دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام. أهلاً وسهلاً مرحباً، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً. أهلاً يا خالد الشيباني، ما شاء الله، حضور جيد من الأول، جميل. طمئنوني أيها الإخوة إلى سلامة البث، صوت وصورة لو سمحتم؟ يا مرحباً، يا مرحباً، واضح الحمد لله، أطمئن إليه أيضاً من عندي، يبدو كذلك جيداً الحمد لله. أهلاً علي السوادي، أستاذة نسرين، خالد الشيباني، صرع الغواني، محمود علي، أستاذة ياسمين المنجلاتي، أستاذة دينا أبو زيد، يا مرحباً بالجميع.

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا أيها الإخوة هو مجلسنا الثالث من مجالس شرح كتاب "نظرية الأدب" للدكتور شفيع السيد، دراسة في المدارس النقدية الحديثة. وقد صار عندكم محفوظاً أن المدارس النقدية الحديثة هي التوجهات الأوروبية، وبدأت من العصر الرومانتيكي عند الأوروبيين. وعلمتم كذلك أن إرهاصاتها كانت في الثورة الفرنسية والثورة الصناعية التي أعطت مساحة لطبقة برجوازية شعبية بعد الطبقة الكلاسيكية، أو بعد العهد الكلاسيكي الذي تميز بالطبقية في معاني الشعر وأساليبه، أو بنوع من فرض هيئات معينة من التصرف في الشعر ونحو ذلك.

فكذلك عدوا الذين اتبعوا المنهج الرومانتيكي بداية النقد الحديث في البلاد العربية التي تبعت الحركة الأوروبية. وكان بعضهم، كما عرفتم في المحاضرة الماضية، من رواد الرومانتيكية، بل ما زال البعض إلى الآن يفاخر بذلك ويقول: "النهضة الحديثة والنقد الحديث في مصر والمنطقة العربية"، وكأنه لا يعرف ماضياً، وكأنها نهضة لا توازيها نهضة في النقد العربي الذي بدأ من قبل عبد القاهر ونضج عند عبد القاهر في القرن الخامس. بل كانت النهضة العربية والازدهار في العصر الجاهلي والإسلامي يوازي العصور الوسطى المظلمة الأوروبية، التي كانت مظلمة على العلماء والشعراء، وكانت مظلمة إلا من الفكر الكنسي والديني الذي انقلبت عليه أوروبا الحديثة بعد ذلك في ما يعرف بعصر النهضة.

ثم كانت الهضبة في عصر النهضة كما عرفتم من القرن السادس عشر إلى أوائل السابع عشر، ثم كانت الهضبة الكلاسيكية الجديدة التي أحيت الكلاسيكية القديمة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ثم كانت الثورة الكبرى على كل هذا القديم وبداية عصر جديد، وهو عصر أوروبا الحديثة، وكان ذلك في القرن التاسع عشر، وإرهاصاتها كما عرفتم كانت في أواخر القرن الثامن عشر، الثورة الصناعية والثورة الفرنسية.

الآن نحن نعيش المشهد العربي مع جماعة الديوان. جماعة الديوان هي ممثل مصري لهذا الاتجاه الرومانتيكي، وعرفنا أن جماعة الديوان سميت بهذا الاسم نسبة إلى الكتاب الذي ألفه رجلان من هذه الجماعة المعروفة بالثلاثة، وهما عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني. سميت جماعة الديوان لأنه كان صديقهما ولأنه يحمل نفس الفكر، وإن كان عبد الرحمن شكري لم يؤلف في الكتاب، بل نقده صديقه إبراهيم المازني في الكتاب.

وعرفتم أن هذه الجماعة كانت تفخر بتأثرها بالأدب الغربي. محاضرتنا أمس أيها الإخوة كانت في قراءة قصيدة إيليا أبو ماضي التي أولها: "كل حر مذهبي"، وقلت لكم إنها كانت مرحلة، ليس أكثر من شواهد المرحلة؛ الفخر بالتاثر بالأدب الإنجليزي، لأن هذا يدل على عدم الإحاطة بالنقد العربي. أنا لا أنفي وجود أفكار نقدية قد تعتبر عند وردز وورث، وعند كولريج، وعند فريدريك شليجل، وعند أوجست شليجل، وعند مدام ديستال، وهذه الزمرة. لا أنفي وجود أفكار نقدية أحترمها إلى حد كبير عند توماس تنس إليوت، كما هو معروف، وهو الأب الروحي للنقد الجديد الذي كان سبب هذه النهضة الجديدة مع صديقه إزرا باوند الشاعر، وكان ذلك في القرن العشرين، وهو من آباء الرمزية الحديثة، ويسمى بالنقد الأنجلو أمريكي أو النقد الجديد الذي يمثله بعد ذلك عندنا في مصر الدكتور محمود الربيعي، أطال الله عمره، والدكتور سبقه الدكتور مصطفى ناصف رحمه الله، هذان رسولا النقدية الجديدة في مصر.

أنا أحترم هذه الأفكار، لكن بما أعرفه أنا ودرسته بصفتي عربياً من نقدنا العربي، لا أجد مسلكاً للفخر بالتاثر بالنقاد الإنجليز أو بتي إس إليوت أو الألمان أو الفرنسيين، لا أجد مسلكاً. أفهمون هذا الذي أقول؟ أعترف بفضل هؤلاء وبأن لهم مكانات. وبالمناسبة، أنا من قراءاتي لتي إس إليوت - وأنا لا أقول هذا من منبرية أو وعظية أو خطابة - أنا من قراءاتي لتي إس إليوت، كتب تي إس إليوت وحدها عندها عندي ضخامة جداً، ومن حافظي قصيدته "أرض الخراب" أو "أرض الضياع" على حسب الترجمات، حتى الترجمة فيها مشكلة. وهي طبعاً قصيدة خرجت في أوائل القرن العشرين، في العشرينيات، أظن أتذكر عام 1922، وهذه إلى الآن تعد أشهر قصيدة رمزية في هذا الباب.

هذه القصيدة ظلت مدة طويلة، بل بقيت على مكتبي لم تفارقني، ها هي على مكتبي منذ عام ونصف، منذ جئت إلى المسكن الجديد في شهر خمسة من العام الماضي. هذه القصيدة، "أرض الخراب" أو "أرض الضياع" أو "أرض الياب"، ترجمات عدة في العنوان، رائعة الشاعر تي إس إليوت، الناقد الأنجلو أمريكي، وأنا مدمن لقراءته، مدمن بمعنى مهتم جداً بقراءته. وأحفظ هذه القصيدة من هذه النسخة التي طبعها المركز القومي للترجمة والنشر، فأنا أقدر هذا.

ولكن لم أجد مسلكاً للفخر بهذا، لماذا؟ لأني وجدت مما درسته من نظرية النقد العربية وما غصت فيه من هذه النظرية فوق ذلك بكثير. وليس جعجعة، لو كنت أجعجع لقلت إن العرب أفضل في كل شيء، والحقيقة أن فن الرواية فن غربي، وأن الذين ينافسون عندنا من الروائيين غير العرب ندرة وقلة، كنجيب محفوظ، لا أعرف شخصياً إلا نجيب محفوظ الذين ينافسون على الكبار أصحاب الأعمال. وسبب معرفتي بهذا هو معرفتي أولاً بالأدب العربي ومنهجه وفكرته، ومعرفتي ثانياً أو اتصالي ببعض النقاد.

الرواية أو خبراء الرواية ممن يعنون بأمرها من الأصحاب الثقافة، من المصريين أصحاب الثقافة الأجنبية أو الذين عاشوا في الخارج واهتموا بفن الرواية الغربية أكثر، فخالطتهم وحدثتهم في الرواية الحقيقية؛ لا، فن الرواية عند الغرب له شروط وله أصول تختلف كثيرا عما نراه رخيصاً على الأرصفة وفي المعارض، حتى صار المؤلفون أكثر من القراء كما نقول، وشخصيات نادرة جداً وقليلة جداً هي التي تنافس الرواة الكبار، شرط الكبار الغربيين.

خلاص، على رأس هؤلاء طبعاً نجيب محفوظ، نجيب محفوظ على رأس هؤلاء، هذا عالمي، نجيب محفوظ عالمي. بعد ذلك أنا لا أعرف، لا أقول لا يوجد، أنا لا أعرف، ربما أنا لا أعرف، خلاص. لكن العرب فنهم فن بيان، الرواية فنها ليس فن لغة وتستعمل اللغة، لكن الرواية العربية، الرواية الإنسانية عموماً، هي فن تقسيم للأحداث والمعاني وبناء خطة للأحداث وكيف هي. أنا حتى قلت لكم من قبل مراراً هي عندي فن اجتماعي ليس فناً لغوياً، فن اجتماعي لا يتعلق بجسم اللغة، إنما هي فن اجتماعي، فن يحتاج إلى ذكاء من نوع آخر؛ كيف تقسم؟ كيف تعمل؟

أجاثا كريستي مثلاً، أنا أقوى ما قرأته في حياتي من الأدب عموماً، أو الأدب خارج الدراسة الأزهرية مثلاً، أنا نشأت في بيت فيه مكتبة، كان مما أجده في المكتبة كتب ابن سينا، والدي كان يقرأ كتب الشيخ ابن سينا وأرى حواشيه على كتب ابن سينا، ووجدت مرتفعات وذرينج وأجاثا كريستي الروائية البوليسية المعروفة ومرتفعات وذرين. الفكرة، كنت أسأل نفسي وأنا أقرأ أجاثا كريستي: كيف جاءتها الفكرة؟ ثم كيف وزعتها على أحداث وقصة وحياة وهي تعرف ما ستقول فيما بعد؟ لكن كيف؟ هذا ذكاء، ذكاء خلاص، إنما ذكاء الشاعر من نوع آخر.

فلو كنت متعصباً مطلقاً للعربية لقلت فن الرواية هو الأفضل، ولقلت كما يقول البعض إن رسالة الغفران لأبي العلاء المعري هي فوق كل الروايات، لا، هذا فن آخر أيضاً، أو أنها مقدمة للفن المسرحي إلى آخر، لا، هذا كله غير صحيح، وهذا فن مستقل ولا أقول به فن الرواية بهذا المعنى الكبير، فن غربي، سواء جئت به من اليونان، جئت به من الهند، جئت به من كذا، كذلك فنون الحكمة التي تجري على ألسنة الحيوانات، هذا فن هندي ويوناني كذلك كما قال ابن سينا.

مما يؤكد أنها مرحلة فخرهم بذلك أنهم تأثروا بالانجليز وبالفرنسيين وبالألمان؛ لأنهم لو أحاطوا بالنقدية العربية ما فخروا بذلك، أقولها حقيقة لا خطابة، لو أحاطوا بالنقدية العربية وبالنظرية وبما صنف فيها جيداً ما فخروا بذلك. لكن ماذا نفعل نحن؟ كنا في عصر لما الشيخ محمد عبده أو غيره شرحوا دلائل الإعجاز في الجامع الأزهر، كانت الناس تنظر لها وتقول: ما هذا الكلام الجميل؟ لما شرحوا كتب عبد القاهر في الأزهر، المشايخ الذين يسمون بالتنويريين الأوائل مثل محمد عبده وغيره، لما قرأوا أظهروا كتب عبد القاهر في الجامع الأزهر، فكانت الناس تتساءل: لماذا يقرأون التاريخ؟ ليس كلامي، اقرأوا التاريخ، تاريخ العلم. لماذا؟ لأنهم اعتادوا على المتون التي يدرسها الجميع وخلاص.

لما الشيخ المرصفي، ليس صاحب الوسيلة الأدبية الآخر، الذي له حاشية على الحماسة، حماسة أبي تمام، الذي هو أستاذ محمود شاكر وطه حسين، كان هو الوحيد الذي يقرأ شعر الجاهلية في مجالس الأزهر، وكانت الناس تعجب منه: من هذا الذي يقرأ الشعر في مجالس الأزهر؟ هذا الشيخ المرصفي. انتبهوا، ليس حسين المرصفي، أنا نبهت لذلك لأني وجدت بعض الدارسين يخلطون بينهما، انتبهوا يا إخوة، هذان رجلان مختلفان، كلاهما من مرصفة. هذا حسين المرصفي صاحب الوسيلة الأدبية الذي كان معاصراً للبارودي وتأثر به، هذا سيد علي المرصفي. وهذا الذي كان يجلس في الأزهر ويقرأ الشعر، هو الذي كان شيخ محمود شاكر وطه حسين.

هذا حسين المرصفي صاحب حركة البعث مع البارودي. أنا كتبت منشوراً عام 2020 قلت فيه هذا توضيح مهم: فالذي يذكره محمود شاكر في نمط صعب هو الذي على اليمين في الصورة، وأما صاحب كتاب الوسيلة الأدبية الذي صنع أساس نظرية الإحياء والبعث فهو الذي على اليسار في الصورة. ومن جميل الخاطرة هنا أن حسين المرصفي لما كان كالأستاذ للبارودي في التنظير، كان البارودي في كتاب المرصفي "الوسيلة الأدبية" كالأصل الإبداعي الذي يستشهد به المرصفي.

يخلط بعضنا بين الرجلين لنسبة ما للقرية نفسها ولأنهما في المجال عينه، وأكبرهما حسين المرصفي الضرير البصير، صاحب الوسيلة الأدية وكان بصيراً، صاحب الوسيلة الأدبية وشيخ البارودي المتوفى سنة 1889. وأصغرهما سيد علي المرصفي صاحب أسرار الحماسة ورغبة الأمل من كتاب الكامل، وشيخ طه حسين والزيات ومحمود شاكر، وهذا توفي عام 1931.

أرجع هنا وأقول كانت هناك هذه الحركة التي حاولت الإحياء والبعث، ثم كانت الحركة الرومانتيكية التي تأثرت بالغربيين. كان الشيخ المرصفي، سيد علي المرصفي، أستاذ محمود شاكر وطه حسين، ومن عجيب الأمر أنه كان يقرأ شعر الجاهلية في الجامع الأزهر وما كان أحد يفعل هذا، وللأسف ما زال تقريباً ما كان أحد يفعل هذا. وكان من قبله محمد عبده وربما غيره من المشايخ التصحيحيين كانوا يقرأون كتب عبد القاهر والناس تعجب ويجتمعون ويعجبون: كيف يقرأ هذا الكلام الجميل المختلف عن المتون التي يدرسونها؟ فماذا تنتظرون في هذا الوقت؟ فخر بالانفتاح على النقد الإنجليزي والنقد وهكذا. كما قرأنا أمس، مجرد أن صارت القصيدة تعبيراً عاطفياً طارت في الناس وأعجبوا بها.

