السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالسادة الكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم، أرجو طمأنتي إلى سلامة البث.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً، يا مرحباً. أرجو أيها الإخوة التفاعل مع البث ليصل إلى إخوانكم إن شاء الله. بسم الله الرحمن الرحيم.
نحن الآن في المحاضرة الثانية عشرة. أرحب بالدكتورة شيماء معنا، أكاديمية مصرية عربية في الأدب المقارن، يا مرحباً. نحن في المحاضرة الثانية عشرة من محاضرات شرح كتاب نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة.
انتهينا من الحديث عن الرومانتيكية في المشهد الغربي. كما قال الدكتور، ينبغي أن نبدأ من الفصل الثاني الخاص بالرومانتيكية لأنها بداية العصر الجديد وعصر النقد الجديد عند الغرب، ولكن حتى نفهم كيف بدأ هذا العصر، كان ينبغي أن نفهم العصر الكلاسيكي، الذي هو الكلاسيكية الجديدة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فجعل الفصل الأول لهذا التمهيد وهو الكلاسيكية الجديدة.
ثم كان الفصل الثاني الذي انتهينا منه في المحاضرة الماضية في الرومانتيكية، أو النظرية التعبيرية الرومانتيكية التي دارت حول "وردز وورث" و"كوليريدج"، و رأينا نظرية الشعر، أو تعريف الشعر، وكيف أثر في نظرية اللغة عند الرومانتيكية، ورأينا نظرية الخيال عند كوليريدج وكيف أدت أيضاً إلى لغة الشعر وكيف أدت إلى قضية وحدة القصيدة، إلى آخر هذه البحوث، وكيف دار الشعر عندهم على العاطفة، وكيف حتى نظرية الخيال بفكرها عند كوليريدج أدت كذلك إلى قضية العاطفة.
ولم يخرجا، مع اختلافهما في قضية المعجم الشعري؛ فكوليريدج يثبته ووردز وورث ينفيه، كيف لم يخرج ذلك عن النسبية تحت سقف الرومانتيكية؟ وإن سيطرة فكرة العاطفة الفياضة التلقائية كانت تشمل الرجلين جميعاً، حتى لا تظن أن فكر أحد الرجلين معنا في هذه المسألة، لا، هي أيضاً تحت فلسفة تعريف الشعر وفكرة الشعر عند الرومانتيكية.
نأتي الآن إلى الفصل الثالث تحت عنوان: حركة التجديد في النقد العربي الحديث. وتحدثنا عن أول عبارة لما قال: «كانت العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين من هذا البعث الحقيقي الذي شهدته الحياة الأدبية العربية على مستوى الإبداع والتنظير النقدي معاً، بعد أن ظلت قروناً طويلة تخضع لتقاليد أدبية موروثة من عصور الضعف والتخلف».
أولاً، لابد من التنبيه إلى شيء: لماذا اعتبر حركة التجديد في النقد العربي الحديث ناشئة من عند جماعة الديوان والرابطة القلمية؟ لأنها حركة التجديد التابعة للتجديد الغربي الأوروبي، هكذا حتى نكون صريحين وواضحين، حتى صراحة الدكتور شفيع السيد رحمه الله جعل الأصل في ذلك هو التغيير الأوروبي.
ذكر أوروبا أولاً في الفصل الثاني، ثم سيذكر العقاد وعبد الرحمن شكري وإبراهيم المازني، وسيذكر الرابطة القلمية من جبران وميخائيل نعيمة وجماعة آخرين، وسيذكر كذلك عدداً من شعراء المهجر الأمريكي، هم من لبنان وسوريا وكذا لبنان بالأخص، وسيذكر عدداً من الشعراء المتاث وجماعة أبولو. سيذكر هؤلاء جميعاً بعد حركة أوروبا؛ إذاً العرب هنا تأثروا بأوروبا، ولذلك حرك التجديد في النقد العربي الحديث هي الحركة الرومانتيكية التي بدأت من عند أوروبا، أو موازية في الفكر لحركة التجديد الأوروبي.
طيب، أين هنا حركية البارودي؟ هذا هو الملحظ الذي ليس في الكتاب وأريد أن أقول لكم عليه؛ لأنه لما قال: «بعد أن ظلت قروناً طويلة تخضع لتقاليد أدبية موروثة من عصور الضعف والتخلف»، المؤلف هنا كأنه يصرح بأن حركة البارودي والمرصفي لم تكن بهذه الصفة، يعني لم توصف بأنها تجديد، فالتجديد هنا أوروبي، مع أنها سميت بمدرسة الإحياء والبعث. انتبه، هذا ليس في الكتاب، هذا آتٍ بك من التاريخ.
لماذا لم تتناول حركية البارودي هنا على أنها حركة سابقة؟ بالمناسبة هناك من المؤلفين والمؤرخين، وأحسب من هؤلاء العقاد نفسه، ذكروا أن بداية التجديد كانت من البارودي، بل إن عبد الرحمن شكري أيضاً صرح بهذا، بأن بداية التجديد كانت من البارودي، بل إن عبد الرحمن شكري ادعى أن حركته استمرار لحركة البارودي في التصحيح.
عبد الرحمن شكري صرح بهذا، هل هذا يوافقه الواقع؟ لا، وعندي محاضرة أو محاضرتان كاملتان على هذا الأمر، محاضرة كاملة على عدم صحة هذه الدعوة بأن حركة جماعة الديوان هي حركة تستمر أو يستمر بها التطوير بعد حركة البارودي. والعقاد كان أصدق، هو منقلب على البارودي وشوقي أصلاً منقلب على هذا المنهج. وإلا لماذا كان هذا الصراع الذي فيه كما نقول نفسنا وشخصنا؟ لكن كيف ومن أين نشب هذا الذي بين العقاد وبين مصطفى صادق الرافعي؟ أيضاً اختلاف الجهة التي أيدوها؛ أحمد شوقي عند البارودي، وعند مصطفى صادق الرافعي أحمد شوقي هذا مذموم، والعقاد مذموم، والعقاد غريمه في نفسه، هذا أشعرهم عند مصطفى صادق الرافعي، أشعر المعاصرين عند مصطفى صادق الرافعي.
فأنا أسجل هنا هذه الملاحظة: لماذا اعتبرنا حركة التجديد تبدأ من جماعة الديوان والرابطة القلمية وجماعة أبولو؟ لأنها الحركة الأوروبية التي سبقت هذه الحركة، وسبق بيانها في الفصل الثاني قبل الفصل الثالث الذي فيه الحركة العربية. وأين حركة البارودي؟ أُدرجت ضمن: «ظلت قروناً طويلة تخضع لتقاليد أدبية موروثة من عصور الضعف والتخلف»، مع أن المدققين يعرفون أن مدرسة الإحياء والبعث كسر لما كان في عصور الضعف والتخلف.
إن تريد أن تعرف عصور الضعف والتخلف، عندك كتاب، لحظة، عندك هذا الكتاب المطبوع وأظنه موجوداً الآن إن شاء الله، ما زال موجوداً في دار المعارف المصرية اسمه: «الشعراء المجهولون في القرن التاسع عشر» للدكتور طه وادي، وهذا يعتبر ترجمة لشعراء أخذ ترجمة لشعراء القرن التاسع عشر الذين يعتبرون امتداداً وبقية أخيرة من المدرسة التي سبقت البارودي، بقية للمدرسة التي سبقت أو الاتجاه الذي سبق البارودي.
سترون مثلاً من هذه الأسماء شعراء ليس لهم دواوين، كعبد الله النديم، والشيخ حسن العطار، ومحمد عثمان جلال، ورفاع الطهطاوي. تخيلوا أن رفاع الطهطاوي يعد من الشعراء الهواة، وهناك أيضاً حسن حسني الطويراني، وإبراهيم مرزوق.
أما الشعراء المحترفون، فاسمعوا معي: إسماعيل الخشاب، وعلي أبو النصر، والشيخ علي الليثي، ومحمود صفوة الساعات. اذهب واقرأ على الأقل لهؤلاء في هذا الكتاب: الشيخ علي الليثي، وعلي أبو نصر، ومحمود صفوة الساعات، وإسماعيل الخشاب أولهم.
هؤلاء شعراء في القرن التاسع عشر، يعتبرون في نهايات اللعب الذي كان في الدولة العجمية التي كانت تحكمنا في هذا الوقت. وأنا أقول عجمية من منطلق رؤيتي الأدبية داخل الدولة العثمانية التي كنا نعيشها، لا سيما في آخرها، فقد كانت تقتل العروبة؛ فلم يكن هناك حتى اللغة، واللغة التركية انتشرت جداً وما زالت بقيتها موجودة، وأتكلم عن جهة الأدب، فالأدب لم تراعَه أي دولة، بل بالعكس، انحدر الأدب في عصرها جداً بما لم ينحدر في عصر قبل ذلك.
وإذا أردتم الشعر قبل البارودي بقليل، فانظروا إلى شعر عائشة التيمورية؛ هذا الديوان موجود واسمه «حلية التراز»، وهذا الكتاب موجود عندنا في مصر، وبمناسبة يعتبر طبعة حديثة، أول طبعة له كانت سنة 2019. وهي معاصرة للبارودي، يعني هي ولدت بعد البارودي بعام وماتت قبله بعامين، لأنها ولدت عام 1840 والبارودي ولد عام 1839، وهي توفيت عام 1902 والبارودي توفي عام 1904. فهي معاصرة للبارودي لكنها تمثل الاتجاه القديم أكثر. وانظروا كذلك إلى الشعراء قبل ذلك، إذا استطعت الوصول إلى من هم في القرن الثامن عشر والسابع عشر.
فكيف تعد البارودية في ذلك؟ وهنا سيأتي تصريح بدخول البارودية في هذا، وسننتبه إلى ضرورة وقفة: ما تصور هؤلاء للشعر المناهض للعاطفة؟ هل يرون شعر البارودية يخلو من العاطفة؟ البعض قد يعده شعراً رومانيكياً لأنه قاله في منفاه، وحينما ماتت زوجته وماتت ابنته وكذا وكذا، بقطع النظر عن التفاوت الشديد في مستويات شعر البارودي، لكن شعره في الجملة ليس من هذا النمط الذي ترونه فيمن سبقه أو فيمن عاصره، حتى من القرن التاسع عشر، وبعضهم سبق البارودي أصلاً في الميلاد، فكانوا حتى في القرن الثامن عشر.
ونبهت إلى ما قاله في المرة الماضية أن العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر كانت مهاد البعث للنقد الجديد الأوروبي. ونبهت أيضاً أن هذا العصر الرومانتي، أو هذا المطلع الرومانتي، كان البارودي فيه يمارس إحياءً جديداً، لكن لم يلتفت إليه أو لم يكن قوياً كفاية لأجل التأثير، لكنه كان من القوة بحيث أبقى خيطاً استمر، واستمر هذا الخيط في شوقي وأضرابه.
وكان الأصل في ذلك يعود إلى جذرين: جذر علمي وهو كتاب «الوسيلة الأدبية» للشيخ المرصفي، والأستاذ المرصفي عالم كبير، وجذر شعري يعود إلى البارودي، وكلاهما تأثر بالآخر وهما في عصر واحد، وشكلا قطبين لهذا الاتجاه المعروف بالإحياء والبعث. لكن لعوامل كثيرة لم تكن حركة صدامية؛ لو تفاعلت مع البعث يا إخوة ليصل إلى إخوانكم، لو لم تكن حركة صدامية. حركتنا نحن الآن حركة صدامية، لكن هذه لم تكن حركة مبادرة لإبطال الشعر الآخر، بل كانت حركة سلمية جداً؛ البارودي ينشئ شعره في هدوء وفي حياته الشخصية، والأستاذ المرصفي ألف كتابه ومشت الدنيا هادئة. وفي الحقيقة، التأثيرات الفكرية الحقيقية تحتاج إلى رتبة من الصدام، لا بد أن تحتاج إلى رتبة من المبادرة، أن يؤتى على هذا الموجود ويقال هذا هراء والصواب كذا، ولكن لأسباب كثيرة لم تستطع هذه الحركة أن تكون كذلك.
وهذه نقطة قد يتجاوز عنها البعض على أنها شيء هين، ليست هينة في اعتبار العلماء المتقدمين، هذه عابها ابن رشيق، ومنها ما نص عليه العقاد نفسه في كتاب له عن شعراء مصر. لحظة، هذا كتاب «شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي» للعقاد، في الصفحة الثالثة عشرة، استمعوا ماذا يقول العقاد: «فالبارودي من ثم كان إمام المدرسة الشعرية التي خلفت مدرسة العروضيين المقلدين، وندر بعده بين مشاهير الشعراء من درس العروض وقواعد البلاغة دراسة من سلف من أولئك العروضيين».
ثم يقول: «وحافظ إبراهيم حلقة متوسطة بين من سبقوه وجاءوا بعده في جميع درجات التطور والانتقال». ويقول: «فالبارودي من ثم كان إمام المدرسة الشعرية التي خلفت مدرسة العروضيين المقلدين، وندر بعده بين يسميهم العروضيون؛ لأنهم ينظمون كلاماً لا لأنهم شعراء، هم ليسوا شعراء عنده، فيقول هؤلاء عروضيون، يسميهم عروضيون الذين نسميهم الآن ربما ناظمون ينظمون فقط. وندر بعده من مشاهير الشعراء من درس العروض وقواعد البلاغة دراسة من سلف من أولئك العروضيين، فإذا استثنينا حفني بك ناصف، فكل من عداه فطريون تلقوا فصاحة الأساليب من الشعراء والكتاب لا من دروس الصناعة التي تعطي الرسم والقاعدة ولا تعطي النموذج والمثال، وهذا غريب».
وكان يحكي عن البارودي أنه كان لا يعرف النحو إطلاقاً بالمناسبة، وإنما كان يعرف تصحيح الكلام من التقويم، هكذا، من الشعور مما قرأه من تراكيب القدماء. هذه الفترة يا إخوة، فترة البارودي وما قبله بقليل وما بعده بقليل، هذه مهمة جداً ومختزلة في هذا الكتاب؛ لأنه يرجل النظرية التي توازي النظرية الأوروبية.
انظر، يقول العقاد: «وإمام الشعراء في هذا الطور الحديث هو بلا ريب ولا خلاف محمود سامي البارودي. محمود سامي البارودي صاحب الفضل الأول في تجديد أسلوب الشعر وإنقاذه من الصنعة والتكلف العقيم، ورده إلى صدق الفطرة وسلامة التعبير، فهذا الإمام المتقدم ذو أثر عظيم فيمن لحق به من الشعراء المحدثين، ولا سيما حافظ إبراهيم الذي نحن بصدد الكلام عليه الآن، فإن هناك بواعث كثيرة قربت بين حافظ والبارودي في الطريقة، وما زالت بهما حتى جمعت بينهما بعد ذلك بجامعة الألفة والمودة، فحافظ قد اختار حياة الجندية كما اختارها البارودي من قبله».
وحافظ كان رومانتیكياً، والبحث عن العناصر الحياتية في السيرة الذاتية المشتركة بين الشاعرين رايتم الطريقة؛ فحافظ قد اختار الحياة الجندية كما اختارها البارودي من قبله، وحافظ كان مفطوراً كصاحبه على إيثار الجزالة والإعجاب بالصياغة والفحولة في العبارة. وكان كصاحبه أيضاً من حزب التمرد والثورة، لا من حزب التسليم والاستكانة.
وكان الشيخ حسين المرصفي أستاذ الشاعرين وقدوتهما في الرأي والنقد وتذوق الكلام، صاحب "الوسيلة الأدبية"، وهو الذي أثر هذا الكتاب في شوقي أيضاً باعترافه. وهناك كذلك مواضع فيها أن البارودي لم يكن يعرف النحو والصرف ولا العلوم، وكان فقط عنده سرعة تحصيل ونباهة وقريحة جيدة، أن يعرف أحكام الإعراب من الشعر الذي يقرأه، من شعر القدماء.
ففي الأخير لم تكن هذه المدرسة مدرسة صدامية، وكلمة صدامية هنا ليست سيئة؛ لأن صدامية معناها تصطدم مع الواقع وتصححه، وهذا ضروري. مثلاً اتجاهنا نحن الآن بكل وضوح صدامي، على هذا التعبير أو على هذا الاصطلاح، صدامي على هذا المعنى. لماذا صدامي؟ لأن حركتنا حركة صدامية لأنها تبادر الآخرين تقول لهم: «لا، قفوا هنا، أنتم هنا لا يحق لكم أن تقولوا مثل هذا الكلام، أنتم هنا لا يحق لكم أن تقولوا مثل هذا الكلام، أنت يا من قلت كذا وكذا هذا هراء، ينبغي ألا تعرضه على الناس يا فلان، أنت تحتاج إلى أن يراجع كلامك النقاد يا فلان».
هذه معنى صدامية؛ مبادرة. هم لم يكونوا كذلك، لم يصطدموا مع من بعدهم ولا مع من قبلهم، ولذلك من الذي غلبهم الصدامي؟ من الصدامي: العقاد، وعبد الرحمن شكري، وإبراهيم المازني؛ لا سيما الأول والأخير، العقاد وإبراهيم المازني صداميان جداً، وعبد الرحمن شكري أرزن وأهدأ لكنه صدامي أيضاً، لكن ليس كصاحبيه. العقاد صدامي جداً وإبراهيم المازني صدامي جداً أيضاً، كلاهما صدامي ويبادر، ولهذا أثروا. وأعضاء مدرسة الديوان، والرابطة القلمية، وأبولو، وهذه الجماعات الرومانتيكية كانوا صداميين، كانوا شباباً متمردين صداميين، والصدام سيحتل مساحته في المجتمع لأنه سيجد الفرصة ليشرح فكرته بما فيها من صواب وخطأ، فستأخذ مكانها بما فيها من صواب وغير صواب، ستأخذ مكانها على كل حال.
ولذلك الشخص الذي يغير؛ ليس هناك حاجة اسمها تغيير غير هادئ ناعم سلمي، نطل نتحرك وندعو الناس إلى الشعر الصحيح، إلى أن.. لن تجد مساحة لمقعدتك لتقعد وتقول: «إلى أن أجد مساحة لمقعدتي»، أنت لازم تزق بمقعدتك وتقعد، ما فيش حاجة اسمها «لماذا لا يتركون لي مكاناً؟»، ما أحد سيترك لك مقعدتك، أنت تضرب وتقعد، تستعملها مرتين: مرة في الدفع ومرة في الجلوس. فلا أحد سيوسع لك، لا أحد يحتل أرضاً ويوسع لك في أرضه.
هذا الفكر الأفلاطوني الغريب، هذا الإحسان بالانسانية الرفيعة هذا غير قائم، لابد من المصادمة، لابد من أن تقتحم الأفكار في عقر دارها وأن تقول لها: «أنت باطل بكذا وكذا وكذا»، وأن تكون معك حجة دامغة. صدامي ليس معناها أنك قليل الأدب، صدامي ليس معناها أنك بذيء، صدامي ليس معناها أنك متجني ومتهكم، صدامي معناها أن تبادر، هذا هو معنى صدامي؛ أن تقتحم بالعلم وبالمسائل لا بشيء آخر.
إذاً ليس من حقك أن تتحرك أصلاً إذا لم تكن رجلاً مؤسساً، مكوناً قوياً، نظاراً تستطيع المناظرة، حتى لو كنت عالماً، إذا لم تكن عالماً نظاراً يعني تستطيع أن تناظر، عما يحق لك أن تدخل، أن تنتقل إلى المبادرة؟ لا يحق لك. نعم، هذه سنة الرسل لأن الرسل مغيرون، والذي يريد التغيير لابد أن ينتقل لابد وأن يبادر، لكن يبادر بالحق كما بادرت الرسل بالحق.
أنا الآن أناقش الحداثية والرومانتيكية بالعلوم، وإلى الآن لم أقابل بهذه العلوم منهم أنفسهم. فلم تكن هذه المدرسة صدامية، لم تكن مبادرة، كانت مسالمة جداً فخفتت بسرعة. إنما مدرسة العقاد، مع أن مذهبها ليس قوياً كمذهب الإحياء والبعث، إلا أنها انتشرت بسرعة لأن العقاد كان صدامياً مبادراً هو وعبد الرحمن شكري وإبراهيم المازني.
يقول: «إن العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين كانت من هذا البعث الحقيقي الذي شهدته الحياة الأدبية العربية على مستوى الإبداع والتنظير النقدي معاً، بعد أن ظلت قروناً طويلة تخضع لتقاليد أدبية موروثة من عصر الضعف والتخلف». هذا بداية النهضة العربية الحديثة التي جاءت بعد قرن من النهضة الأوروبية، وجاءت -وياللمصادفة- رومانتيكية أيضاً، وليس بعثية أو اتجاه الإحياء والبعث للبارودي.
وإذا كانت بداية العصر الحديث في الشرق العربي قد ارتبطت في كتابات المؤرخين بالحملة الفرنسية على مصر في نهايات القرن الثامن عشر، فإن تأثيرها في مناحي الحياة المختلفة وفي مجال التفكير الأدبي بخاصة لم يكن ليظهر إلى الوجود إلا بعد فترة من الزمن قد تبلغ عقوداً من السنين، وهي مدة ليست طويلة في حساب التاريخ الزمني للأمم والشعوب. وليس من الغريب إذاً أن يتجلى هذا الاتصال مع بزوع فجر القرن العشرين، يعني بدأ التأثر بمصر الحديثة بعد الحملة الفرنسية مع بزوع فجر القرن العشرين بعد أن ازداد الاحتكاك بالغرب.
فالنقد الحديث لم يبعث من عبد القاهر، لم يبعث من الزمخشري؛ لماذا لم يحيَ من تراثنا؟ كان الفكر الغربي أسبق إلينا من فكرنا العربي. مرة أخرى، لماذا لم يحيَ من عبد القاهر؟ لماذا لم يحيَ من الزمخشري؟ لماذا لم ننبهر بالنموذج النقدي في كتاب «الموازنة» سواء كانت كتباً مخطوطة أو مطبوعة في هذا الوقت؟ لماذا لم ننبهر بما في كتاب «العمدة» لابن رشيق، أو «الوساطة بين المتنبي وخصومه»، أو كتب عبد القاهر مثل «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز»، وكما قلت عمل الزمخشري وعمل الآمدي في الموازنة، وهكذا؟
لماذا كان الفكر الغربي أسبق إلينا؟ لشدة انبهارنا بهم من تراثنا الذي لا نكاد ننبهر به، لأن تراثنا حتى الذي كان عند عبد القاهر كان ما زال مربوطاً في أذهان الجماهيم والعامة بمن كان مربوطاً بهذا التخلف الأخير في القرون الأخيرة. ولهذا لما جاء بعض مشايخ التنوير وشرح الدلال في الأزهر...
كان الشيخ محمد عبده -أظن- شرح "الدلائل" في الجامع الأزهر، وكانت الناس تعجب منه: ما هذا الجمال! ما هذا الكلام! لأنهم عكفوا على المتون المتأخرة التي يدرسون البلاغة فيها أجسامًا لا روح فيها، ووقفوا عندها؛ لأن الروح في البلاغة الأدبية تأتي بعد التأسيس السريع من المتون، لكن المتون لا تصنع أديبًا ولا تصنع متذوقًا.
حتى لو كان عنده التذوق، فإن مصنفات البلاغة الأولى التي أولى للمبتدئين، وهي المتون المجردة والبلاغة التقريرية، لا تصنع ذوقًا حتى لمن عنده قريحة الذوق، الذي يصنع الذوق هو التقليد وكتب النقد والتطبيق. مجلس كالذي عقدناه أمس في موازنة بين البيتين بدراسة نظمهما، هذا ما يصنع ذوقًا لمن عنده ذوق وعنده استعداد وموهبة.
فلذلك لما بعض مشايخ التنوير -كما يسمونهم- أرادوا شرح كتب عبد القاهر في الجامع الأزهر، كان ذلك جديدًا وغريبًا ولذيذًا وجميلًا، وكان عجيبًا عند الباطل. كانت الثقافة المنتشرة حين ذاك هي أن كل القديم شيء واحد، ولذلك فكر الإنجليز والألمان والفرنسيون، وكان أسرع إلى عقل مجموعة من الشباب، ومنهم العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري، من التراث العربي.
ليس من الغريب إذا، وهذا يؤكد لكم أن النقد الحديث في بلادنا الآن هو حادثة. الأهم من أن تعترف بأنه غربي، أن تعترف أنه حادثة توافقية في التاريخ، ليست أصلًا، افهم هذا جيدًا. عندنا تراث؛ عندنا عبد القاهر، وعندنا الزمخشري، الذين جاء هؤلاء العلماء الذين جاء بعد ذلك علماء اللسانيات الغربيون واستفادوا من كتبهم ومن أصحاب النظريات الأخيرة، وعندك النحو التوليدي وكل هؤلاء مروا على عبد القاهر في النظرية، وأصحاب اللسانيات صريحون، وهناك دراسات تقارن بين هذه الأفكار عند عبد القاهر وعند غيره.
لماذا لم ننتبه إليهم؟ كانت حادثة، فقد كان العثمانيون والفكر المملوكي الذي كان موجودًا قد ذهب عن مصر والشام. كانت هناك الحملة الفرنسية، وهي نقطة التحول، وجاءتنا المذاهب من هناك، وكان أول مذهب جاء هو المذهب الرومانتيكي. الحملة الفرنسية كانت عام 1798، ومعنى ذلك أنك بعد ذلك بعقود سينتقل عندك الفكر الذي يأتي من هناك.
كما قال الدكتور نفسه هنا في هذا الكتاب: «تبلغ عقودًا من السنين، لم يكن ليظهر إلى الوجود إلا بعد فترة من الزمن قد تبلغ عقودًا من السنين». بعد ذلك في بدايات القرن العشرين، أو أكثر، بدأنا نأخذ الرومانتيكية التي كانت في وقت الحملة الفرنسية في طور نضجها في أوروبا، ثم استقرت في القرن التاسع عشر وجاءتنا في القرن العشرين.
خالد الشيباني يقول: «درست مقدمة في اللغة واللسانيات ووجدت عندهم نظرية تقابل النظم». أنا عندي دراسات وقراءات حول هذا، ولا أريد التوسع في هذا الكتاب، لكن تأكدوا من أنهم أفادوا من عبد القاهر واطلعوا عليه ونظروا إلى نظرية العرب النقدية عند عبد القاهر، في الوقت الذي نحن سعداء فيه بأخذ النظرية من عندهم في حداثتهم والدراسات اللسانية الحديثة، بدأوا ينظرون إلى عبد القاهر ونظرية النحو والتركيب.
هذا شأن الأمة المتخلفة؛ خيرها ليس لها. إخواننا في أوروبا يموتون جوعًا ومرضًا، والغرب يأخذ من عندهم الثروات، الذهب والمعادن وكل شيء يأخذه منهم. وحدث ولا حرج عن كل بلد عربي تأتيه عنقاء حمراء، تنزل عليه وتقبض مليارات وتمشي، وهناك في هذا البلد من يشتكي الفقر ومن يشتكي من أشياء كثيرة جدًا.
فهكذا هذا شأن الأمم المتخلفة، وليست متخلفة بتخلف الاقتصاد فقط، قد تكون ثرية جدًا ومتخلفة. الأمة قد تكون ثرية ومتخلفة إذا لم تكن ذات مكان وحضارة، وذات قدرة على إثبات ذاتها بنفسها وبعلومها. هذه الأمة التي تركت تنشغل بالثراء أمة لا حرمة لها، الثراء الوهمي الذي لا ينبني على قوة حقيقية، سواء من الاقتصاد أو قوة تحمي هذا الاقتصاد.
فهكذا دول أفريقيا والدول العربية جميعًا، الواقعيون لا نملك أنفسنا. هكذا الأمم المتخلفة، يأخذون منها العلوم وهي تلهث خلف فضلاتهم. هذا هو الواقع، نعم، هناك أفراد مفكرون يعرفون هذا، لكن ماذا يفعل الفرد في مجتمع أنظمته قائمة وقوى مقابل قوى مجتمعات؟ أما الفاهمون في داخل هذه المجتمعات فلا تأثير لهم إلا أن ينبهوا من حولهم.
وهذا في الأدب كما رأيتم، قال: «وليس من الغريب إذا أن يتجلى أثر هذا الاتصال مع بذوغ فجر القرن العشرين بعد أن ازداد الاحتكاك بالغرب واتسعت منافذ الاتصال بألوان ثقافته ومعارفه، واستبان لنفر من شباب الأدباء العربي الاختلاف الواضح بين ما يكتبه شعراء أوروبا وما يسود الشعر العربي آنذاك من ألوان التكلف والصنعة».
ألوان التكلف والصنعة هي أن تقارن التكلف والصنعة الموجود في أواخر العهد العثماني وما وصلنا إليه في مصر والشام وغيرهما بالشعر الأوروبي. طب ما تقارنوا بما في الأمثلة التي في عبد القاهر؟ ما تقارنوا بتفسير الزمخشري للقرآن، وهو منهج موجود يمكن أن تستعمله في الشعر، ما تقارنوا بأسرار البلاغة بما في ذلك من وجوه البيان، ما تقارنوا بكتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري، ما تقارنوا بدراسات الوساطة بين المتنبي وخصومه التي يقدمها القاضي الجرجاني؟
قلت لكم هذه حادثة، الأمر كان حادثة استثنائية، لم يرجعوا إلى عبد القاهر، كانت حادثة، وكانوا من أوائل الذين تأثروا بالتفكير الأوروبي وحملوا رايته، الدعوة إلى إبداع أدبي جديد. صراحة، هي حادثة تاريخية صريحة؛ لما نقول المدرسة الرومانتيكية، هي حادثة توافقية تاريخية وليست تأصيلاً تراثياً مدروساً من كل جوانبه. لا، هذا ظلم وإجحاف، بل صراحة هم تركوا كل تراثهم وقارنوا بين الموجود العربي الآن والموجود الأوروبي الآن.
قال لي: «ضع في حسابك يا أبا قيس أن كل ما عندك الآن من هذه الدواوين»، وأشار إلى مكتبة الدواوين؛ قال: «كل ما كان موجودًا من دواوين الجاهليين هذا لم يكن موجودًا أصلاً، الذي أخرجه لنا هؤلاء المستشرقون». قلت له: والله معك حق، هناك درجة كبيرة من الأعذار، وأنا قلتها في المحاضرة الماضية أو التي قبلها؛ هناك درجة من الأعذار أن هؤلاء لم يجدوا شيئًا فعلاً، كانت حالة صعبة فعلاً.
بالمناسبة، خذوا هذه الكلمة من أسباب إعجابي بمحمود شاكر؛ أنه كان على ما كان عليه في هذا الوقت الذي يعتبر كل شيء فيه حديثًا هو الشيء المتحضر، أو كل شيء متحضر هو الشيء حديث. وكان أغلب ما يوجد من التراث هو ما تعلمون؛ اقرأوا كتاب «شعراء القرن العشرين»، وهو مجلد كبير في دار المعارف، أحسب أنني رأيته قريبًا في إحدى الجولات في المكتبات، وما زال يباع. كتاب «الشعر والشعراء»، هو سمي هكذا، في القرن التاسع عشر كان يمكنك أن تسميه «شعراء القرن التاسع عشر»، هذه حقيقة مادته.
كانت الحال كذلك؛ اقرأ قبل ذلك عائشة التيمورية، كانت شاعرة فحلة، يقال فيها: «اقرأ عائشة التيمورية». فلذلك أنا معجب بمحمود شاكر؛ لأنه خرج هكذا وليس له من الظهير التراثي المعين ما يطفئ بريق هذه الحضارة والتفتح والتنوير الغربي الذي انفتح، ومع ذلك خرج هكذا لأنه كان يعلم تراثه جيدًا، هذا ما ميز محمود شاكر.
لذلك أنا أيضًا لا أقف على أحكام محمود شاكر، هذا الكلام أول مرة أقوله أو أول مرة أذكر علته. أنا أرى أنني أخالفه في محمود حسن إسماعيل وفي قصيدة الزلزال، وانبهاره بقصيدة الزلزال، أو بثنائه على علي محمود طه وأحمد زكي أبو شادي؛ لأنه ذكر وقال: «لا نتجاوز ثلاثة شعراء في عصرنا فيهم الروح»، وكان يقصد محمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه وأحمد زكي أبو شادي. أخالفه في انبهاره بمحمود حسن إسماعيل؛ قرأت محمود حسن إسماعيل وقرأت الزلزال، لكن أتفهم العصر الذي كان فيه، فلذلك أقول: نعم، هذا الرجل خرج في عصر...
يا إخوة، أنا في هذا الوقت الذي جئت فيه وأراك، أقول الآن لي أحكام منذ عشر مائة عام في ثناء على بعض القصائد لبعض الأشخاص، لو استدبرت أمري ما استدبرت ما قلت فيها هذا. كنت آخذ أتلمس ما فيها من إجادات وأقول هذا جيد، وإن شاء الله سيكون الآن وضعي لن أقول جيدًا، بل صار حكمًا عامًا، فلو استقبلت من أمري ما استدبرته ما قلت هذا. لكن كان فيها نوع من الاعتراف بالجيد تشجيعًا وتحميسًا وكذا، وأحسب أن محمود شاكر كان مع محمود حسن إسماعيل هكذا، بدليل أنه في آخر عمره قال: «لقد خيب محمود حسن إسماعيل ظني».
وأنا أعرف لماذا خيب ظنه؛ لأن محمود شاكر طمع فيه طمعًا كبيرًا أو رجى فيه رجاءً كبيرًا، وكان ذلك طمعًا وليس رجاءً؛ لأن محمود حسن إسماعيل تحت سقف «أبولو»، وهو محمود شاكر كان ينظر إليه على أنه سيكون شاعرًا عربيًا بإطلاق، ولكنه كان تحت سقف «أبولو»، حتى إن محمود شاكر اشتكى في بعض مقالاته كتبها قال: «بلغني أن محمود حسن إسماعيل قال عني إنني رجل قديم جامد»، ولا أدري لماذا قال هذا! أنا أعلم لماذا قال هذا؛ لأنه رومانسي «أبولو»، ومحمود شاكر عربي صرف.
لا أجد في صفاء محمود شاكر من هذا الجيل، ولهذا أنا أحب محمود شاكر. فوق صفائه العربي، إن كان على هذا المستوى في هذا العصر، فهذا عصر معذرون فيه يا إخوة؛ والله أعذر العقاد وأعذر عبد الرحمن شكري، بل أنا قرأت كل تراث عبد الرحمن شكري الذي جمعه محمد رجب البيومي على الأقل. وأنا أقرأ لمحمود حسن إسماعيل أو عبد الرحمن شكري أرى حسن نيته، أرى حبه للأدب العربي. حتى محمد النويهي الرومانسي المتطرف، صاحب كتاب «ثقافة الناقد»، فيه كل شيء إلا النقد؛ كتاب فيه كل شيء إلا النقد.
حتى هذا أحبه، لا أسمح بالإساءة إلى أحد من هؤلاء؛ لا العقاد ولا عبد الرحمن شكري ولا محمد النويهي. أغضب أحيانًا وأنفعل في التعبير وكذا، لكن أقدر هؤلاء جدًا جدًا. ربما أبعدهم عن قلبي إبراهيم المازني؛ لأنه كان يتهكم، وكان الشخص عنده أوسع، وأنا لا أحب الشخص «المشخصر»، لا أحب الشخص الذي يتذرع بالعلم وبالنقد لينتقد غريمًا له وليؤذيه وليشمت فيه. أنا لا أحبها ولا أحترم هذه الشخصية؛ العلم علم وحده، والشخصية شخصية. لا تحب شخصًا، قل له أنت حيوان وبكرهك، إنما لا تقل: «والله وسأضطر إلى بيان علمه»، وأنت من جواك مجهز له سكاكين شخصيًا. لا، بين علمًا حقيقيًا وانتهى.
فلذلك أنا أبعدهم عن نفسي، إبراهيم المازني لأنه مشخص جدًا، وفيه سلطة، وفيه تهكم، وإن كان عقل في آخر عمره تقريبًا وانهد قليلاً. أقول عن تراثه: رحم الله الجميع. هل محمود شاكر كان يعذرهم؟ طبعًا جميعًا بلا استثناء، يعذرهم ولا يشك في نية أحد منهم، ولا أشك أنا في نية واحد منهم. هو من تكلم عن المنفلوطي وتكلم عن صديقه عبد الرحمن شكري انتقامًا لأن عبد الرحمن شكري قال إنه سرق بعض ما ترجم عن الإنجليز أو الفرنسيين، فبينهما أشياء هكذا.
صراحة، وكان من أوائل الذين تأثروا بالتفكير الأوروبي وحملوا رايته، الدعوة إلى إبداع أدبي جديد؛ عبد الرحمن شكري والعقاد والمازني في مصر. وفي الوقت الذي انطلقت فيه صيحة أولئك الرواد على أرض مصر، تجاوزت وتجاوبت معها صيحة أخرى من أبناء اللسان العربي في المهجر الأمريكي، وعرفت الحياة الأدبية ما سمي فيما بعد باسم «جماعة الديوان»، كما عرفت تنظيماً أدبيًا في المهجر الأمريكي أعلنه أصحابه باسم «الرابطة القلمية»، وهناك كتب عن الرابطة القلمية لمن أراد أن يتوسع في هذا الفكر. طبعًا منظرهم الأكبر ميخائيل نعيمة، هذا هو المنظر الأكبر. قال: «وكان لكلتا الجماعتين دور ملحوظ في دفع حركة...» إلخ. ثم يبدأ الحديث عن جماعة الديوان.
جماعة الديوان يا إخوة، أول ما نقول جماعة الديوان فيراد من ذلك ثلاثة أشخاص: العقاد، وعباس محمود العقاد، وعبد الرحمن شكري، وإبراهيم المازني. والترتيب الأفضل هنا: العقاد، وإبراهيم المازني، وعبد الرحمن شكري.
لماذا نسبوا إلى كتاب سأريك إياه؟ هذا الكتاب هو كتاب "الديوان"، وهذه الطبعة الأخيرة. كنت قد درسته من الطبعة القديمة، ثم درسته من هذه الطبعة في مكتبة الآداب، وأحسبها موجودة، وكانت عندي قبل أعوام، لكن هي موجودة إن شاء الله. وطبعًا هذه مني أنا أضع الخيط؛ كتاب "الديوان في الأدب والنقد" من الذي ألفه؟ عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني، كما ترون.
من الفائدة أنني كتبت داخل الكتاب: أنا أهتم جدًا لمعرفة عمر الكاتب لما ألف كتابًا معينًا. عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني، كان عمر العقاد لما ألف هذا الكتاب 32 عامًا، وكان عمر عبد القادر المازني 31 عامًا. هذه أعمارهم لما ألفوا هذا الكتاب.
سميت بـ"جماعة الديوان" يعني جماعة كتاب الديوان. عبد الرحمن شكري لم يدخل معهم في هذا الكتاب ولم يؤلفه، لكن انتسب إلى مطلق الجماعة لإيمانه بنفس الأفكار ولأنه صديق للرجلين. باختصار، هي جماعة الديوان لأن هذا الكتاب اشتهر جدًا، هاجم أحمد شوقي وعددًا من الأدباء.
عبد الرحمن شكري لم يؤلف في الكتاب، بل بالعكس، جُم في الكتاب، لكن إذا قيل جماعة الديوان يطلق على العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري؛ لأنه صديق لهما ولأنه يحمل نفس الأفكار التي في الكتاب حتى لو نقد أو ذكر فيها.
يقول هنا: شاعت هذه التسمية ومثلها مدرسة الديوان في أوساط الدارسين علمًا على ثلاثة النقاد السابقين. شكري ولد عام 1886 وتوفي عام 1958. العقاد ولد بعده بثلاثة أعوام، يعني أكبرهم سنًا عبد الرحمن شكري. العقاد ولد عام 1889، يعني بعد ميلاد البارودي بكم عام يا إخوة؟ البارودي عام 1839. بين ميلاد البارودي وميلاد العقاد 50 عامًا. لاحظت أن الناس تنظر للعقاد والبارودي وشوقي كأنهم جماعة واحدة في عصر واحد كانوا عايشين في القاهرة، لا؛ العقاد ولد عام 1889، والبارودي ولد عام 1839، يعني بينهما 50 عامًا، فالعقاد قديم بالنسبة للبارودي.
والمازني ولد عام 1890، يعني بينهما عام واحد، وتوفي عام 1949، يعني مات قبل الجميع؛ لاحظتم؟ ولد عام 1890 ومات عام 1949. شكري مات 1958، والعقاد 1964، وأحمد شوقي أظن في عام 1920 أو 1922.
أذكر طبعًا الخلاف الذي في ذلك، لكن هنا كتاب الدكتور صلاح فضل رحمه الله، لم أكن على وفاق معه إطلاقًا، لا على وفاق أخلاقي ولا وفاق نقدي إطلاقًا، لكن هو كتب هذا الكتاب الصغير عن شوقي، فصول عن شوقي أمير الشعراء، يقول: «شاع أنه ولد عام 1868 نتيجة لما ورد في طبعة الشوقيات القديمة، والمعروف أنها نشرت عام 1898، ولكن شواهد أخرى أثبتت غير ذلك، فقد تبين أن عام النشر المؤرخ في الشوقيات بالتقويم الهجري يقابل 1900 ميلادية، كما أن ابنه حسين شوقي ذكر أن أباه حين توفي كان في الستين من عمره، وحسم الموقف بنشر وثيقة تؤكد أن ميلاده كان 1870 كما هو مثبت في شهادة الليسانس التي حصل عليها من باريس في الحقوق، إذا الأوراق الرسمية تقول إنه ولد في عام 1870 بخلاف المشهور في النشر القديم أنه عام 1868، الفرق سنتان». المهم، هو أكبر من العقاد بـ 19 عامًا، وأكبر من المازني بـ 16 عامًا، وأكبر من عبد الرحمن شكري بـ 20 عامًا.
قال: نُسب إلى كتاب "الديوان" الذي أصدره العقاد والمازني، واستهدف به تقويض الأوضاع الأدبية السائدة في ذلك الوقت، والدعوة إلى مذهب أدبي جديد حدد معالمه في المقدمة التي صدرا بها. إن شاء الله ستكون لنا دراسة كاملة لهذا الكتاب.
وصفا المذهب الأدبي الجديد بأنه: «مذهب إنساني مصري عربي». إنساني؛ لأنه يترجم عن طبع الإنسان خالصًا من تقليد الصناعة المشوهة. من الذي صنع لهم هذه الفوبيا من الصناعة؟ امرؤ القيس، والنابغة الذبياني، وزهير؛ هم الذين صنعوا لهم هذه الفوبيا من الصناعة، لا، هم كانت عندهم مشكلة مع الصناعة المتأخرة، وعندهم مشكلة أخرى ظهر أثرها بعد ذلك مع الضعف الذي عاشوه، والضعف هذا صرح به العقاد ومحمود شاكر كما سنقرأ اليوم إن شاء الله.
قال: «إنساني من ناحية لأنه يترجم عن طبع الإنسان خالصًا من تقليد الصناعة المشوهة، ومن ناحية أخرى لأنه ثمرة تلقاح القرائح الإنسانية عامة ومظهر الوجدان المشترك بين النفوس قاطبة». وطب ومصري؛ لماذا؟ لأن دعاته مصريون تؤثر فيهم الحياة المصرية. هذا هوس وطنيات، أنا دعوتي الآن عربية، وطلابي في العراق وفي السعودية وفي الشام وفي الجزائر وفي كل البلاد دعوتهم عربية. فانظر، لا يوجد تعليل يقنع يقول لك: ومصري لأن دعاته مصريون تؤثر فيهم الحياة المصرية، يعني في المعاني مصرية. مثل الأندلسي؛ أندلسي لأنه فيه الروح الأندلسية وروح البيئة الأندلسية، لكن يبقى مذهبًا عربيًا، هو عشان نيل في القصيدة يبقى مذهبًا مصريًا؟ غريب! هو الشعر العربي هو شعر عربي.
عربيا، أندلسيا، إنسانيا. لا، وعربي لأن لغته العربية، فهو بهذه المثابة أتم نهضة أدبية ظهرت.
يجب أن نعمل استعدادا نفسيا للشباب الصغير في هذا الوقت. فهو بهذه المثابة أتم نهضة أدبية ظهرت في لغة العرب مذ وُجدت. الأندلس كانت مذهبا عربيا أندلسيا إنسانيا.
كان هناك فقر فكري وضحالة في هذا الوقت في الدولة العجمية، في الدولة العثمانية. وأنا لا أتكلم سياسة، بل أتكلم لغة؛ فالدولة العجمية لا ترعى الشعر ولا ترعى اللغة، بل تقدم التركية على العربية، وهذا من مثالب الدولة العثمانية أدبيا، أنها لا تعنى بهذه القضية الشعرية والعربية، فقد كانت دولة تركية بالطراز الأول.
جاؤوا هنا وكونوا شيئا في هذا القفر، في هذا الخواء، في هذه الأرض الجرداء، وظنوا أن حركتهم في جماعة "الديوان" هي أتم نهضة أدبية ظهرت في لغة العرب مذ وُجدت. هنا فائدة دراسة التاريخ؛ أنت لا تضع هذه الحركة إلا في حجمها في التاريخ، لما ينتهي تاريخها وتبدأ تنظر، ستتساءل عما الذي حصل. لما تقرأ هذه العبارة في مقدمة "الديوان" تتهكم بها في نفسك وتستصغرها: أي حركية أدبية تتحدث عنها؟ أهي أتم نهضة عربية أو أدبية ظهرت في لغة العرب مذ وُجدت؟ إذ لم يكن أدبنا الموروث في أعظم مظاهره إلا عربيا بحتا إلى عصر الجاهلية.
متى هذا؟ إن شاء الله كل الذي سبقك يا عقاد؛ يا عباس محمود العقاد، كل ما سبقك: البارودي، وعائشة التيمورية، والشيخ علي الليثي، وأبو القاسم السعداتي، ورفاعة الطهطاوي. ارجع وراء: المماليك، الأيوبيون، الأندلسيون، ثم وقبل كل هؤلاء العباسيون.
كل هؤلاء يوجهون بصرهم إلى العصر العباسي. ما أنت تقول أنا مصري لأن دعاته مصريون، أما هم فليست أندلسية ولا مملوكية؛ لماذا؟ لأن فكرة تقول لك إن دعاته مصريون تؤثر فيهم الحياة المصرية، وهو الأندلسيون ما أثرت فيهم الحياة الأندلسية. عندي متابعون يقولون لي: "أنا أموت وأسمع منك شعرا أندلسيا، اعمل لنا سهرة في الشعر الأندلسي"، في ناس لا تحب إلا الأندلسي، هو طبعه كذلك الشاعر الأندلسي.
المشكلة أنك إذا قارنت مع الجاهلية فستكون المقارنة باللغة، أما مصريتك فهي كأندلسيتك. محمود العقاد يوحي بوحي غريب؛ لاحظ أن واحدا عنده 32 سنة، لم يكن أغلب التراث الشعري العربي مطبوعا، وكان أول انفتاح لهم هو الانفتاح على الإنجليز والفرنسيين والألمان. هو يرى أن كل العصور الأخرى كانت على الجاهلية، وهذا كلام سطحي جدا لا يقوله أحد درس التاريخ أو قرأ هذه الآداب.
مصريتك كأندلسيتك لم يمنعك منها أحد، الأوراق مختلطة يا إخوة، ثائرة، ناس شباب غضبان عمال يؤلف ويكتب. تخيل شابا عنده 31 سنة ثائرا، ينتبه لاتجاه الحديث فيقول: "نحن أول نهضة أدبية في لغة العرب". طبعاً البعض يقرأ هكذا ويقول: "واه يا عقاد"، ويتخيل العقاد في سنه الكبير، وهو في الحقيقة شاب ثائر عمره 32 عاما، وكلامه يصطدم مع الواقع المشاهد تماما.
يقول لك: "نحن أتم نهضة عربية أو نهضة في الأدب العربي"؛ لأنه لا ينظر إلى الجاهلية كما نظر الآخرون إلى الجاهلية. الآخرون هم الأندلسيون، ولم يمنعهم ذلك عن معانيهم وعن بيئتهم، ولم تمنعك أنت عن بيئتك. أتم أين؟ أحمد شوقي وحافظ إبراهيم تكلموا في النيل وفي البيئة المصرية. أحمد شوقي وحافظ إبراهيم سبقا كلام العقاد. الكتاب أصلا معمول ضد شوقي، فتقول لي نحن نهضة مصرية؟ العقاد يقول عن نفسه نهضة مصرية، أما شوقي فنهضة ماذا؟ من أبرز الدراسات التي تقدم على شوقي هي المعاني التي تتعلق بالحكم والدولة والوطنية، والكلام في النيل وفي الآثار وأبي الهول، فهو شعر مصري.
وقد كان يعتزمان إصداره في عشرة أجزاء، إلا أنه لم يظهر منه إلا جزأه الأول والثاني فقط عام 1921. وهنا بدأ يعود ليتكلم عن الخلاف الذي وقع بين عبد الرحمن شكري وإبراهيم المازني. وقد اشتمل الجزء على المقالات التي كتبها العقاد والمازني في الهجوم على أهم رموز المذهب الأدبي السائد آنذاك، وهم شوقي والمنفلوطي والرافعي.
وتجاوزوا هذه الرموز إلى صديقهما عبد الرحمن شكري في مقالين كتبهما المازني بعنوان "صنم الألاعيب"، سخر فيهما من صاحبه وأوجعه بنقده اللاذع، وذلك ردا على اتهام شكري له في مقدمة "الديوان" بأنه اختطف الخطرات بانتحال عدد من القصائد الشعرية الإنجليزية بعد أن ترجمها إلى العربية، وانتحال بعض المقالات والفقرات النثرية كذلك لبعض الكتاب الإنجليز والفرنسيين، ووضعها ضمن مقالاته ودراساته. ومع أن العقاد حاول رتق الصدع وإزالة ما بينهما من أسباب الخلاف، فإن شكري عاد إلى ترديد هذه الاتهامات في مقالات نشرها في بعض الصحف.
تعرفون ماذا أقول دائما؟ النقد الذي يُراد به رتق الصدع ليس نقدا محترما، لأنه كان ابتداء من الأول كيديا. لذلك أغلظ شديدا لمن يراسلني مثلا ويقول: "أريد أن نهديء الأمور بينك وبين فلان"، أقول له: أنت تتهمني بأنني أهاجمه لشيء غير النقد، وأنك ترتق الصدع، وبعد ذلك أخرج وأثني عليه ويثني هو علي؛ نحن هنا نخاطب خرفانا ومعيز اسمها الجمهور نستخدمهم في أغراضنا الشخصية! لا، أنا أحترم جمهوري، أنا أرسل لعدوي رسالة خاصة أو عبر الهاتف أو عبر برنامج، أُشمتُّه فيها شمطة إذا صح التعبير، لكن لا أستعمل الجمهور معه، فالجمهور له احترامه.
أنا أتكلم على واحد لأنه يضايقني، فلما نتصالح أطلع أثني عليه. يلا يا جماعة، أضايقني فأثنيته، فإذا هجوته أو أسأت إليه، فإنه ينبغي إن كنت قد أسأت إليه ثم صالحته، أن تثني عليه، وينبغي أن تعجب به وأن ترضى عنه. ما هذا؟
ولهذا، لما يأتيني شخص -وهو أكثر شخص أغلظ عليه- يقول: نريد رتق الصدع، ونتوسط بينك وبين فلان، ماذا بينك وبين فلان؟ بعضهم قال لي: هذا ما بينك وبين فلان وفلان. ممن قلت إنهم ليسوا شعراء؟ قلت له: بيني وبينهم أنهم ليسوا شعراء.
أخونا يقول: رأيته في الشيوخ لأسف، نعم، الشيوخ يستعملون الجماهير كأحذية، كنعال يلبسونها على مختلف أحوالهم. فكان البعض يأتي يقول لي: أصالح بينك وبين فلان وفلان ممن قلت إنه ليس بشاعر؟ قلت: إذا أنت ترى أنني قلت ليس بشاعر لأنه بيننا شيء شخصي، بعد ذلك تحسبني سأقول إنه شاعر؟ قلت له: بيني وبينه أنه ليس بشاعر، وليس بيني وبينه شيء آخر، بيني وبينه أنه متجرئ، وبيني وبينه أنه يفسد أذواق الناس. هذا ما بيني وبينه.
لماذا لا تصدق؟ هذه قضيتي. لو بيني وبينه شيء شخصي، أولاً ليس عندي وقت لشخص بيني وبينه شيء شخصي. أول ما يكون بيني وبين أحد شيء شخصي، لا أبذل له كلمة واحدة من دماغي. بلوك من الحياة. أنا لست بهرَم وقتي معك، وحياتي.. عاديتني خلاص، احذف أرقامي أو حظر أرقام تليفونات، حظر وسائل تواصل، انتهى. انسَ عنوانك، انتهى خلاص. حتى ما تفعله لا يبلغني، اذهب لحياتك ولي حياتي، ولي دنياي ولي دنياك، وقتي لا يسمح.
لكن أنت قلت: عملت معنى العتاب، يعني أنا مُبقٍ عليك وأنا لا أبقى عليك، فخلاص أحضرك من حياتي تماماً، أمحوك. رتق الصدع بين النقاد، وهذا يدلكم على أنهم كانوا يستعملون الجماهير. يقول لك: وقد حاول العقاد -مع أن العقاد حاول رتق الصدع وإزالة ما بينهما من أسباب الخلاف- أنا كنت أقرأ هذا وأستغرب؛ ما هو؟ إما تكلم بحق أو بباطل. لو بحق، لماذا يرجع عنه؟ لو كان بحق يقول لك: يا بقيس، نرتق الصدع بينك وبين فلان وفلان، لماذا تهاجمهم لأنهم كذا؟ هذا فقط، والله هذا فقط، ليس هناك صدع كما قال حبيبنا خالد؛ لا يوجد صدع أصلاً. عجيب! لم نكن لحمة حتى يكون هناك صدع.
وينبه بعد ذلك أن شكري محسوب على الجماعة ولم يكتب في كتاب الديوان، ويقول: «وأصبح اسم جماعة الديوان أو مدرسة الديوان يشمله إلى جانب صاحبيه باعتبار أنه وإن لم يشارك فيه فعلاً، يبدو شاخصاً بآرائه وأفكاره بين سطوره، فهو الغائب الحاضر في آن واحد» مع كونه صديقاً له.
قال: «ولا نضيف جديداً حين نقول إن الأصدقاء الثلاثة كانت لهم قراءات مستفيضة في كتب التراث العربي شعراً ونثراً». هنا العربي، نعم. ولا نضيف جديداً حين نقول إن الأصدقاء الثلاثة ظهر عند العربي -لعله الغربي- كانت لهم قراءات مستفيضة في كتب التراث العربي شعراً ونثراً. التراث يعني العربي، إذ كانت اللغة الإنجليزية أداة اتصالهم بالفكر الغربي في الشعر والنقد والفلسفة، إذ كانوا يتقنون هذه اللغة قراءة وفهماً وكتابة.
وهم هذه الجماعة يا إخوة هم الذين قصدهم شاكر في كلامه في "جمهرة أشعار العرب". هذا المجلد الثاني من "جمهرة مقالات الأستاذ محمود شاكر"، في الصفحة التي بعد الستمائة، لأن التسلسل في المجلدين كأنهما مجلد واحد، في مقال "الينبوع" لأحمد زكي أبو شادي. اسمع ماذا قال العقاد ومحمود شاكر؛ هذا المقال كتب في جريدة "المقتطف" في مارس 1934. هذا الذي سأقرأه الآن لمحمود شاكر من مقال كتبه في عام 1934.
يقول: «في أواسط القرن الرابع، يعني بداية العصر العباسي الثاني حين تولت البويه عام 334 من الهجرة، ومنها بدأ العصر العباسي، بدأ الشعر العربي ينزل درجات، وكان في سقوطه يتحسن بأثواب من جمال اللفظ يواري به سوءاته ويستر عيوبه. وكان الشعراء يتعاملون في استخراج أنواع البديع والاستعارة والمجاز والإشارة، واستوفوا بذلك غاية بعيدة في تركيب الألفاظ وترتيب الكلام».
«وبقي الشعر يسفل بعد ذلك، حتى نجحت في القرن الماضي طائفة من الشعراء ردت إليه شبابه وأعادت عليه جدته، إلا أن هذا الشعر لم يكن بالذي يرضي هذا الجيل الحاضر من الأدباء، فخرج عليه جماعة ممن تثقفوا بآداب الأعاجم». من الذي يقول هذا؟ محمود شاكر. فخرج عليه جماعة ممن تثقفوا بآداب الأعاجم من دول أوروبا، فبدأت هذه الجماعة، جماعة الديوان، تبتدع لنفسها طريقة في الشعر، وذلك بإجادة المعاني وتحسينها وتحقيقها، والتوسع في النظر إلى أوائلها وأواخرها، وتابعها ومتبوعها، وعلاقاتها بالنفس وآثارها في القلب إلى غير ذلك من الأغراض.
«ثم ترى بعضهم قد أهمل اللفظ واستجادته واختياره، ولم يلقوا بالاً للأصيغ العربية التي لا يفهم الكلام إلا بها ولا ينعقد المعنى إلا عليها. وأغلب الظن أنهم يظنون أن هذه العبارة التي ينشئونها تؤدي المعنى الذي أرادوه، فيلقون بها دون روية أو تثبت، فإذا جاء القارئ ليفهم كلامهم...»
لم يخرج بشيء، عرفت؟ من ذا أحب محمود شاكر من مثل هذه العبارات؟ محمود شاكر فاهم القضية. فإذا جاء القارئ ليفهم الكلام على عربيته، ينبغي أن أفهمه بقواعد العرب، على عربيته، لم يخرج بشيء ولا يجدي عليه إلا أن يتوهم مراد الشاعر توهما: «أنا أظنك تريد أن تقول كذا».
غير أن الحقيقة التي لا ينكرها أحد أن كثيرا من هؤلاء الشعراء قد انطوت أشعارهم على كثير من جليل المعاني، ولكنهم أفسدوها بضعفهم في البيان وقلة عنايتهم بالأساليب العربية الجميلة التي يطابقون بها المعنى الذي أرادوه، والصور التي تنشئها هذه الأساليب في ذهن القارئ البصير. لما تقول لي: «أنت اللي مش فاهمني»، يقول لك: «الذنب ذنبك، أنا أفهمه بالعربية، أنت بأي لغة كتبتها؟».
ولا نرى للشعر معنى، محمود شاكر يقول: «ولا نرى للشعر معنى إلا بهذه المطابقة بين المعنى المراد والأسلوب المتخذ أداة للتعبير عنه، وإلا فالمعاني الشعرية لا تزال قائمة في أنفس الشعراء من أول عهد الإنسانية إلى هذا اليوم، ولا يتقدم شاعر على شاعر إذا تساووا في المعاني، إلا بالبصيرة البيانية النافذة التي تقع به على الألفاظ والأساليب التي تطابق المعاني القائمة في نفسه».
يبقى الشعر فناً لغوياً. رأيتم الجماعة التي قصدها محمود شاكر هي هذه الجماعة؛ اللغة الإنجليزية كانت أداة اتصالهم بالفكر الغربي في الشعر والنقد والفلسفة، إذ كانوا يتقنون هذه اللغة قراءة وفهماً وكتابة. شكري والمازني بدراستهما لها دراسة نظامية عميقة في مدرسة المعلمين التي حظي بها الأدب إلى آخره، ودرس الأدب فيها.
ومن بين ما درساه فيها كتاب «الذخيرة الذهبية» الذي يضم طائفة مختارة من روائع الشعر الإنجليزي، كما درسا مسرحيات شيكسبير، وأشعاره، وبايرون، وشيلي، وكيتس، ووردزوورث، وكولريدج، كلها رومانتيكية بالمناسبة ما عدا شيكسبير، فشيكسبير من شعر النهضة. والرومانتيكية الأولى فيها هازلت وتشارلز لام وغيرهم من أعلام الأدب والنقد في المدرسة الرومانتيكية وغيرها. وفضلاً عن ذلك، سافر شكري في بعثة علمية إلى إنجلترا بعد تخرجه في عام 1909 ومكث هناك ثلاث سنوات زادت خلالها معرفته بالأدب الإنجليزي وكبار كتابة وشعرائه.
أما العقاد، فإنه وإن لم يتابع الدراسة النظامية مثل صاحبيه، قد استطاع بعصاميته -وبالمناسبة أنا متعاطف معه، العقاد أنا متعاطف معه جداً ومعجب به في جانب آخر من حياتي غير النقد، وإن كنت ألومه على تحامله على شوقي- لكن أنا متعاطف معه من جهة أنه عصامي ومعتز بنفسه جداً، وعاش فقيراً مهمشاً، عصامياً وذكياً وكاتباً كبيراً، ولم يتم تعليمه أصلاً، ربما في ثالثة ابتدائي خرج وعمل صغيراً وكد ليأكل، وظل مع ذلك ليس مكسور العين، كان عزيز النفس وتعلم الإنجليزية بشكل شخصي. ومع ذلك كلما أرادوا التكريم كرموا طه حسين وتركوه، ولو كنت في هذا الزمن وبيدي شيء لكرمته هو، أو رشحته هو للتكريم على هذا الجهد.
نعم، أما العقاد فإنه طبعاً -دعك من انفعالي في المسائل، موقفي مع الشخصيات شيء آخر، دعك من انفعالي في المسائل أثناء الدراسة والمخالفة الشديدة وأن هذا كلام فارغ وهكذا، أتكلم هكذا لكن على المستوى الشخصي على كونه شخصاً قد أجله جداً واحترمه جداً وأعجب به، وأنا معجب بالعقاد من هذه الناحية- لكن لا أعطيه الصواب في المذهب النقدي، لا أدعو إلى الإعجاب الشخصي. أنا معجب بشخص ما، أنت ممكن تعجب بتشي جيفارا، هو علماني أو اشتراكي، أنت مش ممكن تعجب به لأنه يحارب الظلم وصمد ورفض الرئاسات وقال لك سأختار القتال، أنت قطعاً ستعجب به فيما نُقل إليك عنه، لكن هل أنت اشتراكي مثله؟ هل أنت ملحد مثله؟ هو يقول لك المجتمع هو الإله، هل أنت ملحد؟ لا. هل أنت اشتراكي؟ لا. فاجذب بالشخص ولا تدعُ إلى صواب مذهبه. وأنا معجب بالعقاد شخصاً مثابراً مكافحاً عزيز النفس جداً، ولا أعطيه صواب المذهب.
أما العقاد، فإنه وإن لم يتابع الدراسة النظامية مثل صاحبيه، قد استطاع بعصاميته وعبقريته التي قل أن يوجد لها نظير بين الأدباء والمفكرين العرب في العصر الحديث -وهذا طبعاً كلام الدكتور الشفيع السيد وأصاب- قد استطاع بعصاميته وعبقريته أن يجيد الإنجليزية ويطلع على كثير من آثارها وما تُرجم إليها من اللغات الأخرى، وكان ما ينشره من مقالات إلى آخره.
وكان تأثر الأصدقاء الثلاثة بما قرأوا للأدباء والنقاد الإنجليز أكثر من تأثرهم بما قرأوا لغيرهم من أدباء أوروبا. وفي مقدمة الأدباء الإنجليز الذين تأثروا بهم شعراء المدرسة الرومانتيكية، وهذا ما اعترف به العقاد في معرض الزهو والمباهاة باختلاف منابع التكوين الثقافي بين جيل الشعراء الذي ينتمي إليه هو وصاحبه عبد الرحمن شكري والمازني، وما ينتمي إليه شوقي وجيله.
ينقل عن كتاب «شعراء مصر وبيئتهم في الجيل الماضي» -الكتاب الذي كان معي في يده الآن- يقول: «فالجيل الناشئ بعد شوقي كان وليد مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنجليزية»، العقاد يقول: «فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنجليزية ولم تقصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي كما يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر، بيفخروا بالإنجليزية والفرنسيين، وهي على إغفالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنجليز لم تنسَ آلام الألمان والطليان والروس والإسبان واليونان واللاتين القدماء، ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى». ولا أخطئ إذا قلت إن هازلت هو إمام هذه المدرسة كلها في النقد، لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون.
دول العرب مش متأثرين فين؟ هم نفسهم بيفقروا بالتأثر وسموا رموزًا هي الأقطاب. ولا أخطئ إذا قلت إن هازلت هو إمام المدرسة كلها في النقد؛ لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون وأغراض الكتابة ومواضع المقارنة والاستشهاد.
ثم يضيف العقاد أسماء أخرى، ومن بين هؤلاء من ينتمون إلى مدرسة النبوءة والمجاز، الاسم الذي كانت تعرف به المدرسة الرومانتيكية حين ذاك، أمثال شيلي، وبايرون، ووردزورث، وكارلايل، وجون ستيوارت ميل. ومنهم من ينتمون إلى مدرسة أخرى قريبة منها تجمع بين الواقعية والمجازية، من أمثال تنسون، وإيمرسون، وإدجار آلان بو، ووايت مان، وتوماس هاردي.
وايت مان هذا هو أول شاعر رومانتيكي دعا إلى تحرير القصيدة من التقاليد والشعر النثري، وكان صاحب رواية العشب، وهي التي قالها في الرئيس الأمريكي، وهو أول من دعا إلى ذلك في ديوانه، وكانت عنده مشكلات مع الحكومة وأشياء من هذا القبيل.
ويذكر العقاد أنه سرى من روح هؤلاء الشيء الكثير إلى الشعراء المصريين الذين نشأوا بعد شوقي وزملائه. ويذكر العقاد أنه سرى من روح هؤلاء الشيء الكثير إلى الشعراء المصريين الذين نشأوا بعد شوقي وزملائه، ولكنه كان سريان التشابه في المزاج المصري كله، ولم يكن تشابه التقاليد والفن، أو هو سريان جاء من تشابه في فهم رسالة الشعر والأدب لا من تشابه فيما عدا ذلك من تفصيل.
طبعًا هو سريان، أنا أقول سريان لكنه سريان الأثر من القوي إلى الضعيف. أنا لا أنفي أنه سريان، وأنه عن قناعة، بس عن قناعة بماذا؟ بصحة ما أخذه من القوي المؤثر. أنا لا أكذب الكلام ولا أقول هم قلدوه بنية التقليد، لكن هو بالفعل هم رأوا ذلك صوابًا، فقالوا نحن اتفقنا في الانتباه إلى الصواب؛ الصواب الذي فرضه القوي المنتصر صاحب الثقافة المتفتحة الذي كان حديث عهد بالعلوم.
ويقول: وإذا كان العقاد يشير إلى أن هازلت كان هو الناقد الذي تأثر به هو ورفاقه، صراحة إذا كان هذا كان هو الناقد الذي تأثر به هو ورفاقه أكثر من غيره من نقاد الإنجليز، فإن إشارته تعني في واقع الأمر تأثرهم بكولريدج؛ لأنه من الثابت في تاريخ النقد الإنجليزي أن هازلت يعد تابعًا في نظريته الأدبية لكولريدج.
وقد صرح هازلت في كتابه «محاضرات عن الشعراء الإنجليز» بأن كولريدج هو الشخص الوحيد الذي تعلم منه شيئًا، فإذاً هم أتباع كولريدج في النظرية، وسيظهر هذا لما ندرس مثلث الشعر عند عبد الرحمن شكري وفيه ضلع الخيال.
ثم ينبه إلى أن كتاب الديوان هذا لا يحوي كل فكر العقاد والمازيني، بل هناك كتب أخرى ومقدمات لدواوين ونحو ذلك. ثم يبدأ الكلام عن عبد الرحمن شكري يكون إن شاء الله في المجلس الآتي، وشكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد