالته في التفكير والنظر».
ففي حديثه عن هذا المعنى -ومعنى سيأتي في الحصة القادمة إن شاء الله- معنى "الشاعر"، يرد كلمة الشاعر في العربية إلى دلالتها المعجمية التي تشترك فيها مع "الشعور"، وهو أمر انفردت به العربية بين لغات العالم. وهذا سيكون موضوعنا عن العقاد، الكلام عن الشاعر: من هو الشاعر؟ في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى. شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد