بسم الله الرحمن الرحيم. هذا هو مجلسنا العاشر من مجالسنا في شرح كتاب نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة للدكتور شفيق السيد رحمه الله، ويأتي ذلك ضمن النشاط المحدث في القناة، وهو شرح المصنفات الأكاديمية شرحاً وافياً ودقيقاً يعين إن شاء الله تعالى طلبة الجامعة.
عندي دكتورة في حساب الفيسبوك قالت هذا الكتاب كان مقرراً علينا في الدراسات العليا في الجامعة، فتعجبت؛ كنت أظنه لمرحلة الجامعة وليس في مرحلة الدراسات العليا. أنا شرحت هذا الكتاب وبدأت فيه بنية أنه لطلاب الصف الأول أو الثاني الجامعي، لكن الدكتورة المصرية قالت إن هذا الكتاب درسناه في الدراسات العليا، فأنا أعتذر للطلاب في الصف الأول والثاني الجامعي، كنت أحسبهم يدرسون هذا فخرج أنه يدرسه طلاب الدراسات العليا، ما توقعت مستواه إلا في المرحلة الجامعية، الصف الأول أو الثاني أو الثالث على الأكثر.
انتهينا إلى المجلس العاشر، وما زال حديثنا عن نظرية الخيال أو فكرة وقضية الخيال عند كولريدج، وهي قضية رئيسة ورصينة في المذهب الرومانتيكي. وعنوان الكتاب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة، والمدارس النقدية الحديثة تبدأ بالنظرية الرومانتيكية. اليوم إن شاء الله سننتهي من الكلام عن النظرية الرومانتيكية في منشأها في الغرب.
لكن دعوني أشرح لكم ما توقفنا عنده في الأسبوع الماضي من قضية الخيال عند كولريدج. قلت إن ما يدعيه كولريدج في قضية الخيال لا يمتنع، وهو عندنا يدور في فكرة التلاؤم، وفي فكرة موافقة الاختيار. وهناك عبارات منثورة في أدبنا النقدي القديم فيها هذه القضية، أو فيها إشارات ومجاورة لهذه القضية، وإن كانت هذه القضية حاضرة في صلب نظرية النظم، أقصد التنصيص على عينها؛ فمثلاً حديثهم عن اختيار اللفظة بعينها.
كلامي يا إخوة مبني على ما شرحناه من نظرية الخيال لكولريدج، لن أعيد الكلام؛ كلامي مبني على من يفهم هذا من حضر المحاضرة التاسعة الماضية، كان جزء كبير منها في نظرية الخيال لكولريدج، وبعد ذلك كنت أوضح بعض الموقف عندنا من هذه النظرية أو هذه الفكرة. وجدت أنني هنا شغلت وكذا واحتيج إلى تسليم المكان لبعض الدروس الأخرى، فقلت سأوضحها إن شاء الله في مطلع المحاضرة الآتية.
أقول: هناك عبارات عند القدماء، مثلاً كلمة أبي بكر الصولي لما قال: «أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدة أو أعربها أو أقام إعرابها أحسن أن يختار جيدها ويعرف الوسط والدون منها ويميز ألفاظها؟». فمعنى أن تعرف الجيد والدون وكذا وتعرف ألفاظها... اسمع إلى هذه العبارة: يقول حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: جاءني فضل اليزيدي بشعر أبي تمام فجعل يقرأه علي ويعجبني ممن جهل مقداره، فقلت له: الذين جهلوه كما قال: «لا يدهمنك من دهماءهم عدد، فإن أكثرهم أو كلهم بقر»، فقال لي: قد عابه جماعة من الرواة للشعر، فقلت: الرواة يعلمون تفسير الشعر ولا يعلمون ألفاظه.
كلمة غريبة لابد أن تقف عندها في نقدنا العربي؛ قال: «الرواة يعلمون تفسير الشعر ولا يعلمون ألفاظه، وإنما يميز هذا منهم القليل». هذه كلمة تاريخية في شرح مشكلة فهم الشعر العربي. شوف الكلمة رضي الله عنكم: «يعلمون تفسير الشعر»، يعني ماذا؟ الرواة علماء لغة ومنهم نحاة، الرواة ما بين علماء لغة ونحاة، يقول: «يعلمون تفسير الشعر ولا يعلمون ألفاظه». ما معنى هذا؟ يعني أنهم يعلمون تفسير ألفاظه، يعلمون غريبه، يعلمون إعرابه، لكنهم لا يعلمون ألفاظه، يعني تراكيبه ودلالاته من حيث كونه شعراً.
فالمقصود هنا أنهم يعلمون المعاني العامة للشعر، تفسيره، يروون وهم علماء لغة ونحاة فيعلمون المعاني، لكنهم لا يعلمون خصوص الألفاظ واستعمالات الألفاظ. كلمة الألفاظ جاءت في عبارة أخرى للصولي أيضاً، يقول في موضع آخر: «الرواة يعلمون تفسير الشعر، وإنما يميز ألفاظه منهم القليل». فقال: «هذه العلة في أمرهم».
وفي صفحة 127 يقول: «أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدة أو أقام إعرابها أحسن أن يختار جيدها ويعرف الوسط والدون منها ويميز ألفاظها؟». ما معنى يميز ألفاظها؟ يعني يميز تركيبها، اختيارها. لماذا اختار الشاعر هذا؟ هذا ليس أي أحد يعرفه، هذا عمل النقاد. وقد أتيتكم بنصوص كثيرة تؤكد لكم أن عمل الناقد عمل مستقل، وأن الناقد تخصص مستقل، ناقد الشعر هو اسمه كذلك.
هو ناقد، ربنا خلقه موهوبًا ويتعلم؛ أقصد جعله الله عالمًا مستقلًا، ناقدًا للشعر. هذا نحوي، هذا لغوي، وهذا ناقد شعر يفهم الشعر. هؤلاء الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء: «علماء الشعر أندر من الكبريت الأحمر»، يقول هذا في وقت كان علماء اللغة فيه وعلماء النحو كثرًا، كانوا كثرة وموجودين.
والأصمعي تلميذه يقول: «فرسان الشعر أقل من فرسان الحرب». لا تغتروا بهذه الشعبيات؛ مدرس نحو يتكلم في الشعر، ومدرس صرف يتكلم في الشعر، ومحاور في بودكاست يتكلم في الشعر، وواحد طلع في مركز شباب يتكلم في الشعر. هذه البضاعات المضروبة كثيرة. الأصمعي يقول: «فرسان الشعر أقل من فرسان الحرب»، وأستاذه أبو عمرو بن العلاء يقول: «علماء الشعر أندر من الكبريت الأحمر»، وهذا من قديم.
وهنا يقول: أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدة أو أقام إعرابها أحسن من أن يختار جيدها، ويعرف الوسط والدون منها؛ قصيدة وسط، وقصيدة عالية، وقصيدة نازلة، ويميز ألفاظها؟ ما معنى يميز ألفاظها؟ يعني يعرف الاختيار، لماذا قال الشاعر كذا ولم يقل كذا؟
في محاضرة أداء الشعر، أو معالم وإرشادات في سبيل الأداء الصحيح للشعر، قلت: لماذا قال: «ريّ هضيم الكشح»؟ مع أن الذي لمس بطنه، لمس صفحة وجهه، صفحة جسمه، الكشح، والفخذين، أو قدر من الفخذين، حتى ليس كل الفخذين، لماذا قال: «ريّ هضيم الكشح»؟ ولماذا قال: «فيا عجبا من رحل المتحمل»؟ لماذا «المتحمل» وليس «وهو يتحمل»؟ رأيتم؟ وهكذا؛ لماذا يختار هذه اللفظة؟ لماذا يختار أن يلفظ بها معرفة لا منكرة؟ كل ما يتعلق بدلالات التراكيب وخصائص التراكيب، ويميز ألفاظها.
وهنا يقول: الرواة يعلمون تفسير الشعر ولا يعلمون ألفاظه، وإنما يميز هذا منهم القليل، وهو أندر من الكبريت الأحمر كما قال أبو عمرو بن العلاء، وفرسان الشعر أقل من فرسان الحرب كما قال الأصمعي. هذا الكلام يا إخوة، مثل هذه العبارات هي في قضية التئام الكلام، وفي اختيار اللفظ الموجه بغرض القصيدة وغرض الكلام وسياق الكلام والمعاني.
وهو أيضًا تجده في قولهم؛ أحدهم هو رؤبة بن العجاج قال لأبيه: أنا أقول الشعر، أنا أشعر منك، قال له: لماذا؟ قال: أنا أقول الشعر وأخاه، وأنت تقول أنا أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه. وقالوا: فلان أشد أسرى شعر من فلان في التئام الكلام، أي في ارتباط وانشداد بعضه إلى بعض. ومدحوا بذلك عمر بن أبي ربيعة كما فعله الزبير بن بكار ورجحه بذلك على جميل بثينة في قصيدة لامية على الأقل كما تعلمون. وكلامهم في إعابة من يقول الشعر الذي يخرج كأبعار ثور، أي متفرقًا، كل بيت له جوه وله حياته. فهذا كله عندنا.
لكن تعالوا، هناك مشكلة. أنا قلت ظاهر كلام كولريدج في نظرية الخيال أو قاعدة قضية الخيال عنده، أن المشبه به في التمثيل الذي أتى به في: «إنها تأخذ بيده بكل لطف فإذا بيده في يدها تشبه زنبقة مسجونة في سجن من الثلج، أو عاجًا في رباط من المرمر، صديقة ناصعة البياض»، هنا ظاهر كلامه أن المشبه به لا بد أن يكون له تعلق بموضوع المشبه، وليس فقط في وجه الشبه بل بالموضوع، أي أن يكون منه، وبغير هذا لا يتحقق عندهم الخيال الذي هو اتحاد روح النص.
وهنا أطرح سؤالاً على هذا الكلام: ماذا لو كان هذا الاتحاد يتحقق بقوة التشبيه والاستعارة؟ ماذا لو كان يتحقق بقوة التشبيه والاستعارة وإن لم تتحقق هذه العلقة ذاتها، أو هذا النوع الخاص من العلقة، وهو كون المشبه من عائلة المشبه به؟ لا تنسَ أن الرومانتيكي حالم، وهم يريدون لهذا الحالم في معنى الصدق ألا يعمل عقله ويتحرك. ركزوا معي، لو فهمتم هذه فهمتم سرًا من أسرار المفارقات بين مذهبنا البياني المبدع وبين المذهب الرومانتيكي الحالم الذي يحسن وينعم في الدلالة والارتباط لأنه حالم في نطاق ما.
تلاحظون في نظرية الخيال أن يكون الشاعر هائمًا في موضوع ودائرة معينة، ونشاط العقل عنده مرفوض؛ لماذا؟ لأنك نسيت أن الرومانتيكية جاءت ثائرة على شيء هو التفكير المتعمد، فهي شخصية حالمة غارقة في التعبير المباشر عن المشاعر الفياضة، فهو ابن موقف ودائرة معينة مهما اختلفت المشبه والمشبه به في هيئتها، هو يريد أن يكون ذلك من مجال حالم واحد، من مجال انفعالي واحد؛ لا تنسَ هذا، هو ثائر على العقل.
العربي يختلف عنه في هذه الجهة، العربي ترك قريحته خرجت كصاروخ نشزت من جسمه وأتت بصورة بعيدة ورجعت إلى مكانها، دعمت هذه الصورة الأصلية في المشبه وفي المستعار له. فلذلك أقول: ماذا لو كان هذا الاتحاد والوحدة بحكم اللغة وخصائصها وبحكم قدرة الشاعر على ذلك، كان ذلك يتحقق بقوة التشبيه والاستعارة وإن لم يكن من خصوص هذه الجهة التي هي أن تكون كل العناصر من نفس جهة الحلم؟ لقوة هذه الصورة البيانية في وظيفتها، ماذا لو كان كذلك؟ لا شك هنا أن فكرة الخيال عند كولريدج حينئذٍ لا تلزمنا.
هل يوجد شعر عندنا، ينطبق عليه في أدبنا الحديث على الأقل، نظرية الخيال عند كولريدج بحيث ترضى؟ نعم، وشعر صحيح ومعاصر. بيت تميم البرغوثي لما يقول: والشعر أطول من ليل إذا هجرتني والوجه أجمل من حظي إذا ابتسم فتميم البرغوثي هنا وقع على نظرية الخيال، لأن هذا تشبيه ضمني، يوجد تشبيه غير مصرح به.
«والوجه أجمل من حظي إذا ابتسم، ففيه تشبيه وجهها بحظه المبتسم». هذا ينطبق عليه، لكن أكثر الشعر العربي لا ينطبق عليه، ولكنه يحقق ذلك الأمر. ومن هنا تعلم أن مرجعه إلى اللغة، وسأبين لكم الآن لتعلم أن مرجع ذلك إلى اللغة.
فلا تنسَ أن كولريدج رومانسي في كل تفصيلة، ولا تنسَ مذهب الرجل؛ ثورة على العقل وعمله، وتقييد بقضية الخيال، أو بالموضوع الذي يهيم فيه الشاعر. فالبيان ليس حراً، وهذان في الأخير يخضعان لقضية اللغة والمشاعر الفياضة والتعبير التلقائي. لا تنسَ أن كولريدج رومانتي كي، ثائر على العقل؛ لأنه ضد المشاعر الفياضة، والعقل الكلاسيكي، وثائر على العمل اللغوي البعيد؛ لأنه أيضاً رومانتي كي حالم، لأنه مرتبط بالمشاعر الفياضة. فالعقل ضد المشاعر الفياضة، ومخالفة فكرة الخيال ضد المشاعر الفياضة الصادقة المباشرة.
فنظرية اللغة التي تبدت عند ووردز وورث، لم يختلف معه فيها كولريدج، كولريدج اختلف معه في شيء آخر سيأتي اليوم إن شاء الله، قضية هذه اللغة سيطرت على كل أفعالهم. وما كانوا يقولون كذلك إلا لأن لغتهم تختلف عن لغتنا؛ هم رأوا الجمال في لغتهم بالتعبير المباشر، ورأوا الرتابة التي تستعمل في لغتهم في المذهب الكلاسيكي. نحن ما شأننا وذلك؟ نحن حققنا المشاعر الفياضة المتفجرة، ومنعنا أن تكون مباشرة في نفس الوقت، ومنعنا نظرية الخيال أن تكون حالمة من نفس الباب، على طريقة بيت تميم. فلا تنسَ أنه رومانتي كي، وقد عرفنا خصائص اللغة الرومانتيكية. هذا الذي قلته في الدقائق الثلاث الماضية خطير ومهم لو فهمته جداً.
تعال مثلاً عند امرئ القيس. امرؤ القيس كان منتشياً شديداً بحصانه، وسأضرب لكم مثلاً هنا مما أخذناه أمس، ومن حضر أمس كخالد الشيباني ومعاذ والإخوة وأختنا إيثار سيستفيد جداً مما سأقوله بعد قليل. امرؤ القيس لما كان منتشياً سعيداً بفرسه وسعيداً بالسرب الذي ظهر له، فقال: «فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نَعَاجَهُ... عِذَارَى دَوَارٍ فِي الْمِلَاءِ الْمُذَيَّلِ... فَأَدْبَرْنَا كَالْجُزُعِ الْمُفَصَّلِ بَيْنَهُ».
أقصد هذا، هو وقف من فوق، لأن هذا المشهد لا يكون إلا من فوق؛ فهو وقف يتربص بهذا السرب على هضبة أو على كثيب أو على مكان عال، فقال: «فأدبرنا كالجزع». والجزع عرفتم أنه العقيق اليماني الذي فيه خطوط بيضاء وسوداء، وهو أبيض مجزع بالأسود أو أسود مجزع بالأبيض، وتتباين خطوطه، والأبيض أبيض جداً ناصع، والأسود أسود جداً.
لما قال «كالجزع» أراد أن كل واحدة تم بياضها وسوادها وتم تباين بياضها وسوادها حتى صارت كالجزعة. هل فقط؟ لا، قال «كالجزع المفصل بينه»، لأن المفصل بينه الذي فصل بين كل جزعة في العقد فصل بين كل جزعة وجزعة بخرزة خشبية. هذا الفصل يبرز جمال الجزعة ويجعل الجزعة لا تحتك ببعضها، وإذا اتصل الجزع تاهت وتداخلت تجزعاته وأشكاله وفقدت الجزعة الواحدة جمالها. كيف تبين جمال الجزعة الواحدة؟ ألا تلصقها بالجزعة الأخرى، أن تفصلها بخرزة خشبية، فترى جزعة تامة في جمالها وتمويهها، وبينها وبين الأخرى واحدة، وهكذا كل واحدة.
ثم قال بعد أن قال «فأدبرنا كالجزع المفصل بينه»: «بِجَيْدٍ مُعَمَّمٍ فِي الْعَشِيرَةِ مَخْوَلِ». المعمم المخول يا إخوة هو كريم الأعمام والأخوال، ومعنى «معمم مخول في العشيرة» أي مكرم في العشيرة، أراد أن العشيرة تراه فيها تكرمه وهو معمم مخول، فهم يعلقون له هذا ويهدونه لأنه فتى محسد، يسمى المحسد، ولذلك المتنبي سمى ابنه المحسد، وكلمة المحسد اسم حلو. من صفاته: الجمال، والفروسية، والنباهة والذكاء، وبياض الوجه، وبياض الوجه معناه الاستنارة.
أسأل الآن سؤالاً: هل الولد المحسد في العشيرة له علاقة على فكرة الخيال ودائرة الحلم بسرب الظباء أو سرب الوحش؟ هل هو من نفس باب قضية سرب الوحش؟ لا يوجد، دعك من تشبيه بعيد ولا قريب. أنا أسأل، وهو بعيد طبعاً، لكن هل له علاقة بالباب على طريقة الخيال عند كولريدج؟ لا، ليست له علاقة. ولكن ماذا حصل؟ قوة التشبيه جعلتك تتجاوز اختلاف البابين لتأخذ المعنى فقط.
ومن هنا كان العقاد عبقرياً هنا، مع أنه رومانسي، العقاد أحياناً له نزعات عربية. لما تكلم عن أن العربية لغة المجاز، وقال إن لغة المجاز ليس معناها أنها يكثر فيها المجاز، معناها أن المجاز فيها يتجاوز الأجرام ليأخذ المعنى التجريدي بسرعة. يعني لما تقول «رأيت قمراً»، أنت لن ترى وجهها أبيض مستديراً هكذا، بل أنت تأخذ من القمر البهاء. «رأيتها قمراً على عود بان»، لن تأخذ العود بشكله، لا، بل على ليونته. «وأردافها الكثيب»، لن تأخذ الكثيب، أنت أخذت الليونة مع شيء من العرض والالتفاف والامتلاء.
ومن هنا تعلم، هؤلاء الأجلاف، تنابله العقل والذوق الذين تأثروا بالحداثة، يذهب ليرسم على السبورة المرأة المحببة عند العرب؛ يعمل الرقبة طويلة والجذع هكذا رفيع، ثم أرداف كبيرة، ويقول هذه المحببة عند العرب! أهبل، لأنه وقف على الأجرام، وقف على الأجرام ولم يعرف ماذا أخذ.
يعرف كيف استعملنا اللغة، والعقاد قال هذا. ولأن العقاد قال هذا، فلو أن العقاد أيد نظرية الخيال تأييدًا مطلقًا سيقع في التناقض، والعقاد وقع في التناقض أصلًا؛ ليس في هذه المسألة، هذه المسألة أنا أقول فيها إنه تناقض لو كان رومانتيًا فيها. لكن الذي أثبت تناقضه الدكتور شفيق السيد في مسائل تتعلق بربط الشعر بحياة الشاعر، سيأتي في هذا الكتاب أيضًا إن شاء الله.
خلاص، لكن أنا أثبت تناقضه من جهة أخرى، وبالمناسبة الرومانتيون العرب يتناقضون كثيرًا؛ لأنهم هجين بين توجه عربي وتراثي كالعقاد وعبد الرحمن شكري، وبين توجه غربي، وقطعًا سيصطدمون. نحن الآن نبين هذه الاصطدامات، ومن أراد أن يباحثنا ويثاقفنا وأن يعارض فليتفضل. من أراد أن يثاقفنا وأن يحاورنا ويعارض ويناقش فليتفضل. يومًا ما سأنبهكم ربما في كتاب الديوان إلى خطأ العقاد أو تناقض العقاد في هذه القضية.
إذًا التشبيه عندنا عن طريق اللغة أتى بأجنبي عن فكرة المشبه أو المستعار له، ولكن أفلح لأنه خلص إلى معنى بلغة المجاز؛ لغة المجاز العام الذي منه التشبيه، مجاز يجوز، هذا معنى أعم يا إخوة، مش المجاز الاصطلاحي. وهذا العام هو الذي استعمله العقاد في كتابه اللغة الشاعرة.
حديث النبي ﷺ: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». هذا الحديث على مذهب الخيال الرومانتي ساقط بيانياً؛ ساقط، رديء، قبيح. لماذا؟ سيقول لك جئت بالحية مناظرة للإيمان، وجئت بجحر الحية مناظرًا للمدينة. نقول له من قال هذا؟ هذا مناظر عندك أنت؛ لأنك أطلت الوقوف عند الحية، وأطلت الوقوف عند جحر الحية. أما نحن لما سمعنا النبي ﷺ يقول هذا لم نفهم ما فهمته، لم نقف عند الحية وشرها، لم نقف عند جحر الحية وضيقه وكآبته وقبحه، وإنما مسسنا مسًا أخذنا منه ما نريد.
يبقى التشبيه أين؟ «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». مش كحية تأرز، ليس إن الإيمان كحية تأرز، تعال شوف المشكلة فين؛ لو قلت إن الإيمان كحية أو مثل حية تأرز، إن الإيمان في لجوئه أو في رجوعه إلى المدينة مثل حية تأرز، هنا في مشكلات في التركيب وفي الصياغة. إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها؛ إذن تركنا جحر الحية لم نرى المدينة فيه، وتركنا الحية لم نرى الإيمان فيها، رأينا حركة النعومة والانسلال والسرعة في انسلال الإيمان إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها.
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39]. تعرف كيف سينظر الرومانتي هنا؟ لن ينظر إلى أن العرجون القديم صار قديمًا ويشبه صورة القمر، سيقول: ألا ترى أن العرجون القديم الذي يدل على الانزواء والموت يشبه الرجل الذي تقوس؟ ويشبه القوس الذي يرمى منها سهم الموت؟ ألا تراه يشبه المنجل الذي تحش به الزروع وتحش به الرقاب؟ فالرومانتي لا بد أن يرى العرجون القديم من عائلة مسببات الموت، لن يقف على الانزواء والذبول والموت فقط في التشبيه، سيبحث عن هل هو من عائلة الموت؟ سيرى له قرابة في المنجل الذي قد يقتل ويحش الرأس، سيرى له قرابة في الرجل العجوز الذي انحنى، وصار هكذا كالمنجل وكالعرجون القديم، وكالهلال الذي ينزوي، سيرى له شبهاً في القوس التي يرمى عنها سبب الموت وهو السهم. هذا التفكير الرومانسي.
وهذا وقع فيه بعض المتأخرين بالمناسبة، حتى لا يقال لي هذا موجود في كتب متأخرة في الزمان العباسي، أعرف ولي في ذلك شرحه وتأويله. وهذا ربما يعاب معاصرًا، يقول لك امرؤ القيس يقول: «وتعطو برخص غير شثن كأنه.. أساريع ظبي أو مساويك إسحل». يقول شبهها بالدود والمساويك، من قال لك شبهها بالدود؟ أنت وقفت عند الدودة، هو أخذ منها صفة وتجاوز، وأخذ من مساويك إسحل لأنه خص مساويك إسحل، فهذا مكان كأنه مكان مليء، هو ليس السواك الذي هو الجاف، هو أخذ السواك الذي هو العيدان الغضة، وكأن إسحل هنا كما يشهد بذلك النص مكان يكثر فيه الماء أو اجتماع الماء، فتبدو هذه غضة لها شفافية، فقال: «كأنه أساريع ظبي أو مساويك إسحل». أخذ من مساويك إسحل صفة معينة، وأخذ من أساريع ظبي صفة معينة.
فهذا ما أردت أن أقول حول نظرية الخيال عند كولريدج ومفارقتها لغتنا. سيعود إلى شيء آخر وهو أصل الأصول؛ لغته سمحت له أن يكون رومانتييكيًا، لغتنا لا تسمح، ولهذا الشاعر الرومانتييكي عندنا يظهر ضعيفًا، الشاعر الرومانتييكي عندهم جيد وعندهم شعراء عظماء، عندنا الرومانتييكية دُفنت، أي شاعر رومانتييكي عندنا دُفن. أشهر شاعر رومانتييكي اعتمد من نقاد معتبرين كمحمود شاكر هو محمود حسن إسماعيل، لأنه من مدرسة أبولو.
الرومانتييكية عندنا بقاؤها ضعيف، لأنها حتى وإن تقوت بشيء من التراث وصمدت لم تعلُ الأدب القدر الذي تحتاج أو بالقدر الذي يثمر اللغة ويشبع اللغة. ومن هنا محمود شاكر في آخر حياته قال: «خذلني محمود حسن إسماعيل»، لأنه نظر إلى شعره وأحسن الظن أنه سيعلو أكثر من ذلك، ولكن الحقيقة أن محمود حسن إسماعيل كان سيظل محدود السقف لأنه رومانتييكي، هو من فكر أبولو، مدرسة أبولو، ما كان سيصعد كثيرًا.
هذه نقطة مهمة، ومن هنا محمود شاكر نقد هذا الفكر في جمهرة مقالاته، نقد هذا الفكر الذي جاء بعد مدرسة البعث، وقال إن شعره جاء ضعيفًا ومختلاً لأنهم أهملوا جانب اللغة وإن كانوا علوا بجانب المعاني، وتأثروا بالمذاهب الغربية، هو هذا المذهب الرومانتي، وكان يقصد جماعة العقاد، العقاد وجماعته الذين جاءوا بعد البارودي وجماعته.
نرجع إلى قضية الخيال عند كولريدج وما ترتب عليها عنده. كولريدج نقل هذه الفكرة بعد أن شرح مفهوم الخيال إلى ما عرف بعد ذلك بالكلام في الوحدة الموضوعية للقصيدة، وكان لمفهوم الخيال هذا عند كولريدج ودوره.
في خلق الصور الشعرية على النحو الذي بيناه أثره الواضح في نظرته إلى بناء العمل الشعري، فاختفت فكرة تجزئة العمل والنظر إلى كل جزء على حدة، على نحو ما فعل نقاد الكلاسيكية الجديدة. إذن، وحدة الموضوع عند الكلاسيكية في المشهد الغربي، ووحدة الموضوع عند الرومانتيكية في المشهد الغربي، جاءت منقلبة على ماذا؟ جاءت منقلبة على مطلق الجمع الذي كانوا يرونه عند الكلاسيكية الجديدة في القرن السابع عشر والثامن عشر، كلاسيكية بوالو. إذن، وحدة الموضوع عند الرومانتيكيين جاءت انقلابًا على مطلق الجمع بين الموضوعات التي يرضى عنها أخلاقيًا ودينيًا، على مطلق الجمع عند الكلاسيكية الجديدة.
أما القصيدة العربية الجاهلية، فقد أقحمت إقحامًا في هذه القضية. ولذلك محمود شاكر -وترونه من الغاضبين على المستشرقين- من أسباب هذه المسألة تكلم عنها في كتابه، وتوزعت مناطق الكلام عنها في طول الكتاب. وكرر هذه العبارة، قال هذا الذي يسمونه وحدة القصيدة. قال محمود شاكر: المستشرقون لو تركوا العرب -وطبعًا كنا في وقت ضعف، هم استغلوا عندنا وقت ضعف وقلاقل وخروج من دولة قديمة لدولة حديثة وخروج من تخلف عثماني كنا فيه من جهة اللغة والأدب- يقول هم تسلطوا علينا في هذا الوقت بسبب تأخرنا وتقدمهم علينا.
لا شك أن عقودًا أو قرونًا في الدولة العثمانية الأخيرة كانت تخلفًا، هذا لا شك بقطع النظر عن أي شيء آخر، كانت تخلفًا فعلًا لا سيما في مجال الآداب، كانت تخلفًا وسقوطًا في مجال الآداب وفي مجال الحياة أيضًا. كانت أمامنا الفرصة لنناهز الغرب في هذا، لكن تفوقوا علينا. ولذلك حتى في الغزو لما وقفنا لهم لما غزوا مصر في الحملة الفرنسية ووقفنا لهم، نعم كانوا يتفوقون علينا في السلاح وكذا، وقفنا لهم وقفةً شديدة، لكن في الأخير كانت معهم أدواتٌ للحضارة أشعرونا بها بأنهم قادرون علينا.
كما صرنا الآن ندفع الإتاوات للأحمر لأننا نراه قادرًا علينا أيضًا بسلاحه وكذا، ندفع له إتاوة ونقول هذا يحمينا، يغتصبونا ويهينونا أمام العالم اغتصابًا مقابل أن يحمينا. أخاف أن أنجرح فأنبطح ليطأني حتى لا أنجرح جرحًا لا يصيب الشرف، فأرضى بأن يطأني أمام العالم وأن يهينني أمام العالم حتى لا أنجرح؛ حب الدنيا وكراهية الموت، الوهن الذي تحدث عنه النبي ﷺ. لا يعلمون أن القتل والجرح أشرف بكثير، بل هو الشرف، وسام شرف بجوار ما يفعلونه الآن. هذه حقيقة، في الأخير تفوقوا علينا، هذا ما أريد أن أقول.
فمحمود شاكر يقول في هذا الوقت جاء المستشرقون وشككونا في بناء قصيدتنا، ولو تركونا على سجيتنا وتلقائيتنا في دراسة قصيدتنا ما وجدنا فيها هذا التفكك الذي يربطونه بتعدد الموضوع، ما كان سيكون تعدد الموضوع مريبًا لجهة التفكك، أو موضع ريبة، عادي الموضوع تعدد وسندرس بتلقائية. جعلونا بعد أن سمموا أفهامنا نبحث بتخليص عقولنا، رموا شبهات وجعلونا نبحث ونحن نخلص عقولنا من شبهة التمزق، وكان يمكنك أن ترى الارتباط في القصيدة بسهولة.
قال: اختفت فكرة كذا إلى آخره، وذهب إلى أن هناك نوعين من الشكل في الأعمال الفنية؛ أحدهما الشكل الآلي أو الميكانيكي، وهو الشكل الذي لا يسري فيه نبض العاطفة، فهو لا يعدو أن يكون تجميعًا لأجزاء أو عناصر متفرقة دون أن يبث الشاعر فيها من شعوره الخاص، فهو يشبه نتاجًا صناعيًا جمعنا فيه ربع برتقالة وربع تفاحة وربع رمانة وربع ليمونة ووضعنا هذه الأرباع جنبًا إلى جنب بحيث يبدو النتاج وكأنه فاكهة مستديرة حقيقية.
أوقفتكم أنا في عدد من المجالس على مسالك الشعراء وفلسفتهم في بناء القصيدة، فهذا الكلام لا يلزمني، طب هذا وقع في كلاسيكيتهم؟ هل هذا وقع في الفكر الكلاسيكي الجديد في القرن الثامن عشر والـسابع عشر الذي جاء انقلابًا على عصر النهضة؟ قد يكون، ملناش علاقة، لا يجري علينا. لماذا اعتبرتمونا كلاسيكيين؟ لسنا كلاسيكيين، نحن عرب فقط، نحن بنفجر في الشعر، فكيف كلاسيكي؟
أما النوع الثاني فهو الشكل العضوي أو الحيوي، الوحدة العضوية التي تكلم عليها العقاد، وللأسف العقاد أول من تحدث عنها هنا. وبالمناسبة نقل لي صديق، هو تلميذ الدكتور عبد اللطيف أبو همام، الذي هو من أشهر وأقرب تلاميذ العقاد، أبو همام صاحب الأدب الإسباني. الدكتور عبد اللطيف أبو همام هذا تلميذ شاكر وتلميذ العقاد، نقل لي عنه تلميذه وهو صديق شخصي، قال لي الدكتور أبو همام: كلام العقاد في قضية الوحدة الموضوعية أو الوحدة العضوية للقصيدة كانت زلة كبيرة.
هذا من شخص هو من أشد المتعصبين له، أنا أعرف أبو همام متعصب حتى أنه يقدر شعر العقاد جدا ويراه الشعر، تخيلوا وأبو همام ليس هينا، هو رجل موسوعي وقوي وتخصص في الأدب الإسباني أيضًا، وهو الذي صحب محمود شاكر لما عالج عينه في إسبانيا وحكى عنه. يقول إنهم كانوا يعدونه ويقولون الشيخ محمود شاكر، وهو ما عندوش شيخ، هو كان رجل عادي، هم يقولون شيخ عشان دفاعه عن العروبة والقرآن ولغة العرب وعن الثوابت الدينية فكانوا يعدونه شيخًا، قال لم يكن كذلك، كان معي في رحلة إسبانيا وكان عادي، وكان في مصر يشاهد مباريات كرة القدم ويشاهد أفلام عادل إمام، يقول لي البعض: كيف كان يدخن؟ يا رجل!
أنت لو رحت له ممكن يشتمك، لو ضايقته يشتمك بالأب والأم أو بالأب، وكانت له ألفاظ شديدة جداً، لكن ليس معناها أن ذلك حسن أو يتجاوز عنه، لا؛ لكن نتجاوز عنه للأشخاص أصحاب الفضل، وليس نقرّه خلقاً؛ لأن البعض يحاكيه ويقلل من أدبه.
أقول: محمود شاكر كان يقول، لا طبعاً. المهم فهذا أبو همام الذي كان مع محمود شاكر في إسبانيا، هو تلميذ العقاد كذلك، ومن أشد المتعصبين له، نقل لي من تلميذه المباشر أنه قال: العقاد زل زلة كبرى لما تكلم عن موضوع وحدة القصيدة، هذا أخذه من كولريدج ومن هذا الفكر.
قال: أما النوع الثاني فهو الشكل العضوي أو الحيوي، أول من تكلم عليه هنا العقاد، وسيأتي في هذا الكتاب إن شاء الله. أختنا تقول: ممن يطبق هذا أحياناً بدوي الجبل؟ إذا كان سعيداً يجعل الزهور سعيدة، هو هكذا بالضبط، والزهور لازم الزهور.
قال: وهو الشكل الذي تمتزج فيه عناصر العمل الأدبي وتتوحد معاً، وذلك هو الشكل الذي يبدعه الخيال، وينبع من باطن العمل ذاته، أي من فكرة في نفس الشاعر، إلى آخر المقال، فليس الشكل الخارجي كلام سهل، في نفس السياق لا يحتاج إلى أن نقرأه تفصيلاً.
يقول: ويجد كولريدج في مسرحية شكسبير مثالاً رائعاً للشكل الفني، شكسبير يا إخوة شاعر من عصر النهضة، لعله أشهر شعراء عصر النهضة؛ لأنه ولد عام 1564 وتوفي عام 1616. وأنتم ما عرفتم أن عصر النهضة استغرق من القرن الـ 15 إلى أول القرن الـ 17، الكلاسيكية الجديدة، من القرن الـ 15 إلى القرن أو أول القرن الـ 17، فـ الـ 15 والـ 16 قرنان، أو قريب من ذلك.
تعلمون ما وقع بعد ذلك من إرهاصات الأحداث التي جاءت إرهاصات سقوط غرناطة وسقوط القسطنطينية واسترداد غرناطة، وسقوطها من أيدي المسلمين وما سموه اكتشاف أمريكا، المهم فجاء عصر النهضة، فكان هذا في ذروة عصر النهضة شكسبير، لأنه ولد عام 1564 وتوفي عام 1616، فهو في ذروة وهو ممثل لعصر النهضة، كما أن دانتي لعله أشهر شاعر في العصور الوسطى.
قال: ويجد كولريدج في مسرحيات شكسبير مثالاً رائعاً للشكل الفني الحي. تذكرون لما قلت لكم البعض كعبد الرحمن شكري يسمي عصر النهضة الرومانتيكية الأولى؟ البعض يسمي عصر النهضة الرومانتيكية الأولى، يعده رومانتيكية. أخونا خالد الشافعي يقول: دانتي سرق أبا العلاء، نحقق ثم نرمي، لعله لنا وقفة في ذلك إن شاء الله.
عادة لا أتكلم في شيء إلا إذا ألممت بكل ما يتعلق به. ويجد كولريدج في مسرحيات شكسبير مثالاً رائعاً للشكل الفني، فيقول إننا نجد فيها نمواً وتطوراً وخلقاً، نفس كلام العقاد؛ فكل سطر يولد السطر التالي، بل كل لفظة تنجب اللفظة التي تليها، بينما يحس القارئ بإرادة الشاعر متغلغلة، منتشرة في العمل الفني كله.
وبعد ذلك، تكلمنا في موضوع الوحدة وهذا لا يلزمنا، عرفتم الوحدة عند هؤلاء نابعة من فكرة الخيال، وعرفتم موقفنا منها، وعرفتم الخيال عندهم ما شكله وما قضيته، فقضية الوحدة عندهم لا تلزمنا أصلاً؛ لأن آفاقنا أبعد بكثير، ولذلك قلت لكم نحن عندنا لا نرتبط بما يسمى الوحدة الموضوعية، نحن نحقق الارتباط مع المرمى في أودية المعاني، هذا ليس عندهم.
لما فعلوا ذلك في العصور الكلاسيكية بشهادتهم، جاءك الكلام ميكانيكياً آلياً، نحن عندنا تعدد موضوعات، لكن الروح اللغوي والروح المعنوي والنفسي شد القصيدة، الغاية والفكرة شدت القصيدة، واللغة سمحت بذلك. هم عندهم في الكلاسيكية، كلاسيكية القرنين الـ 17 والـ 18، سموا ذلك ترتيباً آلياً، الشكل الآلي أو الميكانيكي، أنه مرتب ومنسق، ربع برتقالة، ربع كذا، كما قال كولريدج نفسه، ليس عندنا هذا الكلام.
أنا آخذك نبكي على الطلل مع امرئ القيس، ثم نلهو مع العذارى البيض، ونقتحم خدر عنيزة، ونخرج مع البيضة الخدر ونبكي في الليل ونذهب في البادية في الطرد بالحصان، ثم نتتبع السحاب، كل هذا في اتصال عجيب، وليس بربع تفاحة وربع كذا وربع كذا وربع كذا وتقول هذه تمت الدائرة بأربعة أرباع، لا، هذا عندكم أنتم، قضيتكم لا تلزمنا.
إذاً تخرج على نظرية الخيال عند كولريدج، تخرج عليها الكلام في الوحدة العضوية التي نسخها العقاد وزل فيها، وتخرج عليها كذلك الكلام في لغة الشعر لأنه خالفها، خالف نظرية ووردزورث في أن الشعر له الحقيقة. كولريدج هنا له كلام هو في أصله تمام ومصيب جداً فيه.
الخلاصة: وقد امتد تأثير نظرية كولريدج في الخيال إلى لغة الشعر، فناقش رأي ووردزورث السابق الذي ذهب فيه إلى أنه ليس هناك ولا يمكن أن يكون هناك اختلاف جوهري بين لغة النثر ولغة الشعر، إلى آخر ما قال. وقال لك هنا كلاماً معناه يقول: النثر نفسه يختلف إذا كتبته على أنه عمل يختلف في طبيعته عن النثر الذي تطرد فيه في الكلام المحكي لغة الناس، وهذه مسافة.
نتوقف للأذان.
نعم، بالضبط، أختكم أصابت، الأستاذة إيثار تقول: "شرف المعنى والأفكار المبتدعة والعواطف الجياشة كفت الشعر العربي، أما الرومانتيكية فبدلاً من ذلك اكتفت بشعور واحد"، تعدد بشعور، تعدده موجود عند الشاعر أو الطبيعة، فهي تمثل قصوراً في الإبداع، نعم صحيح.
هو يقول: "إذا كان هناك اختلاف بين لغة النثر المكتوب ولغة النثر المحكية، فكيف بالنثر والشعر؟". ويقول كذلك معترضاً على صديقه ووردزورث: "إذا كان الاختلاف الذي ينكره ووردزورث وجوده بين لغة الشعر ولغة النثر يعني به مجرد الاختلاف في الألفاظ، فذلك ما لا خلاف حوله؛ لأن الألفاظ هي المادة المشتركة بين مختلف فنون القول شعراً ونثراً، أما إذا كان المراد باللغة الأسلوب بمعنى بناء الجملة ووضع الكلمات في نسق تركيبي خاص، فذلك ما لا يوافقه عليه صديقه كولريدج؛ إذ إن نظم الكلام في الشعر، أو النظام الذي توضع فيه عناصر المعنى في الشعر، لا يختلف عنه في النثر".
ولا يرجع الاختلاف إلى وجوه وجود الوزن في الشعر فحسب، وإنما يرجع الاختلاف أيضًا إلى أن العلاقات تختلف؛ إذ إن نظم الكلام في الشعر، أو النظام الذي توضع فيه عناصر المعنى في الشعر، يختلف عنه في النثر. ولا يرجع الاختلاف إلى وجود الوزن في الشعر فحسب، وإنما يرجع الاختلاف أيضًا إلى أن العلاقات التي تنشأ بين لفظة وأخرى في الشعر الرائع تختلف عنها في النثر؛ فهي في الشعر وليدة علاقات حية نامية، وليدة الخيال الثانوي الذي يوحد بين الألفاظ والمعاني.
ومن هنا يا إخوة اختلفت مراتب الرومانتيكيين؛ ترى منهم من يحض على اللغة الفنية كالعقاد وشكري، لكن كلهم تحت سقف واحد هو سقف المذهب، كلهم تحت فكرة المشاعر الفياضة والتعبير التلقائي. فمع اختلافهم في الرتب من التافه جدًا إلى المحسن، كلهم تحت سقف منخفض.
قال: فالبناء اللغوي في الشعر إذاً هو دلالته ومعانيها نفسها. ويؤدي هذا التلاحم التام بين الألفاظ والمعاني في الشعر من وجه آخر إلى امتناع إعادة صياغة أبيات من الشعر بألفاظ أخرى من نفس اللغة دون أن تفقد شيئاً من مدلولها، سواء في المعنى أم الإحساس. فإذا لم تفقد شيئاً فهي لابد معيبة في عبارتها، والصواب أن يقال: دون أن تتغير؛ لأنك قد تصوغ في هذا الاتجاه وفي هذا الوزن أو في هذا التركيب شيئاً آخر بألفاظ أخرى، لكن إذا جئت بنفس التركيب هكذا وغيرته وبدلته أفسدت لا شك.
يتكلم بعد ذلك عن لغة الشعر، يقول: في هذا الاتجاه نفسه نراه في موضع آخر يفرق بين نوعين من اللغة. الخلاصة يقول: هناك نوعان من اللغة؛ لغة هي أداة اصطلاحية بحتة تشير إلى موضوع ما، وهذه اللغة كافية، يسميها لغة الإنسان بالمناسبة، ويعني بها لغة الحياة اليومية ولغة العلم، اللغة الاصطلاحية المباشرة. واللغة في هذا الاستعمال أداة اصطلاحية بحتة تشير إلى موضوع ما، وهذه اللغة كافية لأغراض كثيرة في العلم وفي الحياة اليومية، بل إنها أصلح من غيرها للعلم بسبب طبيعتها المجردة.
تجد بعضهم يقول: لا يتكلم إلا بالشعر، أنت كذلك عبيط؛ كيف لا يتكلم إلا بالشعر؟ لن يؤدي. أنت هل ستذهب لتقول بيت شعر لمحل البيض مثلاً لتشتري البيض؟ لا تنفعك لغة الشعر في التجارة اليومية وفي التعامل اليومي. بل يقول: بل إنها أصلح من غيرها للعلم بسبب طبيعتها المجردة، هل ستدخل المعمل وتدون شعرًا؟ ستذهب في داهية وتودي الناس في داهية؛ وجدت الخلية تتوجه بكل حب نحو... أين الحقيقة؟ نريد الحقيقة في الموضوع.
ثم يقول: إن للطبيعة لغتها الخاصة، ويعني بها العالم الخارجي بموضوعاته المحسوسة المباشرة الحية. أما اللغة الثانية التي تقابل لغة الإنسان فهي لغة الشعر، ولا سيما في الشعر الرائع. وفي هذا الاستعمال تحتل اللغة مكانًا وسطًا بين لغة الإنسان التي هي العادية المحكية، ولغة الطبيعة التي هي لغة العالم الخارجي بموضوعاته المحسوسة الحية.
تعرفون من الرومانتيكي عندنا المفسر؟ الذي كتب تفسيرًا أدبيًا وهو رومانسي جدًا بهذه اللغة، ويقول إن الكون كتاب الله المفتوح؛ هذا الطير الذي يطير، وهذه السماء الصافية. من يعرف يا إخوة هذا الرومانسي الذي كتب تفسيرًا للقرآن وهو رومانسي حتى النخاع؟ سيد قطب رحمه الله، الأديب المصري سيد قطب. هذا رومانسي، هذا مخلوق رومانسي، وجهه رومانسي، ونظراته رومانسية، ونفسه رومانسية. إذا قرأت له سطرًا من أول كلمتين تجده رومانسيًا، صعب جدًا، حياته الأدبية والعلمية رومانسية تمامًا، وبالمناسبة لم يترك الرومانسية حتى توفي رحمه الله، ظلت شخصيته هكذا حتى وهو يفسر القرآن، لغته التي يتكلم بها هكذا، وهو يكلمك عن الكون الذي هو كتاب الله المفتوح أو المنظور، الذي يقابل كتاب الله المقروء أو المكتوب.
