دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحباً. أرجو من الإخوة الكرام طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف حال البث صوتاً وصورة أيها الإخوة؟ يبدو عندي جيداً وسليم الحمد لله. أرجو التفاعل مع البث يا إخوة ليصل إلى إخوانكم، أرجو التفاعل مع البث من بعد إذنكم.

يا مرحباً أيها الكرام، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين. هذا أيها الإخوة هو مجلسنا الرابع عشر من مجالس شرح كتاب «نظرية الأدب: دراسة في المذاهب النقدية الحديثة» للدكتور شفيع السيد، وهو كتاب جامعي كنت أحسبه -كما ذكرت عند البدء في الكتاب- يدرس في المرحلة الجامعية ما قبل الدراسات العليا، فإذا به، أو البعض من الأكاديميين يخبرني بأنهم درسوه في مرحلة الدراسة العليا. فهذا الكتاب «نظرية الأدب» للدكتور شفيع السيد إنما يدرس في مرحلة الدراسات العليا، وكما قلت حسبته يدرس في مرحلة ما قبل الدراسات العليا، المرحلة الجامعية. كل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا، حياك الله وبياك، ونبدأ مباشرة مستعينين بالله تعالى.

كنا وقفنا يا إخوة في المرة الماضية وقلت سأبين الأمر بشيء من الاختصار، وهو قضية شعر المناسبات. قضية شعر المناسبات، وأنا أريد أن تكون هذه وقفة توضح الأمر ولو بالاختصار على وجه الإلمام إن شاء الله والإجمال. عبد الرحمن شكري بناءً على نظريته وقاعدته التي بنى عليها الشعر كما عرفتم، نقد شديداً لما يعرف بشعر المناسبات. وفي الحقيقة أنا أيضاً لي موقف سلبي مما يعرف بشعر المناسبات، لكن ليس من نفس الجهة.

لابد أن نعرف أو أن نفهم ما هو شعر المناسبات، أو ربما من نفس الجهة التي يقصدها عبد الرحمن شكري، ولكن ينبغي أن توضح القضية؛ طبعاً دائماً تحرير المسألة قبل التحقيق، يعني قبل أن أحقق القول فيها لابد أن أحررها حتى لا تعمل الفكرة في غير موضعها، وأن تسلك في غير المسلك الذي يسلك لهذه المسألة بعينها، ربما تفكر في مسألة فإذا بك في مسألة أخرى؛ فلذلك اتفق أهل العلم على ضرورة التحرير قبل التحليل والتحقيق.

ما المراد بشعر المناسبات؟ قطعاً ليس المراد بشعر المناسبات الشعر الذي قيل في مناسبة سعد بها الشاعر وتحرك نحوها وكذا، ليس هذا المراد. وليس الشعر الذي قيل في مناسبة معينة وفي شيء معين توجه إليه الشاعر، ليس هذا. لابد أن نحرر ما هو شعر المناسبات؛ شعر المناسبات هو الشعر الذي يقوم فيه الشاعر بعمل وظيفي لازم، هذا هو بعمل وظيفي لازم. يعني عندنا مناسبة، عندنا مناسبة بداية الدراسة، عندنا مناسبة لتعيين الوزير الفلاني، عندنا مناسبة باليوم الوطني أو اليوم كذا، عندنا: يلا أيها الشعراء، أنتم ملزمون معنا بقصائد تلقونها يوم كذا ولكم جوائز كبيرة. خلاص، هذا شعر المناسبات الذي يقوم فيه الشاعر بوظيفة محددة في وقت محدد لا يناسب طبيعة صناعة الشعر.

ليس كأمر النبي ﷺ شاعره بهجاء أعدائه؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ أولاً لم يوقِ الأمر لهم، وثانياً هذه ليست مناسبة دورية يطلب فيها الموظفون الكلام والشاعر عنده من الاندفاع نحو المناسبة نفس الشيء. لما أمر النبي ﷺ أصحابه بهجاء أعدائه هو أطلق لسانهم هكذا أصلاً وقلوبهم، نتكلم في شيء آخر، كما كان يطلب من شوقي أشعار في مناسبات التعليم والدراسة وكذا وكذا، هذا شعر المناسبات الذي نذكره.

ولا بد أن نحرر القضية فيه، فأنا كما قلت لي أيضاً موقف سلبي من هذا الشعر، ولكن ليس من جهة أنه شعر مناسبات والسلام، وليس من هذه الجهة، وإنما من جهة أخرى هي جهة الصنعة. الشعر صناعة، وللأسف الشديد أكثر الناس يظن أن الشاعر كآلة التي تدخل فيها القطن أو الصوف يخرج قماش، دخل كلمات طلع شعر، هذا كلام فارغ. هناك صنعة، هناك فكرة، هناك أمر له علم يا إخوة، الحق أن هذا له أصول وله علم. علم ماذا؟ علم صناعة الشعر، علم نفس الشاعر، موجود طبعاً. وممن تكلم في هذا حازم القرطاجني، فهذه قضية لها علاقة بنفس الشاعر ونفسية الشاعر وطبيعة صناعة الشعر.

حازم القرطاجني، الناس تحسب أن الشاعر إذا أراد شعراً أخرج شعراً، هذا خطأ؛ لأن الشاعر عنده نوع من القوى النفسية أو النفسانية لابد أن تتوفر فيه ليقول الشعر. ومن جهة أخرى الشاعر يخضع لعدد من المؤثرات، لعدد من العوامل التي تجعل تحديد وقت لصناعة القصيدة أمراً متعذراً. يعني الشعر أمر مزاجي، نعم الشعر أمر مزاجي لا شك. تقول طيب زهير بن أبي سلمى ما هو كان يقول الشعر في هرم بن سنان، وهذا شعر مناسبات؟ نقول هذا لا يصدق عليه شعر مناسبات، لم يطلب منه، وهذه المناسبة كانت حدثاً هو توجه إليه.

عرفنا ما هو شعر المناسبات؛ المناسبات الرسمية التي يطلب من الشعراء فيها أن يؤدوا واجباً وظيفياً بقطع النظر عن حال الشاعر، ومع المناسبة ومع الوقت الذي أتيح له، ومع الموضوع وانفعاله مع تهيئه في هذه الأيام. قلت لكم هناك عوامل كثيرة، هناك مراحل إقبال تأتي على الشاعر، هناك مراحل إدبار للشاعر، هذه تأتيه في حياته. يقول حتى أفصى كالدجاجة التي انقطع بيضها؛ تأتي على الدجاجة، الدجاجات تبيض، يأتي عليها وقت لا تبيض، انقطع بيضها خلاص. فماذا يقال في الشاعر؟ يقال وقع له مثل ذلك، إنتاجه -كما يسمى الآن في لغتنا المعاصرة- أثماره متوقف، ولماذا؟ أمر طبيعي من الطبيعة التي خلقها الله. الشجرة تأخذ وقتاً تستريح، الدجاجة تأخذ وقتاً ينقطع بيضها، عادي؛ الشاعر يأتي عليه وقت يدبر عن الشعر لا يستطيع، بل كما قال الفرزدق: «خلع درساً»، وكانوا العرب ما فيش تخدير، التخدير ما فيش، كانوا يخلعون الدرس هكذا.

أن يكون خلع درس أهون عليه من صناعة بيت من الشعر. تخيلوا، أن يكون خلع درس أهون عليه من صناعة بيت من الشعر، أسهل! فترى الكلام يمر على الإنسان، وهذا هو الوقت الذي قال فيه ابن رشيق عن الشاعر في هذه الفترة التي يفتر فيها عن الشعر: عليه أن يكثر من القراءة في الأشعار وتدارس الأشعار؛ لأن هذا لا يوازيه شيء في إنماء قريحته وتفجير قريحته مرة أخرى، فإذا جاءه الشعر بعد ذلك جاءه ثرًّا مختزنًا من فترة الدراسة والتحصيل والقراءة.

تقرأ وتعجبك أشياء فتدون، تكتب هذا تشبيه أعجبك، هذه صورة، هناك تسلسل في الصورة وتلاقح الذهن يجعل من المستحيل على غير نبي يوحى إليه أن يعرف من أين أتيت بهذه الصورة، لأنها تسلسل أفكار ولدت، ظلت تتولد، وهذا هو طلق الأفكار. أنت تظن لماذا الشاعر يقرأ شعر الشعراء؟ ليظل في هذا المحضن.

فأنت تأتي عندنا، الوزير سيزور مدرستنا بعد ثلاثة أسابيع، نريد قصيدة رائعة! يا سلام! أنت أحزق براحتك، نريد قصيدة رائعة! هي أوامر؟ يلا يا عسكري، نفذ يا عسكري، قفز الثقة يا عسكري، نط بالبراشط يا عسكري! يلا يا شاعر، قصيدة رائعة يا شاعر! هو ليس ماكينة، الشعر أمر مزاجي لا ينضبط.

وأجود القصائد وأفحل القصائد تلك التي تُصنع على فترات وانقطاعات مضطربة بعيدة؛ يصنع فيها ثم يدبر ويذهب، يصنع أخرى أو يفعل شيئًا آخر، ثم يحن إليها فيعود، ثم يفطر، وبعد مدة طالت أو قصرت أو توسطت يأتيه النشاط فيرجع إليها، وربما ظل على ذلك أعوامًا في قصيدة طويلة فحلة. هذه هي أفحل القصائد، التي أنضجت على نار هادئة، تطفي عليها شوية وترجع تولعها، وتوطي النار وتعمل غلوة شديدة، ثم تهدي، وتطفي وتروح تنام، وتاني يوم تشغل؛ أنضجت على نار هادئة وحامية ومطفأة.

فالشعر أمر مزاجي، ولهذا وجدت أن أكثر الشعر الذي لم يعجبني عند شوقي وأهل طبقته هو الذي قيل في المناسبات، الذي طُلب منه في المناسبات فحددوا له موضوعًا وحددوا له وقتًا وألزموه. من قال لك إن الشاعر منفعل مع هذا الموضوع؟ من قال لك إن شوقي كان منفعلاً مع موضوع قصيدته «قم للمعلم وفه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولا»؟ وهذه عندي من أسوأ قصائد شوقي، وأعجب من احتفاء الناس بها، وهي والله عندي من أسوأ قصائد شوقي تتجاوز المطلع فقط، وانظر إلى التعمل والتبلغ والتكلف، وتكلف الاستعارات والتشبيهات والتراكيب، تقطع التراكيب على الشاعر؛ لأنه كان يريد أن يصنع قصيدة طويلة ترضي الناس. انظر إلى الفرق بينها وبين البردة لشوقي، أو الهمزية لشوقي، انظر الفرق بين هذا وذاك.

فكذلك مثلا إذا تجنبت الشعراء الذين ينفعلون مع الأحداث، كشعراء الشيعة مثلا في المواسم الذين ينفعلون فعلاً مع الأحداث ويراعونها، فسترى شعر المناسبات يغلب عليه، بل حتى كثير من شعر الشيعة الذي يكون في مواسم رثاء آل البيت وكذا، كثير منه يتجاسر عليه من يريدون خدمة هذه المناسبة، فيأتي الشعر كما تعرفون.

كما قلت يا إخوة، المسألة لها علم وتتعلق بالصنعة. الشاعر حتى يحسن في موضوع، لابد أن يكون من أهل إحدى طبقتين من حيث علاقته بالموضوع، وهذا ليس كلامي، هذا كلام العلماء، كلام القرطاجني، وأنا فقط أيسره وأنقله وأشرحه.

الشاعر حتى يحسن في أي موضوع، لابد أن يكون من أهل إحدى طبقتين في علاقته بذلك الموضوع. الطبقة الأولى: قوة الطبع في المعنى (غريزية). والطبقة الثانية: قوة التشبه (غريزية). واكتب تحت السطر الثالث: قوة الدربة (اكتسابية).

إذا أردت أن تكتب في موضوع أو أن تصنع قصيدة في موضوع وتحسن في هذا الموضوع، لابد أن تكون عندك القوة الأولى، إن لم تكن عندك فلا بد أن تكون عندك القوة الثانية. ما هي القوة الأولى؟ هي قوة الطبع، ومعناها ميل نفس الشاعر إلى الموضوع بالغريزة. يعني هذا شاعر يحب الغزل، ميت على الغزل كحال كثير من العرب، عنده ميل نحو الغزل، أو ما يشبه أن يكون غريزة بطول الطبع. كما عند أكثر شعراء الشيعة المحافظين عندهم نزعة الرثاء والحزن والتفجع والنوح، عندهم هذه الفجيعه. لا تكاد ترى شخصًا، أنا رأيت بعض الأشخاص يخرجون عن هذا السياق، ثم وجدته حداثيًا غير متدين، لا يعبأ بالدين بالمرة، أصول شيعية لكن لا يهمه شيعة ولا سنة، وحياته علمانية، فلا يميل إلى هذا. لكن سيغلب على الشيعة هذا الاتجاه، كما سيغلب على بعض الناس اتجاه الحماسة، وسيغلب على شعراء آخرين الغزل، وقلة منهم سيغلب عليهم الاتجاه العذري، وهذا أيضًا اتجاه نادر ليس كثيرًا يا إخوة، هذه العذرية.

البعض يحسب أنه لما يروح يتلين للمرأة أنا كدة عذري، عذري! عذرك يا حبيبي، لا يخل علينا، لا ينطلي، أنت بتستعبط؟ العذري يعني المجنون، يعني قيس بن الملوح، خلاص هذا العذري.

فهذه قوة طبع في المعنى، سواء غريزية، هي غريزية طبعاً أو في حكم الغريزية بحكم طول القرون والسنين في الموضوع. كمثل يقال إن أهل المكان الفلاني في غريزتهم الرقة والغزل، كما مثل بأهل الحجاز في غريزتهم الرقة، ويقولون أهل العراق في غريزتهم الغلظة مثلاً، هذا في التاريخ معروف. المصريون في غريزتهم اللطف، في الغريزة يعني في الطبع الملاصق للإنسان، هذا المقصود، صار شيء في الدم، في الطبع، في الجينات.

فإما أن تكون صاحب غريزة في الموضوع كعمر بن أبي ربيعة، صاحب غريزة في الغزل، عمر صاحب غريزة في الغزل، والعذريون كانوا أصحاب غريزة في موضوعاتهم، ولذلك لزموها وأحسنوا فيها، وعمر يكاد لسانه لا يطيعه في غير الغزل. فهذه الطبقة الأولى، قوة الطبع.

إذا لم تكن عندك قوة طبع، فلا بد أن تكون عندك قوة تشبه، هذه غريزية كما قال القرطاجني، وهي وهبة من الله. أنت لا تميل إلى هذا بطبيعتك، ولكن تستطيع أن تعيش أجواء من هذه الطبيعة، كما نقول في مصر «تعيش الدور» من السينما، تعيش الدور، توضع في السياق، تضع نفسك في السياق وتعيش السياق.

التشبه، أو المشاكلة، هذه الطبقة الثالثة تأتي إن شاء الله، وسماها قوة التشبه. بمعنى أن الإنسان يستطيع أن يتخيل وأن يضع نفسه في هذا الموضع، فيبكي ويفرح ويذرف الدمع، وهذه أيضاً غريزية كما نبه القرطاجني، وضرب مثالاً بالفرزدق.

قال: كان الفرزدق يحتاج إلى أن يرقق ترقيق جرير ليناسب فجره ويناسب غزله ويناسب لهوه مع النساء أو بحديث النساء وكذا، وجرير كان عفيفاً وسبحان الله جرير كان رقيقاً، والذي يحتاج إلى هذا وهو الفرزدق إلى الرقة، أمهلوه مدة طويلة حتى يقول بيتاً غزلياً رقيقاً حقيقاً يناسب أو يشاكل الغزل، لم يستطع، أتى بالبيت خشناً؛ لأن قوة التشبه لا تُكتسب، والفرزدق ليس عنده قوة تشبه بالمطبوع التي هي قوة تطبع.

هي قوة تشبه مؤقتة، أنا لا أريد أن أقول تطبع لأن تطبع ممكن يُفهم منه أنك تتطبع أبداً، أي دائماً بالشيء، لا، هي قوة تشبه بمعنى أنك تتطبع في لحظة إنشاء القصيدة ثم تتركها، لا تظل حتى تصبح كذلك، يعني أنا سأصنع قصيدة تخالف الباب الذي أكتب فيه، فأريد أن أترقق ثم تنفك عنها وتنفك عنك. فلذلك لم أستعمل كلمة تطبع لأنها في العرف سائدة في التطبع بمعنى اكتساب الطبع الدائم، لا أتكلم عن قوة التشبه بالمطبوع، قوة التشبه كما استعملها القرطاجني وسماها تطبعاً أيضاً في كلمة عابرة، لكن اختار تشبه أفضل.

الفرزدق ليست عنده قوة تشبه، لكن عنده قوة طبع في ماذا؟ عنده قوة طبع في الشعر الفاخر الحماسي والفاخر والشديد الذي يملأ الفم، انظر إلى قصائده: «إن الذي..»، «ونحن..»، فهمتم؟ ولذلك عنده قوة الفخر شديدة وفي الهجاء أيضاً، هذه الأبواب التي فيها غلظة.

إذا أراد أن يتغزل، مع أنه في حاجة إليه، قال: «عجبت لشدة عذري، ولرقّة عذري»، هو الفرزدق نفسه قال: «عجبت لرقتي»، ونقل هذا القرطاجني، قال: «عجبت لرقتي في هذا الباب» في شرح المسألة، «عجبت لرقتي مع عذري»، ما أحوجني في عذري إلى ما عند جرير من الرقة، وما أحوج جرير إلى ما عندي من العفة. لكن هذه أرزاق، فالفرزدق ليس عنده قوة تشبه بالرقيقين، لكن عنده قوة طبع في الشعر الغليظ الفخم الذي يملأ الفم.

ربما الشاعر عنده الاثنان، يعني عنده قوة في موضوعات معينة، مثلاً عنده قوة في الهجاء والحماسة قوة طبيعية، وليست عنده قوة طبيعية في الرثاء والغزل، ولكن عنده قوة تشبه تجعله يساوي الرثاء والغزل بالهجاء والحماسة، لأنه عنده القوة الثانية أيضاً، وربما تكون عنده هذه القوة بمساحة معينة، أيضاً الأشياء الوهمية لا يتساوى فيها الشعراء، كما القرائح لا يتساوى فيها الشعراء.

إذا ليس عندك في هذا الموضوع قوة طبع، وليس عندك قوة تشبه، تتشبه بمن عنده طبع، بقي لك قوة ثالثة وسُميت قوة الدربة، وهذه قلنا اكتسابية. يعني أنت ليس عندك طبع في الغزل مثلاً تريد أن تكتب في الغزل، فليس عندك طبع في الغزل وليس عندك قوة تشبه لتتشبه بمن عنده طبع في الغزل فتكتب قصيدة غزلية جيدة قوية، ليس عندك هذا ولا ذاك، بقي عندك ماذا؟ أنك شاعر وتقرأ في الشعر وتحفظ أشعار الغزل، وقرأت كثيراً من شعر الغزل وتحفظ السبع العذريات مثلاً إذا كنت تريد العذري، أو تحفظ ديوان عمر بن أبي ربيعة في الغزل وتعرف طرائق الغزليين، فتبدأ في استعمال ما تحصله في صدرك من الأساليب والصور التي عند العرب.

قال القرطاجني: «لو اعتمدت على قوة الدربة كشفك ناقد الشعر، هذا الباب ليس بابك»، لأن كلامك سيخرج متكلفاً لأنه معتمد على العلم فقط، معتمد على العلم وعلى الصور، يقول لك: يا أبا قيس، الشعر علوم ودراسات، هو علوم ودراسات لكن وقوده ماذا؟ المشاعر، بقوة الطبع أو قوة التطبع أو قوة التشبه. فإذا أخذت تستعمل الدربة فقط صرت كمن ليس بشاعر، كأنك لست بشاعر.

والله يا إخوة فعلاً، والله أعطيكم زبدة الكلام، والله يشهد أنني ألخصه لكم وأربطه لكم في القضية هذه، زبدة التحقيق في الكلام ولخصتها لكم من كلام كثير وتحرير طويل والحمد لله. إذا كتبت على ما تحصله من دربة في الشعر وليس عندك قوة طبع في الموضوع وليس عندك قوة تشبه بمن عنده قوة طبع في الموضوع، جاء شعرك بارداً، شعر العلماء. العلماء أمال ماذا يا أبا قيس؟ لازم تكون...

أنت مايل نفسياً للموضوع، أنت عايز تكتب قصيدة في التعة، لازم تكون بتحب التعة. إيه ده؟ لحظة، ما أنا راجل أتقي الله، مالهاش علاقة، تتقي الله دي أنت ما بتعملش، لكن بتحب التعة ما فيش مشكلة، دي حاجة حلوة. يعني تكون بتحب الغلط، بتحب الكذا، تتقي الله ولا تفعل، متدين ما بتقومش من على السجادة بس أنت جواك كده وبتتقي الله وماجور على ذلك، لكن الشعر نظير الخلوة كما قال السقاف؛ يباح فيه ما يباح فيها، فأنت تكتب في الشعر ما في نفسك.

وأنت فاكر أن الأئمة والمشايخ وكذا بعضهم في داخله عمر بن أبي ربيعة، واحد في داخله عمر بن أبي ربيعة، واحد في داخله مجنون ليلة، واحد في داخله امرؤ القيس، واحد في داخله الأعشى، واحد في داخله زهير، ما هم بشر متقسمين، لكن الدين يحكم. وكلامنا ليس على عملك، كلامنا ليس على حياتك وفعلك للناس أمام الناس، كلامنا على ميلك؛ إذا كنت تحب الإفحاش والتعة في المعاني والانطلاق والصبوة ستكتب قصيدة في هذا جيدة، وكنت شاعراً طبعاً عندك قريحة الشعر الأصلية. ليس عندك هذه القريحة؟ تحتاج إلى قريحة أخرى، وهي قريحة التشبه، قوة التشبه بمن له قريحة في الموضوع، بمن له قوة في الموضوع، قوة طبع نحو الموضوع. ليس عندك هذه ولا تلك؟ لا تكتب في هذا الموضوع، انتهى.

هل هذا يراعى من قبل الذين يطلبون شعراً في المناسبات؟ لا. ولهذا أكثر الشعراء في عصرنا، أكثر الشعراء الذين لهم وجود في الطبقات الحاكمة، لهم ديوان كبير والجيد منه قليل، العالي منه قليل، لكن الديوان كبير وكبره أنقذ الموقف. يعني ديوان الجواهري في سبعة مجلدات، نصف مجلد الجيد تقريباً. أحمد شوقي لو أخرجت المختارات من شعره بلغت ملزمة من الديوان أو ملزمتين أو ثلاث ملزمات، يعني الشوقيات كبير، لماذا؟ لأنهم يكتبون في المناسبات؛ يكتبون شعر المناسبات. كل شاعر سترى الجيد منه من الذين أكثروا ولهم أشعار مناسبات وضخمت دواوينهم، سترى الجيد قليلاً.

وقلت لكم إن من أسوأ القصائد عندي «قفل المعلم» لأحمد شوقي. نظرت فيها أقرأها، طلبت من زوجي أن تقرأها، قلت لها اقرئي لي القصيدة لو سمحتِ، كانت تدرسها فقراتها، قلت لها عجباً والله عجباً من شهرتها! ثم كما ذكرت لكم في الكويت عام 2022، التقيت بالوالد الكريم الدكتور سعد مصلح، وكنت في كنفه يوماً كاملاً من الأيام التي قضيتها هناك، وتحدثت معه في هذا، قلت له يا سيدي -وهو طبعاً دارس لشوقي وله به علقة كبيرة وله نظرة فيه عميقة وبعيدة- قلت له: يا سيدي أنا أرى في شعر شوقي... وهذه القصيدة التي -طبعاً الدكتور كبير في السن وحكيم ويعرف كيف يقول الكلام المجمل بعيداً عن ضيق أو حرج التعيين- لم يناقشني في القصيدة وأنا فهمت هذا، قلت له القصيدة، فابتسم هكذا وقال: «كل ما ستراه ضعيفاً من شعر شوقي هو شعر المناسبات».

هذا يا أخوة ما يقال في شعر المناسبات. إذاً من أين ضعف شعر المناسبات؟ من أنه يطلب من الشاعر -أولاً- أن يقول القصيدة دون النظر إلى قوة الطبع التي عنده نحو الموضوع، ودون النظر إلى قوة التطبع نحو الموضوع أو قوة التشبه، وإنما يطلبون منه أن يكتب بخبرة الشاعر بدربته. ثانياً: لا يراعى مع الشاعر الروافد الأخرى المؤثرة في صناعة الشعر؛ تطلبون من شاعر وهو مدبر عن الشعر في هذه الأيام، تطلبون منه وليس له اشتغال بالموضوع، تطلبون منه وهو باله منشغل في موضوع آخر، تطلبون منه وهو يحتاج إلى وقت في الكتابة وتقولون له المناسبة بعد أسبوع نريد قصيدة، هو ليس إلهياً، ليس «دخل كارت طلع شعر».

ولهذا شعر المناسبات أغلبه -بالمعنى الذي شرحناه- أغلبه سخيف. هذا تحليلي يا أخوة وموقفي مما يعرف بشعر المناسبات الذي تكلم عنه عبد الرحمن شكري، وهذا موقفي منه علمياً. طبعاً الرومانتيكيون لم يعبروا بهذا تماماً، لأنهم وإن أخذوا خطوة نحو العلم والدراسة، لم يأخذوا الخطوة التي أخذناها في هذا العصر من تحليل كلام النقاد الكبار وفلاسفة النقاد كالكرتاجني وغيره. وهذه فلسفتها عند حازم الكرتاجني، أو في التحليل النفسي أو العقلي للشاعر، أنه نزول عن الرتبتين اللتين يصلح عندهما أن يكتب الشعر.

هذا كلام شكري فيما يتعلق بشعر المناسبات. أرجو أن ننتهي اليوم من الكلام عن عبد الرحمن شكري لنبدأ في المجلس القادم، إن شاء الله، بالكلام حول العقاد في مدرسة الديوان، ثم إبراهيم عبد القادر المازني بعد ذلك.

يقول بعد كلام عن شعر المناسبات: «هذا السمو بمكانة الشاعر واعتباره قبساً من الوحي الإلهي أثر من آثار الفكر الرومانتيكي». مدرسة النبوءة والمجاز هذه يا أخوة مرتبطة في الفكر الرومانتيكي الغربي بقضية الطبيعة وسيطرتها، مرت معنا قضية الطبيعة في الكلام عن وردزورث، وقلت لكم إن حتى تكون رومانتيكياً لابد أن تفهم ما معنى الرومانتيكية.

أظن يا أخوة ما حررناه اليوم وما ذكرناه من قضية شعر المناسبات جعل المسألة واضحة جداً تحليلياً وعقلياً للشاعر في شعر المناسبات بعيداً عن الكلام بالمجازات كقولك: والشعر لابد أن يخرج من النفس، ولا بد كذا، ولا يمكن أن تُلزم الشعر لأن الشاعر روح ووجدان. أعرف بعض هذا الكلام قد يكون صحيحاً، لكن التحليل العلمي ما ذكرناه اليوم بالكلام عن طبقة قوة الطبع وطبقة قوة التشبه وطبقة قوة الدربة، الصواب أن تكتب فيما لك فيه قوة من القوتين الغريزيتين.

هذا كله أيضاً صياغته هو ليس هكذا تماماً في كلام الكرتاجني وإن كان مضمونه موجوداً؛ القوة الغريزية الأولى أو الطبيعية هي قوة الطبع، والقوة الطبيعية أو الغريزية الثانية هي قوة التشبه، هذه أيضاً من الله. أما قوة الدربة بالخبرة باللغة وبالخبرة بأساليب الشعراء، دون قوة طبع أو قوة تشبه، يعني الدربة تنفع مع الطبع، الدربة من مثلث الشاعر تنفع مع الطبع أو التشبه، فهي ضرورية. أما أن تأتي بالدربة دون طبع في المعنى ودون قوة تشبه، يخرج شعرك بالقوة الاكتسابية الصرفة، يخرج شعرك متكلفاً بارداً رديئاً.

الرومانتيكية مذهب فكري له فكر أصلاً، وقلت لكم ارجعوا في ذلك إلى كتاب الرومانتيكية للدكتور محمد غنيمي هلال المصري، هذا أول من صنف في هذه الأشياء في مصر فيما فهمته بعد ذلك. المهم له كتاب اسمه الرومانتيكية، كتاب كبير ليس صغيراً، واسع فصل في كل هذه القضية؛ بالأحلام والطبيعة والخيال وغيره.

فقضية النبوءة أو مدرسة النبوءة والمجاز، كما قلت، مرتبطة بالفكر الرومانتيكي؛ فالشاعر متصل بالطبيعة، يتلقى خياله ومعانيه منها، ومن هنا كان نبياً عنها. ولذلك الرومانتيكيون يقفون كثيراً عند مفهوم النبي، مثل رواية جبران خليل جبران "النبي" عندهم، وإن كانت هذه رواية وليست نقداً. الفكرة أن الشاعر عندهم نبي صغير، لكنه نبي للطبيعة وللكون والمثل العليا، وتذكرون الكلام عن وردزوورث والحكمة وهذه الأشياء، ورفضه للهجاء.

هذا السمو بمكانة الشاعر واعتباره قبساً من الوحي الإلهي أثر من آثار الفكر الرومانتيكي أو مدرسة النبوءة والمجاز. كما جاء في نص سابق للعقاد: «فالشاعر الحقيقي في عرف هذه المدرسة يخترق الحجب والآفاق ويستشرف المجهول بعين بصيرته، فيبلغ الحقيقة التي تغيب عن من سواه من البشر».

وفي كلام شكري ما يعبر عن هذه الفكرة تعبيراً صريحاً إذ يقول: «وكل شاعر عبقري خليق ... أن يدعى متنبئا أليس هو الذي يرمي ... مجاهل الأبد بعين الصقر فيكشف عنها غطاء الظلام ... ويرينا من الأسرار الجليلة ما يهابها الناس فتغري به ... أهل القسوة والجهل»

ومن مقتضيات هذه النظرة، كما يقول الدكتور شفيق، أن الشاعر الحق لا يرتبط بالحوادث اليومية الصغيرة ولا بالأحداث المحلية التي تجري في قريته أو حتى في وطنه، فهمومه أكبر من ذلك؛ فالشاعر نبي.

بالمناسبة، سيأتي خلاف العقاد لهذه الصفحة؛ فالعقاد على خلاف هذا، فموضوعات الأحداث اليومية وكذا ليست من موضوعات الشاعر عنده. قلنا لك في الأول إن الدكتور شفيق قال لك بينهم اختلافات تحت نفس الفكرة والمذهب، ومنها هذه المسألة. إنما هموم الشاعر عند شكري هي هموم الإنسان في كل زمان ومكان.

لقد انتهى الدور الترفيهي الذي كان للشاعر في العصور الغابرة حين كان نديماً للملوك والأمراء، يسامرهم ويشنف آذانهم بما يقول من شعر يرضي أمزجتهم، أما اليوم فهو رسول الطبيعة، ترسله مزوداً.

أنا أتخيل الشاعر العربي يجلس كشعراء العصور الغابرة مع الأمراء يشنفون المسامع بما يرضي الأمزجة، وأما الآن فالشاعر رسول الطبيعة؛ أين قصائدكم إذاً؟ أين أنت يا بتاع تشنيف الآذان والأمزجة؟ أرني القصيدة، أريد بياناً! وأنت يا بتاع رسول الطبيعة وصاحب الوحي الإلهي، أين القصيدة؟ وأنت يا بتاع الأحداث اليومية والهموم الإنسانية العامة في حياة الناس في الشارع وفي الحارة، أين القصيدة؟

كل واحد يخرج لي قصيدته هنا؛ هذا يقول: «أنا يا باشا عبرت عن الطبيعة»، هذا يقول: «وأنا عبرت عن الناس في الشركة»، وهذا يقول: «وأنا كنت رسول المعاني الإلهية»، كله سيُدرس، سننادي عليكم ونقول التقويم.

لا علاقة لما يفعله الشاعر العربي مع هذه الأطراف المتنازعة؛ أنت تشنف آذان الندماء من الأمراء، أو أنت تعبر عن الناس في الشارع والحوادث اليومية كما العقاد، الله يسهل لك. أنت رسول المعاني الطبيعية والسامية وهموم الإنسان في كل زمان ومكان، الله يجازيك خيراً، حط قصيدتك. لا يهمني في ماذا قلت، بل يهمني ماذا قلت وكيف قلت.

«هو رسول الطبيعة، ترسله مزوداً بالنغمات العذبة كي يصقل بها النفوس ويحركها ويزيدها نوراً وناراً، فعظم الشاعر في عظمة إحساسه بالحياة، وفي صدق السريرة التي هي سبب إحساسه بالحياة، ولسنا نرى إعلاءً لمنزلة الشاعر وتقديساً للشعر أكثر مما يدل عليه قوله: كل شيء في الوجود قصيدة من قصائد الله، والشاعر أبلغ قصائده».

هذه طريقة سيد قطب رحمه الله، سيد قطبي جداً، تلميذ للعقاد مباشر. يقول: «كل شيء في الوجود قصيدة من قصائد الله، والشاعر أبلغ قصائده»، وهي عبارة جميلة تترقرق هي نفسها بنبض الشعر، وتستمد من روح الرومانتيكية الأوروبية التي بواتت الشاعر مكاناً عالياً وأنزلته منزلة الأنبياء؛ فالشعر إلهام أو وحي يأتيه من لدن قوة غيبية تحل فيه، فتسمو بقدرة على سائر البشر.

هو أنا مش عارف هو أنهي وحي اللي نزل، عمرا القيسي بصراحة من أنهي طبقة في السماء مش واخد بالي، بس مش مشكلة، يقول لك بقوا أنبياء أهو.

يقول لك: «فالشعر إلهام أو وحي يأتيه من لدن قوة غيبية تحل فيه فتسمو بقدره على سائر البشر». هذا كله يا إخوة ركزوا معي الآن، هذا كله من آثار بناء الشعر على مطلق العاطفة. وهذا يجعلك تفهم لماذا كان الرومانتيكيون ينبهرون بقصائد ضعيفة جداً من جهة البيان لأجل ما وجدوه فيها من العواطف.

حر ومذهب كل حر مذهبي، فاكرين؟ معجبين بها جداً عشان إعلاء المعاني السامية والعواطف. تذكرون القصيدة: «حر ومذهب كل حر مذهبي» لإيليا أبو ماضي؟ تخيلوا هذه عندهم من الروائع! لماذا؟ لأنهم بنوا الشعر على مطلق العاطفة وليس على الانفعال اللغوي، فلم يميزوا مصدر العاطفة. هذا أخطر ما في الموضوع، لازم تمسك المسمار الصمولة، تعرف المفتاح إيه اللي حصل؟ مطلق العاطفة، وليس العاطفة التي جاءت من صنعه الشعرية ومن وحي تركيبية.

مطلق العاطفة مع شعر لين هين سهل. فإذا وجدت العاطفة مع شعر رقيق، ما هذا؟ كلام وردز وورث اللي تأثر به كولريدج والعقاد وغيرهم. الكلام في العاطفة والقرب من لغة الناس، وإن كان شكري يرى فخامة الشعر لابد أن يكون بتراكيب فخمة وكذا، لكن الفكرة الرومانتيكية مسيطرة.

إدارة الأمر أكثر من إدارة الأمر على العاطفة؛ عبد الرحمن شكري إدارة الأمر على العاطفة كما شرحت مراراً، جعل قضية اللغة محدودة شئت أم أبيت، إدارة الشعر على العاطفة والتركيز على العاطفة، جعل فكرة لغة الشعر محدودة شئت أم أبيت، حتى وإن كتبت فيها بكلام عبد القاهر. إدارتك الأمر على العاطفة دل على أنك ستسحب الاهتمام من هذه القضية. تعرف لماذا؟ لأنك لو تقول بكلام عبد القاهر، عبد القاهر مات تكلم عن صور المشاعر إلا من خلال التراكيب.

تعال شوف، أنا جمعت لك ألفاظاً كنت أتعمد أن أجمع من الدلائل الألفاظ التي استعملها عبد القاهر معبراً عن الانفعالات الشعرية، اسمع واستمتع، اسمع لتفهم؛ لأنهم الآن سيأتون بكلام عبد الرحمن شكري متأثراً بعبد القاهر. طيب يا أبا قيس، ما الفرق بين شكري وعبد القاهر؟ هو هذا.

شوف عبد القاهر، لحظة أنا خلعت الورقة، هذه الأوراق المستخلصات كنت ألصقها في الكتاب في الداخل، فكتاب عبد القاهر لأنني أدرسه منذ 15 عاماً تقريباً فتفكك واهتر كما ترون، وهو مليء بالحواشي كما ترون، وسأذهب به إلى التجليد ليعمل له كعب جلد طبيعي جلد ماعز كهذا، فخلعت الأوراق التي كتبت فيها لألصقها في التجليد الجديد.

تعال هنا شوف، كل هذه مفردات استخرجتها لك من كتاب الدلائل، دلائل الإعجاز. عبد القاهر: الروعة، الهيبة، الاتصال العجيب، تروقك وتؤنسك، تثقل عليك وتوحشك، كل هذا في صفحة 46 لمن أراد المراجعة. الروح والخفة، الأنس والبهجة، الثقل على النفس، التنغيص والتكدير في صفحة 47.

الفخامة، فخامة النص في صفحة 121 و307، فخامة وشرف وروعة، يعني ما تجده من فخامة وشرف وروعة في صفحة 132. حركة الراحة في النفس، كل هذه تعبيرات استعملها عبد القاهر. كما أنطقها وسأخبرك كيف استعملها أو أين استعملها لتعرف الفرق بينها وبين شكري.

حركة الراحة في النفس في صفحة 85، وفي نفس الصفحة اهتزاز النفس، النشوة في صفحة 99، كل هذا من هذه الطبعة تحقيق شاكر. العظمة في 45، الشرف في 288، اهتزاز، الفخامة أيضاً في 28، كرم الموقع في النفس، يعني يقع الكلام في النفس موقعاً كريماً. كل هذا لما يتكلم عبد القاهر عن معنى في الدين وفي الحكمة وفي خالص ولا له علاقة، بل يحارب هذا صراحة، أقول لك الذي يقول هذا يحط من قدر نفسه.

كرم الموقع في النفس في 288، شرف المعنى في 287، حسن، روعة، لطف موقع في 288، الأريحية والأنس في 288، وأيضاً الروعة والهيبة مرة أخرى في 388. كل هذه المعاني أيها الإخوة، كل هذه العبارات التي قرأتها لكم الآن من كتاب عبد القاهر «الدلائل»، لم يأتِ بها عبد القاهر إلا وهو يتحدث عن كونها أثراً للنظم، لم يفصلها من جهة كونها عواطف.

هذا هو الفرق بين من يتكلمون عن النظم والتركيب والأساليب في الرومانتيكية وبين من يتكلم عنها في العرب، يعني الأمر يختلط حتى على الدكاترة. يقول لك دكتور: «هو هذا المذهب»، ووجدت دكاترة كالعوام، كيف أخذ الدكتور وكيف تكلم وهو ليس عنده تحقيق ولا فهم، وعنده كبر عجيب، يعني ضالة فهم وكبر متناهٍ، في علاقة مضطربة عجيبة. تجد عند الدكتور قلة فهم وكبر، دكتور يقول لك: «والله كلامهم هو كلام عبد القاهر، وهم تفوقوا على عبد القاهر لأنهم تكلموا عن عنصر الخيال وعن عنصر العاطفة، وعن عبد القاهر حصر كلامه في النظم».

أنا آسف يا دكتورة شيماء، دكتورة أكاديمية عندنا في مصر، هذا واقع يا دكتورة. لا طبعاً حفظ الله مقامك ورفع قدرك، هذا واقع نراه، وهي تقول: «أوافق بشدة». هذا واقع، تجد عنده ضالة شديدة في الفهم والتحقيق وعنده كبر عجيب.

عبد الرحمن شكري أدار الأمر على العاطفة ثم تكلم عن اللغة بعد ذلك. انظر: «الشعر إلهام ووحي يأتيه من لدن قوة غيبية»، كل هذا من آثار بناء الشعر على مطلق العاطفة، فاختلطت عندهم العاطفة والمشاعر والأثر النفسي الحاصل عن طريق النظم، ولم يختلط على عبد القاهر كما رأيتم الآن، ولم يمتزج، اختلطت عليهم العاطفة التي تحصل عن طريق النظم بالعاطفة العامة، فلذلك أعجبوا من آثار ذلك، أنهم يعجبون بشعر رقيق فيه عواطف ولكنه رديء. دكتورة شيماء تقول: «لو اعترضت عليه يرفع عليك قضية لأنه غبي»، يفضح نفسه، أي دكتور يعمل كده بيبقى مفضوح.

مرة أحد الدكاترة من دار العلوم قال كلمة هي مدح لكن لا أدري هل وصلتني قدحًا؟ لما قال: «الذي يعجبني في أبي قيس أنه ليس أكاديميًا في هذه العلوم، ولكن تحريراته وتتبعاته وكذا كالأكاديميين الكبار». هو قال هذا، تحريراته لما يحرر المسألة ويجمع نصوصها ويبدأ في استجلائها تاريخيًا وتحقيق الأمر فيها كالأكاديميين الكبار الذين يبحثون بجد.

فأنا ما شعرت بالثناء على قوله «كالأكاديميين»، لأنني وجدت ندرة من الأكاديميين المحسنين. ما شعرت أنه مدح أن يقال لأبي قيس «كالأكاديميين الكبار»، من قال لك إنني أوافق؟ أنا قرأت رسائل دكتوراه كثيرة في مجالات الأدب مما طبع في دار العلوم أو طبع في كلية اللغة العربية أو الدراسة الإسلامية، ما وجدت التحقيق الذي يفي بحجم المجلد، وهذا الكتاب المجلد الكبير يحقق فيه أكثر من ذلك بكثير.

المهم، نرجع، فهمتم لماذا الآن ترون الرومانتيكيين تعجبهم؟ أنت تقرأ تنظيرهم فيشتبه عليك الأمر، لكن لو دققت سترى أنهم أعطوا العاطفة جانبًا كبيرًا. في حين عبد القاهر ركز معي في هذه العبارة: عبد القاهر لم يحتج إلى أن يتكلم عن العاطفة؛ لأنه تكلم عنها في صورة انفعالات عن النظم.

مرة أخرى، عبد القاهر لم يحتج إلى أن يتكلم عن العاطفة من حيث كونها مكونًا للشعر، بل كان يتكلم في النظم، وفي أثناء النظم يتكلم عن صور العواطف والانفعالات من حيث كونها أثرًا للنظم، كما قرأتم الآن.

حبيبنا الشيخ خالد يقول: «الدول تعين في مراكز التأثير من رجال الدولة العميقة، وراثتها جيل بعد جيل ولا ينتبهون حتى تسقط»، كما قرره ابن خلدون. نعم، الولاءات والانتسابات، حتى الدول الحادثة القائمة جديدًا، ولاءات عجيب.

فعبد القاهر لم يحتج إلى الكلام على العواطف مستقلة كما تكلم الرومانتيكيون، لأنه كان يتكلم عنها في صور جزئية في أثناء كلامه عن النظم من حيث كونها أثرًا عن النظم بس. فبالتالي الشعر عنده -النظم- لا ينفصل عن العاطفة. هنا ركزوا على العاطفة فاختل النظم، فلذلك ترونهم يعجبون بقصائد ضعيفة لما فيها من عواطف.

كما رأيتم في قصيدة إيليا أبو ماضي، تقرأ عدد الدواوين، أنا عندي دواوين الرومانتيكيين صف كامل، المجلدات بلغت مترًا للرومانتيكية المعاصرة الأخيرة في هذا العهد الذي ندرسه وبعده بقليل. تقرأ القصائد والدواوين تنفتل من المجلد، ولا تكد تقف على قصيدة، كل فين وفين تقف على قصيدة جيدة. مثلاً كرثاء مطران، أذكر قصيدة على المتقارب، أظن رثاء خليل مطران للبارودي، فيها جودة، لأن خليل مطران مرحلة وسط، هو بين البعث وبين الاتجاه الجديد مهد له، فله قصيدة في رثاء البارودي شيخ العروبة، في الحقيقة أذكر أنها جيدة لكن وقفت عليها بعد سير طويل.

ولما كان إلحاح شكري على أهمية العاطفة يوهم بأنه لا يرى للفكر نصيبًا فيه، فقد بادر إلى دفع هذه الشبهة، وأشار إلى أن الشعر عاطفة وتفكير معًا، وأنه مهما اختلفت أبوابه فإن كلا منهما له نصيبه. يعني لا في تفكير، ما حدش يقول إن هو عاطفة محض غوغائية هكذا.

التصوير الشعري؛ تحت هذا العنوان سنرى ظلًا عربيًا لفكرة الخيال عند كولريدج. كل ما يأتي من عنده الكتاب تحت عنوان جانبي «تصوير الشعر»، يعني عند عبد الرحمن شكري هذا كلام عن الخيال، هو نفس الفكرة عند كولريدج بالضبط. قال: «ومن الطبيعي -وقد تغيرت النظرة إلى الشعر عند شكري على النحو الذي بينا- أن تتغير نظرته إلى الوصف أو التصوير الشعري، وفي هذا الجانب يرى أن الوصف الشعري الذي يتضمن قلبًا للحقائق أو بعدًا عن كل ما هو مألوف عقلًا ليس مقبولًا ولا مستساغًا».

هنا سيقول كلامًا كالذي قاله كولريدج في التخييل، ولكنه في الحقيقة أصاب كثيرًا في كلامه لما تكلم عن تكلفات الشعراء الذين خرجوا عن المألوف بغلوهم ومبالغتهم في الصور البيانية أو الوصف. ولكن يبقى بعد ذلك: ما هو الوجه يا عبد الرحمن شكري؟ ما هو الوجه الذي يتحقق به ذلك عندك؟ أنت قد تنقض رديئًا وتتفق على نقده؛ لأننا أيضًا نتفق مع كولريدج في فكرة الخيال التي أنشأها، طبعًا هو صاحب فكرة الخيال أو قالوا أخذها أو انتحلها من الألمان مثل الأخوين شليجل أو نحو ذلك، مش مهم ليست قضيتنا.

وجاء هذا في الكتاب، لكن فكرة الخيال انتشرت من عند كولريدج في كل النقاد من بعده، وجاءت في هازلت وتأثر العرب بهازلت، وانتشرت فكرة... هو طبعًا أشهر يقولون إنه أشهر ناقد في الغرب بعد أرسطو هذا، كولريدج، صديق ورز وورث، عرفتم كل هذا؟ واتفقنا مع كولريدج في ضرورة سيرورة المعنى وانتظام الكلام، وقلت لكم ما ظلها العربي؟ ظلها العربي هو ارتباط المعنى وتسلسله إلى أن يصل إلى كذا وكذا، وهذا الكلام عند ابن طباطبة موجود في عيار الشعر، وعند أبي علي الحاتمي موجود، ليست مشكلتنا.

أين تظهر مشكلتنا؟ عند صور ربما لا يعيها كولريدج. تحت هذا العنوان عبد الرحمن شكري سينقد أشعارًا ربما نتفق معه في نقدها. ولكن نأتي لعبد الرحمن شكري، إلى أين وصلت؟ ما الذي يمكنك أن تحبه وتعتبره تصويرًا؟ ربما من كلام دراسته لشكري في تراثه الآخر أنه ربما لا يميل لامرئ القيس لماذا؟ تراكم الصورة البيانية. ومثله قاله صراحة شوقي: «أخذ يفضل زهيرًا على امرئ القيس شديدًا، ويقول أنا لما أدخل قصيدة امرئ القيس أرى ركامًا ضخمًا من الألوان والصور البيانية والتشبيه، ركام كبير لا أرى التنسيق». هو يقول هذا، أرى ركامًا ضخمًا، بخلاف زهير، يقول مثلا:

تبصر خليلي هل ترى من ضعائنٍ ... تحملن بالعلياء من فوق جرثمي علون بأنماط عتاق وكلهٍ ... وراد حواشيها مشاكه الدم وفيهن ملها للصديق ومنظرٌ ... أنيق لعين الناظر المتوسم بكرن بكورًا واستحرن بسحره ... فهن لواد الرس كاليد للفم جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قيني قشيب مفامي كان فتاه

«الْعَهْنُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ نَزَلْنَا بِهِ ... حَبَّ الْفَنَا لَمْ يَحْطِمِي فَلْ فَلَمَّا وَرَدْنَا الْمَاءَ زُرْقًا جِمَامَةَ» وضعنا عصي الحاضر المتخيم، يقول هذه الصورة متطورة عما عند امرئ القيس، وشعره هو أرقى؛ أما امرؤ القيس فنجد ركامًا من التشبيهات الدقيقة والكثيرة والاستعارات. فهو اعتبر زهيرًا مرحلة راقية متطورة من الشعر، وامرأ القيس مرحلة كانت في الأول مرحلة المراكمة للصورة التشبيهية.

طبعًا لو نظرتم إلى محاولات الدكتور شوقي ضيف لبناء القصائد كمعلقة امرئ القيس في كتابه «الشعر الجاهلي»، وهو المجلد الأول من سلسلة تاريخ الشعر العربي أو تاريخ الأدب العربي، لو رأيتم في هذا المجلد الأول من السلسلة كلامه عن بناء معلقة امرئ القيس لضحكتم، بل لذهلتم، لقعتم مبلسين، لا تحملكم أقدامكم؛ ما هذا الكلام؟ تعجبون! فليس الدكتور شوقي ضيف ممن يتأمل الصورة البيانية والمذهب في القصيدة.

عبد الرحمن شكري سيتفق معنا في هذا، لكن إلى أي حد؟ كما في كولريدج اتفقنا معه، لكن إلى أي حد؟ بعد ذلك توافقنا في هذه المشكلة. يقول مثلاً كقول الشاعر الواواء الدمشقي: «فَأَمْطَرَتْ لُؤْلُؤًا مِنْ نَرْجِسٍ ... وَسَقَتْ وَرْدًا وَعَضَّتْ عَلَى الْعِنَبِ»

فأمطرت لؤلؤًا من نرجس، وسقت وردًا، وعضت على العنب. قال: والبيت يتألف من عدة استعارات؛ التعبير باللؤلؤ عن الدموع، وبالنرجس عن العين، وبالورد عن الخد، وبالعناب عن الشفة الحمراء، وبالبرد عن الأسنان الناصعة البيضاء، وذلك التصوير الشعري كله في رأي شكري عقيم فاسد، لا يستثير عاطفة ولا شعورًا. وأنا أوافق في هذا البيت.

قال: ومن المغالطات العقيم والخيالات الفاسدة في رأي شكري أن يقول الشاعر في الغزل إنه ذرف الكثير من الدموع، وأنه سلَّى عامًا لم يذق فيه النوم، وأن جسمه أضناه النحول والسهاد حتى لا يخشى أن يطير مع الهواء، أو أن يقول في الرثاء إن السماء بكت عليه، وإن الأرض مادت لموته، وإن الليالي لابسة حدادًا عليه. ويذكر أن حلاوة الشعر ليست في قلب الحقائق وإخراجنا إلى عالم ليس للعقل فيه سبيل.

هل هذا يخالفنا يا إخوة؟ لا، هذا كله عندنا؛ هذا النوع الذي يخرج لك في الصورة البيانية إلى أن تكون غاية بذاتها غير مقبول عندنا. ويذكر أن حلاوة الشعر ليست في قلب الحقائق وإخراجنا إلى عالم ليس للعقل فيه سبيل، عالم يرخص المرء لعقله أن يتنزه فيه أينما شاء من غير خشية رقيب بدعوى أن الشعر نوع من الكذب، فليس الشعر كذبًا، بل هو منظار الحقائق المقلوبة ووضع كل واحد في مكانها.

طبعًا نستطيع أن نفهم من هذا الموضع أن شكري لا يحبذ الاختلاق الامتناعي، والأدب العربي عمومًا لا يحبذه؛ هو موجود وجائز لكن ليس محبذًا، الذي هو التخييل ومخادعة العقل والتزويق، وهو الاختلاق الامتناعي، والإفراط الامتناعي في اصطلاح القرطاجني.

نحن نقول اختلاق ونقصد الاثنين، لأن القدر الزائد في الإفراط مختلق، لكن القرطاجني سماه اختلاقًا امتناعيًا والآخر إفراطًا امتناعيًا؛ إفراط ممتنع لأن الأصل موجود. وإذا شئت أن تقول اختلاق في الجميع، هذا اختلق الأصل وهذا اختلق الزيادة. القرطاجني يقول: اختلاق امتناعي وإفراط امتناعي، وهناك شيء ثالث يسمى المستحيل، الذي لا تصور في الذهن، يعني لا يختلق أصلًا، لا يوجد معنى في الذهن يختلق.

لقد صعدت فوق لقد صعدت تحت ونزلت فوق، وشربت كهرباء وتيممت بماء جاف! الحداثي يأتي بالمستحيل، وهذا يسمى مستحيلاً ليس له صورة في الذهن، هذا الفرق بين الاختلاق والإفراط وبين الاستحالة؛ الاستحالة ليس لها اختلاق في الذهن، ولذلك لا تسمى اختلاقًا، لا يوجد اختلاق أصلًا، أنت لم تخلق شيئًا، ما في شيء مختلق، ليس هناك معنى: شربت كهرباء ممزوجة بماء جاف، «ابتكر صيفًا أشد لذوجًا من فخذيها»، ما في صورة، ما في شيء في الذهن موجود، هذا كلام خطل صرف.

أما الاختلاق فأنت تصنعه، والمستحيل مرفوض في الشعر، والاختلاق غير محبوب، والإفراط موجود باعتدال؛ هذه خلاصة القضية عند العرب القدماء. المستحيل مرفوض يساوي غلط، الكلام ليس له معنى لغوي، انتهينا.

الشاعر السوري من الجيل الماضي منذر مصري يقول لك: «لقد كان صعبًا علي أن أبتكر صيفًا أشد لذوجًا من فخذيها»، هذا كلام ساقط ليس له معنى. فالمستحيل ممنوع عند العرب، والاختلاق غير محبذ لأنه قريب من الخطأ، والإفراط ممتنع مقبول وعند الجاهليين موجود، عند امرئ القيس موجود بقدر وعند خالده المهلهل موجود، وهكذا فالإفراط موجود لأن الأصل صحيح فيُحمل الإفراط على أقصى الممكن. إذن: المستحيل غلط قولًا واحدًا، والاختلاق غير محبذ، والإفراط مقبول.

بعد ذلك يتكلم شكري، أو يأتي مذهب شكري على التشبيه تفريعًا على مبدأ الخيال عند كولريدج. قال: وفي هذا السياق يتطرق شكري إلى أداة أساسية من أدوات التصوير الشعري هي التشبيه، فيرفض أن يكون مجرد أداة لوصف الأشياء المادية، فمثل هذا التشبيه ليس من الوصف الشعري في شيء، وخليق به أن يسمى الوصف الميكانيكي.

أحسنت يا خالد بالضبط، وخليق به أن يسمى الوصف الميكانيكي، وإنما قيمة التشبيهات في إثارة الذكرى أو الأمل أو عاطفة أخرى من عواطف النفس أو إظهار حقيقة، ولا يُراد التشبيه لنفسه، كما أن الوصف الذي استخدم التشبيه لا يطلب لذاته، وإنما يطلب لعلاقة الشيء الموصوف بالنفس البشرية وعقل الإنسان.

طبعًا نحن هنا سنتفق مع عبد الرحمن شكري في أن التشبيه لا يطلب لذاته، لكن نقول ما قلناه بالضبط عند كولريدج؛ لا يطلب بذاته ولكن يبقى بعد ذلك تحرير الوجه الذي يصح به. هذا القدر عندك شكري نوافقه، لكن عند التطبيق سيختلف المعنى؛ شكري سيرى كثيرًا من شعر القدماء لم يحقق العواطف التي يريدها لأنه لم يصل إلى درجة الوظيفة هذه، وعند الشعراء القدماء يفهمون ذلك. تذكرون لما في هذه المجالس قرأت لكم كلام الدكتور محمد النويهي؟

في امرئ القيس لما تذرع بالتشبيه تشبيه الضعائن ليصف النخل، وكذا لماذا لم يصل إلى هذا الفهم؟ لأنه لم يعامل لغة القصيدة.

تذكرون هذا، وأنت يا خالد، أنا عارفك تكون فاكر إن شاء الله، هذا في كتاب "ثقافة الناقد" وتكلمت عنه هنا في صفحة 37 من الطبعة التي معي، وهو في كتاب "ثقافة الناقد" للنويهي صفحة 267، نفس المشكلة هنا، وهي أنهم لا يعاملون اللغة وإنما يعاملون الفكرة العامة، ثم أثرت عليهم اللغات الأوروبية كما قال محمود شاكر، ولم يعنوا باللغة عنايتهم بالفكرة وبالمعاني، فلم يعنوا باللغة وتأثروا بالآداب الأوروبية وركزوا على العواطف.

فلم يهتموا، فكلام شكري هنا لا نعترض معه عليه، ولكن عند التطبيق هو سيرى أن كثيراً من تشبيهاتنا تدخل في هذا، ربما لا يعجبه، أنا أذكر له هذا في مقالاتي ودراساتي في الأدب العربي وفي الشعر العربي، أنه ربما لم يحبذ شعر امرئ القيس أو طريقته، وأنها أبعد عن الوجدان، وله كلام في إثبات الوجدان لها، فالعهد بذلك بعيد جداً. فأنت تستخلف معه في التطبيق كما اختلفنا مع كل نج في التطبيق.

قال الدكتور شفيع السيد: «والواقع أن ربط التشبيه الشعري بالعاطفة والشعور ليس إلا أثراً»، هو يقول ليس إلا أثراً من آثار فكر المدرسة الرومانتيكية عند كولريج، صريح يعني تأثر عبد الرحمن شكري بكولريج واضح. قال: «والواقع أن ربط التشبيه الشعري بالعاطفة والشعور ليس إلا أثراً من آثار فكر المدرسة الرومانتيكية عند كولريج، ومثله حديث شكري عن التفرقة بين التخييل والتوهم، فالتخييل كما يقول أن يظهر الشاعر الصلات التي بين الأشياء والحقائق، في حين أن التوهم أن يتوهم الشاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود». عين كلام كولريج.

قال: «وذلك هو ما ذهب إليه كولريج أيضاً وإن زاد تفصيلاً بتقسيم الخيال إلى خيال أولي وخيال ثانوي»، كما ذكرنا من قبل. قال: «والمثال الذي قدمه شكري للتوهم قول أبي العلاء في ديوان سقط الزند: واهجم على جنح الدجا ولو أنه أسد يصول من الهلال بمخلبي»

من الآخر، أنا أقدح في هذا البيت من قبل كلام عبد الرحمن شكري، وأنه استعمال صناعي بحت، وأستطيع أن أعلل ذلك من خلال النظم، ولكن لصلاة المغرب دعونا نبدأ في المجلس القادم إن شاء الله تعالى، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في أمان الله، جزاكم الله خيراً، رضي الله تعالى عنكم ورفع الله تعالى قدركم.