دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام.

هذا مجلسنا الحادي عشر من مجالسنا في شرح كتاب نظرية الأدب للدكتور شفيع السيد رحمه الله. أرجو يا إخوة طمأنني إلى سلامة البث من حيث الصوت والصورة. تفاعلوا مع البث يا إخوة لتنشيطه ليصل إلى إخوانكم، أرجو التفاعل مع البث لتنشيطه ليصل إلى إخوانكم من بعد إذنكم. يا مرحباً بكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً. حياكم الله وبياكم أيها الكرام.

في المجلس الماضي وهو العاشر، توقفنا في أثناء الكلام عن كولريدج، وهل هو عبقرية أم انتحال؟ هل ما أتى به كان عبقرية أم كان انتحالاً؟ فذكرنا أن آراءه -كما قال الدكتور- في الخيال الشعري، والصورة الشعرية، والشكل العضوي الحي، ولغة الشعر، ما تزال تتردد في النقد الحديث كله حتى الآن؛ حتى عدها الناقد الكبير جورج سانتياجنا ثالث ثلاثة من أعظم النقاد، والاثنان اللذان سبقاه هما أرسطو ولونجينوس. وذكرنا ما قالوه فيه، وأن النقاد الأمريكيين المحدثين لا يشتغلون أو لا يدرسون إلا رجلين: كولريدج وأرسطو.

وعليكم السلام يا خالد ورحمة الله وبركاته. يا رجل، أنا أتباطأ حتى تأتي يا خالد، أستخسر أن أكمل في هذا الدرس وأنت غير موجود، أعلم شدة عنايتك به. الآن انطلق.

وقلنا هناك فريق آخر يرى أنه انتحل ذلك من الألمان؛ لأن كولريدج كان قد سافر إلى ألمانيا عام 1798م بقصد تعلم اللغة الألمانية ودراسة الأدب الألماني، ومكث هناك قرابة عامين والتحق فيها بجامعة، وظل في الجامعة عدة أشهر يدرس اللغويات. كما يقولون إنه تأثر في هذا بأمثال كانت من الألمان، وشيلر، وأوجست شليجل، وغير هؤلاء من الأسماء المشهورة.

فيقولون في الخلاصة: إنه سافر وتردد على محاضرات بعض الأساتذة في ذلك الوقت، وفي ذلك الوقت أخذ يقرأ أعمال كانت ويجمع المادة العلمية اللازمة لوضع كتاب عن الناقد والكاتب المسرحي ليسين. فعلاً، كولريدج إذاً له علاقة مباشرة بالثقافة الألمانية، لا شك في ذلك.

بعد ذلك حاول بعض الباحثين الدفاع عن ذلك؛ لأنهم يرون أنه نقل عبارات بنصها بقلمه هو على أنها له. يقول: وقد تتبع هذا النفر من الباحثين مواطن شتى من كتابات كولريدج النقدية وغيرها. دائماً يا إخوة اعرفوا واعلموا هذا: أي عالم أثر تأثيراً شديداً حتماً حوله جدل؛ هذه قاعدة لم تنخرم معي، تخيلوا قاعدة لم تنخرم، قضية لم تنخرم عندي. فاعرفوه جيداً؛ أي عالم أثر تأثيراً شديداً وكان شخصية قوية جدلية، شخصية مؤثرة بقوة، دار حوله الجدل واتهم فيما برز فيه.

المتنبي! المتنبي اتهم بالسرقة وبأنه ليس له شيء من الإبداع، بل قال عنه البعض ليس بشاعر أصلاً، بل هو ناظم. تخيلوا المتنبي! لكن هو المتنبي عنده حصون يدافع بها، ومنها أنه لو قال غيره ليس شاعراً، سيقولون: "أنت تافه". لكن الكبير الذي أثر تأثيراً حقيقياً، ليس بإيهام العامة كولريدج، أي شخص أثر تأثيراً حقيقياً سيقع له من يتهمه ويقع حوله الجدل وسيظل مؤثراً ومرجعاً، من هؤلاء المتنبي كما قلت، ومن هؤلاء أبو تمام لأنه أثر شديداً أيضاً، والبحتري.

فهكذا كولريدج هنا، تتبعوه وكتبوا كثيراً، فقالوا: وجدوا بعض عباراته، وقد تتبع بعض النفر من الباحثين مواطن شتى من كتابات كولريدج النقدية وغيرها وقارنوا بينها وبين مصادر الألمان، وأشاروا إلى ما اقتبسه منها ونقله عنها نقلاً يكاد يكون حرفياً بألفاظها وعباراتها وأمثلتها التوضيحية.

في الوقت نفسه يقول الدكتور: حاول بعض الباحثين الدفاع عن كولريدج وتبرير مسلكه هذا بحجج متعددة، منها أنه ضعفت ذاكرته بسبب اعتلال صحته وتعاطيه الأفيون. عاد الأفيون! هذا يشبه ما اتهم به طه حسين. لكن هل هو من ذلك؟ ضعف ذاكرته بسبب اعتلال صحته وتعاطيه الأفيون علاجاً لما كان يعانيه من بعض الأمراض؛ يعني كان يأخذ الأفيون علاجاً من بعض الأمراض العضوية وللتخفيف من آلامها.

ومنها أن عاداته في تدوين مذكراته من الممكن أن تكون هي التي ساقته إلى هذا الخطأ، واعتبار ما ترجمه من كلام غيره على أنه أفكاره الخاصة كان يدون. ومنها أنه اعترف -اعترافات متفرقة في كتاباته المنشورة وغير المنشورة- بنسبة تلك الآراء إلى أصحابها. مرة مثلاً أحدهم أخذ كلمة لي وأنا أشرح في قصيدة، وقلت فيها تفسيراً وشرحت شيئاً وقلت هذا بديع وهذا كذا، فأخذ هذا الموضع هذا الكذاب، وكان أكاديمياً، وقال: انظروا ينقل قول فلان وينسبه إلى نفسه. وأنا في مواضع أخرى قرأتها لفلان ونسبتها لفلان. أنا لست في كل مرة أنسبها على أنها قول لي؛ أحياناً أستعملها في شرح القصيدة، أنا عندما أقول الكلمة معناها كذا، هل هذا من عندي؟ لا، هذا معناه من اللغة كذلك. مثلاً تفسير شيء أقول: هذا يرمز به إلى كذا، أو هذا كناية عن كذا، أو هذه إشارة إلى كذا؛ قد يكون لي وهذا يظهر في الكلام إذا كان لي، وقد يكون لغيري، وفي موضع آخر نسبته لغيري. فهم يقولون هنا اعترافات متفرقة في كتاباته المنشورة وغير المنشورة بنسبة تلك الآراء إلى أصحابها. لا يمكن أن تنسب دوماً، لأن الإنسان الذي يتكلم كثيراً في الأدب وفي النقد لا يسير دائماً بالتوثيق، ليس الموضع الوحيد الذي يتكلم فيه، بل يتكلم على معهود، يعني أمراً أصبح موجوداً مفهوماً ومعروفاً.

قال: ومنها أنه لم تكن ثم حاجة، بل لم تكن ثم فرصة لذكر تلك المصادر في محاضرات عامة؛ يعني هو يؤمن بالفكرة وليس شرطاً أن يوثقها، لا ينقلها هنا على أنها له، بل ينتصر لها وخلاص.

قال: وإلى جانب ذلك فإنه كان قلقاً حقيقة ومشغولاً باتفاق الآخرين معه في آرائه، وكثيراً ما كان يشعر بأنه توصل إلى الأفكار والنتائج بجهده الخاص، ومع ذلك يلجأ حين عرضها وتقديمها إلى تأييد معاصريه من الألمان بذكر عباراتهم التي استخدموها. يعني كان يستخدم عباراتهم تأييداً لعبارته أو لرأيه؛ لأنه يعلم تقريباً علم الناس بهذه العبارة، فكان يؤيد رأيه هو باستخدام عبارات الآخرين. طبعاً هذا كلام يعرفه الدارسون، أما العامة والأوباش والمشغبون.

فلا يعرفون هذا. والدكتور يقول، مع تقدير أصحاب الرأي المعارض لكل هذه الحجج، فإنهم يرون أنهم لا يملكون دفعًا لما هو ثابت من اقتباسات حاسمة، استنسخ فيها... إلى آخره.

وفي الأخير، هو دكتور يعرض ويقول: وقع الجدل حول كوليرج، وهناك من اعترض على هذه الحجج التي احتج بها في أنه اقتبس آراء غيره، ثم بعد ذلك يناقش هذا الرد على الحجج والاعتراض: هل يصح أو لا يصح إلى آخره. وفي الأخير يقول: ونحن من جانبنا نرى أن ما عرضناه من قبل من مفاهيم وآراء نقدية، سواء كانت من قبيل تأثر كوليرج المشروع بالفلاسفة والنقاد الألمان، أم كانت انتحالًا لآرائهم وأفكارهم، سواء نسخها واقتبسها وانتحلها أو تأثر بها تأثرًا مشروعًا، نقول: نحن نرى أن ما عرضناه -بقطع النظر هل كان كذلك أو كان كذلك- تشكل مع آراء صديقه وردز وورث التي عرضناها من قبل مقومات أساسية لنظرية الأدب الرومانتيكية بما تكتمل به الصورة.

ولا نحتاج إلى ذكر آراء ناقد أو آخر من نقاد تلك المدرسة، فلسنا في مقام التاريخ الكامل لها، نحن لا نؤرخ ماذا حصل، نحن نحاول أن نجمع النظرية. فيقول لك الدكتور: لذلك قلت لكم احفظوا هذين الاسمين: وردز وورث وصديقه كوليرج، مجموع الآراء عند هذين يشكل الفلسفة الأولى الكاملة التي تفرعت عنها الأفكار والنظريات الرومانتيكية كلها؛ إذا أحطت بالرجلين فكله يرجع إلى هذه الفلسفة.

والقضية الكلية جداً المجملة: قضية اللغة، المشاعر، الطبيعة، لغة الشعر الفياض المشاعر، التعبير عن كذا، والغاية هي سلوك تطهير النفس من كذا وإكساب التعاطف مع الانفعالات البشرية، والربط بالطبيعة، والخيال الذي يسري في أجزاء القصيدة، ووحدة القصيدة، وهكذا. هذا كله، هذا المجموع، تتفرع عنه النظرية الرومانتيكية مهما تشظت؛ هذه مصطلحات النقد الحديث مهما تشظت سترجع هذه الشظية إلى هذا الجسم الكبير بشكل أو بآخر.

نأتي الآن إلى النقد الأدبي عند الرومانتيكيين، وأحسن صنيعًا هنا الدكتور -رحمه الله وجزاه خيرًا- بأنه لخصه شديدًا، قال لك: هذه الأفكار الرومانتيكية والدراسات التي أجريت في ظل هذه النظرية وهذه الأفكار جعلت النقد يتحول إلى عملية تفسير للعمل الأدبي تفسيرًا عمليًا.

لحظة، أول شيء: هل الرومانتيكية من الحداثة؟ هل الرومانتيكية داخلة في الحداثة؟ لأن الإخوة يتلخبطون، يخلطون بين الحديث والحداثة. الرومانتيكية ليست حداثة، الحداثة منقلبة على الرومانتيكية. خلاص.

إذاً الرومانتيكية عندها تفسير، كما عند العرب تفسير. أما الحداثة وما بعد الحداثة فليس عندهم تفسير، عندهم تعدد القراءات الذي هو خلق جديد، فلا يوجد مفسر، عندهم موت الناقد. عارفين موت الناقد؟ الناقد مات، ما فيش ناقد، أمال في إيه؟ في شاعر آخر، هناك مبدع آخر، وأخذوا يتكلمون في مراتب الإبداع: هل هو مبدع كالاول، أم مبدع درجة ثانية ودرجة ثالثة؟ مبدع آخر.

مرة نقدت نصًا لحداثي، وكان نقدًا لاذعًا للنص، الحقيقة لأنه ما كان نصًا. أختنا نور تقول: هؤلاء قضوا أعمارهم في الانقلابات. المهم، أحدهم كتب نصًا سخيفًا جدًا، ليس نصًا أصلاً، لا دلالة ولا تركيب ولا شيء، فعملت مجلسًا -ما زال موجودًا في اليوتيوب عندكم- ونقدته ووصلت إلى نصف القصيدة تقريبًا واشمأزت وتركت، كنت أريد أن أكمل القصيدة لم أستطع، غثيان.

فإذا بصاحب النص المعد عندهم شاعر يثور على الصفحات ويقول: أبو قيس لم يفهم كلامي، لم يفهم نصي! فقلت: لماذا؟ معنى أنني نقدت ما فهمت؟ فإذن نقدت فهمي وأنا مبدع جديد! لأن البعض علق له بأن النص -أو هكذا يقول الحداثيون- كل قراءة جديدة هي تعبر عن صاحبها وهي إبداع جديد. وكلام جميل جدًا، ويمكن أن يقرأ النص بأكثر من معنى وبأكثر من جهة، وكل جهة... طب يا عم، أنا لما نقدت نقدت فهمي، أنا نقدت نصي، أنا نقدت إبداعي، أنا لماذا تقول لم يفهمي؟ لماذا أفهمك؟ أنا أفهم فهمي، أنا أفهم أبا قيس الذي فهم النص، ولما أنتقد أنتقد نصي، فأنت لماذا لم تقل هو ينقد فهمه؟ ينقد إبداعه الخاص! خلاص، ينقد ما رآه هو من النص، لا ينقد النص الذي أفهمه أنا.

طب خلاص، وما نزعلش من بعض. عندهم مشكلة، وهنا ترون الكلمة الثانية: "التفسير العلمي". معنى علمي يعني يدخل في علوم الإنسان، يدخل في مجال العلوم الطبيعية أو العلوم الإنسانية، هذا معنى تفسير علمي يا إخوة، ليس معنى تفسير علمي يعني باللغة، الآخر يسمونه تفسيرًا لغويًا، انتبه وأنت تقرأ هذه الكتب.

تفسير لغوي، نعم، مطلوب التصفيق فقط، أحسنت. والله أنا مرة خرفت بنص، صفق لي. وأنت ربما حضرتِ هذه الحادثة يا أختنا نور: "أمشِي على الماءِ لا ظلٌ يؤرقني.. ولا يذوبُ على إحداقي الغسقُ حتى أتت تحت بي فرشاةُ أجنحتي.. ما بين ضلع الهوى والبهو تنخرقُ"

يحثني ومش عارف إيه... والله العظيم البعض قال: "حلقت بنا في فضاء الفن!"، قلت له: حلقت مين يا ابني؟ أنا لم أقل شيئًا، يخرب بيوتكم، لم أقل شيئًا! حلقت فين؟ ما حلقتش، ما رحتش، ما جيتش. وعلى مذهب أهل الشرقية عندنا: مش رحت، مش جيت، مش حلقت. ما حلقتش يا حبيبي، ما رحتش في حتة، لا رحت ولا جيت.

يا جماعة يقول لك: "حلقت بنا في سماء الفن يهوي". ده هم أربع أبيات كتبتهم في دقيقتين، اخترت الوزن والقافية ونظمت لا معنى لها، أربعة أبيات لا معنى لها. أنا قلت سأضبط فقط الصورة النحوية والصرفية والحكم النحوي والوزن والقافية، بس كده.

أمشِي على الماءِ إلى ظلٍ يؤرقني، يعني إيه؟ مالهاش معنى. ولا يذوبُ على إحداقي الغسقُ، مالهاش معنى. حتى أتت تحت بي فرشاةُ أجنحتي، يعني إيه؟ ظللت أمشي على الماء إلى ظل يؤرقني ولا يذوب على إحداقي الغسق حتى أتت تحت بي فرشاة أجنحتي، مالهاش معنى. ما بين ضلع الهوى والبهو تنخرقُ، دي فرشاة أجنحتي ما بين ضلع الهوى والبهو تنخرقُ، حلقت بنا في سماء الفن! أنت فاهم حاجة؟ أنت بجد فاهم؟ ما فيش كلام اتقال، ما فيش كلام اتقال، متعصب ليه؟ المفروض ماتعصبش، بتستهلك أعصابي على الفاضي، ما فيش كلام اتقال.

ما فيش كلام اتقال، لا يوجد كلام. حلقت إزاي؟ قولي أنت فهمت إيه، ماذا فهمت؟ أنا لم أفهم، أنا اللي قلته مش فاهم حاجة. أنا اللي قلت اللغو، هذا اللغو الذي لا يطلق عليه كلامًا نحويًا أصلًا.

لا أفهم شيئًا، أنت ماذا فهمت؟ ماذا فهمت؟ أنا المتكلم صاحب النص لم أقل شيئًا، لا أفهم شيئًا. إذاً هذا تفسير علمي؛ ما معنى علمي؟ ليس معناه اللغة يا إخوة، حتى تفهموا مصطلحات هذه الكتب. التفسير العلمي يعني باستعمال العلوم الطبيعية أو العلوم الإنسانية؛ هذا معنى العلمي، لأن هذا جاء مع أوروبا الحديثة.

لا تنسوا اسم الكتاب: «دراسة في المدارس النقدية الحديثة». فكان من ضمن المؤثرات الحديثة، لو تذكرون، الثورة الصناعية وكان معها ثورة علمية، فهذا الاتجاه دعمه في أوروبا اتجاه العلوم. انفجرت وصارت العلوم، وصار هناك علماء وكذا وكذا، فمما حرضهم على هذا الثورة العلمية. طبعًا هذا موجود بتفاصيل في كتب أخرى، هناك كتب موسعة جدًا عن هذه المذاهب، وهناك حتى كتابات الدكتور شوقي ضيف أيضًا فيها نوع من التوسع مثل هذا الكلام.

هل التفسير العلمي للقرآن من هذا الوجه؟ على الجملة نعم، اسمه تفسير علمي؛ لأنه يبين اللغوي تفسيرًا علميًا. أحسنت، لكن ماذا أقول على الجملة؟ لأن العلم عندهم أصبح علوم الفلك والرياضيات والحسابات؛ العلم الذي استعمل هنا فروعًا أخرى، لكن هي المقصودة، فروع العلوم كلها، ليست تفسيرًا لغويًا. فهمتم؟ هو علم، علوم، العلوم الطبيعية، العلوم الإنسانية، العلوم الكذا. يدخل هنا العلوم الطبيعية بالمناسبة، وهناك كتب فصلت في هذا الذين يفسرون، سأوضح عند المذهب هنا.

لكن عندنا في الجملة نوعان من العلوم: علوم طبيعية وعلوم إنسانية، وكلاهما يستعمل. حتى جاء من عند هذا المفهوم جاءت مقولتهم بأن اللغة كائن حي يخلق ويأخذ حياته ويموت. هذا الكلام لا يلزمنا يا حبيبي؛ اللغة العربية عندنا ستبقى إلى أن يبعث الله الأرض ومن عليها، لأنها مرتبطة بكتاب خالد، ولأنها لغة لا تحتاج إلى أن تبلى أو لا تفقد عناصر أو مقومات الحياة. خلاص، قالوا اللغة كائن حي يولد وينضج ويموت. أيضًا من هذا الباب التفسيري العلمي تفصيله في كتب أخرى، لا أريد أن أزحم رؤوسكم بالفكرة.

فمعنى التفسير العلمي -انتبهوا لا تقل مثلاً ما يا أبا قيس ما المشكلة ما هذا تفسير علمي وأنت تفسر الأدب وتحلل بتحليل علمي أيضًا، يعني تعلل الجودة بتفسيرات علمية- لا، ما عندي، اسمه لغوي في اصطلاحهم، اسمه لغوي، تحليل لغوي وبلاغي، انتبه، تحليل لغوي وبلاغي وبياني، لغوي أو بلاغي أو بياني. أما علمي يعني يستعمل العلوم في تفسير الشعر، يعلل النص بالعلوم، يعلل مذهب الشاعر بالعلوم، يعلل الموضوعات بالعلوم. خلاص.

قال: فقد تحول النقد عندها عند هذه الفكرة أو عند هذه الطائفة إلى عملية تفسير للعمل الأدبي تفسيرًا علميًا. كما قلنا من قبل، وفي هذا المجال يرصد الباحثون اتجاهين كبيرين. شوف يا إخوة، احفظ هذه الأسماء الثلاثة: عندك مدام ديستال ومعها هيبوليتين، مدام ديستال وهيبوليتين، مش مهم تين وخلاص أو عرب كما تشاء في الأسماء الأعجمية، المهم أن يسهل أن تتذكر اسمه. مدام ديستال الفرنسية التي تعلمت من الألمان، وهيبوليتين، وعندك الاسم الثالث سانت بيف، وهذا أهم، سانت بيف، وهذا أهم. هذا نقد فرنسي وستعرف الآن لماذا هذا أهم.

يقول: رصد الباحثون اتجاهين كبيرين، أحدهما يربط العمل الأدبي بالبيئة والمجتمع؛ يربط العمل بالبيئة والمجتمع، يعني الشاعر ابن بيئته أكثر من كونه ابن نفسه. طب هنا بقى البيئة ما المقصود بها؟ السياسة والاقتصاد، وانظر وبعضهم يتطرف يدخل فيها العرق، الجنس، يعني الجنس الفلاني يختلف عن الجنس الفلاني. طب ما ممكن تقول لك هنا ما العرب هنا، فأنت ممكن تتعامل هنا مع هذه النظرية بحرص وباستفادة، لكن بحرص مما سيأتون به، لا تؤمن بالفلسفة لكن يمكن أن تستعمل الإجراء.

يقول فمدام ديستال، ومن أكبر الداعين إلى هذا الاتجاه مدام ديستال وهيبوليتين. فمدام ديستال، طبعًا هيبوليتين هذا ولد عام 1828 وتوفي عام 1893، يعني بعد مدام ديستال. مدام ديستال كانت مع شليجل إخواني، فمدام ديستال مع إيمانها بأن الأدب ثمرة تفكير الكاتب وعبقريته -الكتاب ثمرة تفكير الكاتب وعبقريته مثل الرومانتيكيين جميعًا، كل ما يتفق في هذا- ذهبت في دراستها إلى تفسير الإنتاج الأدبي بتأثره بالنظم الاجتماعية السائدة من صور الحكم ومن الدين والعادات، وما يتبع ذلك من نظم الحياة وطرقها التي تؤثر في الفكر والإحساس والذوق. وبعبارة أخرى: الأدب صورة للمجتمع، باختصار: الأدب صورة للمجتمع.

ويتفق هيبوليتين مع مدام ديستال في تأثر الأدب بالبيئة والمجتمع، لكنه يتوسع، يتطرف أكثر، يتوسع في ذكر العوامل المؤثرة في الإنتاج الأدبي ويجعل ثلاثة: الجنس، والبيئة، والميراث الثقافي للأمة؛ الجنس والبيئة والميراث الثقافي للأمة أو تأثير الماضي على الحاضر، ويرى أن أقواها جميعًا هو الجنس.

ذلك أن كل جنس -نص دكتور محمد غنيم هلال- ذلك أن كل جنس من الأجناس البشرية خضع لعوامل واحدة من البيئة الطبيعية ونظام الحكم والعادات والتقاليد، وقد امتد هذا الخضوع إلى الوراء في التاريخ قرونًا سحيقة لا سبيل إلى إحصائها ولا إلى دراستها. وبتحثير هذا الخضوع الطويل اكتسب الجنس صفات مشتركة، ونزلت منه منزلة الغرائز الفطرية التي لا سبيل إلى محوها. والمراد بالبيئة ما يحيط بالجنس من عوامل الطبيعة أو من عوامل طبيعية ترجع إلى حالة الإقليم الذي يسكنه -قلته سندخل في بعض العلوم الطبيعية- وترجع إلى عوامل سياسية واجتماعية تؤثر في فكره.

أما الميراث الثقافي فهو الأعمال الأدبية التي أبدعها أدباء الأمة في الجنس الأدبي المعين خلال العصور الماضية، بكل ما لها من تقاليد فنية من كلامهم من النقاد، يشبه هذا نقاد العرب في الكشف عن فطرة العرب في الشعر وطريقتهم في الشعر، من حازم القرطاجني. حازم القرطاجني في صدر المنهاج يذكر البيئة العربية واللطافة وكذا، ومن هؤلاء في المعاصرين، ولكنه يرجعه أيضًا إلى الخلقة، الفطرة، خلقة العربي، مصطفى صادق الرافعي. مصطفى صادق الرافعي في تاريخ أدب العرب يتكلم عن العرب أنهم أفضل الناس حتى في الخلقة والتكوين وكذا وكذا، وأن تكوينهم وبيئتهم وكذا، كل هذا يؤثر في شاعريتهم. والقرطاجني تحدث عن هذا، تحدث عن أجواء العرب وبيئاتهم وكذا والهواء الطلق.

والأماكن المفتوحة، وأن هذا كله مؤثر في العرب ويجعل شعرهم أفضل من شعر من يعيشون في بيئات أخرى منغلقة وأحوالها كذا وكذا، ونحن لا يمكن أن ننفي تأثير البيئة بحال من الأحوال. حتى نفهم هذا، لا يمكن أن ننفي تأثير البيئة بحال من الأحوال.

أختنا تقول: ابن جني له آراء تشبه هذا، لكن يرجع ذلك لتأثير اللغة؛ لأن ابن جني ربما يرى أن اللغة هي التي بدأت وليست ثمرة عنهم. هو في كتابه «الخصائص» تحدث طويلاً في هذه المسألة، ونقلها عنه السيوطي في «الاقتراح» و«المزهر»، مسألة أسبقية اللغة، ومسألة هل اللغة توقيفية أم اصطلاحية؟ نعم، لا شك أن البيئة تؤثر في اللغة يا إخوة، ولا شك أن البيئات العامة تؤثر كذلك.

ولا شك أن العرب، أو العلماء قديماً، لشيء ما تركوا الاستشهاد بشعر من سكن الحضارات والأرياف القريبة من العرب أو المتاخمة للعرب، وأن القبائل التي تاخمت في العراق والشام لغير العرب لم يستدل بشعرها في البيان، لكن لم يستدل بها في النحو والصرف والمعرب، نعم، أو كما نقول في العربية والمعرب. فلا شك أن البيئة مؤثرة.

ما مشكلة الرومانتيكي أنه يظل مشغولاً بالبيئة أصلاً، لا يعامل النص، يظل يفسر ويربط هذا بهذا بقوة حتى ربما حرف النص، وحتى أهمل بلاغة النص وصار النص يقوم بموافقة البيئة، وربما سيأتي هذا في كلام الدكتور بعد ذلك في آخر هذه البحوث.

الاتجاه الثاني يا إخوة، يفسر العمل الأدبي بربطه بالمؤلف، أي بالسيرة الذاتية. سؤال: أنتم من دراستكم للرومانتيكية سترون الاتجاه النقدي السائد فيها، أكثر هل الذي يربط بالمؤلف أم بالبيئة والمجتمع؟ بما عرفتموه، يربط بالشاعر نفسه وسيرته الذاتية أم بالبيئة والمجتمع؟ يربط بالمؤلف، ولهذا قلت لكم انتبهوا إلى الاسم الثاني: «سانت بيف»، لأن هذا هو الذي جرى مذهبه وجاء إلى العقاد بعد ذلك.

قال: الاتجاه الثاني يفسر العمل الأدبي بربطه بالمؤلف، وأبرز ممثليه الناقد الفرنسي «سانت بيف» الذي ولد عام 1804 وتوفي عام 1869. أختنا إيثار تقول: النظريات العلمية أقرب لعلم النفس وعلم الاجتماع، لكنها ليست نقداً؛ لأنه إذا التقت القصيدتان في الدوافع، فلا؛ أنا مالي بدوافع الشاعر؟ يعني أنا العربي، يا أبا قيس ما مشكلتك؟

أنا دائماً أضع نفسي الطرف المعترض عليه، العربي، لأجري الحوار المتخيل: يا أبا قيس أنت الآن ما اعتراضك على هذا؟ لماذا لا يرتبط الشعر بحياة المؤلف؟ لماذا لا يرتبط الشعر ببيئة المؤلف؟ أقول له: لا بأس، إن شاء الله يكون نصف القصيدة ارتباطاً بالبيئة والنصف الآخر ارتباطاً بالسيرة الذاتية، أنا مالي؟ يرتبط الشعر عندي في الأخير في تقويمه: هل جاء بليغاً أو لا؟ أبان عن طريق اللغة أو لا؟

ما مشكلة هذه المذاهب أنها تقوم النص وتفسره وتقومه بحياة المؤلف أو ببيئة المؤلف؟ وهنا ركزوا معي يا إخوة، بعد أن أنتهي سأوضح نماذج على فساد هذا الاتجاه الثاني الذي يفسر العمل الأدبي بربطه بمؤلفه، وأبرز ممثليه الناقد الفرنسي «سانت بيف» الذي ذهب إلى أن وظيفة النقد الأدبي هي النفاذ إلى ذات المؤلف واستشفاف روحه من وراء عباراته بحيث يفهمه قرضاؤه، وفي ذلك يضع الناقد نفسه موضع الكاتب، أو كما يقول هو: «يجب أن يؤخذ من دواة كل مؤلف الحبر الذي يراد رسمه به»، يعني شعره. إذا وافق حياته ودل عليها كان جيداً. أنا ممكن عندي يدل عليها، لكن حياتك تافهة وشعرك تافه!

هذا ما وقع فيه النقاد المعاصرون الرومانتيكيون كالعقاد، لما ألف كتاب «ابن الرومي حياته من شعره»، جعل الشاعر كلما دل شعره على حياته كان الشعر أحسن، ونقول له: لا. ومن هنا جاء مصطفى صادق الرافعي في مقالات كتبها، وجمعها له صديقنا الدكتور وليد الكساب في كتاب اسمه «المقالات المجهولة للرافعي».

حتى من احتفائي بالكتاب اشتريت نسختين «المقالات المجهولة للرافعي» لأخينا الكريم الدكتور وليد كساب، هذا موجود عندي على الصفحة لأن مختص في الرافعي. رد الرافعي في بعض مقالاته على كلام العقاد في ابن الرومي بتضعيف شعره في كثير من المواضع، بل قال: «كل طواله ذهبت لا تروى، وإنما تروى قصاره ومقطعاته وأبياته». ونقد مذهب ابن الرومي لأن العقاد كان يرى أن شعره من حياته، والرافعي لا يرى هذا، بل يرى لغة؛ لابد أن أرى لغة أمامي.

عرفتم أين المشكلة؟ انظر: «وظيفة النقد الأدبي النفاذ إلى ذات المؤلف واستشفاف روحه»، ركز في الكلام حتى تفهم القضية، لأن ممكن واحد يقول لك: ما المشكلة؟ ما هو الكلام صحيح، أليس الشعر بياناً؟ أليس الشعر يبين عما في النفس؟ آه، بس لا تجعل إبانته عما في النفس حاكمة على جودته. نحن نرى ما الذي أبان عنه لنرى هل الذي أبان عنه كان شريفاً رفيعاً أو لا؟ هذا هو، ليس مجرد إبانة.

ما الرجل الذي في الشاعر في الشارع؟ يبين الرجل في الطريق المسكين العادي، يبين ما هو؟ الرومانتيكية تقول لك: الشعر في كل الناس، هذا الرجل البسيط الريفي -تذكر ووردزورث ووارفورت - أهل الريف، هذا الريفي الجميل الهادئ المتغني بالألم شاعر؛ لأنه عبر عنها بصفاء ومباشرة وجمال، فما هو عندهم شاعر! ولهذا الشعراء الرومانتيكيون كثر، كما الحداثيون كثر. ليست القضية ماذا عبر، نحن عندنا كيف عبر؟ وهل الذي عبر عنه رفيع أو لا؟ رتب البيان.

انظر: «وظيفة النقد الأدبي النفاذ إلى ذات المؤلف واستشفاف روحه من وراء عباراته بحيث يفهمه قرضاؤه، وفي ذلك يضع الناقد نفسه موضع الكاتب»، أو كما يقول هو: «يجب أن يؤخذ من دواة كل مؤلف الحبر الذي يراد رسمه به». والله يعني أنا أنظر إلى ما في نفسك لأعذرك في أدواتك، وبما أن ما في نفسك يطابق الأدوات اللغوية إذاً شعرك جيد. ولو النبي! وهذا المذهب تسرب إلى حتى علماء كبار من اللسانيين، ربطوا الأداة بما تريد، ويتجاوزون بذلك الحكم بالصحة إلى الحكم بالعلو.

مش مسألة دقيقة.. سيدي الوالد الكريم الدكتور سعد مصلح، كان قد لما زرت الكويت ودعاني وكنت في كنفه يوماً كاملاً جميلاً.

وفي كنف السيدة الجليلة الكريمة، حرمة المصون إلهام المفتي، حدثني عن قصيدة "الصبية" لشوقي، وقال: أريد أن تكتب نقداً عليها. فقلت: حاضر، وكتبت نقداً عليها وشرحاً واستجلاءً بيانياً، وخلصت فيها إلى أن القصيدة متوسطة، عادية، ليست شيئاً رفيعاً، بل هي تحت المستوى، وكتبت كل هذا في صورة ملزمة أو كتاب.

ولما نزل إلى مصر، ذهبت في زيارة إليه وأريته، فنظر فيها وكذا ونظر لي وقال: توقعت منك هذا. فقلت في نفسي، وأنا أعلم أنك تتوقع مني هذا وكنت تنتظره. فأخذنا نتناقش، كنت جالساً أنا وهو، الوالد الكريم والسيد الجليل، بعد أن تغديت طعاماً شامياً صنعته السيدة الكريمة الجليلة إلهام المفتي، وهي من طلابه في الجامعة، وبالمناسبة هي دكتورة في البلاغة كذلك.

بعد أن تغديت وجلسنا، وأنا ولد من أولاده، ابن من أبنائه وتلميذ من تلامذته، وفضله علي قائم ومستمر، وفضل سنه علي وفضل والديه رضي الله عنهما، أما العلم والنقاش فهذا فيه أخذ ورد وبابه مفتوح. فبعد أن تكلمنا في هذا، قال لي: توقعت هذا. فقلت له: يا أستاذ، أنا أشعر أن هناك مشكلة، هناك مفارقة بيننا، أريد أن نصل إليها. فظللنا نتناقش وأطرح أسئلة ويطرح جوابات، وأناقش بحكم أنه هو الكبير، فماذا لو انتهينا إلى شيء، لما وصلنا إليه قلنا في نفس واحد: آه! هذا ما نختلف فيه.

اختلفنا في ماذا؟ اختلفنا في أن الشاعر إذا أراد أن يعبر عن رتبة معينة، سقف معين من المعنى، فأصاب فيه فهو شاعر رفيع. وأنا قلت: هذا يدل على الإصابة، لكن لا يدل على الشاعرية الفحلة، إلا النص أو الرتبة البيانية حينما تُعصر وتَعلو وتحتاج إلى عمل كبير. وأرى أن القدماء يوافقونني في هذا؛ لأنهم شرطوا في تقويم الشاعر أن تكون قصائده شريفة المعنى وأن تكون طويلة، ونظروا إلى تعدد القصائد الفحلة الطويلة، فهذا يدل على أنهم نظروا إلى مظنة تعثر الشاعر في البيان العالي. فقلت له: آه، هذا ما نختلف فيه.

طبعاً عمر هنا لو أصاب، بل هو يقصد أن شوقي لأنه أصاب في الكلام على الطفل أو على الأطفال بهذه الصورة والتصوير، فهذا يدل على الإصابة، إلا إذا كان هناك تفاصيل أخرى تغيب. مجلس كهذا، زيارة، لا يكفي؛ الكلام مع العلماء يحتاج إلى تفاصيل أكثر، وربما هناك مسألة هو أجملها، يكون الشيطان قابعاً فيها أصلاً؛ ربما هو يرى في هذه الرتبة دقة لا يخلص إليها إنسان مثلاً.

المهم، فقال: آه، هذا ما نختلف فيه. أنا أرى أن المعنى لا بد وأن يتطلب حتى يفحل ويكون اختباراً للشاعر، لا بد وأن يكون مما جاء على رتبة يسقط دونها الكبار، أو من ليس على قدرها وقدرها، ففهمتم؟

هذه الفكرة لها جذور عند سانت بيف، وهي ماذا؟ الربط بالمؤلف أو الربط بالغاية بقطع النظر عن رتبة الغاية. الربط بالغاية، ما هو في نقطة أنا تحققت في كتاب "التأسيس لأصول الفن الشعري عند العرب" أن المعاني كلها متاحة، لكن من المعاني ما يضيق المجال. مثلاً، الشعر العذري أو الشعر الغزلي، باب تظهر فيه الفحولة لكن ليس باباً تستفحل فيه، لأن علو الكلام جداً يخالف مقتضى الخطاب في الغزل. المرأة ليست هي التي تخاطبها بك؛ الغرض من الغزل هو التأثير في المرأة، وكلام عمر بن أبي ربيعة للمرأة لا يصح أن يكون عالياً جداً أو بليغاً جداً، لأن الغزل في الأخير سيظل قريباً من الكلام المحكي المباشر للمرأة.

ولذلك أنا نبهت في كتابي، في المقدمة الجديدة لكتاب "مدرسة الغزل"، إلى أن ما عند امرئ القيس ليس بغزل. امرؤ القيس يحكي أشياء حصلت، لا يتغزل. امرؤ القيس ليس يتغزل في أبياته التي جاءت في المعلقة أو غيرها، بل يحكي أشياء وقعت، يكلمنا نحن بها لا يكلمها هي. لما يقول مثلاً:

سموتُ إليها بعدما نام أهلها *** سموَّ حبابِ الماءِ حالاً على حالِ فقالت سباك الله إنك فاضحي *** ألسْتَ ترى السمارَ والناسَ أحوالي؟ فقلتُ يمين الله أبرحُ قاعداً *** ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي

حلف، حلف لها بالله، هذا ليس غزلاً، إنما هو عمر. سواء منها من النساء أو منهم:

قالت الصغرى قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ *** قالت الصغرى: هذا عمر! قالت الصغرى: وقد تيمتها *** قد عرفناه، هل يخفى القمر؟ وناهدها الثديين قلتُ لها: *** أتكي على الرمل في ديمومةٍ لم تمهدي؟ فقالت: على اسم الله أمرك طاعةً *** وإن كنت قد كلفت ما لم أعُدِ

أما ما عند امرئ القيس ليس بغزل، حتى لما قال:

ويوم دخلتُ الخدر خدر عنيزةٍ *** فقالت لك الويلات إنك مرجلي

هذا ليس غزلاً، وحتى ما وقع من عبارتها ما فيه التبع أو التدلل ليس في سياق الغزل أصلاً. رأيتم تقول:

وقد مال الغبيط بنا عن عُقَيْرِ *** يا امرأ القيس فأنزلي

هذا في السياق؛ "مال الغبيط" سيقع، تخيلوا الغبيط يقع وهي تقول "تعجل"، يصور صورة من اللهو، وهذا فيه شرف المعنى مفتوح، تقول:

تكرر، وقد مال الغبيط بنا *** معه بعد كل ما سبق

بسبب كثرة لهو معه، مال الغبيط، فهي تقول: "عقر بعيري يا امرأ القيس فأنزلي"، فهذا ليس غزلاً.

فالمعنى له سقف؛ بعض المعاني كالهجاء سقفه مفتوح، والفخر سقفه مفتوح، والرثاء سقفهم مفتوح. فكذلك بعض المعاني عند الشاعر سقفها مفتوح. لا بأس أن نقول عبر تعبيراً صحيحاً مائة بالمائة، لا شك، لكن هذا المائة بالمائة، أين مرتبته على مؤشر الفحول؟ الزيادة!

مرة أخرى الجهه منفكة، انتبهوا؛ البعض يحسب أنه الصواب طالما صواب تماماً يبقى صواباً. لا، الرجل الحكيم يتكلم بالصواب تماماً، أما الموظف الذي يعمل في خدمة العملاء فيتكلم بالصواب تماماً. بعد الصواب التمام، ما رتبته؟ عمر بن أبي ربيعة يتكلم بالصواب، غالباً ما رتبته بعد كونه صواباً؟ فهمتم؟

عند سانت بيف موجودة الفكرة، ولذلك قلت لكم هي موجودة متجذرة في تاريخنا. أنا الآن مثلاً تناقشت مع الدكتور سعد مصلح، وقلت في بيته، وأكلت طعامه، ووالد كريم، وخالفته وتخالفنا، وهو قال: نحن هنا نختلف. هو نفسه قال: ليه؟ هنا نقطة الخلاف، بل سعدنا بتحرير نقطة الخلاف. هذا يدلك على أن الاختلاف ليس معناه عدم الاحترام، وليس من عدم التقدير، فالرجل عالم.

عالم كبير اختلف معه في هذا، وأقول هو فيها أو هذه من عروق المذهب الفلاني، وهو عالم كبير مهما كان. التعامل مع المذهب شيء، ومع الأشخاص شيء آخر. العالم عالم، والباحث باحث، والمحترم محترم. والتقاليد والقيود في احترام وإجلال الأشخاص قائمة مهما اختلفت معهم، فلا تفعل كهؤلاء الحدثاء الأسنان النابتة الذين يهينون من يخالفونهم مهما كان سنهم وقدرهم، إياكم من هذا.

يقول: «يجب أن يؤخذ من دواة كل مؤلف الحبر الذي يراد رسمه به»، أنا أقول: لا. أنا أنظر في قول «كل مؤلف بالدوات التي نكتب منها جميعًا»، وهي اللغة، فهمتم الفرق؟ هو يقول: انظر إلى مراده، وإذا طابقت مراده فالكلام صائب؛ هذا هو الرومانتيكي.

الدكتور عبد القدوس كان يشكو لي ممن يناقشه، وهذا بالضبط ما سأقول الآن، وهذا مثال واقعي. شكى لمرات من أناس يتابعهم في الشعر، يقول لهم هذه العبارة غير صحيحة، أو هذه العبارة لا تدل على المعنى بطريقة صحيحة، فيكون الرد عليه: «ولكنها عبرت عني!».

عبرت عنك غلط يا أخي، هو أنت تكلمني ولا تكلم نفسك؟ لو تكلم نفسك قل كما شئت، لكن أول ما تكلمني تكلمني بلغة تواصلية، أنت هكذا في اللغة وبصفة التواصل أخطأت. يقول: هذا الرد يعصبني جدًا، يقول: «ولكنها عبرت عني»، يعني هذا يكفي في صحتها! في صحتك وفي الذي جواك؟ عبرت عن المعنى أو لا؟ أنا لست ملزمًا بالمعنى في دلالته في نفسك، هذا خطأ في اللغة ولا يصح.

ما هو ممكن واحد يخطئ في الإعراب يقول لك: «ما أعرب عما في نفسي، مش مهم كيف، مش مهم!». الإعراب خطأ، يعني سقط الكلام. أنت تحدثني بلغة وسيطة عربية فلها أصول نتكلم بها، أنا هكذا كلامك عندي ليس كلامًا، لا أفهمه؛ إذا خالفت الأصول والقواعد لا أفهمه.

انظر، أنا شرحت لك هذا الآن، وهذا هو عينه الذي أقوله. يفسر عند البعض بمذهب أبي قيس، أنه أصولي راديكالي في اللغة من التقليديين الجامدين. رأيتم يا إخوة؟ هذا الذي أكلمكم به، وهو المنطق؛ المنطق يعني العقل. يقولون هذا هو الجمود على القديم، وهذا هو التقليدية والشدة والراديكالية الأصولية في الشعر وفي اللغة، لا؛ هذه محافظة على اللغة وانطلاق بعدها، هذه الكلاسيكية. ما لنا علاقة بالكلاسيكية، نحن لنا علاقة بالمنطق.

أنت يا أوروبي يا رومانتيكي، لو أن اللغة التي تتكلم بها عبرت عنك أنت فقط، فأنت مخطئ. من يبحث عن مرادك أنت ليقوم شعرك مخطئ، الصواب أن يحاكمك إلى اللغة الإنجليزية أو الفرنسية التي قلت عليها الشعر. فهمتم؟ هذه مشكلة يا إخوة.

يقول: «فالناقد على حد تعبيره يعلم الآخرين كيف يقرأون»، ويعتمد الناقد في ذلك على الملحوظات الدقيقة. شوف المشكلة، المشكلة في الملحوظات الدقيقة في حياة المؤلف. عرفت الآن من أين خرج مذهب فلان؟ حياته وشعره؛ حياته وشعره. الذي بدأه العقاد بعنوان الكتاب «ابن الرومي: حياته من شعره».

أنا لما أتعامل مع نص، كيف أتعامل مع نص فقط؟ ومن هنا أبطلت لكم قصة المتجردة لأن النص لا يؤيدها. الذين يسيرون بهذا المنهج ذهبوا إلى رواية المتجردة وقالوا إن الهمام هو النعمان، فتقول لي: ما هم قدماء؟ أقول لك: خلد مهما كان خلد. وهناك من العلماء من يرفض هذا ويقول: «إنما الشعر إنما هو قول المقاصد»، كما في صاحب الوساطة ومثل هذا مقتضى كل مذهب عبد القاهر من أوله إلى آخره. ومن قال لك إن هذه الروايات تعتمد عند أهل البيان؟ هو أنت فاكر عبد القاهر أو الزمخشري أو السكاكي لما يفسرون الشعر سيأتون بالقصص يحملون الشعر عليه؟ هذا ليس عمل البلاغيين يا أستاذ.

اذهب إلى الشرح الذي طبع بالسعودية قريبًا، شرح عبد القاهر على قطعة من ديوان المتنبي؛ بالضبط يلوون القصة ليطاوع النص، ليطاوع القصة. اذهب إلى شرح عبد القاهر على قطعة من ديوان المتنبي وانظر هذا الشرح كيف يكون. انظر كيف كان إذا ذكر شيئًا فبعد النص وبعد كذا وبعد كذا، مش يقول لك: «وهنا قال الشعر في كذا وقاله في كذا». والمانتيكيون يفعلون هذا، يأتون بالملابسات ليفسروا بها النص، يأتون بالقصص المحيطة بالشاعر في حياته الشخصية ليفسروا بها النص.

فهمتم؟ هذا هو. ويعتمد الناقد في ذلك على الملحوظات الدقيقة من حياة المؤلف، أنا لا تلزمني حياة المؤلف، تلزمني اللغة المشتركة بيني وبين المؤلف. أنا لا تلزمني حياة المؤلف، تلزمني اللغة الدقيقة بيني وبين المؤلف. ولست على النقيض من الآخر، الحداثي أو ما بعد الحداثة الذي يقول بموت المؤلف، موت الناقد بل بموت المؤلف أيضًا. لا طبعًا، الناقد ما زال موجودًا شارحًا يتحاكم إلى ميزان مشترك.

هذا الوسط بيننا وبينهم، هذا موقعنا، هو الوسط بين الرومانتيكية والحداثة وما بعد الحداثة. لا نقول بموت مؤلف ولا بموت ناقد، ولا نقول نفسر الشعر من حياته، وإنما عندنا نص بيننا وبين المؤلف. أنا لما أفسر النص بمقتضى لغة النص أقول: هذا ما أراده المؤلف. طيب لو قال لك المؤلف: "أردت شيئًا آخر فظهر هكذا"، فقد أخطأت يا مؤلف؛ استعملت اللغة في غير موضعها. الموضوع بسيط.

قال لما أريد أن أشرح قصيدة بدر وأعلق عليها مرة، قال أحدهم: «ألا تخاف أن تشرح قصيدة شاعر حي؟». قلت: لماذا أخاف؟ قال: «سيخطئك». قلت: إذا خطأني فإما أنا مخطئ وإما هو مخطئ. قلت: أنا مستعد أن أشرحها أمامه وهو جالس، فإذا عارضني في شيء احتكمنا إلى اللغة والبيان والتراكيب وخصائص التراكيب، فإما أن أكون أنا مخطئًا في التفسير أو هو مخطئ في التفسير، ونحن وهو بيننا النص، فلماذا أخاف؟

يقول لك: النص والمؤلف حي، هو المؤلف إذا قال قصدت كذا يبقى هو الصواب؟ لا طبعًا. إذا لو أنني الآن أتكلم وقال لي بدر الدريع أو غيره ممن أشرح قصيدة له أو أنقدها: "إنما قصدت كذا"، سأقول له: أخطأت في نظري، أو يقول لي: أخطأت، المهم سيخطئ أحدنا الآخر بناء على النص على اللغة، خلاص.

وهذا حصل، جلست مرة مع بدر الدريع، وخطعته في: «أتى تثنى بالصليب ولو تثنى لمفتي قتل عيسى لاستتاب». قلت له: أخطأت. نعم بالضبط، هذا هو. فجادل في هذا قال: «استتاب»، يعني قلت له: أنا أفهمك، أفهم ما وقع في نفسك، أفهم ما تريد، لكن خطأ التعبير. أهو الشاعر أمامي ويقول لي قصدت كذا؟ قلت له: أخطأت التعبير. أخطأت التعبير، لو مثلاً نقدته في فؤادك، أنا أنقد هذا المطلب، فؤادك أولى بالعتاب.

إتيانك بالفؤاد ثم إخبارك عنه بجملة أخرى، أولى بالعتاب؛ معاتبة لم تقدم شيئًا جديدًا. على معاتب فؤادك أولى بالعتاب. لماذا قدمت فؤادك؟ ليس هو الآن الانفجار عنده في المعنى، ليس ما يدور حوله المعنى؛ أنت تريد أن تقول معاتب فؤادك أولى بالعتاب، فؤادك معاتب، فؤادك أولى بالعتاب من فؤادك.

لكن بدر قال: "فؤادك أولى بالتقديم"، فؤاد لم يؤثر شيئًا لم يبنَ عليه الكلام؛ فؤادك أولى بالعتاب معاتبة. رمانه الكلام، قطب الكلام أولى بالفؤاد معاتبة؛ فلماذا فؤادك أولى بالفؤاد معاتبة؟ هذا عندي معضلة لا تفيد.

أحسنت يا أخي، أنت هكر يا عم خالد، أنت هكر لدماغي. يقول: «ملومكما يجل عن الملام»، صح؟ شفت الكلام: «ملومكما يجل عن الملام». رأيت ملومكما يجل، وليس مثلًا: «أنا من يلومني أولى بالملام». لا، «أنا من يلومني أولى بالملام»؛ هذا ما فعله بدر في مطلع «فؤادك أولى بالعتاب بمعاتبه»، تقديم وتأخير لم يفد. لو ناقشني في هذا سأناقشه؛ لأن النص موجود. فهمتم؟ فلسنا إلى الرومانتيكيين، ولسنا إلى الحداثيين وما بعد الحداثيين؛ نعم، نتعامل مع نص موجود وانتهينا، لا نتعامل مع حياتك ومرادك إلى آخر ذلك.

يقول: يعتمد الناقد في ذلك على الملحوظات الدقيقة في حياة المؤلف ليعرفه، لأن الرومانتيكية مؤثرة فينا بشدة. الذي قال لي تنقد كلام شاعر موجود، يعني الشاعر لو قال: قصدت كذا من النص، قُضي الأمر. الذي فيه تستفتيات لم يُقضَ الأمر يا حبيبي؛ تعال، أنت تريد كذا، كيف عبرت بكذا؟ لماذا عبرت بكذا وأنت تريد كذا؟ هذا هو.

فالناقد، على حد تعبيره، يعلم الآخرين كيف يقرؤون، ويعتمد الناقد في ذلك على الملحوظات الدقيقة في حياة المؤلف؛ لأنه سيقوم بها النص، ليبين أي نوع من الناس هو، وأثر حالته الطبيعية أو المرضية، ودلالة الصور التي يستعملها على استخدامه لحواسه وقواه. يقول لك حتى ترى، ويغلب على شعره السمعيات، وامرؤ القيس يغلب على شعره المرئيات، ومش عارف من يغلب على ماذا؛ أبو نواس الذوق، الخمر واللذة ولذة الجلد.

ومن هنا رأيتم رومانتيكياً متطرفاً كالدكتور محمد النويهي، يؤلف كتاب «ثقافة الناقد»، وفيه ما رأيتموه من صور توضيحية، وأدمغة الناس وأشكال الأعراق والأجناس، والأنف العربي والأنف... حتى أخذوا صفة وأثبتوا مرضًا لابن الرومي من أبيات له. كان يمشي كذا، والله لا أمزح، كان يمشي كذا، مريض.

وقالوا في أبي نواس كان شاذًا، هذا قاله العقاد، وأظن طه حسين أيضًا. العقاد قال: «أبو نواس كان شاذًا جنسيًا»؛ عشان بس غزل الغلمان. افرض بيتباه يا أخي؟ افرض بيتباه بالإجادة في كل باب، يعني نفترض حاكى بعض الشعراء في زمنه. ما هو فارسي، وهو جاء إلى العرب من الفرس أصلاً، وهذا الغزل -غزل الغلمان- جاء إلى العرب من الفرس؛ هذه عادة دخلت مع العباسيين، لم يعرفها الإسلاميون ولم يعرفها الجاهليون، دخلت مع العباسيين إلى العراق وسائر البلاد، خلاص، اتخاذ غلمان وكذا والتغزل بغلمان. فهذا جاء مع الفرس، وأصله كان في المجوس.

وهي موجة أوروبية لتفسير الدوافع، حتى فرويد فسر تصرفات الطفل أنها غير من والده، هي اتجاه عام ورثناه. يقال هفان، روى روايات في هذا، ممكن، لكن هم أخذوها من الشعر، ليست من الشعر؛ روايات في أن أبا نواس شذ جنسيًا، لا أدري، لا أستحضر، المهم.

ويتكلم عن شيوع اتجاه سانت بيف، قلت لكم ركزوا على هذا. قال: «وبهذا المنهج الجديد في دراسة الأدب وتحليله اكتسب سانت بيف مكانة مرموقة في مجال النقد الأدبي، وكان له تأثيره الواسع في العصر الرومانتيكي، واقترنت نشأة النقد الأدبي الحديث باسمه». تذكروا هذا الاسم: النقد الأدبي الحديث الذي بدأ بالرومانتيكية اقترن باسم سانت بيف. المذهب النقدي هذا، أما المذهب الشعري التأسيسي الإبداعي فهو كولرج، حتى قيل إنه أبو النقد الأدبي الحديث بلا منازع.

قلت لكم في الأول سأضرب لكم أمثلة؛ هناك من الناس من العرب، من الاتجاه العربي الذي ظهر في مصر، اتجاه علمي وأصله كله من طه حسين. أصل هذا المذهب في مصر طه حسين، أدخله بكل جملته، ثم تفرع في تلامذته والمتأثرين به والأدباء. عندك العقاد أخذ مذهب سانت بيف في التفسير، وكتب كتاب «ابن الرومي: حياته من شعره»، وكانت بداية هذا التأليف. حتى الشيخ الطاهر أحمد مكين، كتب «امرؤ القيس: حياته من شعره».

وتراهم وهم يكتبون، مثلاً عن امرئ القيس، يجمعون بين بيت ورواية: «ولعله أراد كذا لما قال كذا»، «لعله أراد لما قيل كذا». أصلهم قبيلة كندا لما أخذت الملك والتأثير، الفرس الذين كان عندهم شيوعية جنسية، فهذا كان سبب المرض الجنسي عند امرئ القيس؛ ولهذا قال امرؤ القيس: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِ إِنْ ذَكَرْتُ أَوَانِسًا * كَغِزْلَانِ رَمْلٍ فِي مَحَارِيبِ أَقْيَالِ﴾ [الكامل: 431]. بيت تهكم، فسرها بأن امرأ القيس كان يؤمن بالشيوعية الجنسية التي كانت عند المزدكية، شوف الربط! وقالوا المرض الذي جاء امرأ القيس كان مرضًا جنسيًا بسبب الإباحية.

هو مذهب هوس، هوس استنباط الشاعر. والله العظيم في مرة قلت بيتين لي أنا من قديم جدًا لصديق ممن عنده هذا المذهب، يقول: التفسير النفسي هو الصواب. هو طبيب أصلاً، طبيب بشري، ويعشق التفسير النفسي للشعر، يقول لي: هذا هو التفسير الصواب. ففي مرة أمليت عليه بيتين قال لي: «هذان بيتان لرجل ثمانيني يائس من الحياء». قلت له: يا حبيبي، البيتان ليه؟ قال لي: قلت له يائس بقى؟ قال لي: إذن عمرك النفسي ٨٠! يا عم روح بقى، عمرك النفسي ٨٠! هو لازم تحزقها وخلاص يا عمي؟

تحياتي لصديقي الدكتور مصطفى حسني، هو صاحب هذه المقولة: «إذا عمرك النفسي ٨٠». لازم؟ طب ما تقول إني أحاكي واحد في الثمانين! أنا ألفت البيتين أو كتبت البيتين لتشعر أنت بكلام واحد في الثمانين، ما تربطني بك، مش لازم. سأعطيك أبياتًا مجنونة ولست مجنونًا، سأعطيك يا سيدي أبياتًا خمرية ولم أذق الخمرة في حياتي، والحمد لله، ولن أذوقها إن شاء الله، أسأل الله أن يحفظنا، لم أذقها في حياتي ولن أذوقها ولا أنوي.

وقد أكتب لك خمرية، قد أقول لك أبياتًا في وصف الخمر وتذبيذها، أتهيأ لها؛ أهيئ لها لذة الخمر، أتهيأ لها، أحضر هيئتها في ذهني، أتهيأ لها وأقول.

ليس في قوة التشبه تحدث عنها، قرتجني، هناك قوة التشبه تحدث عنها، قرتجني. التشبه بقوة، وأقول هذا هو. قلت لكم هناك اتجاهات، تصورك لها ربما أحسن من طعمها، أحسن من أن أتذوقها، حسب القوة التي عندي.

والقرتجني، لو تذكر يا خالد، نص على أن النص الذي يكتبه الذي عنده قوة تشبه جيدة، لا يفرق بينه وبين النص الذي كتبه أو قاله واحد عنده طبع أو مطبوع على هذا الحب، لا يفرق. قوة التشبه توازي، أقول لك شيئًا ربما تعلو، ربما تعلو مدعومة بقريحة شعرية قوية، بل قد تكون قوة التشبه أشد من قوة الطبع. قوة التشبه قد تكون أحيانًا، وليس الأصل، في بعض الموهوبين جدًا أشد من قوة الأصل.

تخيل، أنا بالعكس، هذا إنسان أقوى عندي؛ واحد عنده قدرة على التشبه وتقمص شخصيات مختلفة، وينفجر بالمعاني ويبكي ربما وهو يؤدي القصيدة، هذا أبدع عندي، أبدع يعني فعل التفضيل، أبدع من الأول. خلاص، نلتصق بفكرة الفن وقضية الفن وطبيعة الفن.

قلت لكم توزعت هذه المذاهب، جاءت في العقاد مذهب سانت بيف، وهناك من أخذوا المنهج العلمي، وهناك من أخذوا المنهج التاريخي، من هؤلاء عبد القادر الجابري، وشوقي ضيف. عبد القادر الجابري الناقد المصري المعروف، وشوقي ضيف الناقد المصري، طبعًا العلم الآن مصري، العلم في العقود الأخيرة والقرن الأخير مصري، هذه العلوم التي انفتقت مصرية في غالبها، ثم شامية ومصرية، هذا بسبب الأحوال والظروف وتداعيات أحداث التاريخ. فهي مصرية، الآن كانت يوماً ما قديماً عراقية، لم تخرج من العراق، يعني علم النقد والشعر في بعض القرون التي سبقت كانت عراقية تماماً، الآن مصرية وشامية وعراقية، وللأسف توارى دور العراق أو تأخر شديدًا، المهم أن بقيت فيه القريحة الشعرية أجود حتى اللحظة، أيضًا لأمور بيئية.

شوقي ضيف الناقد أو المؤرخ المصري، لا أعتبره ناقدًا، هو مؤرخ مصري، لكنهم يقولون ناقد مصري، هو مؤرخ مصري، وعبد القادر الجابري ناقد ومؤرخ مصري لكن يميل إلى النقد أكثر من جهة التقويم على هذا المذهب. وهذا من أحسنهم عندي الدكتور يوسف خليف، يوسف خليف له كتاب رائع يا إخوة، هذا هو، لاحظ لحظة، كتاب «دراسات في الشعر الجاهلي» للدكتور يوسف خليف، هذا كتاب رائع.

بماذا تستفيدون يا إخوة من الاتجاه التاريخي؟ شوقي ضيف، يوسف خليف، عبد القادر الجابري، عندي كتبهم جميعًا، ماذا أستفيد منهم؟ لما يذكرون العلل التاريخية للمعاني عند الشعراء، العلل التاريخية للمعاني يقدرون على ذلك، وإذا دخلوا في تفسير القصيدة، سواء من يوسف خليف أو من عبد القادر الجابري، فإن كلامي هذا لهم أتباع وتلامذة.

يوسف خليف هو أروعهم حقيقة، وابنته موجودة الآن، دكتورة كبيرة في السن أيضًا، العالمة المشهورة مي يوسف خليف، ولها عندي كتب هنا أيضًا في المكتبة، مي يوسف خليف تكتب عن الاغتراب وعن بناء القصيدة في المفضليات وكذا. الدكتور يوسف خليف من أروع من يفسر لك ظواهر القصيدة العربية، يقول لماذا مثلاً كثرت المقدمات الطللية عند العرب، يشرح ذلك شرحًا رائعًا، يشرحه تاريخيًا. طبعًا تقع هناك مغالطات كثيرة، لكن لما يشرح لك سبب ظاهرة من الظواهر، مثل قضية الطلل ولماذا جيء به، حقيقة كلام جميل حتى صاغه صياغة حسنة.

نحن سنكمل أثناء الأذان حتى لا يذهب منا الوقت.

أقول لك هنا، وقد بدأت هذه المقدمات الطلالية أو هذه المقدمة الطلالية بداية طبيعية عند شعراء المرحلة الفنية الأولى من حياة الشعر الجاهلي، وهي المرحلة التي عاصرت حرب البسوس، ثم تحولت هذه المقدمة إلى مقدمة تقليدية، طبعًا أنا لا أوافق على هذا، أنا ربما لا أذكر المواضع بالضبط التي شرح فيها تاريخيًا ذلك، نتكلم عن حديث الموت في المقدمات الخمرية وكل هذا تأخذ منه وتعرف وتنكر.

المهم هذا الكتاب، «دراسات في الشعر الجاهلي»، لكن تقرأه وأنت حريص وتميز بين ما هو تفسير للشعر ونقد وبين ما هو تاريخ لأصول ذلك. يعني مثلاً يكلمك هنا عن هذه المقدمات الطلالية من أين جاءت ولماذا كثرت عند العرب، يقول العرب بطبيعتهم كانوا في أكثرهم، إذا ما استثنينا الممالك وأهل القرى، كانوا قومًا رحل ينتقلون في الفصول الأربعة أو في فصلين على الأقل، وأحياناً تنزل القبيلة وتجاور القبيلة أو تتحالف القبيلتان، إذا كانت قبائل ليست قوية تمامًا تتحالف القبيلتان في صورة قبيلة قوية واحدة تحمي نفسها ومقدراتها وأوديتها ومياهها وكذا.

ففي وقت النزول الفصلي، هذا النزول الموسمي في فصل الربيع أو في فصل الصيف، في فصل الاجتماع والنزول، كان يتعارف الشباب والشابات ويتعلق بعضهم ببعض، ثم تمر شهور، أربعة أشهر مثلاً مدة الفصل ويرجع كل إلى دياره الأولى ومرابعه، فيحصل هنا الفراق، فيأتي الشاعر يمر بعد عام أو عامين على هذا المكان فيتذكر هذه الذكرى. هذا التأويل جميل، هذا التحليل التاريخي جميل، لكن ما موقعه من القصيدة بعد ذلك شيء آخر.

فمثلاً دكتور يوسف خليف يذهب مذهبًا اشتراكيًا، ما هو كان في وقت الاشتراكية المصرية فينصر الاشتراكية فيذهب مذهبًا اشتراكيًا في الأدب، يقول بالمذهب بأن الشاعر متعاقد تعاقدًا اجتماعيًا مع القبيلة، فهم سمحوا له حتى يستطيع أن يقول الشعر، سمحوا له بقدر ذاتي رومانتيكي هو المقدمة الطلالية فقط أو الغزلية أو الخمرية، بعد ذلك هو يفخر بالقبيلة وكذا. وهذا يرد عليه أسئلة كثيرة، منها لماذا لا يسمح له بقصائد مستقلة، قصائد مستقلة عن قصيدة القبيلة؟ هذا سؤال: لماذا لا يأتي الفصل الخاص في آخر القصيدة؟ لماذا يقدم ويصدر الفصل الذاتي الرومانتيكي؟ لماذا يقدمه؟ لماذا تلزم القبيلة بسماه؟ لماذا لا يؤخر حتى من أراد أن ينصرف عنه؟

انصرف لأنه حق الشاعر وحده، وهو واحد من المجتمع. هذا أيضًا سؤال يرد على ذلك السؤال الثالث: لماذا لا تكون هناك آية؟ ماذا تقول في القصائد التي كلها كذلك، كلها موضوعات ذاتية؟ لماذا؟ فهمتم؟ كل هذا وارد عليه الدكتور شوقي ضيف.

تقرأ له مؤرخًا، صحيح كلام غريب جدًا، تقرأ له مؤلفًا وهو مؤلف، مؤرخًا. جميل أيضًا، يعني تعرف منه وتنكر، وهذا عادي؛ أن تعرف من الإنسان وتنكر هذا لا بأس به، هذا هو العادي. لكن لما جاء إلى التفسير يظل في الأخير مؤرخًا، وتعجب بثقافته وتاريخه وتستفيد منه.

في الحقيقة، شوقي ضيف سلسلته "تاريخ الأدب العربي" المعروفة، لكن انظر في الجزء الأول من تاريخ الأدب العربي: الشعر الجاهلي. هناك له سلسلة تعرفونها، شوقي ضيف رحمه الله له سلسلة مطبوعة بدار المعارف: "تاريخ الأدب العربي"، المجلد الأول في الشعر الجاهلي. انظر إلى محاولته تعليله؛ أقسام معلقة امرئ القيس. انظر واضرب كفًا على كف، أو اضرب كفًا على وجه، اضرب كفًا بكف أو وجهًا بكف إذا شئت، الطم إذا شئت، وهو يفسر بناء معلقة امرئ القيس.

عجب! عقل رومانسي ساذج جدًا. يقول لك إنه يستعرض أمامها بفرسه، يستعرض أمامها بالحصان، أمام من؟ لا البناء اللغوي ولا السياق يدل على شيء من هذا إطلاقًا. تقرأ له مؤرخًا، وفعلاً سبحان الله: «من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب». تعجب من المفارقة بين حجم الإنسان وعلمه المعروف، وبينما أتى به في غير فنه. أول ما تكلم شوقي ضيف في بناء معلقة امرئ القيس، أنا كنت فكي يسقط! هذا يقوله من مارس الأدب ممارسة؛ لأنه اتجاه تفسيري تاريخي.

ورأيتم الدكتور يوسف خليف، يوسف خليف وهو يحاول أن يفسر بناء القصيدة، خلاص فهو علل سبب الطلل تعليلًا جيدًا في التاريخ، يعني من جهة التاريخ لا بأس، تعليلًا جيدًا من جهة التاريخ نقبله. أول ما دخل: لماذا إذا طلب ومدح طللًا وفخرًا بطلل ناقة كذا؟ لماذا جاء هكذا؟ قال لك لأنه أصلاً اشتراكي، رحمه الله، قال لك لأنه يريد، لأنه أصلاً الشاعر له تعاقد اجتماعي مع القبيلة، ألا يقول الشعر إلا في حق القبيلة؟

ما هو جمال عبد الناصر في مصر كان هكذا، اشتراكية فيما تلبسه حتى خلاص، ورئيس البلد أبوك، ويأخذ وأنت ومالك لأبيك، أخذ الأموال من أصحابها. سرق وارتكب بشاعات شرعية، قانون الإيجار القديم تعرفونه؟ هذا حرام شرعًا، باطل شرعًا؛ لأنه يملك العين، فالإيجار لابد أن يكون مؤقتًا بمدة، فهذا إيجار متوارث مدى الحياة، ولا يختلف فيه الإيجار، قيمة الإيجار لا تختلف، والعملة تسقط وقيمة الإيجار، الرجل خلاص تملك العين، فارتكب بشاعات محرمة باسم الاشتراكية، وأخذ أموال ناس وأكل البلد كلها السحت.

الإمام النووي في الشام لما مر به الحاكم الشرعي، الخليفة أو الأمير، أخذ أموالًا عنوة، أو أخذ أشجارًا عنوة، ثمارًا عنوة من أنواع معينة من أراضٍ معينة، امتنع عن أكل هذه الثمار تمامًا، النووي خشية أن تقع له ثمرة من هذا الحرام المأخوذ من أصحابها الذي أخذه الحاكم. البعض يظن أن الحاكم إذا أخذ فهذا حلال، الحاكم واحد من الرعية من الأمة، له صفة الرعية كما له صفة الحاكم، هو واحد من المكلفين. السرقة حرام في حقه، والأخذ حرام في حقه، والحرام حرام عليه وعلى غيره، والحلال حلال له ولغيره، فما أخذه عنوة من الناس حرام شرعًا، وإذا أكله الناس فقد أكلهم حرامًا. ومن عرف أن هذا مما أخذه الحاكم، فهذا ليس اختلاف يد، يظل حرامًا كأنك تأخذ من سارق. فكان من ضمن هذا الاتجاه الاشتراك المصري -لا أرجعه الله ولا أرجع أصحابه- كان من ضمن ذلك أن الشاعر لا يقول إلا للدولة أو للقبيلة.

وهذه وحملوا على ذلك الأدب القديم، هذه المقدمات الطلالية قالوا مما أذنت به الدولة، مما أذن، هذا قاله هنا، أنا ليس كلامي ادعاء، هذا قاله يوسف خليف هنا: قال المقدمات الطلالية مما سمحت به القبيلة للشاعر. وهذا ورد عليه أسئلة كما رأيتم؛ رأيتم أصحاب التفسيرات العلمية يقولون كلامًا في التاريخ والسيرة والبيئة، والتاريخ والعلوم الطبيعية والإنسانية والنفسية كلامًا حلوًا، لكن تأتي لتفسير النص فيتشظى العقل باللغة الحديثة. تأتي لتفسير النص -ولا أريد أن أقول كلمة قد تبدو مهينة- لكن ترى نوعًا من التأخر العقلي، نوعًا من الضعف الشديد؛ لأنهم تكلموا في غير بابهم. لماذا؟ لأن الأدب بابه النص، النص وليس السيرة الذاتية، وليس التاريخ، وليس العلوم الطبيعية، وليس علم النفس. النص ثم النص ثم النص بمدلولات اللغة وأصول البيان ودلالات المعاني، ما ظهر منها وما تعقد، وما ظهر منها وما خفي، وما جل منها وما دق، هذا هو.

انتهينا من الكلام الآن على الرومانتيكية عند الغرب، أو كما نقول في المشهد الغربي. إذا أردت أن تتوسع في المذهب الرومانتيكي، عندك كتاب عن الرومانتيكية للدكتور محمد غنيمي هلال، هذا كتاب كامل كبير عن الرومانتيكية، لا أدري إذا كان قريبًا في المكتبة عند الأهل لأن عهدي به منذ عشرة أعوام تقريبًا قرأته، هذا الكتاب يأتي لك بأصولها ورجالاتها وفلسفتها واعتقاداتها في الارتباط بالطبيعة، يعني لك بالرومانتيكية من الجذور.

بعد ذلك عندك مقالات وبحوث كتبت في العدد الخامس من موسوعة كامبريدج في النقد الأدبي، وهو عن الرومانتيكية. موسوعة كامبريدج في النقد الأدبي هي مجلد ضخم تجاوز 600 صفحة، قارب الـ 700 صفحة، هذا المجلد بحوث ومقالات لكنها تقرأها إذا أردت التوسع والاسترسال في الرومانتيكية بعد كتاب محمد غنيمي هلال رحمه الله. وأيضًا الباحث والكاتب المصري صاحب كتاب النقد الحديث أو تاريخ النقد الأدبي الحديث أو كتاب النقد الأدبي الحديث، اقرأ لكم مثلاً حتى تكون عندكم تصورات حول الإغراق في التخصص في هذه المقالات.

عندك تقديم المراجع: الأوجه المتعددة للرومانسيات. الفصل الأول: المقاييس الكلاسيكية في الفترة الرومانتيكية. الفصل الثاني: التجديد والتحديث. طبعًا الأول بقلم بول فري، الثاني ألفريدو ديباز، ليس مهم، المهم العناوين الآن. مرورًا سريعًا: الفصل الثاني التجديد والتحديث، الفصل الثالث الثورة الفرنسية، الفصل الرابع الفلسفة الترانسندنتالية والنقد الرومانسي، الفصل الخامس الطبيعة، الفصل السادس النماذج العلمية.

الفصل السابع: الدين والأدب. الفصل الثامن: نظرية اللغة وفن الفهم. الفصل التاسع: تحويل البلاغة. الفصل العاشر: المفارقة الرومانسية. الفصل الحادي عشر: نظريات النوع الأدبي. الفصل الثاني عشر: نظرية الرواية. الفصل الثالث عشر: أثر شيكسبير.

قلنا شيكسبير أبرز شعراء، أو من أبرز شعراء عصر النهضة الذي سمي عند البعض الرومانتيكية الأولى. الفصل الرابع عشر: مهنة النقد وأزمة جمهور الأدب. الفصل الخامس عشر: المرأة والنوع الاجتماعي والنقد الأدبي. الفصل السادس عشر: التاريخ الأدبي والمذهب التاريخي. الفصل السابع عشر: الأدب والفنون الأخرى. هذا كله تحت مجلد في 700 صفحة، هو المجلد الخامس من سلسلة موسوعة كامبريدج في النقد الأدبي.

المهم الأهم منه، كتاب الرومانسية أو الرومانتيكية للدكتور محمد غنيمي هلال، ونبدأ الأسبوع القادم إن شاء الله. في الرومانتيكية في الفصل الثالث حركة التجديد في النقد العربي الحديث، يعني في المشهد العربي.

بسرعة كلمة؛ هكذا أول سطر: كانت العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين هي هذا البعث الحقيقي الذي شهدته الحياة الأدبية العربية على مستوى الإبداع والتنظير. حركة الرومانتيكية بدأت عند العرب بعد قرن من بدايتها في الغرب في ألمانيا وفرنسا. بعد قرن؛ يعني كل من قعد للرومانتيكية مات في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والقرن التاسع عشر كان فيه ذروة الرومانتيكية.

انتهى القرن التاسع عشر، جاء أول ثلاثين عامًا من القرن العشرين، الرومانتيكية في مصر، وراح العقدي يتخانق مع شوقي. في هذا الوقت الذي كانت الرومانتيكية فيه في ذروتها في أوروبا، كان البارودي في مصر يحاول عمل الإحياء والبعث هو والمرصفي صاحب الوسيلة الأدبية؛ لأن البارودي مات 1904، ولد في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ومات في السنة الرابعة من القرن العشرين. ولد 1839 ومات 1904.

النقاد الرومانتيكيون موجودون أو ماتوا قبل سنوات، وانتشرت الرومانتيكية في القرن التاسع عشر، وكان البارودي في مصر قد كتب ديوانه. جاء بعد ذلك العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين التي مات في أولها البارودي، وبدأت الرومانتيكية التي كان متقدماً عليها البارودي بالحركة العربية، ولكن سقطت؛ لا أقول سقطت، بقيت منها خيوط أبقت لنا هذا التراث الموجود الآن، والاتجاه المحافظ الذي يسمونه المحافظ، يعني شوقي وهؤلاء، لكن الذي أقصده هو الذي تأثر بالمتنبي وكذا، أقصد أنها لم تكن كافية لمنع غيرها من المزاحمة، بل لمنع غيرها من التأثير عليها أو من الغلبة عليها في التأثير في المجتمع.

أما الآن والحمد لله، فأقول ما قاله الدكتور عبد القدوس القضاة لبعض الناس ممن استشاره: «المسألة مسألة وقت، والمذهب الذي يتحرك به أبو قيس ويدعو له غالب لا محالة، غالب لا محالة، مسألة وقت فقط؛ لأن الرجل يتحرك وحده ويعمل ببطء، والانتشار بطيء لكنه حقيقي. ما الآن، فالمسألة مسألة وقت، وإذا أردتم أن تجدوا لأنفسكم مكاناً في المستقبل فدعكم من المذاهب الأخرى حداثة وغير حداثة وهذا الكلام الفارغ، والحقوا بهذا الركب هو المنتصر لا محالة». وأنا أؤكد لكم صدق الرجل، ولم يقل عجيباً.

شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.