هذا الفكر الرومانتيكي، ولهذا كان من أشد المدافعين عن العقاد في صراعه مع الرافعي، وهو هاجم الرافعي لصالح العقاد، فهاجمه محمود شاكر، تعرفون هذا؟ محمود شاكر كان مع الرافعي في بعض المعارك، وكان سيد قطب مع العقاد. وله كتابات كتبها، لكنه كان حادًا في طبيعته؛ سيد قطب الذي ترونه في التفسير وفي ظلال القرآن هذا الهادئ الرزين، لا، سيد قطب حادٌ جدًا في طبيعته وكان هجوميًا جدًا، كان ثائرًا وله طبيعة ثائرة، هكذا كانت طبيعته، لكنه كان رجلًا مضطردًا على موقفه واحد.
أما الدكتور أو الشيخ سعيد حوى رحمه الله، في كتابه الأساس، ها هو الكتاب "الأساس في التفسير" في ربط السور ببعضها، فالحقيقة كان واهمًا وهمًا شديدًا في أكثر ذلك على الأقل، وربما يكون لنا وقفة مع هذا يومًا ما إن شاء الله. لكن هذا رأيي من قديم وعرضته على بعض أهل العلم قديمًا ووافقني على ذلك، لكن الآن أنا أثق في هذا ألف ضعف، وازددت ثقةً في هذا الذي أقول.
يقول: وفي هذا الاستعمال تحتل لغة الشعر مكانًا وسطًا بين لغة الإنسان ولغة الطبيعة، بين لغة الإشارة الباردة المجردة والموضوعات الحية المحسوسة، أو كما يصفها أنها اللغة الأولى ممتزجة باللغة الثانية. ويشبه الفرق شاسعًا بين الألفاظ التي تستعمل مجرد علامات اصطلاحية للفكر، تشبه عملة للتخاطب، عملة ناعمة الملمس انمحى ما كان عليها من رسم وكتابة لكثرة الاستعمال، وبين تلك الألفاظ التي توصل لنا صورًا، سواء كانت مستعارة من موضوع خارجي معين أو كانت رمزية إلى آخره؛ يفرق بين اللغتين. بالمناسبة هذا مما استعمله إيفور ريتشاردز، العالم الذي تخصص في التفريق بين اللغة الأدبية وغيرها من اللغات.
توماس تيرنس إليوت أو تي إس إليوت، كان في وقت إليوت هذا الذي درس اللغة أو ما يعرف بالأسلوب الأدبي.
اعتمد كولريدج، وهنا فصل بعنوان كولريدج: عبقرية أم انتحال؟ يقول بوضوح: كانت لتلك النظرات النقدية العميقة التي أذاعها كولريدج في كتاباته صداها الواسع في الأدب، في النقد الأدبي في إنجلترا؛ فهي ليست مجرد تأملات خالصة لشاعر خبر عالم الإبداع وأدرك أسراره، وإنما تنبئ عن رصيد من المعارف اللغوية والسيكولوجية والفلسفية. وما تزال آراؤه في الخيال الشعري والصورة الشعرية والشكل العضوي ولغة الشعر تتردد في النقد الحديث كله حتى الآن.
وبفضل تلك الآراء احتل منزلة رفيعة بين النقاد، حتى لقد عده الناقد الكبير جورج سانتيايبري ثالثة من أعظم النقاد، والاثنان اللذان سبقاه هما أرسطو ولونجينوس. ووصَف آرثر سيمونز كتابه سيرة أدبية بأنه أعظم كتاب ظهر في النقد الأدبي في إنجلترا. كولريدج اسمه مهم، حتى إن هناك سلسلة أصدرتها حضارة المعارف قديمًا تسمى نوابغ الفكر الغربي، منها كولريدج.
يقول ريتشاردز، الذي ذكرناه الآن، عنه إنه رائد علم الدلالة الحديث؛ جعلوا كولريدج رائد علم الدلالة الحديث، وإن الخطوة التي اجتاز بها عتبة الدراسات النظرية العامة للغة مثل تلك الخطوة التي دخل بها جاليليو إلى العالم الحديث. يعني هذا ركن انطلاقة، مفصلي كما نقول. كولريدج، ولا تنسوا هذا الاسم كولريدج ووردزورث طبعًا.
قال عنه هربرت ريد: طليعة النقاد الإنجليز، وذهب إلى أنه سبق الوجودية، وسبق عالم التحليل النفسي فرويد. ولا تقل منزلة كولريدج بين النقاد الأمريكيين المحدثين عنها لدى مواطنيه من الإنجليز، حتى إنهم لا يدرسون أحدًا من النقاد القدامى الأمريكان سواه وسوى أرسطو.
لكن في الأخير، الخلاصة يرى فريق آخر أن كولريدج تلقى أفكاره الرومانتيكية عن الألمان؛ قالوا كان كولريدج قد سافر إلى ألمانيا عام 1798 بقصد تعلم اللغة الألمانية ودراسة الأدب الألماني ومكث هناك قرابة عامين، ويتهمونه بأنه أخذ أفكاره النقدية هذه والفلسفية، وأخذ كذلك نظرية المعرفة عن الفلاسفة والنقاد والأدباء الألمان؛ أمثال كانت وشيلر، الشاعر الذي كان صديق جوته.
وانتبهوا لأن شيلر أخذ مرحلة رومانتيكية، ويومًا ما نتكلم عن جوته؛ جوته وشيلر كانا صديقين، ومع أن جوته أكبر من شيلر لكن لشيلر تأثيرًا على جوته. كلاهما أخذ جزءًا في حياته، دخل إلى مدرسة الانفعال والثورة النفسية، ثم عاد إلى الكلاسيكية وانتظم فيما عرف بالكلاسيكية الفايماوية على حسب المدينة الألمانية؛ فلذلك الخلاصة أن جوته وشيلر يصنفان شاعرين كلاسيكيين لأن شيلر توفي عام 1805، ولكن لشيلر وجوتا في المنتصف نزعة رومانتيكية شديدة ثائرة أثرت في عدد من المفكرين الرومانتيكيين مثل أوجست شليجل وشقيقه وجين بول وآخرين.
ذكروا أن كولريدج كان قد سافر إلى ألمانيا قرابة عامين ونقل من هناك هذه الأفكار، والتحق في أثناء العامين بجامعة، فدرس هناك عدة أشهر اللغويات، وتردد على محاضرات بعض الأساتذة.
نحن نتوقف يا إخوة الآن، هناك دروس في المكان، فنتوقف إن شاء الله ونكمل غدًا بإذن الله تعالى. شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد