دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. يا مرحباً بالجميع، أرجو إخوة تفاعلكم مع البث لينتبه إخوانكم من بعد إذنكم.

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا لقاؤنا التاسع من شرح كتاب نظرية الأدب: دراسة في المناهج أو في المدارس النقدية الحديثة للدكتور شفيق السيد رحمه الله تعالى. وقفنا أمس، أيها الإخوة، أو انتهينا من الأفكار التي أتى بها ووردزورث، وكلها تقريباً تدور حول قضية لغة الشعر وتعريف الشعر.

خلاصة ما ذهب إليه ووردزورث أن الشعر فيض من المشاعر القوية المتدفقة، أو تعبير تلقائي وفيض تلقائي من المشاعر القوية المتدفقة. وهذا لزم عنه عدة أفكار كما رأيتم أمس. وطبعاً على المنهج الذي أسير به معكم، أبين لكم مفارقات المنهج الغربي أياً كان؛ سواء كان الكلاسيكية، أو الرومانتيكية، أو الحداثة بعد ذلك، أو النصية، أبين لكم مفارقات هذه المناهج للمنهج العربي أو للمذهب العربي.

فرأينا كيف أن ووردزورث نفى المعجم الشعري الأسلوبي أو اللفظي، وصوّر بعض الصور يرفض فيها التقديم والتأخير، ويرفض بعض الاستعارات، ويرفض التشخيص، ووقع في مشكلة أنه لما أراد أن يقول الشعر اضطر إلى مباينة اللغة العامة، وأن يأتي بهذه الصور، فهو رفض المعجم الشعري.

والمسألة الثانية، وهي قريبة من هذا، أنه دعا إلى أن تكون لغة الشعر لغة العامة، لغة أهل الأرياف؛ هؤلاء الذين يغنون بالقيثارة، وهذا تعبير ليس في الكتاب، هؤلاء أهل الأرياف الذين يعيشون في الطبيعة، ولا يتأثرون بكذا وكذا، وبعيدون عن الحضارة بزيفها.

ورأينا كيف أنه تطرف ووردزورث في موضوعات الشعر لما نظر إلى غاية الشعر وأنها تصفية النفس، فليست قضية بيان، واضح الآن، ليست قضية بيان، بل قضية مشاعر. وبالتالي فالشاعر الرومانتيكي هو شاعر يريد الإصلاح وصفاء النفس، فبالتالي رفض الهجاء.

تأثر بهذا يا إخوة عرب ومصريون وشوام، تأثر عندنا هنا عرب من المصريين والشوام ومن أصحاب قامات كبيرة، وقدموا قيماً جديدة للأدب العربي كما هو عنوان كتاب الأستاذة عائشة عبد الرحمن، عائشة بنت الشاطئ رحمها الله. تأثروا بهذه الدعوات لا شك، وتأثروا بهذه الحركات، ما كانت هينة.

فنرى كيف رفض ووردزورث الهجاء، وكيف مال إلى حتى التعليم وقال إنني أحب أن أكون معلماً، وهذا كله يؤيد أن القضية قضية توجه اجتماعي ونفسي وليست توجهاً لغوياً أدبياً. انتهينا أمس من الكلام عن ووردزورث، وننتقل اليوم إلى الكلام عن كولريدج الذي يشكل معه أساس النظرية الرومانتيكية.

وقلت: إذا أوعبت الرجلين فأنت أوعبت على مستوى جيد النظرية الرومانتيكية. بعد ذلك، في نهاية فصل الكلام عن الرومانتيكية، سأرشدكم إلى بعض المراجع حول الرومانتيكية لمن أراد التوسع والتفصيل والتمثيل والتتبع التاريخي للرجال المختلفين بالأفكار المختلفة؛ سأرشدكم إلى كتابين إن شاء الله تعالى في هذا، كتابين مفصلين فيهما أبحاث وفيهما تتبع تاريخي. وأنا ملتزم هنا بقدر الإمكان ألا أتوسع معكم كما توسعت هذه الكتب، لكم أن تقرأوا أنتم هذه الكتب، لأن هذا الكتاب في الأخير يعتبر جامعياً، تمهيدياً، مبتدئاً، ليس كتاباً ضخماً في المجال أو متعمقاً فيه.

نأتي إلى كولريدج. كولريدج كما عرفتم هو صديق ووردزورث الإنجليزي، وهو معه يكون الفكرة الرومانتيكية. يقول: لقد أسهم ووردزورث بمقدمته المشار إليها وملحقاتها في بناء نظرية الشعر عند المدرسة الرومانتيكية، لكن هناك مصادر أخرى لا تقل أهمية عنها، وتلك هي محاضرات صديقه كولريدج ومؤلفاته النقدية، وفي مقدمتها كتاب «سيرة أدبية» الذي ظهر سنة 1817.

رأينا أن كل رجالات الرومانتيكية ولدوا كما قلت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وماتوا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. الرومانتيكية قرنها هو القرن التاسع عشر في الأوروبيين، وقرنها عندنا في مصر القرن العشرين لأننا صرنا نتلقى منهم بعد عهود التأخر.

وهناك محاولة وحيدة كما قلت لم تفلح في رأيي في تأسيس مدرسة كاملة هي اتجاه الإحياء والبعث أو مدرسة الإحياء والبعث، سرعان ما هاجمتها مدرسة الديوان. وما كانت تقدر مدرسة الديوان على مهاجمة مدرسة الإحياء والبعث لو أنها أسست تأسيسًا علميًا نقديًا بجوار المدرسة الرومانتيكية. لو قدر لمدرسة الرومانتيكية الآن من ينظر لها تنظيرات العقاد وميخائيل نعيمة ويكتب فيها كما كتب جبران خليل جبران وعبد الرحمن شكري، لا كنا نخشاهم بحمد الله تعالى. وسترون إن شاء الله كيف سنفند اتجاهات هذه المدرسة وهذه الكتابات ربما في مجالس أخرى من كتابات العقاد وكتابات عبد الرحمن شكري؛ لأنهم في الأخير تقريبًا لا يخرجون عن كولريدج ووردزورث، بل هناك تصريحات عند العقاد بأنه تأثر بهؤلاء النقاد الإنجليز أو الأوروبيين عموماً.

أسهم ووردزورث بمقدمته المشار إليها وملحقاتها في بناء نظرية الشعر عند مدرسة الرومانتيكية، لكن هناك مصادر أخرى لا تقل أهمية عنها هي محاضرات صديقه كولريدج ومؤلفاته النقدية، وفي مقدمتها كتاب «سيرة أدبية» الذي ظهر عام 1817. وتناول في بعض فصوله مناقشة آراء ووردزورث السابقة، وعرض في بعضها الآخر جوانب أخرى من النظرية الرومانتيكية ولبعض ما يؤمن به من مبادئ في فلسفة الجمال.

ويتفق كولريدج مع ووردزورث في أن الشعر ليس نقيضه النثر، وإنما نقيضه العلم، أما نقيض النثر فهو النظم. طالما النثر جميل والشعر جميل فهما من باب واحد، القضية عندهم قريبة من بعضها، عندنا لا؛ عندنا لو قلت قصيدة نثرية أنت دفنت القصيدة وأدتها أصلاً، هي موؤودة ولدت ميتة. ونحن كما قلت أمس نعلق للشاعر على لفظة «نثرية لا تصلح».

والشعر لمحة، كما قال البحتري: الشِّعْرُ لَمْحَةٌ تَكْفِي إِشَارَتُهُ ... وَلَيْسَ بِالهَذْرِ طُولَتْ خُطْبَةُ

سمى القصيدة إذا كانت كالخطبة هذراً، ولم يقل للخطيب أنت هاذر، لكن القصيدة إذا كانت كالخطبة كانت هذرًا. الشعر ليس خطابة، لو خطبت بالقصيدة إذاً أنت هاذر. ويتفق كولريدج مع ووردزورث، ويرجع التناقض بين الشعر والعلم إلى الغاية.

ما هي المشكلة عند الرومانتيكية؟ المشكلة في العقل؛ فهم منقلبون على العقل الكلاسيكي. تذكرون كلاسيكية القرن السابع عشر والثامن عشر، التي هاج فيها الشعراء نحو العقل واللياقة وشددوا عليها جداً، وبناءً على العقل والواقعية أسسوا لفكرة الوحدات الثلاث في الشعر المسرحي: وحدة الزمان والمكان والحدث. وقد تكلم عن الحدث أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، ولكنهم بعد ذلك أسسوا وحدة الزمان والمكان، وهم انقلبوا على هذا كله.

لماذا انقلبوا على هذا؟ لأنهم أصلاً منقلبون على عصر سبقهم، وهو هذا العصر الذي سادت فيه الكلاسيكية وكانت فيه الطبقية طبقية النبلاء ورجال الكنيسة. فانقلبوا على ذلك بتأثير شيئين: الثورة الصناعية والثورة الفرنسية. الثورة الصناعية جاءت تدريجية، أما الثورة الفرنسية التي كانت عام 1789 فبدأت هنا طبقة تظهر من الناس وبدأت تشعر باتجاه خاص عندها في التعبير، فكانت ضد العلم الذي له ارتباط بالعقل الذي حكموا به الشعر.

الشعر عندهم اتجاه نفسي وانفعالي؛ نريد التعبير عن الذات، ننطلق ونرتبط بالطبيعة، ونتجرد من عوامل الحضارة ومن ظواهرها، فهو اتجاه نفسي صرف. ويرجع التناقض بين الشعر والعلم إلى الغاية المنشودة من كل منهما؛ فالغاية المباشرة من الشعر هي المتعة، في حين أن الغاية المباشرة من العلم هي الوصول إلى الحقيقة وتوصيلها إلى الغير، وإن كانت معرفة الحقيقة قد تعين الفرد في المستقبل على إدراك طبيعة المتعة التي يسعى وراءها. وقد يقوم الشعر بتوصيل أهم الحقائق الخلقية، ولكن ليست غايته المباشرة.

لكن كيف نميز الشعر من النثر العالي أو النثر الفني؟ بيد أن هذا التعريف، على أهميته في التمييز بين الشعر والنثر، لا يكشف عن جوهر الشعر في الحقيقة؛ يقول الدكتور: لا يكشف عن جوهر الشعر لأنه يصدق على بعض الكتابات النثرية التي قد تصف أحياناً جمال الطبيعة والعواطف والأحداث الإنسانية من شتى جوانبها بلغة طبيعية ريفية، كما عند وردزورث، ومع ذلك لا تسمى شعراً.

هم عندهم مشكلة: إذا كان الشعر كالنثر، والشعر ليس نقيض النثر، واللغة عاطفية واحدة وطبيعية، فماذا يقابل الشعر والنثر الفني أو النثر الجميل؟ هو النظم أو العلم. وردزورث قال النظم والعلم، وهنا كولريدج صديقه قال النظم والعلم. إذاً، كيف نفرق بينهما؟

قال: إذا كان العمل الأدبي لا يستحق أن يسمى قصيدة حتى تتحقق فيه هذه الصفات، فإن هناك صفة أخرى لابد من توافرها، وهي انفعال المتعة أو حالة الانفعال الحاد التي تميز الشاعر نفسه وهو يقوم بعملية الإبداع. قالوا هو الانفعال الزائد، هو هذا الفرق بينه وبين النثر. وينتهي كولريدج إلى تعريف الشعر أو القصيدة بأنها ذلك النوع من التأليف الذي يضاد العلم في أنه يرمي إلى توليد متعة عقلية، ويحقق هذه الغاية باستخدام اللغة الطبيعية التي تلائم حالة الانفعال. والذي يتميز عن غيره من أنواع التأليف التي قد تشترك معه في هذه الغاية بأنه في تكوينه الكلي يولد في نفوسنا مقداراً من المتعة يتمشى وإحساسنا بالمتعة التي تولدها الأجزاء المكونة لهذا الكل.

نحن عندنا عرفنا الشعر بماذا يا إخوة؟ كما قال القرطاجني: «هو القول المخيل الموزون المقفى»، وتحت المخيل تدخل المادة الشعرية العالية، والوزن والقافية ركن. وأنا ملت في التعريف حتى نكون أحراراً في هذا الملء إلى استخدام منهج استللتُه من منهج الدراسة الفقهية التي درستها دهرًا من عمري، أكثر من نصف عمري في الدراسة الشرعية، وما زلت فيها.

فمما استفدته من هذه الدراسة حين عرفوا الصوم بأنه «إمساك مخصوص في وقت مخصوص»؛ يبدو مجملًا جداً، لكن تحته كل الأحكام. إمساك مخصوص عن أشياء وكيفيات مخصوصة في وقت مخصوص هو وقت الصيام، سواء ظرف رمضان أو ظرف اليوم من الفجر إلى المغرب. فكذلك قلت: الشعر قول مخصوص في طبقة من المعاني مخصوصة.

ما الفرق بين كلامي هنا وكلام كولريدج؟ وما الفرق بين كلام القرطاجني وكلام كولريدج؟ كلامي وكلام القرطاجني يدور في القول المخيل والقول المخصوص، أما كلام كولريدج فقد رتب الأمر على العاطفة، وهذا ترتيب على شيء غير محكم؛ لأن العاطفة قد تحصل من نفس الموضوع مع لغة خفيفة، فهل أتسميها شعراً؟ وردزورث وكولريدج يسميان هذا شعراً، بل وردزورث صرح باللغة الخفيفة والعاطفة اللطيفة.

وأنا سأستخرج لكم اليوم من كلام كولريدج شيئاً دقيقاً لم أرَ في حقيقة الأمر أن أحداً تتبعه، فقد تتبعت كل من كتب على الرومانتيكية وعلى المذاهب النقدية ولم أرَ من تتبع هذا عند كولريدج، بل ما وجدت إلا الإعجاب بنظرية الخيال عند كولريدج. سأستنبط لكم -والحمد لله فيما يبدو لي والله أعلم وليس علي من حرج فيما لم أدرِ به- أن أستخرج لكم من كلام كولريدج في نظرية الخيال النظرية الرومانتيكية القطب عند كولريدج، التي تنضاف إلى نظرية اللغة وطبيعة اللغة والمعجم اللغوي عند وردزورث والطبيعة لتشكل الفكرة الرومانتيكية الكاملة.

هذا البحث أنا وضعته في كتاب التأسيس: «أصول فن الشعر عند العرب»، ما يلتقي فيه كولريدج الرومانتيكي ووردزورث الرومانتيكي، مع أنه يبدو كولريدج -بقطع النظر هل هذا كلامه أم هو ناسخ كلام الألمان- لكن هي الآن لصيقة بكولريدج؛ فكرة الخيال، نظرية الخيال الرومانتيكي، وهي ركن قطب في النظرية الرومانتيكية كما سيأتي، واستعملها العقاد في طعن شوقي.

واستعملها العقاد في طعن شوقي، ولهذا أنا قدمت هذا الكتاب. تعمدت تقديم هذا الكتاب على شرح كتاب الديوان للعقاد، لأن فيه أشياء سنفهم بها العقاد في نقده لشوقي.

سأستنبط لكم من نظرية الخيال عند كولريدج ما يلتقي فيها بنظرية اللغة عند وردزورث؛ يلتقي في أنه كأنه يقر بأن اللغة الرومانتيكية لغة أقرب إلى العامية وكلام الناس، من نظرية الخيال التي تبدو نظرية دقيقة عند كولريدج. وسأريكم كيف أنها بخلاف ما يقوله المبهورون بها من العرب، كيف أنها لا تصلح عندنا. لأنني لما درست الرومانتيكية أنزلتها على المذهب العربي الذي تضلعت منه أولًا، فوجدت أن الخيال لا يصلح.

الذي سيقرأ مباشرة في نظرية الخيال عند كولريدج سيعجب شديدًا، سيقول: «ما أجمل نظرية الخيال، هي مبهرة حقيقةً، وتبدو لك سليمة»، وبالفعل بالمناسبة شطرها سليم كما سيأتي اليوم إن شاء الله. لكن سأستنبط لكم منها التقاءً مع وردزورث في نظرية لغة الشعر، وأنه لا يوجد معجم، وأنها لغة عامة، مع أن كولريدج يخالف وردزورث في المعجم الشعري، يخالفه في النظرية.

هو هنا أدار الأمر على العاطفة؛ هذا هو الفرق بين الشعر والنثر: أن تثير العاطفة. أنت لم تحرر هذه العاطفة، حصلت من جهة ماذا؟ قد تكون العاطفة المشبوبة من جهة التقاء المعاني، ويتحقق أدنى مسحة من الكلام الجميل. بمناسبة، أشار إلى هذا نقادنا كالقرطاجني، قالوا: القصص الممتعة إذا جاءت في أقرب نظم، لطيف خفيف، أمتعت جدًا وأثارت النفس.

أنت تسمع عمر بن أبي ربيعة تقفز من الجمال، لماذا تقفز مع أن عمر شعره قريب؟ القصة ممتعة والتقطت مع مسحة بيانية خفيفة. فكوليردج أدار الأمر على العاطفة القوية؛ ما الفرق بين الشعر والنثر؟ العاطفة القوية. نحن أرجعناه إلى التخييل والمحاكاة اللغوية التي يؤول بها الأمر إلى عاطفة شديدة، وخيال شديد، وإثارة نفسية شديدة، لكن عن طريق ماذا؟ عن طريق اللغة.

دعوني أضع نفسي مقام المتلقي؛ يا أبا قيس، أنت ربطتها بالعاطفة، وأنت ربطتها باللغة، وقلت إنها ستؤول إلى عاطفة شديدة، وكولريدج ربطها بالعاطفة مباشرة، الفكرة واحدة، ما المشكلة؟ أنت ربطتها بالوسيلة، هو ربطها بالغاية. أقول لا؛ أنا لما ربطتها باللغة التي تؤول إلى التخييل النفسي والانفعال النفسي، قيدت نوع الانفعال أن يكون عن طريق اللغة. لكن لما ربطها هو بالعاطفة، احتمت هذه النظرية بالانفعال بالعاطفة نحو المعاني المجردة مع المسحة اللغوية الخفيفة، وهذا نرفضه.

لو كان الانفعال بركانيًا بالمعاني لا عن طريق اللغة، ليس شعرًا عندنا. يمكنك أن تسمع خطبة تقفز منها وتخرق السقف وتعجبك، أقول لك ما زالت خطبة، ليست شعرًا. ألا ترى؟ أرى خطبة، وما زال الشعر فنًا لغويًا بالمقام الأول. قلت لكم هذا مهم، قضية نظرية الخيال والرومانتيكية، لأن العقاد رومانتيكي.

هو فيمن قصدهم محمود شاكر في بعض مقالاته، من أنهم الشباب الذي انقلب وثار على مدرسة إحياء والبعث التي صنعها البارودي ومن بعده، وكانوا تأثروا بالأدب الغربي فجاء شعرهم ضعيفًا وإن كان فيه معاني حسنة. العقاد من هؤلاء، فسترون كيف، لذلك قلت لكم أدرسكم هذا قبل كتاب الديوان؛ لأن العقاد استعمل هذا، يقول: «تكوينه الكلي يولد في نفوسنا مقدارًا من المتعة يتمشى وإحساسنا بالمتعة التي تولدها الأجزاء المكونة لهذا الكل».

ومع ذلك فإن هذه الإضافة لا تجدي كثيرًا في توضيح مفهوم الشعر. فانفعال المتعة الذي يشير كولريدج إلى أن الشعر يولد في نفس المتلقي، والذي يزعم أنه يميز الشعر عن الكتابات النثرية المشاركة له في الأوصاف السابقة، لا يتصور حدوثه إلا من الوزن، والوزن يوجد في الشعر الجيد والشعر الرديء. ومعنى ذلك أنه ليس مناط الفصل الحاسم في القضية، فضلاً عن أن كولريدج نفسه يعترف بأن الشعر قد يوجد في أسمى صوره بدون الوزن.

لهذا نراه يعدل في تحديد معنى الشعر من وصف حالة المتلقي إلى وصف حالة الشاعر نفسه، مشيرًا إلى أن السؤال عن ماهية الشعر يكاد يكون هو نفسه السؤال عن ماهية الشاعر، حتى إن الإجابة عن أحدهما تتضمن الإجابة عن الآخر. ولكي نفهم طبيعة الانفعال الذي يعتمل في نفس الشاعر ينبغي أن نتصور عملية الإبداع التي تجري بداخله؛ فالشاعر يتمتع بطاقة كبيرة من الانفعال والإحساس بالأشياء والمواقف والأحداث.

لاحظتم التخبط يا إخوة؟ ما هو الشعر؟ تخبط، لأنهم أداروا الأمر من الأول على عاطفة فخرجوا عنها. خلاصة المشكلة، لماذا النظرة مضطربة؟ لو سألك أحد هذا السؤال المهم جدًا: ما هو مصدر اضطراب تعريف الشعر أو نظرية الشعر عند الرومانتيكية؟ سهل جدًا الآن أن تجيب: اضطراب ذلك أنهم أداروا الأمر حول شيء نفسي واجتماعي هو العاطفة وطبيعة المعاني.

يريدون وضع تعريف لشيء ما، لماذا؟ يريدون وضع تعريف لمادته اللغوية. تعرف المشكلة عند الرومانتيكية أين؟ حتى لما نقول نحن نسبقهم بقرون، أنا لا أبالغ، لست واعظًا، أنا لست شخصًا على منبر يعظ، أنا أرى هذا بعيني. إذا اهتديت إلى المصدر الآن، النص، سأريكم عجبًا، عجبًا شاء الله، أريكم عجبًا عند عبد القاهر.

لماذا اضطربوا؟ ركز يا خالد الشيباني، لماذا اضطربوا؟ لأنهم يريدون أن يضعوا تعريفًا لشيء من خارج طبيعته، يريدون أن يعرفوا الشعر. ما هو الشعر أولًا وأخيرًا؟ الشعر أولًا وأخيرًا قول، صح؟ كيف تدخل إلى تعريف شيء حقيقته وطبيعته القول؟ مادته من ألفها إلى يائها قول، وأنت عندك عقيدة أخرى من الخارج، عندك فكرة اسمها العاطفة. من الذي قال هذا بتعبير يأخذه هذا الجمال؟ ومن الذي وضع هذه الفلسفة وأسس هكذا؟

يا رب أهتدي إليها، يا رب أهتدي إليها بسرعة. في الدلائل. الله، استجاب الله دعائي. لا، الظاهر ربنا أجل استجابة الدعاء لشيء أعظم إن شاء الله. أنا ارتجلت الكلام، وإن شاء الله نصل بسرعة، إن شاء الله أراد الله أن أؤجر أكثر على البحث. لابد أن تقرأوا هذا النص إن شاء الله، لابد، ما فيش مجال، لكن معقولة لم أدون حوله؟

ربما نقلته في كتاب عندي، إن شاء الله غالبًا نقلته عندي، هذا النص ربما، لحظة. أيوة، شفت، هذا هو، توثيقه أنا وثقته، وللأسف لم أوثقه في الطبعة، أوثقه في الطبعة الآن بعد الدرس إن شاء الله. تعالوا يا إخوة، عبد القاهر يتكلم في فكرة الحكم في جنس من الأجناس، أي جنس؟ جنس أي شيء؟ الكلام في دلائل الإعجاز، الصفحة الرابعة بعد المائتين والخمسين، في الفقرة السادسة بعد المائتين والتسعين، هذه نسخة محمود شاكر.

يتكلم عن الذين عابوا الكلام بمعناه، يعني نظروا إلى المعاني. زي واحد كده اسمه وردز ورث، قال لك الهجاء لا يصلح لأنه يفسد النفوس. وهناك من العرب، حتى ممن تقدم، كان يتجه هذا من الجهلة العامة. فعبد القاهر يعطيك الميزان في الحكم بكلام شخص عاقل. والرومانتيكية الحديثة، النقد الأدبي الحديث الذي فيه الرومانتيكية على رأسه، يضطربون؛ يريدون تعريف الشعر وهم دخلوا بالعاطفة، فما أدركوا الشعر.

العاطفة، الشعر لغة تؤول إلى عاطفة خاصة، إنما لما دخلوا بالعاطفة ظلوا مضطربين؛ اضطرب وردز ورث، واضطرب كولردج، وكلهم يضطربون في هذا. كيف تفرقوا بين الشعر والنثر؟ بل الكلام على النثرية الشعرية أو الشعرية النثرية الكثيرة عند الأدباء المتأخرين عندنا في مصر والشام، للأسف، هي صدى لهذا الفكر الرومانتيكي، في تقليل الحواجز بين لغة الشعر ولغة النثر ما دامت عاطفية، ونقول لهم هيهات.

اسمع ماذا يقول عبد القاهر: «واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبًا وحكمةً وكان غريبًا نادرًا فهو أشرف مما ليس كذلك». لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه العلماء والبلغاء الكبار، من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبًا وحكمةً وكان غريبًا نادرًا فهو أشرف في نهاية الدين والأخلاق من غيره. الأشرف هنا ليس شرف عمود الشعر، لا، الشرف هنا شرف العرف العام.

لم يعيبوا من فعل هذا جهلًا منهم بأن معاني التوحيد أشرف من معاني الكفر، ولا جهلًا بأن المعاني الأخلاقية في ذاتها أشرف من معاني المجون وكذا، ولا بأن ذكر شرب اللبن أفضل من ذكر شرب الخمر من حيث ذاته، أن شرب اللبن حلال وشرب الخمر حرام. ليس من هذه الجهة، إذًا من أية جهة يا عبد القاهر عاب العلماء تقديم الشعر وتفضيله بمعناه المجرد؟

بل عابوه من حيث كان، اسمع إلى الجمال والروعة، بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى، من حكمه يعني من لازمه، مما يلزمه، من حكم من قضى في جنس من الأجناس، أي جنس، في حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقد، يعني أن يحكم له بالفضل أو ينقضه بفضل أو نقد، ألا يعتبر في قضيته إلا تلك الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته ماهيته.

هذا كلام عبد القاهر يا جماعة في القرن الخامس، الناقد العربي مؤسس علم البلاغة العربية في القرن الخامس، أيام العصور الوسطى المظلمة أيام حرق العلماء في أوروبا، مش كلامي قيسوها، في القرن الخامس كان هناك العاشر والحادي عشر. يقول: «من حكم من قضى، يعني من حكمه يعني من لازمه، من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقد، يعني بمدح أو ذم، ألا يعتبر في قضيته، يعني في حكمه، ألا يعتبر في قضيته تلك إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته، يعني ماهيته، وألا ينظر فيها إلى جنس آخر».

أنت بتحكم في الشعر، قضية الشعر، فاعتبر الأوصاف التي تخص جنس الشعر وترجع إلى ماهية الشعر. ما ماهية الشعر؟ ما حقيقته؟ أسألكم، ما ماهية الشعر؟ ما حقيقته؟ متى يوجد ما يسمى شعر؟ متى نقول هذا شعر؟ هناك شعر؟ النظم، التركيب، اللغة، العبارات، هذا هو. لا يحكم في الشعر إلا بما يرجع إلى تراكيبه وعباراته، أنه قول، هذا فن القول. التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته، وألا ينظر -هذا من حكمه من واجبه- ألا ينظر فيها إلى جنس آخر، وإن كان من الأول بسبيل.

أو متصلاً به اتصالاً ما لا ينفك منه. ربما تقول: يا عبد القاهر، المعاني لا تنفك عن الألفاظ. نقول: حتى لو كان كذلك، لا تحكم بالمعاني المجردة وإن ظلت ملازمة للمعنى الفني. ما هو المعنى المجرد؟ هو موجود في المعنى الفني. من كفر بقصيدة، فالكفر موجود في القصيدة الجيدة أو الرديئة، ومن آمن في قصيدة، ومعاني القرآن موجودة في القصيدة الجيدة أو الرديئة. حتى لو كانت ملازمة، لا تحكم بذلك الجنس الآخر، بل تحكم بالجنس الذي يتعلق أو يخص أو يرجع إلى حقيقة المحكوم فيه، تحكم بالأوصاف التي ترجع إلى حقيقته، أي ماهية مادة هذا الجنس.

ما مادة الشعر؟ القول. إذاً أحكامك كلها تتعلق بالقول. هذا هو عبد القاهر في «دلائل الإعجاز». هذه البلاغة التي عفى عليها الزمن، هذه البلاغة التي أكل عليها الدهر وشرب، ولا بد أن نتطور. هذا التطور الذي يدعون إليه هو اضطراب. هل جئت بشيء من عندي؟ قرأتم ما قال عبد القاهر في ميزان الحكم في جنس من الأجناس؟ ورأيتم اضطراب وردزوارث وكولريدج؛ مش عارفين يعرفوا الشعر، مش عارفين يميزوا الشعر عن النثر، ويقول لك قطعًا ليس بالوزن، ونحن عارفين أنه ليس بالوزن، بل نسمي النظم الرديء نثرًا.

قلت لكم نحن متقدمون على الغرب في فنون البيان بقرون ضوئية، لا مقارنة. وكلمتكم في المحاضرات السابقة، امرؤ القيس بمجونه، بحريته، بانطلاقه، كان في صدر العصور الوسطى المظلمة في أوروبا، التي بدأت خلاص من القرن الخامس بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية عام 476م. كان امرؤ القيس على ما قدر ولد في تلك الفترة ومات عام 540 ميلادية، يعني كان في القرن الأول من العصور الوسطى، بعدها كل ما ترونه من علم الشعر والتأليف في القرن الرابع الهجري وكلام عبد القاهر في القرن الخامس، حيث كانوا في منتصف العصور الوسطى حيث الظلام، وحيث حرق العلماء وعقاب الشعراء الذين يخرجون عن الطريق.

بعد ذلك في الانتفاضة الحديثة وإرجاع الكلام في الرومانتيكية في القرن التاسع عشر، وآخر القرن الثامن عشر، إرجاع الأمر إلى العاطفة والذاتية والثورة البرجوازية والثورة الصناعية وثورة الإنسان الأوروبي المتحرر، هذا ما تقرؤونه الآن. هناك اضطراب شديد في الفصل بين الشعر والنثر. العرب ما ميزت بينهما بالوزن، كانت تسمع الموزون، بل لو جئت فيه ببلاغة الخطبة. عندك البحتري في القرن الثالث يقول: والشعر لمحة تكفي إشارته *** وليس بالهذر طولت خطبه

يعني ليس خطبة حتى لو كانت بليغة. رأيتم؟ الرجل مضطرب، مش عارف ما هو الشعر. فالشاعر يتمتع بطاقة كبيرة من الانفعال والإحساس بالأشياء والمواقف والأحداث، وهو يتلقى العناصر المتباينة التي تتكون منها تجربته الشعرية، فيصبغ عليها من عاطفته ويصهرها جميعًا بتلك القوة السحرية التركيبية.

تخيلوا في الشعر! لا أقول لكم القوة السحرية التركيبية، هل رأيتم تعبير عبد القاهر؟ يحكم في الشيء بحكم جنس الشيء بالأوصاف التي تتعلق بماهية هذا الجنس وبحقيقة هذا الجنس، لا بالأوصاف الثانوية وإن لازمت الأوصاف الأولى. شفت الفرق؟ هذا الحديث وهذا الذي عفى عليه الزمن، أكل عليه الدهر وشرب. والله، كتاب نصر القرآن ونصر البيان العربي، عبد القاهر. أخبروني أن يقولوا لي: أنت عصبي يا أبا قيس! ما هو أنا قرأت ودرست هذا ودرست هذا، أعرف هذا وأعرف هذا، ثم أرى أمام عيني الدكاترة والحداثيين يقولون: هذه بلاغة ساذجة قديمة أكل عليها الدهر وشرب، نقد قديم وهذا نقد حديث. كيف لا يغضب من يرى هذا ويرى هذا؟

أنا أعيش منذ سنين في هذا وهذا. بمناسبة عدد الكتب التي قرأتها في الأدب الغربي وفي النقد الغربي، أضع عدد المجلدات أضعاف ما قرأته في الأدب العربي. الأدب العربي الكتب والنقد عنده قليلة، عاملة مترين أو ثلاثة في المكتبة، أما الأدب الغربي فموسوعة كامبريدج وحدها مترين تقريبًا. فأعيش مع هذا ومع هذا وأرى الفرق بينهما. انظر إلى التعبير: «فالشاعر يتمتع بطاقة كبيرة من الانفعال والإحساس بالأشياء والمواقف والأحداث، وهو يتلقى العناصر المتباينة التي تتكون منها تجربته الشعرية، فيصبغ عليها من عاطفته ويصهرها جميعًا بتلك القوة السحرية التركيبية، وهي الخيال الذي يقوم بالتوفيق بين الصفات المتضادة أو المتعارضة، فهو يوفق بين...»، إلى آخره. غير أنه لا يعرضها لنا عرضًا موضوعيًا، أي كما توجد في عالم الواقع اليومي الذي يتسم بالفوضى، وإنما يحورها ويعدل منها ويقدمها خلقًا جديدًا، وفي ذلك كله يكون انفعال المتعة الذي يحس به الشاعر.

تعالوا إلى قضية الخيال. ابتداءً قبل أي شيء، باختصار حتى لا تتوهوا في التعريف واللف والدوران؛ هناك لف ودوران حول تعريف الخيال والوهم. هناك نظرية تعتمد عليها الرومانتيكية، وهي نظرية اختلفوا هل كولريدج كان فيها أصيلًا أم كان ساقيًا على أدب الألمان الذين هم ضليعون في الرومانتيكية كما عرفتم من قبل، المهم عندنا هو أن هذه نظرية رومانتيكية، فكرة الخيال، وهي التي تفرعت عنها بالمناسبة الكلام في وحدة القصيدة عندهم.

الخيال باختصار، أو الفرق بين الخيال والوهم: الخيال هو الروح الذي يلقيه الشاعر على المكونات الشعرية لتتصل تحت سلك واحد للدلالة على روح هذا الشاعر. الخيال هو ذلك الروح الذي يتصل به الكلام في غاية واحدة، في غاية نفسية تعود في الأخير بالبيان على الكشف، أو تعود علينا بالكشف عن روح الشاعر وصدقه، ولذلك هي مرتبطة بالصدق. والفرق بين الخيال والوهم هو أن الوهم تجميع للصور بأسباب أخرى غير روح الشاعر. باختصار، الفرق بين الخيال والوهم هو الفرق في اصطلاحنا بين الإبداع التخيلي والتلفيق الشكلي. فالجناس الشكلي وهم، والجناس المفيد خيال.

يربط فقط للشكل اسمه وهم. بديع البحتري أكثره خيال، وهذا النوع من البديع اتهامي، وهو الذي رأيتم كلامه من قبل؛ هو وهم. باختصار، الغاية النفسية للشاعر لا بد وأن تظهر في شعره حين يشبه أو يستعير أو يكنى أو يستعمل البديع، دون أن يبدو أنه استعمل هذه الأشياء إغراءً، بل هو أغري بها، أغرته بالاستعمال.

هذا المبدأ هو الذي استعمله العقاد في تفنيد بعض تشبيهات شوقي في كتاب اللغة الشاعرة، كتاب الديوان. هذا المذهب هو الذي استعمله العقاد في تفنيد وتقبيح بعض شعر شوقي أو تشبيهاته.

وأقول هنا، الشاعر الذي يتكلف -تذكرون لما تكلمنا عن القرطاجني- هناك الطبيعة الموافقة للمعنى، وهناك قوة التشبه بهذه الطبيعة، ثم هناك فقط قوة التعمل اللغوي. وقلنا إن الثاني في حكم الأول، الذي عنده قوة التشبه بصاحب الطبيعة في المعنى المعين، أي مال نحو المعنى. ثم هناك الدربة. وقال القرطاجني: صاحب الدربة فقط، دون أن يكون مطبوعًا على المعنى، ودون أن يكون عنده قوة التشبه بصاحب الطبع، هذا النوع الثالث سيظهر كلامه باردًا متكلفًا. تذكرون هذا الكلام؟ لما شرحته في كلام عن المتنبي.

وهذه محاضرة مهمة جدًا يا إخوة، أشرت إليها أمس؛ لما نزل المتنبي عن حيثيته الشعرية لما غادر سيف الدولة، قرأنا هذا وشرحناه. هذا النوع هو الذي يقع فيه الوهم، لأن صاحب الوهم يلفق، وأما صاحب الشعور فيشعر فينساب، تنساب معه المكونات ويجمعها. هذا هو الفرق بين الخيال، الذي هو الخيال الإبداعي، والوهم. الخيال هو بالضبط الإبداع التخييلي، والوهم هو التلفيق الشكلي عندنا في اصطلاحنا. فالتشبيه المفيد خيال، والتشبيه الشكلي وهم، الشكل المحض وهم.

تلاحظون في مجالس المحاولات الشعرية، ترون كثيرًا من الإخوة ماذا يفعل؟ يحاول يشبه ويجمع وكذا، وهذا وهم؛ اسمه وهم. لما أقول له: أنت لم تؤد فكرة، أنت مغتر بالتشبيه. لكن لو لاحظت الذين تقلدوهم في التشبيه، تشبيههم الجميل الذي أعجبك، عندهم غاية منه، أنت ليس عندك. فهذه مشكلة عندك. هذا هو الخيال، وهذا هو الوهم في الأخير.

هنا يأتي الحديث المفصل بعض الشيء عن الخيال عند كولريدج، والواقع أنه عني به عناية كبيرة فاقت ما لدى غيره من النقاد. كولريدج اهتم كثيرًا بنظرية الخيال، وفيها كتاب صنفه الدكتور محمد مصطفى بدوي. هذا الكتاب يتحدث عن كولريدج، وكما ترون هذه صورة تخيلية لشكل الكتاب، فيه كلام عن الخيال وكذا. فيقول عني به عناية كبيرة فاقت ما لدى غيره من النقاد، فقد جعله محور ارتكاز لنظرية الشعر عنده برمتها.

خلاصة هذه الفكرة كما ذكرت، يقول لك مثلاً: الخيال هو الذي يوجد الوحدة ويحول الواقع إلى المثالي، والعالم الخارجي ليس إلا بمنزلة المادة الخام. والخيال هو الذي يحكم الارتباطات القائمة في أذهان الناس حول موضوع معين ويعيد تشكيلها وبنائها. أما الوهم أو التوهم فهو على نقيض هذا، لأن ميدانه المحدود والثابت ليس إلا ضربًا من الذاكرة.

هم يشبهون الوهم بالذاكرة؛ أنت تأتي بصور من الذاكرة وتلصقها، ليس انفعالًا جديدًا، أنت تأخذ من الذاكرة وتلصق، تزخرف؛ ولهذا يقول: الوهم زخرفة، وأما الخيال فشعر. وهذا الكلام صحيح إلى هذا الحد. يقول: أما الوهم أو التوهم فهو على نقيض ذلك لأن ميدانه المحدود هو الثابت، وهو ليس إلا ضربًا من الذاكرة، تحرر من قيود الزمان والمكان وتشكل بالظاهرة الإيجابية للإرادة التي نعبر عنها بلفظ الاختيار. وهي إرادة وليست روحًا منسابًا داخل الشاعر. ويشبه الوهم الذاكرة في أنه يتعين عليه أن يحصل على مادته كلها جاهزة وفق قانون تداعي المعاني؛ يتذكر حاجة تجيب حاجة، فتصبح قصيدة، وأهم حاجة هي الزخرفة والمناسبة.

يقول: «وما كان لملكة الخيال لتؤدي هذا الدور النشط وتنفذ بالشاعر إلى صميم الأشياء لو لم تكن تعمل تحت تأثير العاطفة». فالذي يحدث في الخيال الشعري هو أن الشاعر يخلع روحه على موضوعات العالم الخارجي ويفرض عليها عاطفته ووعيه وذاته، وفي أثناء هذه العملية يبدو له كأنه يصبر أغوار هذه الموضوعات وكأن حقيقتها الجوهرية تتكشف له.

ويؤكد كولريدج على هذا المعنى في نقده لشيكسبير فيقول: «الخيال هو القوة التي بواسطتها تستطيع صورة معينة أو إحساس واحد أن يهيمن على عدة صور أو أحاسيس في القصيدة، فيحقق الوحدة فيما بينها بطريقة أشبه بالسحر». يعني الشاعر يطلق مشاعره الصادقة على موضوع معين وفي فكرة معينة، ولكن يصهر ذلك كله في اتجاه روحه وعاطفته الصادقة التي سلطها على المعنى. أما الوهم فهو تلفيق عقلي.

أيضًا لا تنسَ درسنا عن الكلاسيكية قبل الرومانتيكية؛ ليس لما عند وردزورث فقط في رفض اللغة، بل يظهر هنا، لأنهم جعلوا الشعر نظيرًا مقابلاً أو ضداً للعلم، فنظرية الخيال ترفض إعمال العقل في التنظيم. لو نقدوا بها شعر الكلاسيكيين سيقولون: هذا رجل كان يفكر ولم يكن يشعر. بالمناسبة قد نوافقهم، وليس هذا ما سأعترض فيه على نظرية الخيال، ليس على انصهار المكونات.

تذكرون لما قلت لكم من قبل: انظر إلى معلقة امرئ القيس من أولها إلى آخرها، ستراها بنيت على تفصيل المتعة حتى تشابهت التراكيب، وبنيت على التكثير. وبنيت بالمناسبة على هذا المنهج الذي استعملته في كتابي دفاعًا عن القرآن، في الرد على الطعن الذي وجه إلى سورة الرحمن؛ بينت ما بناء الصورة، وما الروح المسيطر على الصورة القرآنية، ولماذا جاءت الألفاظ هكذا، وظللت أعلو من هذا الدخيل الدسيس الداخلي الذي يكون في...

نفس الكلام في داخل نفس المتكلم، خلاف القرآن، في داخل نفس المتكلم، حتى أعلو إلى تصديقه البلاغي واللحمة اللغوية بين الكلام، لا إشكال.

وقلت لكم عند امرئ القيس لما قال: «فظل العذارى يظل العذارى يرتمين بلحمها، وشحم كهداب الديمقس المفتل»، يشبه حتى في التركيب: «فظلت هات اللحم من بين منضج صفيح شواء أو قدير معجل». أيوة، حتى في التركيب، هذا من هذا الخيال؛ إنه هذه الفتيات وهؤلاء الأصحاب موضوعان مختلفان، لكن هو أصبغ عليه روحه في الالتذاذ بالمتعة وبالشباب وبالصبوة، وبكذا حصل هنا الروح وحصل هنا اندماج حتى ظهر في صورة التركيب نفسه.

بل موجود هذا بالمقابل بالضد في المطلع الطللي؛ لأن الغريب في المطلع الطللي أن يبكي أكثر من فتاة، فإذا به يناقض هذا البكاء لأكثر من الفتاة، يعني الحبيبة في أول البيت، ثم في أم الحويرث وأم الرباب، وبعد ذلك تراه انفجر بالضد في أيام اللهو والعذارى وبيضات الخدر. و"خدر عنيزة" انفجر ثم انفجر مع الأصحاب وأتى بتراكيب حتى مشابهة، هذا كله على هذه النظرية روح دخل بها.

المبتدئ مثلاً، أنا مثلاً يأتيني أحياناً واحد، هناك أحد الناس عرض على عبد القدوس قصيدة، فقال له: «أنت كنت مع امرئ القيس وتركته في نصف الطريق»، من أين عرف؟ يقول: «وأنت كنت تتابع مع امرئ القيس وتركته في نصف الطريق»، وهذا حقيقي حصل، من أين عرف؟ قال: «أنت كنت في سبيلك إلى النضج ولكنك ما زلت تقف عند المحاكاة، أنت تقف عند الوهم، أنت دخلت في الخيل رحت بقى تشوف فلان الذي وصف الخيل، طفيل الغنوي من أوصف الناس للخيل، وذهبت في وصف العسل فذهبت إلى المشطار عند الهذليين، وذهبت في الذئب عند الصعاليك وعند البحتري، ولفقت من هنا ومن هنا وجعلت قصيدتك مجمعاً ولا أرى روحاً تنصهر وتنسكب فيه القصيدة».

هذه مرحلة من محاولات الشعر أن يكون في الوهم قبل إتقان الخيال. هذا ما قصده ابن رشيق لما قال: «ليكن الشعر في حكمك ولا تكن في حكمه»، إيه ده؟ ما هو الخيال أهو، ليكن الشعر في حكمك ولا تكن أنت في حكمه، يعني أنت تسيطر بروحك على القصيدة والخيال. وهذا ما أقوله للإخوة في البثوث في التعليق الشعري على البيت، أقول: خذ ما تشاء لكن ينبغي أن تظل تكيف ذلك في غرضك، وليس أنك هو الذي يأتي ويقتحم عليك، فأرى البيت الواحد ممزقاً.

رأيتم؟ الله أكبر. أنا سأكمل لأن الوقت لا يسعفنا، مع أن الاستحباب أن نتوقف.

من ذلك مثلاً نقل نصاً لأدونيس، لوصف شكسبير لهروب أدونيس في الغسق من الآلهة فينوس التي كانت متيمة بحبه، يقول: «انظر كيف مرق في المساء مختفياً عن عين فينوس، مثلما يهوي الشهاب المتألق من السماء».

يعلق كولريدج على هذا المثال يقول: «فكم من الصور والأحساسات جمعها الشاعر هنا بدون عناء وبدون أي نشاز، جمال أدونيس وسرعة هربه، ولهفة الناظر المحدق المتيم، ثم تأمل ذلك الطابع المثالي اللطيف الذي يخلعه الشاعر على الكل».

ففي الأخير يقول: إن الصور مهما كانت جميلة في ذاتها، ومهما كانت مطابقتها للواقع، ومهما عبر عنها الشاعر بدقة، فإن الصور التي نأخذها من الشعراء ليست دليلاً على عبقرية أصيلة، وإنما تصبح الصور معياراً للعبقرية حين تشكلها عاطفة سائدة، أو مجموعة من الأفكار والصور المترابطة أثارتها عاطفة سائدة، أو حينما تتحول فيها الكثرة إلى الوحدة، والتتالي إلى لحظة واحدة، وأخيراً حينما يضفي عليها الشاعر من روحه حياة إنسانية وفكرية.

ما المشكلة هنا؟ لا مشكلة، ولكن سنحلل بعد قليل لأنه يظل رومانتيكياً. قال: «أما الوهم فهو لا يعتمد على حالة الفنان العاطفية، إنما يحاول العقل مجرداً عن العاطفة».

إذاً نظرية الخيال ضد الاتجاه العقلي، كان عندهم اهتمام بالخيال لكن ليس قطب العمل، كان عندهم سيطرة عليه، تذكرون؟ اهتموا بالخيال هناك لكن كان هناك سيطرة عقلية، هنا عند الرومانتيكية لا، انطلاق عاطفي. يحاول العقل مجرداً عن العاطفة، هذا الوهم، أن يربط بين الأفكار والموضوعات الجزئية في نظرهم، ككثير من شعراء الكلاسيكيين، فتأتي الصور مفككة مضطربة، مثل محاولات الإخوة بالليل، محاولات البيت الواحد؛ تأخذ من هنا ومن هنا وتجمع، أنت مجمع لكن ليس صحيحاً، لا تربط بين أجزائها فكرة واحدة، وإنما يعمل في هذه الحالة وفق قانون تداعي المعاني وحده، المعاني تجلب بعضها، فهو يجمع الأشياء ويضعها جنباً إلى جنب دون أن يصهرها ويحيلها إلى كل موحد كما يفعل الخيال، الخيال يعطي اتجاهاً للكلام.

قال ويسوق مثالاً لذلك من شعر شكسبير، أي مثال على العكس، الآن كان هناك في فينوس مثال جيد، وهنا مثال رديء، وهو من قصيدته فينوس وأدونيس، يقول: «إنما تأخذ بيده بكل لطف، فإذا بيده في يدها تشبه زنبقة مسجونة في سجن من الثلج، أو عاجاً من رباط من المرمر، صديقة ناصعة البياض تمنطق عدواً ناصع البياض».

يقول: «فالزنبقة والثلج والمرمر والعاج جزئيات متفرقة لا تجمعها رابطة شعورية واحدة، وإنما جمعها الشاعر عنوة، يعني قوة، جمعها عنوة ووضعها بجانب بعضها دون أن يكون ثمة تفاعل بين الشاب والإلهة التي تعشقه، والعلاقة الوحيدة التي تجمعهما جميعاً هي علاقة البياض، ولكن الشاعر لم يصهر هذه الجزئيات في بوتقة خياله ولم يخلق منها وحدة حية».

جميل، أنا هنا علقت تعليقاً على هذا الأمر، وضعت حاشية على هذا الكتاب لما كنت أعمل "مفارقات المذاهب في المذهب العربي"، قلت: "وهنا لا بد من تحليل هذه القضية بدقة"، قلت لكم سأكشف لكم أنه يعود أيضاً إلى الفكرة العامة الرومانتيكية التي سيطرت على وردزورث وهي خفة اللغة الشاعرة، التي هي أصلاً لغة قصاصية غرامية عامية.

وهنا لا بد من تحليل هذه القضية بدقة في الشعر العربي، فظاهر كلام كولريدج الرومانتيكي أن المشبه به هو نفسه.

لا بد أن يكون له تعلق بالمشبه بالموضوع. ركزوا معي الآن، هذا ما لم أجده بفضل الله عند أحد؛ لي غنمه وعليه غرمه. كما قلت في الأول أنا في حل مما لم أعرف. أنا لا أعرف أحدًا سيفصل هذا التفصيل الذي فصلته في نظرية الخيال ومقارنتها بالنظرة العربية في خصوص عناصر اللغة.

المثال الذي أتى به، وظاهر كلامه إنما تأخذ بيده بكل لطف، فإذا بيده في يدها تشبه زنبقة مسجونة في سجن من الثلج، أو عاجًا في رباط من المرمر. الزنبقة والثلج والعاج في رباط من المرمر. ظاهر هذا المثال وظاهر كلام كولريدج أن المشبه إذا أتى بتشبيه، فإن كل كلمة وأن كل عنصر لابد أن يكون في ذاته يتعلق بغرض الشاعر المباشر، وبغير هذا لا يتحقق الخيال الذي يتحد فيه روح النص أو يتحد به النص.

فأنا أسأل: ماذا لو كان هذا الاتحاد يتحقق بقوة التشبيه والاستعارة، بذات قوة التشبيه والاستعارة، وإن لم تتحقق هذه العلقة بين كل أركان التشبيه في المشبه والمشبه به؟ وذلك لقوة هذه الصورة البيانية في وظيفتها. هي مسألة دقيقة يا إخوة، وأنا حررتها في كتاب التأسيس عندي، كتاب التأسيس لأصول الفن الشعري عند العرب الذي أؤلفه منذ خمسة أعوام. هذا الكتاب حررت فيه هذه المسألة بتمثيل وتصوير وشرح تفصيلي، لكن أنا أجملها هنا إن شاء الله.

أقول: ماذا لو كان هذا الاتحاد يحصل بقوة التشبيه والاستعارة، بذات الإلحاق، وإن لم يحصل روح المعنى الذي في المشبه وخيال الشاعر في لفظ المشبه نفسه خصيصًا أو في ذاته؟ أقول لا شك أن فكرة الخيال عند كولريدج حينئذ لا تلزم اللغة التي حققت ذلك. وبديهي بعد ذلك أن الأمر مرجعه إلى خصائص اللغة. ولا ننسى أن كولريدج رومانسي، وقد عرفنا خصائص اللغة الرومانسية.

أنتم تقرأون نظرية الخيال عند كولريدج، وتقرأونها وتنسون أن الذي كتبها رومانسي، احتاج إلى إظهار الروح في كل كلمة لأن اللغة مسطحة الدلالة أصلًا. فلو فرضنا وجود لغة تتجاوز الدلالة الخاصة العينية في كل أفراد التشبيه والاستعارة، تتجاوزها إلى تحقيق اللحمة والعمق البياني في ذات التشبيه ووجه التشبيه أو عن طريق الإلحاق بوجه التشبيه، فهذا لا يلزمنا.

فلفنا ورجعنا مرة أخرى إلى قضية طبيعة اللغة التي عند وردزورث. لما كانت اللغة عند وردزورث لغة قريبة من لغة الريف ولغة عامة، وكان الشعر عند الجميع مشاعر منسابة، ولا يعترض كولريدج ولا الرومانسية على هذا، احتاجوا إلى إسباغ كل لفظة بهذا الهمس الذي أسمع به روح الشاعر. وهذا لا يلزم لغة حققت هذا المرمى بعمقها، فلا يلزمها أن تكون في كل لفظة ممسوحة بروح الشاعر؛ لأن الشاعر ليس عنده إلا هذا السطح الأول. الشاعر الرومانسي ليس له إلا هذا السطح فلا بد أن يصبغه.

عندك امرؤ القيس لما قال: ﴿فَأَدْبَرْنَ كَالْجَزْعِ الْمُفَصَّلِ بَيْنَهُ بِجِيدٍ مُعَمَّمٍ فِي الْعَشِيرَةِ مُخْوَلِ﴾. التشبيه وقع على قلبك، رزع رزع على قلبك. مع أن هذا الصبي المعمم المخول في العشيرة لا علاقة له بسرب الظباء. يا إخوة الوضع مضطرب، سأشرح لكم هذا في الحصة القادمة إن شاء الله وأفسره أكثر إن شاء الله.

شكرا لكم وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.