أمس كان الجمهور هو الذي يقول: أين الشعر؟ والحمد لله نبدأ اليوم في التفصيل أيها الإخوة. عبد الرحمن شكري أحد أعضاء مدرسة أو جماعة الديوان، أحد أعمدة جماعة الديوان. وقلنا جماعة الديوان، ثم هناك جماعات أو وجودات أخرى، لكن بدأنا بجماعة الديوان أكثرها نشاطا وتأثيرا؛ لأن مصر كما تعلمون كانت مركزا للمعارك الفكرية والأدبية، ومركزا للإحياء وكذا. هذا العصر الأخير، عصر مصر، المركز الإحيائي، لذلك هناك أسباب كثيرة تتعلق بالحكم وبالدولة العثمانية.

الدولة العثمانية طبعا أهملت شديدا شبه الجزيرة ومناطق كثيرة، وعنيت ببعض المراكز، مراكز الحكم والسلطنة، وعلى رأسها مصر طبعا. هذا تسلسل تاريخي، فكان مركز ذلك في مصر، حتى إنه كان يشتهر الأديب في مصر؛ محمود سامي البارودي أصلا سوري، مصطفى صادق الرافعي أصلا سوري، مصطفى كامل أصلا تركي، أحمد شوقي كردي ويوناني شركسي وهكذا. بل حتى من الفنانين كذلك، تلي مصر بعد ذلك الشام، لكن مصر كانت في القمة.

فبدأ بجماعة الديوان على رأسها عبد الرحمن شكري والعقاد وإبراهيم عبد القادر المازني. بدأ بعبد الرحمن شكري الذي ولد عام 1886 وتوفي عام 1958. يقول: كانت النقطة المحورية التي التقى حولها أعضاء الجماعة، كما ذكرنا من قبل، رفض الأوضاع الأدبية السائدة في عصرهم. أقول شيئا وحق لهم: رفض الأوضاع الأدبية السائدة في عصرهم والتي كانت امتدادا للتفكير الأدبي في عصور التخلف والضعف السابقة.

واتجه الرفض إلى الشعر بخاصة، إذ كان هو الفن الذي غلب على الحياة الأدبية آنذاك، وحظي أصحابه -وعلى رأسهم شوقي وحافظ- بشهرة فائقة وتأثير واسع المدى. وكانت الدعوة التي أطلقها هؤلاء النقاد أن الشعر صوت الأحاسيس والمشاعر، وأن الشاعر لابد أن تهتز نفسه وينفعل بموضوعه فعلا، فيملأ عليه جوانحه ولا يجد سبيلا أمامه إلا أن ينفس عن أحاسيسه بقول الشعر.

أسألكم سؤالا: هل هذا موضع نزاع؟ لما قالوا في دعوتهم التي أطلقها هؤلاء النقاد إن الشعر صوت الأحاسيس والمشاعر، وأن الشاعر لابد أن تهتز نفسه وينفعل بموضوعه فعلا، فيملأ عليه جوانحه ولا يجد سبيلا أمامه إلا أن ينفس عن أحاسيسه بقول الشعر؛ هل هذا موضع نزاع؟ أسألكم أيها الدارسون: هل هذا موضع نزاع؟ لا.

إذن نحتاج إلى أن ننظر ما الذي انقلبوا عليه؟ هذا هو. ما الذي انقلب؟ يعني هناك مشكلة أخرى، هناك نوع تنقلب أنت عليه، ربما نوافقك على انقلابك عليه، ولكن ربما أيضا ركزوا في الكلام، ربما أيضا ننبهك إلى أنك في انقلابك عليه وقعت في مشكلة ولم تقع في الصواب.

أنا لما أجد بيتا باردا أقول هذا بيت بارد، صح؟ لما أشرح لكم بيتا لامرئ القيس أو للنابغة أو لكذا، لا ننتهي من شرح البيت وملائته وتفسير ملائته البيانية التركيبية إلا وأجدكم تثورون: وما هذا يا الله! وكيف قال هذا وفعل؟ وتنفعلون من التركيب لما أكشف لكم سر التركيب، لما أنبهكم إلى دلالات التركيب.

لما شرحت لكم قول زهير بن أبي سلمى: وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضل بكرت عليه غدوه فرايته ... قعودا لديه بالصريم عواذله يفدينه طورا وطورا يلمنه ... واعيا فما يدرين أين مخاتله

لما شرحنا هذا بانت لنا حيثية زهير؛ لأن قوله: «بكرت عليه غدوه» هذا وحده فيه أنه باكر قبل كل شيء، فما سيذكر بعده هو أثر عن شيء وقع أمس بالليل. شوف الإشارة: «بكرت عليه غدوه»، ذكر الغدوة وذكر قطعة البكور منها، أولها: «بكرت عليه غدوه فرايته». ذكر أنه قاعد على الصريم، بل ذكر أن العواذل تقعد حوله على الصريم. فأضمر خروجه. الصريم قطعة من الرمل خارج الديار، قطعة رمل بعيدة خارج الديار. ما معنى أن تذهب إلى أحد بكره، فتراه خرج من دياره وجلس على الصريم، ثم ترى قعودا لديه بالصريم؟ يعني حواليه عواذله. لم يقل نساؤه تعذله، قال عواذل، ما وصفهن إلا بالعذل، يعني ما يراهن إلا عواذل. فالرجل خرج من الديار وخرجن خلفه لم يتركنه، وقعدن حواليه يلمنه. المصيبة التي عملها بالليل وزع الطعام! كل هذا ليقول لك إنه كريم معطاء يؤثر على نفسه وعلى أهله.

«بكرت عليه غدوه فرايته قعودا لديه بالصريم عواذله»، البيت مدكن ملغم. كل كلمة «بكرت عليه غدوة فرايته»، وقال لك «رأيته»، يعني هو لم يدع شيئا فيه، أنا رأيت مشهدا وافهم أنت، «فرايته قعودا لديه بالصريم عواذله». يعني العواذل خرجت وهو خرج قبلهن، عذلنه حتى مل وضاق صدره من العذل فخرج، وضاق صدرهن منه ولم يشفين غيظهن فخرجن خلفه ليرددنه عن فعلته أو عما يفعل، خلاص عواذله؛ العذل اللوم الشديد.

«يفدينه طورا وطورا يلمنه»، مرة: «فدتك آبائي»، وطورا: «فدتك أمهاتنا». ولم يقل «واعياهن»، قال «واعيا» ليطلق، لأن الإشارة إلى أنه سيعي كل من يلومه، ليس فقط العواذل، «واعيا» كقوله: «ولكن الرماح أجرتي»، فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت، ولكن الرماح أجرتي؛ لم يقل أجرتني أو أجرت لساني، قال «أجرت».

وهذا البيت هو الذي أدار عليه عبد القاهر شرحه لهذه المسألة في الدلائل، وهذا من هذا الباب، «واعيا»؛ أي أعيا من أعياهن لا أعيا، يعني إشارة إلى أنه يعي كل أحد. «واعيا فما يدرين أين مخاتله»، مخاتله يعني من الختل وهو المراوغة والخداع، ليس له ملكة، ليس له مدخل، هو كما هو يعطي كل ما عنده بالليل ويصبح بيته جائعا. بالله عليكم، أيوجد مدح فوق هذا بالكرم والعطاء؟ وشهر زهير بهذا كما شهر النابغة بالاعتذار.

شهر زهير بهذا، رحمه الله. يا أخي رحمه الله. دكتور أبو موسى يقول: «اللهم ارحم زهيرا، فإنه لو لقي نبيك لآمن به ولنصره». ويجزم أيضا دكتور أبو موسى يقول: امرؤ القيس لو لقي النبي ﷺ كان سيؤمن قطعا. ومن انقطاع دكتور أبو موسى ببيان امرئ القيس قال: مستحيل، هذا يرى القرآن ولا يؤمن؟ الذي عنده هذا البيان مستحيل، ما فيش.

كل هذه انفعالات منا يا إخوة، ليس حقيقة، يعني كل هذا في علم الغيب عند الله، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء سبحانه وتعالى. فهذا الذي شرحناه الآن، هل يخالف أن يكون صوت الأحاسيس والمشاعر؟ إذا فهم عبد الرحمن شكري مثل هذا، هل سيرى أنه خالف أن يكون صوت الأحاسيس والمشاعر، وأن الشاعر لابد أن تهتز نفسه وينفعل بموضوعه انفعالاً يملأ جوانحه؟ لا، لكن أين المشكلة؟

مشكلة مدرسة الديوان والرابطة القلمية وشعراء المهجر، هؤلاء الرومانتيكيون في أول القرن العشرين، كانت مشكلتهم مع حالة قائمة معينة. حتى قال لي أحد الدارسين الأصدقاء، وهو أكاديمي، قال: «أنا أجزم أن هؤلاء لو كانوا يرون ما نحييه الآن وما ندعو إليه الآن، كان سيتغير رأيهم في كثير مما قالوا». اللهم اجعلهم من أهل الفترة، آمين.

المشكلة في هذه الجماعة يا إخوة أننا لم ننازعهم في هذا الانفعال العالي في الفكر العربي، بل هو الأساس في الشعر، ولكن المشكلة أنهم لم يستطيعوا أن يحددوا موقع العيب في الشعر وموقع الاختلاف والصراع؛ فالصراع كله خارج دائرة الشعر العربي، لم يعرفوا أين المشكلة.

عبد الرحمن شكري كلامه صح، لكن هل المقابل لذلك أن ندير الأمر على العاطفة؟ هو يقول: الشعر بارد، الشعر لعبة كلامية، الشعر لعبة بديعية؛ انظروا إلى ما يقوله ابن نبات المصري، وانظروا إلى الرقة المسفهة التي في أشعار بعض الشعراء، وانظروا إلى الألعاب البديعية السخيفة عند الناظمين من شيوخ الأزهر في العصر المتأخر. فما الحل؟

الحل تثمين اللغة في غير هذا، لا رد فعل حصل وهو إدارة الأمر على العاطفة، فنزع الأمر من تفاهة لغوية وفراغ معنوي أو عاطفي إلى ملء عاطفي مع نفس التفاهة اللغوية؛ علاجوا الفراغ العاطفي وتركوا الضعف اللغوي كما هو، تمثل هناك في ألعاب بديعية، وتمثل هنا في نصوص نثرية.

تخيلوا الآن، لمن لم يحضر أمس، أقرأ لكم شيئاً. تخيلوا يا إخوة أن هذه القصيدة لإيليا أبي ماضي من القصائد التي تعجب، من البديع، من الروائع التي أعجبت هذه المدرسة في هذا الوقت. سأقرأها فقط، ومن أراد التعليق عليها فليكن في مجلس أمس:

حرٌّ مذهبي ما كنت بالغاوي ولا المتعصب إني لأغضب للكريم ينوشه من دونه والوم من لم يغضبني وأحب كل مهذب ولوه خصمي وأرحم كل غير مهذبي يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى، حب الأذية من طباع العقرب!

غلط أصلاً، العقرب يؤذي يميت لكن ليس كحب الأذية؛ هذا غلط نثري وشعري. أخونا أبو يارا البلوي، من شمال السعودية، مما أحفظ له أنه زارني وأنا في الأردن، زارني في عمان مع صديق له في شهر يوليو عام 2023، وجاءني زائراً في شارع الجامعة وأنا ألقي محاضرة، فنحفظ الجميل يا أبا يارا، مثلك تضرب له أكباد الإبل، رضي الله عنك.

نحفظ الجميل ولا ننسى المعروف، ولذلك لا أنساك بمجرد أن أخبرتني أنك جئت من السعودية، حفظت لك هذا الصنيع. أخونا أبو يارا البلوي يقول: «كنت أراه أشعر الشعراء»، غفر الله لي ولك، لكن حقيقة نشأتي الأزهرية لم تسمح لي بهذا، لم أره، عرفت البارودية فقط وكذا، ثم العذريين، لكن لم آخذ في هذه الزمرة.

يقول: «إني لأغضب للكريم ينوشه من دونه والوم من لم يغضبني»، يزع؛ كيف لا تغضب للكريم ينوشه من دونه؟ كيف لا تغضب أنت؟ هذا يا أبا ماضي! بمناسبة يا أبا يارا، أيضاً من الأخبار الجيدة التي تأتيني هي أن لك مجالس في المساحات الصوتية في تويتر، والحضور يخبرونني: «انظر إلى أثر هذه المجالس، فإنه يحدثهم بمثل هذه المادة، وبدأ يصحح لكثير من إخواننا». هذا جيد، فامضِ بارك الله تعالى لك في جهدك، آمين.

«إني لأغضب للكريم ينوشه من دونه والوم من لم يغضبني وأحب كل مهذب ولوه خصمي وأرحم كل غير مهذبي يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى، حب الأذية من طباع العقرب لي أن أرد مساء بمساءه لو أنني أرضى ببرق خلب»

تتخيلون أنهم في مطالع القرن العشرين كانوا ينبهرون بهذا؟ كانوا ينبهرون بهذا الكلام! «لي أن أرد مساء بمساءه لو أنني أرضى ببرق خلب»، يعني هو البرق الخلب؛ رد الإساءة بالإساءة ليس شيئاً يغري، فالبرق الخلب ليس مكسباً، هو أخذ حق، فحتى الشطر غلط أصلاً في المعنى حسب شعور المسيء ومقاله في سره.

«يا ليتني لم أذنب، أنا لا تغشني الطيالس والحلى، كم في الطيالس من سقيم أجر عيناك في أثواب البهاء، ويداك من أخلاقك في سبسب وإذا بصرت به بصرت بأشمط، وإذا تحدثته تكشف عن صبي»

وهذا أيضاً فيه نوع جودة: «إني إذا نزل البلاء بصاحبي دافعت عنه بناجذي وبمخلبي، وشددت ساعده الضعيف بساعدي، وسترت منكبه العري بمنكبي، وأرى مساوئه كأني لا أرى، وأرى محاسنه وإن لم تُثبِ، وألوم نفسي قبله إن أخطأت، وإذا أساء إلي لم أتعتب».

«متقرب من صاحبي، فإذا مشت في عطفه الغلواء لم أتقرب، أنا من ضميري ساكن في معقل، أنا من خلالي سائر في موكبي، فإذا رآني ذو الغباوة دونه، فكما ترى في الماء ظل الكوكب». الأخير هذا فيه صورة جيدة، لو قال لك كما قلت أمس: «فكما يرى في الماء ظل الكوكب»، الحقيقة البيت الأخير الصورة نفسها فيها.

جودة في الشطر الثاني، بيتان ونصف تقريبًا في قصيدة. رأيتم، هذا كان يعد عندهم شعرًا عاليًا، فهم تركوا العاطفة. أنا أطلت في هذه الوقفة لتفهموا هذا، هذا خطير لو فهمتموه؛ كل ما يأتي مبني عليه خلاص.

إنهم انقلبوا من التفاهة اللغوية والمعنوية أو الجفاء العاطفي، انقلبوا إلى تحسين المعنى والعاطفة، وتركوا الضعف اللغوي. وهذا ما نبه إليه محمود شاكر كما قرأتم لكم مقالته المرة الماضية، تذكرون؟ قال عند الحق إنهم عندهم معاني حسنة ولكن مشكلتهم الضعف اللغوي وعدم ارتباطهم بالتراث، وإنهم في ذلك تأثروا بالغرب. فليس ارتباطهم يفتخرون به، فكيف يفخرون بارتباطهم بالغرب كما نفخر نحن الآن بارتباطنا بعبد القاهر والشعراء الجاهليين والإسلاميين؟ تفهمون؟ فجاء شعرهم ضعيفًا.

فالكلام صحيح، ردت النقاد؛ شوف لازم تفهم الكلام، لأن ممكن واحد يقول لك: "أيوه إيه المشكلة؟ الكلام صحيح". يلك واحد يقول لك: "أنا عقادي، تكنيلته تافهة"، وواحد ثاني يرد: "أصل أنا رافعي، تكنيلته تافهة، أدفه منه"، يعني الرافعي يعني الجرجاني يعني الزمخشري. المهم، المعركة خلصت، الرفعي والعقاد ماتوا الاثنين، وكلاهما فروع لمذاهب وأفكار. فما فيش "عقادي" إذاً رومانتيكي، وما فيش "رافعي" إذاً تراثي، إذاً عبد القاهر والأوائل والشعر العربي.

وآخذ بالك، فيجي واحد عقادي يقول لك: "الكلام صحيح". كل له: الكلام صحيح، لكن رد الفعل خطأ، والكلام محصور بحالة معينة. الكلام لا يصدق علينا، على الشعر العربي القديم، يصدق على الشعر الذي سبق اتجاه هذه المدرسة. ردد النقاد هذه الفكرة إلى آخره، حتى إن شكري بادر إلى وضع بيت من أبيات إحدى قصائده على غلاف ديوانه. شوف المشكلة فين؟

أسألكم سؤالًا: بدر شاكر السياب طبع ديوان، "عقيدة العميد"، ممكن في يوم من الأيام بعد سنين يطبع ديوان "فلان الفلان"؟ هل تتخيلون شاعرًا من هؤلاء، تميم البرغوثي، يطبع دواوين، هل تتخيلون شاعرًا من هؤلاء المجيدين يكتب على ديوانه بيت شعر يؤكد فيه فقط أن الشعر أحاسيس ووجدان؟ هل أحد يكتب ليؤكد أن الشعر أحاسيس ووجدان؟ المبالغة في هذا تثبت أن هناك مشكلة ورد فعل.

وأول ما ترى رد فعل في أي شيء، ركز معايا، أول ما ترى رد فعل أعلن في أي شيء، خذ خطوتين لورا وابحث عن الخطأ؛ لازم في خطأ، لابد هناك خطأ. أول ما تشوف رد فعل في خطأ على طول، ما فيش رد فعل سليم لا يشطح، رد الفعل لابد أن يشطح. خلاص، يقول ليكون شعارًا دالًا على طبيعة الشعر الذي يؤمن به، وذلك قوله: «ألا يا طائر الفردوس إن الشعر وجدانه».

تخيل شاعر طبع ديوان واحتاج إلى أن يكتب عليه: «ألا يا طائر الفردوس إن الشعر وجدانه»، تعلم أنه سيركز على العاطفة واللغة ستضيع، وهذا ما حصل في دواوين هؤلاء. ولهذا أنا أدعي -ما ادعيته أمس في بث أمس مع قصيدة إيليا أبو ماضي- أدعي أن شعر هؤلاء ليس بخالد، ولن يخلد، وسميت جماعة من شعراء الديوان. والدليل على ذلك أن أشعارهم لا تتردد على الألسنة؛ الآن يرددون المتنبي، يرددون جرير والفرزدق والجاهليين والإسلاميين، لا تتردد أشعارهم إلا في الندرة. أتينوا ببيت؟ أنا قلت هناك بيتان جيدان، لكن أتينوا فيما قرأته الآن لإيليا أبو ماضي ببيت يمكن أن يقرأ أو أن يردد، وإن شاء الله غالبًا الليلة سأقرأ لكم قصيدة أخرى، سنأخذ أيامًا نقرأ لكم من قصائد هذه المدرسة وأقول لكم: اشهدوا أنتم واعلموا.

عبر عن هذا المعنى مرة أخرى في قصيدته "الشعر والطبيعة" حيث صور ما تجيء به نفسه إلى آخره: إذا غنت الأطيار في الإيك صدحًا .. تغنت لأشجار الفؤاد طيورُ وللريح هبات وللنفس مثلها .. تغني رخاء فيهما ودبورُ وما الشعر إلا القلب هاجبه .. وما الشعر إلا أن يثير

لقد بلغ في إيمان شكري بحيوية العاطفة في الشعر وضرورة انبثاقه عنها وحدها، عن العاطفة وحدها، أن ذهب في إطراء شعر العواطف والإشادة به إلى الحد الذي جعله هو الشعر ولا شعر غيره. يقول في ذلك هذا النص لعبد الرحمن شكري: «ولشعر العواطف رنة». إيه ده؟ هو في شعر لا؟ لحظة، رد فعل عنيف. ما شعر العواطف؟ هل يوجد شعر ليس شعر العواطف؟ يقول لك: "شعر العواطف شعر، ومش عواطف شعر"؛ هناك مشكلة تصورية، إذا صح. أنا أضع أيديكم على المناطق التي تفهمون منها أن هناك مشكلة تصورية. بيقول لك: "في شعر العواطف، وفين شعر لا؟ في شعر العواطف وشعر مش عواطف".

نقرأ كلامهم: «ولشعر العواطف رنة ونغمة، إذا هو يقابل شعر العواطف بالشعر الصناعي البديعي الذي صُنع صناعة رديئة، لا هذا صواب ولا هذا صواب، ولشعر العواطف رنة لا تجدها في غيرها من أصناف الشعر، وسياتي يوم من الأيام يفيق الناس فيه إلى أنه هو الشعر».

رسالة إلى عبد الرحمن شكري رحمه الله وجزاه خيرًا: قد مرت بعدك عقود ودخلنا في القرن الواحد والعشرين، ووجدنا أن ما تقوله ليس كما تقول. يقول: «وسياتي يوم من الايام يفيق الناس فيه الى انه هو الشعر ولا شعر غيره»، قد أفقنا وعرفنا أنه كان مرحلة، وأنه كان رد فعل. يبقى التصور قبل التاريخ شيء، وما يقع في التاريخ شيء آخر، والإنسان الذي يعيش رد فعل ومرحلة يتصور أن المستقبل له، ولا يدري أن المستقبل سينقلب عليه وعلى ما كان رد الفعل منه. فالشعر مهما اختلفت أبوابه لابد أن يكون ذا عاطفة، هو في حاجة غير كدة أصلاً، وإنما تختلف العواطف التي يعرضها الشاعر.

وفي تأكيد شكري دور العاطفة في الشعر وإلحاحه عليها بأساليب متعددة، نراه يقع قريبًا مما قاله وردز وورث، طبعًا أنتم درستم وردز وورث وعرفتم، نراه يقع قريبًا مما قاله وردز وورث في تفسير عبارته: "الشعر فيض تلقائي للعواطف القوية"، حين ذكر أنه لا يعني بذلك أن الشاعر يقول الشعر وهو في غمرة انفعاله وجيشان عاطفته، وإنما ينتظر...

ريث ما تهدأ مشاعره وتعود إلى حالتها الطبيعية، عندئذ يستعيد هذه المشاعر وينطلق لسانه بالشعر، فيأتي نقياً من فلتات الانفعال الجامح؛ ليس فيه فلتات انفعال جامع. هذا كلام "وردز وورث"، وهذا كان في صفحة 36.

ثم ذكر أنه لا يخالفه في شيء، حيث يتحدث شكري كذلك عن نوبات الانفعال التي تعتري الشاعر وأنها نبع الشعر أيضاً، مثل ما قال "وردز وورث"، بيد أنه يخالفه في شيء آخر. شكري يخالف "وردز وورث" في ماذا؟ يقول "وردز وورث" لابد للشاعر أن يهدأ ويتعقل حتى يخرج عن شوائب الانفعال وفلاتات الانفعال، ليخرج الشعر صافياً وكذا وكذا، وإلا خرج الشعر رديئاً.

ويرى شكري أنه لا بأس لأن يجري الشعر على لسان الشاعر وهو ثائر العواطف؛ فالشاعر الكبير لا ينظم إلا في نوبات انفعال عصبي، في أثنائها تغلي أساليب الشعر في ذهنه وتتضارب العواطف في قلبه، ولكن تضارباً لا يزعج نبض طيور الأنماط الشعرية التي تغرد في ذهنه، ثم تتدفق الأساليب الشعرية كالسيل من غير تعمد منه لبعضها دون بعض. أما في غير هذه النوبات، فالشعر الذي يصنعه يأتي فاقر العاطفة قليل الطلاوة والتأثير.

باختصار، يمكنني أن أجعل ذلك اختلافاً فسيولوجياً أو بيولوجياً؛ أي اجعله اختلافاً بالنظر إلى نفسية الإنسان من إنسان لآخر، أو بالنظر إلى اختلاف طبيعة الإنسان، هل الإنسان بالفعل انفعال حالة يأتي هكذا خلقته طينته؟ هل الإنسان من حيث كونه كائناً طبيعياً هل يستطيع الكتابة؟ المهم أن أجعله خلافاً فسيولوجياً أو بيولوجياً.

وقد كان نضوب الشعر من العواطف في عصر شكري، أو انطفاء جذوتها فيه، دافعاً له إلى التركيز عليها. هنا المشكلة، ركز على العاطفة. محمود شاكر نبهكم في مقال "ينبوع"؛ لما قال ركزوا على المعاني، هذا هو، وأهملوا اللغة فخرج شعرهم ضعيفاً حتى في المعاني. لكن "الشعرية"؛ معاني الشعرية كتاب كهذا إذا لم يدرس هكذا بالتفصيل والنقد لا يدرس، هذا رأيي، الذين يدرسونه في الجامعة دون التفصيل لم يدرسوه.

فيرى شكري أن نضوب الشعر من العواطف في عصره أو انطفاء جذوة العواطف فيه كان دافعاً له إلى التركيز عليها. وأنا دللتكم على كتب تقرؤونها فيما قبل في شعراء القرن التاسع عشر، دكتور طه وادي في دار المعارف، "الشعراء المجهولون في القرن التاسع عشر"، هو الكتاب يعتبر شعراء القرن التاسع عشر شعراء القرن التاسع عشر. أو حتى انظر إلى شعر عائشة التيمورية التي كانوا يصفقون لها. أنا لا أعرف إلا ما الذي حصل في الزمن ده؟ يأتون بصور الراقصات والمغنيات في مصر في هذا الوقت، في هذا العصر بالضبط، العصر الذي كان يعجب به الناس؛ الراقصة أو المغنية التي فتنت الناس وخرجت ربات البيوت. لا أعرف هل الناس كانت محرومة أم كان معمولاً لها سحر، أم كان هذا فتنة الناس.

أحياناً أتخيل، هل مثلاً كان الاحتشام الشديد يجعل أي متعرية حلوة؟ شيء عجيب. فنفس الشعور يأتيني لما أرى الأشعار التي كانت تبهرهم، ومن أحسن من وصف هذه الحال وصدق فيها العقاد؟ العقاد يا إخوة في كتابه "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي". بالمناسبة، نحن لا نخالف الرومانتيكيين في نقدهم للشعر الذي سبقهم، وأقول لك كلمة: حتى بعض نقد العقاد لشوقي قد أوافق عليه، بعض النقد وليس القاعدة، حتى بعد نقد العقاد لشوقي قد أوافقه عليه، لكن العقاد كان متجنياً ومتحاملاً على شوقي وأساء إلى شخصه، ولذلك جملة سقط العقاد في نقده لشوقي لم يكن على القدر الكافي من المسؤولية الأدبية، لكن في أثناء ذلك قد يسلم له؛ سلم له أن عندي أشياء لا بأس بها.

أنا لا أعترض على رصد الرومانتيكيين للحالة قبلهم، الحالة المتردية. وإياك أن تظن أنني وجدت بعض زملائي في الأزهر من التراثيين ممن يتخذون اتجاهاً ضد العقاد يمدحون ما قبل العقاد وشعر الدولة العثمانية، الجلية العالية على رأسي، هذا بعيد، مالهاش سياسة لا أدخل فيها وتاريخ له باب آخر، أما الشعر في هذه الدولة فما كان جلياً ولا عالياً، كان ملوخية وتقلية، فلا تقل لي الدولة العلية والشعر المهلبية، كان منيل بستين نيلة وكانت حالة اللغة ساقطة.

طبعاً هو عصر انحطاط، من الآخر عصر حكم الأعاجم. التاريخ العربي عصر انحطاط؛ سقط الشعر منذ تولى آل بوي العجم، الفرس، لما تولوا في منتصف القرن الرابع الهجري سقط الشعر أصلاً. فمن بعد المتنبي وأبي فراس الحمداني ظل الشعر في سقوط كما قال محمود شاكر. وكان مزدهراً لما كانت أسبابه موجودة في العراق وفي الشام. ولهذا، لماذا تفوق شعراء العراق قولاً واحداً على شعراء مصر؟ لتوفر الأسباب، وهذا ليس كلامي، هذا كلام قرطجني؛ قال لا يجادل إنسان في تفوق شعراء العراق قولاً واحداً على شعراء مصر على طول التاريخ، لماذا؟ قال لتوفر الدواعي هناك في العراق؛ خلافة، أمراء، عطاء، أحزاب، خلافات، أكثر القبائل العربية انتقلت في العراق. ما جازوا الفرزدق يضربوا في بعض، كان بني أمية تستعمل الأخطل ضد الأنصار والفرزدق كان موالياً لبيت النبوة، فكان الدنيا مولعة. في مصر هبطت لها، كافور قاعد في وجهك، الأخشيد يادي النيلة، مع أنه كان مهتماً بالأدب بالمناسبة، لكن كانت في عالم آخر، كان هناك شبه وجود آخر.

فنعم، هناك بحكم الأعاجم يسقط الشعر. حكم الأعاجم، أو خلينا نقول في التاريخ حكم الأعاجم، وكيف يسقط الشعر العربي، وهذا مقرر في تاريخ الأدب منتصف القرن الرابع الهجري. فتاريخ الدولة العثمانية في الشعر سقط هناك، ومضات عند شعراء هكذا. الرومانتيكية، مدرسة العقاد وأصحابه، رصدت هذا، وأفضل من يرصد لك هذا. كل ما رصده هؤلاء أنا لا أخالف.

تعال نشوف ماذا قال العقاد، الله أكبر، سأكمل وكنت أحب التوقف وقت الأذان لكن أكمل حتى الوقت. يقول: ظهرت طلائع النهضة الشعرية في مصر حين ظهرت فيها طلائع الثورة التي عرفت...

بعد الثورة العرابية، ولم تسبقها نهضة مذكورة بعد الركود الذي أصاب الشعر العربي كله في أعقاب الدولة العباسية، هو نفسه كلام محمود شاكر. عصر الدول والامارات، كما سماه شوقي ضيف، وأبرز ذلك الدولة الفارسية البويهية الذين سيطروا على الحكم بعد العباسيين العرب.

ولم تسبقها نهضة مذكورة، هذا تقريبًا كلام محمود شاكر بالضبط. ولم تسبقها نهضة مذكورة بعد الركود الذي أصاب الشعر العربي كله في أعقاب الدولة العباسية؛ صدق العقاد رحمه الله. ومن الأدباء من يعتبر الساعات طليعة هذه النهضة الحديثة، وخاتمة الأدباء الناشئين على الطريقة التقليدية.

والساعات في الحقيقة لم يهبط في رديء شعره هبوط بعض النظامين الذين نقرأ قصائدهم في تاريخ الجبرتي أو في دواوينهم المتروكة بين أيدينا، ولكنه كذلك لم يرتفع بأحسن شعره وأجوده إلى أعلى من الطبقة التي بلغها الشعراء في عهده، بل في عهد محمد علي والحملة الفرنسية. فكثيرًا ما يعثر القارئ بين أقوال هؤلاء الشعراء بقصائد ومقطوعات تضارع محاسن الساعات، وقد تفضلها في جميع مزاياها. إلا أن الساعات جدير بحق أن يعتبر حلقة الاتصال بين الشعراء العروضيين والشعراء المحدثين.

ونعني بالعروضيين، كما يقول العقاد، أولئك الذين كانوا ينظمون القصائد ويخوضون في الشعر لأنهم كانوا يعتبرون النظم حقًا أو واجبًا على كل من تعلم العروض ودرس البيان والبديع وما إليهما من أصول الصناعة. فكان أي شيخ طالب أزهري لازم ينظم، طبعًا هذا هل هو مذهبنا؟ لا، بل إذا فعل ذلك فقد خرج عن كونه شاعرًا، فالشاعر شيء نادر. لأنهم كانوا يعتبرون النظم حقًا أو واجبًا على كل من تعلم العروض ودرس البيان والبديع وما إليهما من أصول الصناعة، وهم كانوا يتعلمون هذه الأصول ويطبقون ما تعلموه فيما نظموه، فكانت دواوينهم أشبه شيء بكراسات التطبيق في معاهد التعليم.

وقد كان نضوب الشعر من العواطف -وأنا أربط لكم الكلمة بكلمته التاريخية لننظر هل نوافقه أم نخالفه- وهنا نوافقه، فهذا حق. كان الشعر ناضبًا من العواطف في عصر شكري، وقد كان نضوب الشعر من العواطف أو انتفاء جذوتها فيه دافعًا له إلى التركيز عليها باعتبارها جوهر المفهوم الجديد للشعر، بيد أنه لم يفته الالتفات إلى عنصرين آخرين: الخيال والذوق السليم.

وهنا يا إخوة ينشأ عندنا مثلث الشعر عند شكري، احفظوه: الخيال، والذوق السليم، والعاطفة. هنا بدأ مثلث الشعر عند عبد الرحمن شكري؛ يقول الشاعر حتى يكون شاعرًا له ثلاثة أركان: الخيال، والذوق السليم، والعاطفة، وبدون ذلك لا يكون شيئًا.

يقول: «وبقدر ما يفقد الشعر منها يهبط مستواها، فمن كان ضئيل الخيال أتى شعره ضئيل الشأن، ومن كان ضعيف العواطف أتى شعره ميتًا لا حياة فيه». ومع أن العواطف داخلة في فكرة الخيال عند كولريدج، إلا أن الغريب أن العاطفة لا نحتاج إليها إذا قلنا صحة الخيال لأنه يدل على صحة القصد، إلا إذا قال إن صحة القصد والتماس الكلام لا يلزم منها العواطف.

يقول: «فمن كان ضئيل الخيال أتى شعره ضئيل الشأن، ومن كان ضعيف العواطف أتى شعره ميتًا لا حياة فيه». يقول: «فإن حياة الشعر في الإنابة عن حركات تلك العواطف، وقوته مستخرجة من قوتها وجلالها، ومن كان سقيم الذوق...».

هنا كلمة الوزن يا إخوة، وقع في هذا الخطأ على كلامه؛ هنا الخيال أوسع من العاطفة على كلام كولريدج، والخيال يدل على العاطفة، فلا توجد قصيدة فيها خيال دون عاطفة. ولكن انبهكم يا إخوة لمن عنده هذه الطبعة، وربما تكون الطبعات الأخرى كذلك، هناك طبعة أخرى، ومن كان سقيم الذوق.

جاءت عندي: "ومن كان سقيم الوزن"، وهذا خطأ من الناسخ؛ يعني الدكتور ألف الكتاب بيده وكتب "الذوق"، ولكن الذي يطبع على الحاسب الآلي صحفها إلى "الوزن". ومن كان سقيم الذوق -وليس سقيم الوزن- فالكلام على الركن الثالث، أي الخيال ثم العاطفة ثم الذوق، والذوق السليم هذا واضح. الصواب: "ومن كان سقيم الذوق أتى شعره كالجنين ناقص الخلقة"، يعني ليس عنده ذوق في المعاني وفي التركيب والكلمات، فأتى شعره كالجنين.

بعد ذلك يتكلم عبد الرحمن شكري عما يعرف بشعر المناسبات، ويقول: «وبوحي من هذا الإيمان العميق بدور العاطفة»، يعني هو إذا عنده هذا المثلث؛ القاعدة فيه هي العاطفة، ثم الخيال، ثم الذوق السليم. والذوق السليم يتعلق بالتركيب والصور والتشبيه، والخيال هو القضية القائمة عند كولريدج، وهي أن يأخذ شعوره ويصبغ به كل شيء في مكونات الشعر.

ولكن احفظوا هذا، عبد الرحمن شكري أولى عناية شديدة جدًا بالعاطفة، أعطاها عناية شديدة جدًا لأنه كان منقلبًا عنها بالمناسبة، وهذه مشكلة الرومانتيكية، من الأشياء التي نبهني إليها صديقنا الدكتور عبد القدوس القضاة.

كيف الإضاءة يا إخوة، هل هي جيدة عندكم؟ البث تمام والإضاءة تمام، لكن صرنا في وقت المغرب فالإضاءة خفتت من النوافذ.

لا بأس، جميل. بما أنني سأرفع الإضاءة، لحظة.

في كلامي مع صديقي الدكتور عبد القدوس عن هذه المذاهب، أجده يحمل على الرومانتيكية شديداً. كنت أجده يحمل عليها شديداً، فأقول له: «أنا حملي على الحداثة أشد، عداؤها للرومانتيكية شديد». فقال لي: «مرة الرومانتيكية مهدت للحداثة». طبعاً الرومانتيكية سبقت الحداثة، فقال لي: «الرومانتيكية مهدت للحداثة».

قلت له: كيف؟ قال: «الرومانتيكية لما أدارت الأمر على العاطفة، صرفت الأنظار عن اللغة، وعن البلاغة العربية، وعن أصول هذا البيان، وأنه هو القطب والمحور والركن؛ اللغة، القول، التراكيب، الدلالات، الخصائص؛ صرفت العناية عن هذا، فجاء الحداثي منقلباً».

الله يرضى عليك يا مولانا. ماشي يا عم الشيخ خالد، ماشي. فجاءت الحداثة منقلبة على الرومانتيكية، وقد هونت من شأن اللغة، فجاءت أيضاً منقلبة عليها مهونة من شأن اللغة؛ صار هناك دلالات ضعيفة، وصار هناك دلالات غير صحيحة.

جاء الحداثي -جيد الضوء هكذا يا إخوة؟ تمام- جاء الحداثي لا ليس فكرة أضاعت أضعافه، ليس هذا؛ بل هي الرومانتيكية صرفت النظر عن اللغة إلى المعاني العاطفية، فجاءت الحداثة منقلبة على الرومانتيكية، ولكن في ظل حالة مستمرة من الاستهانة باللغة. فجاءت واستهانت باللغة عن طريق الدلالات الرمزية وتعدد القراءات، إلى آخر ما تعرفون من هذا الهراء، فهي مهدت للحداثة بإضافة دلالات؛ جاءت واستعملت اللغة، صارت اللغة ملطشة من الآخر، جاءت واستعملت اللغة استعمالاً مغلوطاً.

ولو كانت اللغة من الأول لم تسيرها الرومانتيكية سيراً ضعيفاً، ما استطاعت الحداثة أن تتجنى عليها. فقلت لها: والله صدقت؛ الحداثة جاءت في ظل وجود ضعف العناية باللغة، فلعبت في اللغة؛ قالت اللغة مهمة واللغة كذا، وطيب وكيف نستعمل اللغة؟ دخلت في الرمزية والألغاز والسريالية وما تعرفون.

ولو كان، رضي الله عنكم يا سيدي، ولو كان المسير بالعربية الصحيحة من الأول، ما جرأ الحداثيين أن يفتحوا أفواههم؛ الحداثيون لو فتحوا أفواههم في وجود كيان لغوي صحيح قائم لاتهموهم بالجنون، ولاتهمتهم الناس، ولرجموهم. لكن جاءت الحداثة لها لمعة مقابل التفاهة التي عند الرومانتيكية، فجاءت تزعم تضخيم فكرة اللغة عن طريق هذه الأساليب.

فالحداثة أيضاً جاءت على معنويات يتخرصها الشعراء في الدلالات، جاءت على حرية في تفكيك اللغة "المبنية" كما يقولون، لأن اللغة كانت ضعيفة استعمالاً رومانتيكياً. ولم يستطع الرومانتيكيون الوقوف في وجه الحداثة لأن وجودهم اللغوي ضعيف.

ولأننا الآن غير رومانتيكيين، نستطيع الوقوف في وجه الحداثة. الحداثة لم تقف في وجهها الرومانتيكية؛ نحن نقف في وجه الحداثة وفي وجه الرومانتيكية. نحارب الرومانتيكية، أو نناهضها، أو نوقفها عند حدها، أو نوقفها عن مسيرتها من حيث النظرة إلى اللغة والضعف، ونقف في وجه الحداثة من حيث ما تتدخل فيه في مناهجنا، وفي قضية الشعر بأركانها. أما هم فكانوا انقلابات من جهات مختلفة على بعضهم، لماذا؟ أوروبا، ليس نحن.

هذا يصل إليه إن شاء الله الشيخ خالد الدبيخي من السعودية. دكتور عبد القدوس نحبه شديداً، الحب لأستاذنا له، وهو يحبكم مولانا، وهو شخص نبيل فاضل، والله.

بعد ذلك، عبد الرحمن شكري يقول: «وبوحياً من هذا الإيمان العميق بدور العاطفة في الشعر، ينكر شكري الشعر الذي ينظمه أصحابه تلبية لمطالب الآخرين، وحرصاً على إرضائهم، أو مشاركة في الحوادث اليومية... إلخ». طبعاً مشكلة شعر المناسبات.

وأنا أنقد لكم شيئاً يا إخوة؛ وأنا في الكويت عام 2022، كنت يوماً كاملاً في كنف الدكتور العالم الفاضل الكبير سعد مصلوح. وكنا نجلس في مول، اسمه "الأفنيوز"، وهو ضخم جداً هناك في مدينة الكويت، وكنا نتكلم عن شوقي وكذا، فأبديت له استيائي من بعض شعر قصائد شوقي وأنها ضعيفة جداً ومتكلفة.

فأشهد أنه قال لي -هذا الدكتور سعد مصلوح الولد الكريم-: «ستلاحظ أن أكثر شعر شوقي الضعيف جاء مطلوباً منه في مناسبات». وأنا أقول: أكثر شعر شوقي ضعفاً نوعان: الذي فيه ضعف، والذي في المناسبات، والذي في المعارضات. إذا وجدت الضعيف من شعر شوقي تراه في هذين: المناسبات والمعارضات؛ لأنك في كل منهما أنت مقيد.

ولا شك أن شعر المناسبات يُطلب في وقت محدد، وهكذا حال كثير من شعر الجواهري؛ ديوان الجواهري مليء بالشعر الضعيف، يغلب عليه تقريباً، لولا أنه أكثر في الشعر ما احتل مكانته، لكنه أكثر جداً فأتى بقدر يشهد له، لكن كثيراً من شعر الجواهري العراقي هو شعر مناسبات.

مشكلة شعر المناسبات يا إخوة -ركزوا معي الآن- لو أردنا أن نحلله عربياً، سنرى أن مشكلة شعر المناسبات في الفلسفة العربية تتخرج على قضية قوة الطبع وقوة التشبه في أبواب المعاني.

تذكرون لما تكلمنا، لما شرحتم كلام القرطاجني في "منهاج البلغاء"، لما قال في أبواب المعاني: هناك من عنده قوة طبع خلقية تجاه أبواب، وهناك يساويه شخص آخر عنده قوة يسميها "القوة التشبهية"، ويقول هذا يأتي شعره لا يختلف عن شعر النمط الأول. ثم هناك من يأتي شعره، شعر الاستقصاء اللغوي، اعتماداً على الدربة فقط، وهذا الذي حذر منه القرطاجني.

قال: هناك ثلاث طبقات؛ طبقة الطبع: شاعر عنده قوة طبع، هو يحب هذا الباب، زهير بن أبي سلمى كان سعيداً بما فعله هرم والحارث، ومدحهما مدحاً خرج من قلبه، وهو أحب المدح مدح الكرام، فكان عنده قوة طبع في المعنى. وطبقة شاعر آخر ليس عنده قوة طبع في المعنى، لكن عنده قوة تشبهية، يعني يستطيع أن يضع عنده -كما نص القرطاجني على أنها أيضاً فطرية-.

حالا خلاص، هقوم عشان الصلاة يا بابا.

هناك قوة طبع، قوة. نص الجرجاني على أنها قوة فطرية كقوة الطبع لا يمكن جلبها، ومثل لك بالفرزدق الذي لم يستطع جلب الرقة.

قوة التشبه، أحسنت يا علاء، قوة التشبه شرحتها لكم مرارًا. يقول الجرجاني: لو ليس لك قوة طبع ولا قوة تشبهية، لا تعتمد على الطبقة الثالثة، أو لا تعتمد منهج الطبقة الثالثة، وهو الاعتماد على محاكاة التراكيب؛ أن تنظر في الباب الذي ليس عندك قوة طبع فيه وليس عندك قوة تشبه به، فتنظر كيف يتكلمون، فتقول: "قال هنا"، النقاد يكشفونه، كلام بارد.

خلاص، هذه مشكلة شعر المناسبات، وأعيدها توضيحًا إن شاء الله في أول المجلس القادم، شكراً لكم، وهو غداً إن شاء الله. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.