دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. أرجو من الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة.

يا مرحباً، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، البث سليم الحمد لله. بسم الله الرحمن الرحيم، يا مرحباً، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل الصوت جيد يا إخوة؟ اللاقط وهو مركب في القميص جيد. أنا ممكن أركبه في القميص وخلاص. يا مرحباً، أرجو التفاعل مع البث يا إخوة ليصل إلى الإخوان، رضي الله عنكم. نوركم يا سماوي، نوركم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين. هذا يا إخوة هو مجلسنا الثامن من مجالسنا في شرح كتاب "نظرية الأدب" للدكتور شفيع السيد، وطبعاً العنوان الكامل للكتاب هو: "نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة".

والمدارس النقدية الحديثة تبدأ من أوروبا الحديثة التي واكبها أو وازاها الاتجاه الرومانتيكي، فالاتجاه الرومانتيكي نشأ من عنده ما يعرف بالمذاهب النقدية الحديثة والتوجهات الحديثة في أوروبا. وأما دراستنا الكلاسيكية الجديدة، فكان ذلك ضرورياً لأجل أن نفهم كيف نشأت الرومانتيكية، لأنها تعد انقلاباً على الكلاسيكية وفترتها، وأجوائها، ومدتها، وحقبتها الاجتماعية.

ولخصت لكم في بعض المجالس الماضية القضية من قبل؛ الكلاسيكية الجديدة، ولماذا سميت بالكلاسيكية الجديدة؟ لأنها أحيت الكلاسيكية القديمة، كلاسيكية أرسطو التي امتد فكرها من الشاعر أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، إنما هي امتدت من القرن الثامن قبل الميلاد من عند الشاعر هوميروس صاحب الإلياذة والأوديسة، وهكذا تدرجت من العهد الإغريقي اليوناني إلى العهد اللاتيني الروماني، وهكذا إلى القرن الخامس الميلادي إذ سقطت الإمبراطورية الرومانية في العام السابع أو السادس بعد الأربعمائة، ونشأت هنا العصور الوسطى.

ظهرت العصور الوسطى إذاً من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الخامس الميلادي، كل هذه تسمى بالكلاسيكية القديمة، وهي فترة بل عصور ممتدة طويلة انقسمت بين الإغريق والرومان الذين أحلوا محل الإغريق اليونان. طبعاً الرومان اللاتين حلوا محل الإغريق اليونان في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، وجاء في هؤلاء الرومان الشاعر الإيطالي هوراس، أو هوراتيوس كما يقال في اللاتينية القديمة، تجده في بعض المصنفات هوراس كما هو أقرب للاستخدام الإنجليزي الآن. وظهر أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد ونظر للشعر الكلاسيكي، وكان قبله في القرن الخامس قبل الميلاد سوفوكليس، الكاتب صاحب «أوديب ملكاً» أو «الملك أوديب».

وقبل ذلك كله كان هوميروس أقدم هؤلاء الشعراء المرموقين في القرن الثامن قبل الميلاد. بعد ذلك جاء العصر الوسيط الذي امتد من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر الميلادي، ثم جاءت الكلاسيكية الجديدة، أو عصر النهضة. طبعاً جاء أولاً من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر، ثم جاءت الكلاسيكية الجديدة تجاوزت النهضة وانقلبت عليها، والتي يسميها البعض الرومانتيكية الأولى، تجاوزت النهضة وانقلبت عليها وتجاوزت عشرة قرون وسيطة، وأحيت الكلاسيكية الأولى وقالت، وكما قال العلماء كانت هذه ذروة عصر النهضة، هذه الكلاسيكية لكنها كانت ضبطاً له وإحياءً للكلاسيكية القديمة.

وسميت العصور الوسطى بالوسطى لأنها توسطت في اصطلاحهم، لأنها توسطت عصوراً علمية في الأول وفي الأخير؛ يعني عصوراً علمية في الأول مزدهرة هي عصور القدماء الإغريق واليونان، وهي عصور وثنية بالمناسبة، ثم جاءت العصور الوسطى المسيحية سميت بالعصور المظلمة، أو أوروبا المظلمة، ثم جاء عصر النهضة وانقلب عليها بردة فعل عنيفة من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر أو أوائل القرن السابع عشر، وجاءت الكلاسيكية بعد ذلك المستنيرة، واعتبرها البعض ذروة عصر النهضة، جاءت تضبط هذا التسيب وهذا الانفتاح الذي وقع في عصر النهضة.

ثم جاءت الرومانتيكية في العصور الحديثة التي نحن فيها الآن على أثر الثورة الصناعية، ثم الثورة الفرنسية التي اندلعت في عام 1789م، ونحن نعيش الآن فكر وردزورث حول الشعر وحول العناية بالمشاعر. وانتهينا طبعاً مما سيستفيده من دروس المحاضرات السابقة وتحدثنا عن هذه الطبيعة، الطبيعة الإنسانية الخارجية، وعن ارتباط الشعر بالطبيعة، وعن كون الشعر فيضاً من المشاعر التلقائية يعبر عنه باللغة، وكيف اعتبر الشعر معالجة ماهرة للمشاعر الإنسانية بقصد إسعاد الإنسان وتحقيق صحته الأخلاقية والذهنية.

وانتهينا إلى قضية الطبيعة عندهم، وقال المراد بالطبيعة هنا نموذج الإنسان المثالي الذي يعيش حياته قريباً من الطبيعة، حياة تتسم بالبساطة والتواضع والاقتصاد في الإنفاق بعيداً عن مفاسد الحضارة. فقلت إن هذه كلها تدل على أنها توجهات إنسانية، وهي في الحقيقة ثورة طبقية كما شرحت أمس، كما رأينا الطبقة البرجوازية وشرحت ذلك أمس، وقلت إن الأفكار الرومانتيكية هي أفكار نفسية أكثر منها فنية، وهي مرحلة زمانية منقلبة على مرحلة زمانية أخرى وليس للعرب فيها دخل، ولما تأثر بها العرب وقعوا فيما وقع فيه الدكتور محمد النويهي كما رأيته.

وكان آخر ما قرأناه أمس، أو في المجلس الأخير السابع، قوله: «فالتأثير العاطفي للشعر بإثارة التعاطف مع الآخرين من البشر والحيوانات وحتى غير الأحياء من الجمادات أمر حاسم، وإحدى وظائف الشعر أنه يهز الناس ويخرجهم من حالة الحياد العاطفي وعدم الاكتراث ويجعلهم يدركون الطبيعة ويفهمون سر العالم».

ومن هنا جاء عند الرومانتيكية وصف الشاعر بأنه نبي؛ هو نبي للمثلية، هو نبي للصورة الطبيعية التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان، هو نبي لإرجاع الإنسان إلى الطبيعة وعدم التأثر بهذه الحضارة التي لها شكل معين. ومع أن أصلاً الذي حرر أوروبا، وهذه مفارقة غريبة جداً، الذي حرر أوروبا أصلاً هو الثورة الصناعية، الذي حررها من العبودية ومن الدين، الثورة الصناعية.

ونحن عندنا الآن لا دين ولا ثورة صناعية؛ هم تحرروا من دينهم الزائف بالثورة الصناعية وثورة الإنسان، الثورة الفرنسية، أما نحن فليس عندنا أحد يريد أن يثور على الإسلام، وليس عندنا رجال الكنيسة الذين يضطهدون الناس ويكونون طبقة وحدهم، ليس عندنا شيء من هذا، ونحن الشعوب المسلمة العربية ترضى عن دينها وتختاره بحريتها ولا يفرض عليها من أي رجال كنيسة أو اتجاهات ما يسمى برجال الدين.

المقترنة بطبقة النبلاء وجيش الكنيسة لا شيء من ذلك عندنا إطلاقًا. الدين عندنا نختاره، طبيعته مختلفة ونعتقده اعتقادًا مختلفًا، وهو دين عقلاني جدًا نقف عليه بالبراهين وبالدلائل، ونؤمن به تمامًا ونريده في حياتنا؛ فلا انقلاب على دين ولا شيء. بخلاف الأمر عندهم، هم جاء الانقلاب على الدين والثورة الصناعية وكذا وكذا. فغريب هي ثورة صناعية حررت هؤلاء، ثم يتكلمون في العودة إلى الطبيعة وما إلى ذلك. لا بأس، هم في الأخير يريدون حريتهم وأن يعيشوها كما يريدون، هي ثورة طبقة وحرية أرادوها، لكن قضيتهم ليست قضيتنا، وطبقتهم ليست طبقتنا.

الشعر عندهم طبقي، عندنا ليس طبقيًا. طبقة طبقتهم هذه، كما سيأتي اليوم إن شاء الله في الحديث عن لغة الشعر والنظر إلى الشعر عندهم، فكرة اجتماعية وطبقة اجتماعية ساقة... ساقة بالضبط. حتى النصراني عندنا يقول الشعر في نفسه، عندنا ثورة.

طبعًا يا خالد قضية أوروبا غير، حتى مسيحي العرب غير مسيحي أوروبا. هذه عصور وسطى مظلمة؛ الكنيسة كانت تحرق العلماء، علماء الطبيعة وعلماء الفلك، وأي أحد يقول شيئًا يخالف اعتقادك كان يحرق، مع أن هو ليس قضية اعتقاد، هو قضية علم وإثباتات علمية. قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]، فمن باب الضرب في الأرض والسير في الأرض.

أقول أمس، أتكلم عن المجلس الماضي؛ أحيانًا أعبر عنه بأمس لأن العادي في بعض الدروس، مجالسي كانت يومية في المادة الواحدة، فكانوا ينقلبون على هؤلاء ويحرقونهم ويسجنونهم وكذا وكذا، واقرأوا عن العلماء في أوروبا كيف كان الأمر عندهم، فهذه لا علاقة لها بالضبط.

هم ثاروا على ذلك وقادت لغة طبقة اجتماعية قادت اللغة كما سنعرف اليوم في طبيعة لغة الشعر؛ طبقة اجتماعية قادت اللغة إلى جهة معينة. عندنا لا وثنية، لا نصرانية، لا يهودية أخذت الشعر إلى جهة معينة، وإنما الشعر أخذهم جميعًا إلى جهته. فكان عيار الشعر عند العرب جميعًا ميزان القول وميزان البلاغة على أصول هذه اللغة، ليس أكثر من ذلك إطلاقًا.

حتى قال محمود شاكر، كما قرأت لكم كثيرًا من قبل في كتاب أباطيل وأسمار: القضية قضية لغة شعر، هكذا قال شاكر. قال: فإذا جاء نصراني يعتقد اعتقادات النصارى في الخلاص وفي كذا والصلب وكذا، وقال قصيدة شحنها باعتقاده يمجد فيها اعتقاده، ووضع هذه المشاعر ووضع هذه الأمور والاعتقادات التي نحن نعتقد بطلانها وضعها في لغة شعرية عالية؛ قال: فهذه قصيدة يهتز لها المسلم وغير المسلم. هكذا قال محمود شاكر، يطرب لها، يهتز لها طربًا المسلم وغير المسلم. هذا الكلام محمود شاكر، ولا تحتاجون إلى قراءته، تعرفون قرأناه ربما عشرات المرات.

ثم يقول: «وإحدى وظائف الشعر أنه يهز الناس ويخرجهم من حالة الحياد العاطفي وعدم الاكتراث، ويجعلهم يدركون الطبيعة ويفهمون سر العالم، وهو ينبه الناس ويحفزهم ضد بلاد عصرنا الحاضر وفوضويته، لكنه بالطبع يجب أن يدفعنا نحو المشاعر الصحيحة ونحو نمط صحيح من اليقظة. ومن الواجب على الشاعر أن يعمل بالشعور والمعرفة».

كل هذا من ووردزورث، الناقد الإنجليزي، وصديقه الإنجليزي أيضًا كولريدج. وهناك رجلان ألمانيان الأخوين شليجل، وهناك المرأة الفرنسية مدام ديستال، تلميذة الأخوين شليجل، ستظهر معنا مرة أخرى في الكلام عن فكرة النقد العلمي للشعر بالمناسبة.

لماذا يسمى النقد العلمي للشعر؟ لأنه اعتمد على علوم الطبيعة، هذا هو. ليس النقد العلمي -وأؤكد مرارًا قلت هذا من قبل وأؤكد- النقد العلمي ليس معناه النقد الموضوعي، يعني على ميزان اللغة والبلاغة بما يقابل النقد الهوائي والانطباعي، لا ليس هذا. النقد العلمي عندهم يعني على وفق العلوم الطبيعية، وسمي النقد العلمي لأنه جاء في عقب الثورة العلمية عند الأوروبيين بعد العصور الوسطى فاستعملوا ذلك في الشعر.

وظهر فيه اتجاهان سأذكرهما، سيأتيان بعد مجالس، لكن أعجل بذكرهما حتى تكون منهما على ذكر منهج تفسير الشعر بالبيئة الاجتماعية، ومنهج تفسير الشعر بالسيرة الذاتية للشاعر. هذان مذهبان، ولكل مذهب من هذه المذاهب من دعا إليه، ومدام ديستال ستظهر معنا مرة أخرى إن شاء الله في الكلام عن مذاهب النقد والتفسير.

يتكلم عن التطهير، ووردزورث يقول: «ومن الواجب على الشاعر أن يعمل بالشعور والمعرفة على سيادة المجتمع الإنساني، ويجب على القراء أن يتحلوا بالتواضع والصفات الإنسانية لكي يمكن أن يتحقق لهم السمو والنقاء». وهكذا يحقق الشعر التطهير، وهو في جزء منه تطهير من المشاعر الزائفة، مثل تلك الأضرار الناجمة عن التواضع الاجتماعي المصطنع والدماثة الكاذبة، وفي جزء آخر تطهير من المشاعر الرديئة الفاسدة كالكراهية والحقد -سأتكلم عن الهجاء- والشعر يوسع مجال الشعور الإنساني من أجل تحقيق الخير للطبيعة الإنسانية وإسعادها وإسباغ الجلال والشرف عليها.

ووردزورث يقول: مدين في هذه النزعة لأفكار الكاتب الفرنسي الشهير جان جاك روسو الذي ولد عام 1712 وتوفي عام 1778. قال: «والقاسم المشترك بين المؤمنين بأفكار روسو بغضهم للحضارة الحديثة، وثقتهم في الصدق والعاطفة التلقائية».

قلت لك الرومانتيكي الأصلي طرزان! الرومانتيكي الأصلي طرزان موقوف في الغابة يقول لك الإنسان... قلت لكم أفلام طرزان وأنه راح عاش مع الحيوان والحيوان حبه، وهو حب الحيوان الغوريلا، وأمه أصبحت غوريلا، وبعدين واحدة فرنسية أو بريطانية كده راحت في رحلة استكشافية فلقيته فعاشت معه ولم ترد أن ترجع إلى الحضارة لأن حياة الغابة أفضل من حياة الحضارة. كل هذا الرومانتيكية.

هذه أفكار واتجاهات نفسية يا إخوة، ما تتبنوا اللي تتبنوه بهبل، لا تتبنوا شيئًا ببلاهة. كل ما تراه في أفلام الكرتون، وأنسنة الحيوان، وقضية اللا فروقات الطبقية والاجتماعية؛ ابن الباشا اللي يتزوج بنت الجنايني وابن الجنايني يتزوج بنت الباشا والدنيا يعيشوا مع بعض في تبات ونبات ويخلفوا! لا، مش تلحق تخلفوا، أنتم هتضربوا بعض بالجذب أصلاً. هي ليست فكرة مادة؛ لو تحملت المادة لن تتحمل الأخلاق، ولو تحملت النفقة والمادة لن تتحمل الأخلاق. لا، ابن الباشا لن يتحمل أخلاق بنت الغفير، ولا ابن الغفير سيتحمل أخلاق وتصرفات بنت الباشا، لا يمكن، لا يمكن، لا يمكن. وليست قضية الطبقية، قضية كفاءة، اعتبرت حتى في الفقه الإسلامي. عندنا نحن في المذهب الحنفي إذا تزوجت من...

غير كفء، يعني زوجت نفسها من غير كفء يفسخ؛ بعدم الكفاءة عندنا تفسخ العقد. قضية ابن باشا وبنت البواب، هذا يفسخ العقد، فالكفاءة معتبرة طبعاً.

ليست الكفاءة بمعنى أن أبوها ملياردير وأنت أبوك مليونير، وأنتم الاثنين عايشين في مدينة نصر، وواحدة عايشة في مصر الجديدة، أو واحدة في حي أقل من مدينة نصر. الكفء الذي في مصر الجديدة عادي، أو في حي مثل شبرا وهو متعلم ومعه مال، فهو كفء لأي منطقة راقية في مصر. إنما مثلاً تأتي بشخص لا يقرأ ولا يكتب، ولا ذكر له في المجتمع، ولا قيمة له، ويعمل بيومه، وهذه صفته، فيتزوج أخرى طبيبة وثرية، هذه عدم كفاءة. طبيعي هذه تؤذيها، حتى لو كانت كريمة فهي لن تطيقه؛ هي لا تجد عنده ما تريد، هو ليس سيئاً، ولكنها لا تجد عنده ما تريد.

عندما نقول بنت الباشا أو ابن البواب نحن لا نسيء، هناك أشياء مفقودة، وهناك دوائر يجتمع فيها الأزواج ولن يجدوا هذه الدوائر. حتى لو كان يقرأ، هي تقرأ أشياء وهو يقرأ أشياء أخرى، فلا يوجد بالضبط توافق فكري أو توافق اجتماعي.

الرومانتيكية تذيب هذا. رأيتم وردزورث مديناً في هذه النزعة، الآن عرفتم من هو. ابحثوا عن وردزورث، وابحثوا عن جان جاك روسو، واقرأوا مؤلفاته. القاسم المشترك بين المؤمنين بأفكار روسو هو بغضهم للحضارة الحديثة، وثقتهم في الصدق والعاطفة التلقائية، واهتمامهم بتأثير الأدب على الإنسانية كأداة لـ «لوح الروح بالحب». رأيتم كيف أنه اتجاه نفسي واجتماعي.

بل أقول -وهذا شيء ربما كان يحسن أن أبينه من الأول- كلمة رومانسي تدل على هذا. لماذا؟ لأن أصل هذه الكلمة من أين جاءت؟ الرومانسي، الشعر الرومانسي، المذهب الرومانسي؛ من أين جاءت؟ المذهب الرومانسي مذهب القرن التاسع عشر في أوروبا، ومذهب القرن التاسع عشر في مصر والشام. من أين جاء مذهب الرومانتيكية يا إخوة؟ ألم يتكلم الدكتور هنا عن استعمال المصطلح على أنه اتجاه فكري وعلى أنه اتجاه ثوري، ولم يكن اتجاهاً أدبياً، بل كان البعض يهرب من استعماله أدبياً بسبب ارتباطه بحركات مقاومة أو حركات سياسية معارضة؟

من أين جاء رومانسي أصلاً؟ هذا له قصة أو فلسفة تاريخية. رومانسي جاءت في القديم من لفظ "رومان"، ولفظ "رومان" يطلق على النصوص التي كتبت بالفرنسية القديمة، التي تفرعت عن الرومانية الشعبية القديمة. ركزوا معي، الرومان الذين خلفوا الإغريق هم الرومان الإيطاليون، أو الرومان من روما القديمة. لغة الإغريق كانت يونانية، وكانت لغة الرومان لاتينية. هذه اللغة اللاتينية كان فيها الجانب الرسمي الذي هو لغة الكنيسة، ولغة التعبد، واللغة الرسمية، ولغة الآداب العالية.

وكان هناك رومانية شعبية، وهي التي تفرعت منها لغات استعملها أقوام في هذه الحضارة، والتي استقرت بعد ذلك في الفرنسية، والإيطالية، والإسبانية القشتالية، والبرتغالية، واللغة التي كانت في جنوب فرنسا قديماً وهي الأوكيتانية. الأوكيتانية تشبه الفرنسية، وكانت مع الفرنسية الشمالية الأولى القديمة التي تطورت عنها الفرنسية الحالية. إذاً عندنا الإيطالية، والفرنسية، والإسبانية، والبرتغالية، واللغة الأوكيتانية؛ هذه لغات تفرعت عن الرومانية الشعبية التي كانت مقترنة في نفس العصر باللاتينية الرسمية. وتفرعت عنها أيضاً رومانيا، ورومانيا أخذت اسمها منها أصلاً لأنها كانت من ضمن الإمبراطورية.

فاللغة الرومانية القديمة لغة روما القديمة فيها القسم الكلاسيكي اللاتيني، قسم اللغة الرسمية ولغة الخطابات الرسمية ولغة الآداب العالية ولغة الكنيسة والتعبد، وفيها اللغة الشعبية. هذه اللغة الشعبية خرج منها كما قلنا الفرنسية، والإيطالية، والبرتغالية، والإسبانية، والأوكيتانيه جنوب فرنسا. هذه سميت باللغات الرومانسية لأنها أخذت من لغة الرومان الشعبية.

لا علاقة لنا الآن بقضية اتجاه أدبي، هي اسمها في التاريخ اللغات الرومانسية لأنها تعود إلى لغة الرومان الشعبية، فأخذت كلمة رومانسية من هنا. ففي الفرنسية القديمة التي تطورت عنها الفرنسية الموجودة الآن، كانت هناك الأوكيتانية في جنوب فرنسا التي تأثر شعراؤها، شعراء الترابادور، بشعراء العرب في إسبانيا؛ لأن جنوب فرنسا يقارب الشمال الإسباني، فتأثروا في القرن الحادي عشر في منتصف العصور الوسطى بالشعراء العرب أو المسلمين في الموشح والأسجال والغناء الشعبي ونحو ذلك.

كلمة "رومان" في الفرنسية القديمة كانت تطلق على النصوص التي كتبت بهذه اللغة المنحدرة عن الرومانية الشعبية القديمة. وبعد ذلك انتقلت إلى القصص الغرامية والخياليه والعاطفية التي تتمرد على فكرة العقل، واستقر ذلك الاستعمال قبل الرومانتيكية في القرن التاسع عشر بكثير، في العصور الوسطى. كان يطلق كلمة "رومان" على النصوص العاطفية، على القصص الخيالية والعاطفية المتمردة على تحكيم العقل الكلاسيكي المعروف القديم؛ لأنها قصص يتكلم فيها باللغة المنحدرة عن لغة شعبية. وصار كلمة "رومان" مرتبطة -بقطع النظر عن اللغة الآن- بهذا النوع من القصص العاطفي الخيالي الغرامي، فلما جاء المذهب الرومانتيكي في القرن التاسع عشر ربطوه بهذا النوع من القصص الغرامي والخيالي والعاطفي.

الذي يطلق عليه رومان، فصار مذهبًا رومانسيًا. هذا المذهب الرومانسي يرجع إلى القصص الغرامية التي سميت أو أطلق عليها "رومان"، توصلاً أو تعلقًا باللغة الرومانية الشعبية التي وازت الكلاسيكية؛ فجذور الرومانتيكية لغة وفكرًا جاءت من الشعبية.

كلمة رومانسي نفسها لو تتبعت جذورها، راجعة إلى الشعبية، اللغة الشعبية القديمة. ولذلك أي شاعر رومانسي، مستحيل أن ترى شعره ضاربًا في الفحول اللغوية، هو مقيد رغما عنه لم يشعر. حتى محمود حسن إسماعيل الذي يعجب به محمود شاكر، هو رومانسي من هذه الجهة. جرب اقرأ محمود حسن إسماعيل، أنا أعرف أن محمود شاكر كان يعرف حقيقة مستواه يقينا، هذا ظني من محمود شاكر، ولكنه كان يمدحه ويشجعه ليكون أكبر من ذلك، لكن محمود شاكر في الأخير قال: «خيب ظني».

يا أستاذ محمود شاكر، لماذا خيب ظنك؟ كان ينبغي أن نكون أوعى بالتاريخ. محمود شاكر يقول عن محمود حسن: «خيب ظني»، هو ظن أنه سيشجعه وسيتقدم، لا؛ لأن نشأته نشأة جماعة أبولو، فكر جماعة أبولو، والفكر الذي وضعه العقاد وهؤلاء رومانتيكيون، فالرومانتيكي له سقف.

ولو أردنا التحليل، فها هو التحليل: كلمة رومانسي منسوبة إلى النصوص المكتوبة، القصص العاطفي والغرامي والخيالي الذي سمي "رومان" نسبة إلى اللغة المنحدرة عن الشعبية الرومانية القديمة. ومن هنا جاءت "رومانسي"، فرومانسي ليس معناه روماني؛ ما هو الروماني؟ الروماني فيه كلاسيكية. لا، رومانسي لأنهم أطلقوا على اللغة الشعبية "روما" وعلى اللغة المنحدرة عنها وسمي بذلك النص الذي يكتب بها، ثم سمي بذلك النص الذي يكتب في الاتجاه العاطفي والغرامي والخيال والثورة العاطفية الشديدة الرافضة للتحكيم العقلي على طريقة الكلاسيكية.

فهذا وجود لغة شعبية بالمقام الأول، وبعد ذلك لما انتفض بعد قرون هذا المذهب، نسبها لا إلى اللغة الرومانية ولا الفرنسية وغيره، بل إلى طبيعة القصص التي سميت برومان نسبة للغة الشعبية الرومانية. ولهذا أنا لما بدأت هذه الحركة، يعني هذه النهضة في الشعر العربي التي أقوم بها الآن، درست الحركات الماضية وأخذت أبحث عن علل عدم إكمالها كحركة البارودي؛ لماذا فعلًا فتت في عضدها؟ حركه الرومانتيكية عن طريق العقاد وأصحابه، لماذا فتت في عضدها؟

نجعل كلام محمود عباس العقاد وكلام عبد الرحمن شكري في مدرسة الإحياء والبعث، مع أنها مدرسة إحياء عربي صحيح، لماذا فتتت؟ لأن مدرسة الإحياء والبعث كانت تقوم على جانب شعري توجهي فطري لا يعتضد بالعلم، وكانت ضعيفة من الناحية العلمية، ليس فيها إلا كتاب "وسيلة الأدب" للشيخ المرصفي، وهذا لا يجدي. درست الكتاب، لا يجدي، لا يناظر، لا يقف أمام تنظيرات العقاد، وقلت هذا قبل أعوام.

فلما دخلت في هذا المذهب، في هذا الاتجاه، أحيا هذا الإحياء الجديد، قلت لابد وأن تقوى جدًا جبهة النقد، فأخذت أتتبع الشعراء ومذاهبهم. ولماذا حادثة محمود شاكر مع محمود حسن إسماعيل؟ أثنى عليه في الأول، ثم في الأخير قال: «خيب ظني». ولماذا أحسن به الظن محمود شاكر؟ لأن محمود شاكر كان في اتجاه عربي صرف تقريبًا، محمود شاكر أكثر اتجاه عربي في النقاد الجيل الأخير.

محمود حسن إسماعيل كان رومانسيًا، نظر إلى شاكر بعينه، ومحمود شاكر نظر إلى محمود حسن إسماعيل بعينه. ولهذا أحسن الظن محمود حسن بمحمود حسن إسماعيل، وأثنى عليه على أساس أنه سيبلغ مرتبة عالية، وفي الأخير قال: «خيب ظني». ومحمود حسن إسماعيل نظر إلى محمود شاكر بعينه فقال: محمود شاكر عنده جمود. ومحمود شاكر تأذى من هذه الكلمة، بعضكم لا يعرف هذا، هذه حكاها محمود شاكر في مقالاته، قال: «لا أدري لماذا اتهمني بأنني جامد وأنني تراث وجامد وكذا».

أنا أعرف، لأن محمود شاكر لم ينتبه إلى أن محمود حسن إسماعيل مغرق في الاتجاه الرومانتيكي واتجاه أبولو. ومحمود حسن إسماعيل لما قال كلمته في محمود شاكر إنه إنسان جامد وصاحب اتجاه واحد، ما قالها إلا وهو لا يرتضي اتجاه محمود شاكر العربي الصرف، وكان متأثرًا بالمدارس الأخرى. ولهذا ظل شعر محمود حسن إسماعيل قريبًا خفيفًا لطيفًا. مستحيل الرومانتيكي يعمق في الكلام، مستحيل الرومانسي يقول قصيدة تشبعك، مستحيل.

ولهذا لو تتبعتم كتاب الرومانتيكية كعبد الرحمن شكري وعباس محمود العقاد، ترونهم يعجبون بمن؟ بعمر بن أبي ربيعة وبالعذريين، ويقولون هؤلاء الذين لو نافسنا على الشعر الجميل الطبيعي الفطري سننافس بالغزلية والعذريين، بل إبراهيم المازني يقول يدخل في هذا الماجن، المهم الصدق. فهمتم القضية؟

هكذا انظر إلى الاهتمام بتأثير الأدب على الإنسانية كأداة لوحدها، الروح بالحب اتجاه معروف، اتجاه نفسي. ويقول "وردزورت" طبق نظريته حرفيًا على كل قصيدة، بل على كل سطر فيها، يقول: «فأصبح تهذيب المشاعر الطيبة والسعادة بذلك المبدأ الخالص للحب هو الهدف الأساسي للشعر». وكان ذلك هو السبب في إدانته للهجاء. تخيل إنسانًا اتخذ موقفًا في رفض قصائد الهجاء!

يا عم، نحن نتكلم في شعر؛ هذه القصيدة إما شعر وقصيدة حتى في الهجاء وإما لا، هو رفضها. لما يرفض الهجاء ويرفض أن يكون في الشعر، هذا إذا كان ناقدًا وشاعرًا، فهل هذا اتجاه فني ولغوي أم اتجاه اجتماعي؟ بكل وضوح، أنا لا أتجنى ولا أتعصب، لما أجد إنسانًا يرفض قصيدة الهجاء ويرفض أن تكون موجودة في الشعر والمجتمع الشعري وهو ناقد وشاعر، هذا إذاً اتجاهه اجتماعي أم فني ولغوي؟ اتجاه اجتماعي نفسي طبعًا.

اسمع إلى الأسباب التي لأجلها يقول إن استخدام الهجاء للهجوم على الآخرين، حتى لو كان ردًا على إساءات فعلية، لابد أن يؤدي إلى الفرقة بين الناس، ويفضي إلى توسيع شقة الخلاف، ويضعف قوة الروابط الاجتماعية الحية بين الناس. ما هذا؟ ما قضيتنا؟ وفقك الله يا أخي الكريم في الاختبار.

وكما ذهب محمود شاكر، القصيدة قد تكون في الكفر، في تمجيد الصليب، ويهتز لها المسلم طربًا وغير المسلم؛ هذا نص كلام محمود شاكر، وعندنا الدين بمعزل عن الشعر. تعالوا نقارن في التقدم الحضاري والفكري بين أقدم فكر عربي شعري وبين الثورة الإنسانية الأوروبية والفرنسية؛ ثورتهم جعلتهم يرفضون أنواعًا من الفن بحجة عدم موافقتها لكذا وكذا، ونحن من أيام أواسط قرونهم الوسطى.

يقول القادر الجرجاني: «الدين بمعزل عن الشعر، ولكن الأمرين متباينان». والدين بمعزل عن الشعر، تعرفون عمن كان يتكلم؟ القاضي الجرجاني، أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، القاضي الشافعي. لما وصل وقال: «ولكن الأمرين متباينان»، ابحثوا بهذه العبارة في كتاب «الوساطة»، ولكن بالنص بالحرف بالشكل: «ولكن الأمرين متباينان والدين بمعزل عن الشعر».

بالضبط، تعرفون سياق الكلام؛ كان -والعياذ بالله- عن الشعراء الذين أساءوا إلى النبي ﷺ كابن الزبعرى وكعب بن زهير في الجاهلية. كان يقول لو كان الشعر بالدين، لكان الشعراء الذين تناولوا عرض النبي ﷺ ككعب بن زهير وابن الزبعرى وفلان وفلان، أو كانوا شعراء فاسقين كأبي نواس، لكان كل هؤلاء كذا وكذا، ليسوا شعراء، بل كانوا صماً بكماً. قال: «ولكن الأمرين متباينان والدين بمعزل عن الشعر».

وقد قال هذا الكلام قبله في نفس القرن، لأن القاضي الجرجاني توفي العام ٣٩٦هـ، أما أبو بكر الصولي الذي توفي العام ٣٣٦هـ، فيقول في كتاب «أخبار أبي شيبل»: «وما علمت أن إيماناً ينقص من شعر، ولا أن كفراً يزيد فيه».

تعرفون متى قلنا هذا الكلام؟ أنا لست واعظاً، ولا أنا على منبر الآن، ولا أنا قاص، ولا أقول لك إن هذا أحسن دين في الدنيا، أنا أتكلم بالتاريخ. عندما قال نقادنا هذا الكلام في القرن الرابع الهجري، كانت أوروبا في منتصف العصور الوسطى، كانوا يقتلون الشعراء والعلماء الذين يقولون بخلاف ما تقول الكنيسة، ويقتلون الفلاسفة والمفكرين.

بعد ذلك، في القرن الثامن عشر الميلادي، أتوا بالثورة ومنعوا الهجاء من أن يكون فناً، قالوا الهجاء لا يصح. نحن من جهة البيان والفكر واللغة، ومن جهة الفكر الأدبي والبياني واللغوي، متقدمون على الغرب بقرون ضوئية. أنت تتخيل، أقدم حاجة عندك هي الجاهلية، وكان فيها امرؤ القيس، وكانوا يقتلون الشعراء الذين يتجاوزون، وكان النابغة يقول دليته، وكان زهير يهدد بهجاء مفحش، وبعد ذلك جاء الفرزدق والأخطل؛ كل هذا في وقت العصور الوسطى عندهم.

امرؤ القيس -يا إخوة- ولد ومات في أول العصور الوسطى الأوروبية، وهو هذا المتحرر شعرياً، تتخيلون؟ كل هذا الانفتاح الشعري، بينما أوروبا تمنع الشاعر من كذا وكذا وتقتل العلماء، وكان فيهم شعراء على شروطهم؛ الشعر الديني والأخلاقي والكنسي. فمن جهة اللغة والبيان والفكر اللغوي والبلاغي، نحن متقدمون عليهم بسنوات ضوئية، ولهذا نحن أمة لما تحدّاها الله، تحدّاها بالبيان، أنزل عليها كتاباً وقال: ﴿أَتأْتُونَهُ بِبَيَانٍ﴾ [الطور: 34]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: 30].

ننتقل إلى الشاعر الإنجليزي وردز وورث، وقد ظل فيما أعلاه من آراء في السنوات الأولى من حياته معالجة بارعة للمشاعر، ثم انقلب، فبعد أن ظل يعالج المشاعر، أصبح مع مرور الزمن يبالغ في مذهبه أكثر فأكثر حتى اقترب من أن يجعل للشعر طابعاً تعليمياً وتوجيهاً أخلاقياً. قال: «ومع مرور الزمن تغير هذا الرأي عنده، وأصبح يقترب أكثر فأكثر من الطابع التعليمي والتوجيه الأخلاقي»، وأوضح ما يدل على ذلك قوله: «كل شاعر عظيم معلم، وإنني لا أتمنى أن أعد معلماً أو لا أكون شيئاً».

طبعاً هذه العبارات، يقول الشاعر الإنجليزي وردز وورث: «كل شاعر عظيم معلم، وإنني لا أتمنى أن أعد معلماً أو لا أكون شيئاً»، تثير المتحمسين المساكين في زماننا، يستعملونها وهم لا يعرفون حقيقة فلسفتها، وإن ذلك يفسد الشعر أصلاً لأن أرض القصائد عندنا تعليمية، لأن موضوع الشعر ليس التعليم وليس العاطفة الساذجة السطحية أيضاً. هذه طبعاً عاقبة الجهل والنظر المحروم إلى ما عند الآخرين.

بيد أنه، على الرغم من الطابع الأخلاقي الساذج أو الصبغة التعليمية التي تتراءى عنده، لم يفهم الشعر على أنه مجرد تلقين لحقائق أخلاقية، وإنما يؤكد بأسلوب عصره على وجود عنصر المتعة فيه. تعالى الآن، هو عرف الشعر بأنه «تدفق تلقائي للعواطف القوية». وتصورك للشعر ستبنى عليه المسائل؛ كيف لغة الشعر؟ كيف مفردات الشعر؟ كيف البناء الفني للشعر؟

فهنا بدأ يدخل في قضية لغة الشعر، يقول: «ولم يتوقف التغيير الذي أحدثته نظرية وردز وورث على مفهوم الشعر، بل امتد كذلك إلى لغته»، فقد حمل على ما عرف في القرن الثامن عشر باسم المعجم الشعري. قال: لا يوجد ما يسمى اللغة الشعرية أو المعجم الشعري الذي منه المعجم الأسلوبي، تقديم وتأخير، ليس هذا الكلام موجوداً.

وسننتقل إلى معلم لغوي آخر عند وردز وورث يبين هذا التأثير أكثر، ويكشف القضية؛ فقد حمل على ما عرف في القرن الثامن عشر باسم المعجم الشعري، بمعنى أن هناك لغة منتقاة خاصة بالشعر تختلف عن لغة النثر، وأعلن أن ليس هناك اختلاف بينهما. فالشعر -اسمع هذه العبارة الخطيرة- وسيلة للتعبير عن حالة عاطفية شعورية في الذهن، وهو بهذا الاعتبار ليس مقابلاً للنثر، وإنما هو مقابل لما هو غير عاطفي، أو مقابل للعلم. أي أن كل كلام عاطفي هنا سيكون شعراً أو شعرياً. رأيتم؟

عرفتم من أين جاءنا هذا البلاء الآن؟ ما كانت العرب حتى العامة تحسب أن الكلام العاطفي شعر. خالد الشبان يقول: هذا كلام المثقفين اليوم، أنا عارف، لكن ما كانت العرب ستقول هذا الكلام لأن حتى العامة يعلمون أن هناك شعراً وأن هناك نثراً.

وأن النثر له طبيعته في العاطفة، وأن الشعر له طبيعته في العاطفة، ومع ذلك، ومع كون كل منهما يتعامل مع العاطفة بشكل من الأشكال، فهما قسيمان، بل يكادان يتضادان. والكلام العام المبذول ليس في اعتبار العرب أصلاً؛ العرب لا تتكلم عن الكلام المحكي الذي نتكلمه الآن أنا وأنتم، لا تتكلم عن هذا الكلام، فالشعر نقيده بالنثر.

حتى وإن ارتبط بالعاطفة، تذكرون جعل العاطفة مبناه، أو جعل الشعر مبنياً على العاطفة؛ فإذا بُني الشعر على العاطفة وبني النثر على العاطفة فهما من جانب واحد ويتقاربان جداً وبعضهما يدخل في بعض. عندنا، ركزوا على طبقة شرف المعنى، نحن أدرنا الشعر على طبقة شرف المعنى، والتي لا تحصل في لغة الشعر أو في لغة البيان إلا بالنظم. أدرنا الكلام على طبقة شرف المعنى، ومن هنا باين الشعر النثر.

فليست فكرة العاطفة الانفعال المجرد دون الأقنوم اللغوي؛ فلا يتكلم بلغة المثقفين دون الأقنوم اللغوي. هذا الأقنوم اللغوي له هيئة عندنا في الشعر وله هيئة في النثر. فهذا شرف المعنى الحاصل، والتهيج والتخييل الحاصل بالأقنوم الشعري يختلف عن الحاصل بالأقنوم النثري، فليست العاطفة مجردة عن الأقنوم الذي يتحقق به شرف المعنى، ليست عاطفة مجردة عن الأقنوم اللغوي، الجسم اللغوي الذي يتحقق به.

لماذا الرومانتيكيون أداروا الأمر على العاطفة وقالوا الشعر والنثر من حته واحدة؟ لأن الفكرة فكرة عاطفة. يا أبا قيس، ربما لم تفهمه، تبالغ، ستأتيك مسألة أخرى في أن يكون الشعر لغة العامة. صراحةً، عند "وردز وورث" الإنجليزي ستأتيك مسألة أخرى في اللغة غير فكرة نفي المعجب، وهو أن يكون الشعر لغة العامة بل قال من أهل الأرياف؛ لتقترب اللغة من لغة الطبيعة، الكلام المرسل هكذا، بل سيصرحون لك بأشياء رفضها "وردز وورث" ونص عليها، وهي من صلب البيان والبلاغة كتقديم وتأخير وكاستعارات معينة، ما رأيك؟ لأنها تخالف الاستعمال الطبيعي لأهل الريف وللعامة.

ستأتي، سترى الآن، فالشعر وسيلة للتعبير عن حالة عاطفية شعرية في الذهن أو شعورية في الذهن، وهو بهذا الاعتبار ليس مقابلاً للنثر، هو مقابل لما هو غير عاطفي أو العلم. وينعي على النقاد الذين ينددون بالشعراء ويسخرون منهم إذا اكتشفوا في أشعارهم طائفة من الأبيات أو حتى بيتاً واحداً لا تختلف فيه اللغة عن لغة النثر، مهما كان فيها من ترتيب طبيعي واتفاق مع القواعد الصارمة للوزن.

اسمع القطعة الآتية، القطعة إلى آخر الفقرة، ويؤكد هذه العبارة قطعة مهمة جداً، هذه أربعة أسطر خطيرة. ويؤكد أن من اليسير عليه أن يثبت أن اللغة في جزء كبير من كل قصيدة جيدة، بل في أرفع القصائد وأنبلها لا تختلف بالضرورة عن لغة النثر الجيد. ويؤكد "وردز وورث" الرومانتيكي الإنجليزي، الذي بني على فكرة مع صديقه "كوليرج" الوثيقة هذه التي أسسوا عليها، "المانيفستو" التي أسس عليها الفكر الرومانتيكي، يقول: إن من اليسير عليه أن يثبت أن اللغة في جزء كبير من كل قصيدة جيدة، بل في أرفع القصائد وأنبلها لا تختلف بالضرورة عن لغة النثر الجيد.

كلام صريح في عدم تباين اللغتين، في عدم التضاد، حتى لو ليس التضاد، لا، التقاء أصلاً. ربما تقول يا أبا قيس هو يرفض التضاد، لا ينفي أنها قسيم مجاور. نحن لو قلنا لك عندك لفظة نثرية، الشاعر عندنا بنقفش عليه اللفظة النثرية، مش بيت نثري، مش قصيدة نثرية، لفظة نثرية؛ باللفظة هذه، هذه اللفظة نثرية ما ينفعش تحطها في الشعر، عيب، قلة أدب، حرام، كخ، لفظة نثرية ما ينفعش.

لا تختلف بالضرورة عندهم عن لغة النثر الجيد، اللهم إلا فيما يتعلق بالوزن، موزونة. ليس ذلك فحسب، بل إننا سنجد أن أكثر أجزاء هذه القصيدة قيمة وتشويقاً هي نفسها لغة النثر حينما يكون النثر مكتوباً بأسلوب جيد. اتفرج يا سيدي، كلام خطير يقودنا إلى قضية اختلاف الخصائص بين اللغتين؛ هو يرى شعرية، بل يرى أن أكثر أجزاء القصائد شعرية هي التي طابقت لغة النثر إلا في الوزن. رومانتيكي، رومانتيكي، فهمتم؟

والآن لا فرق عند "وردز وورث" بين لغة الشعر ولغة النثر. يقول: ويخلص "وردز وورث" إلى مواجهة القارئ بذلك السؤال المباشر: هل هناك فرق جوهري بين لغة النثر ولغة التأليف الشعري؟ ويجيب إجابة مباشرة ويقول: ليس هناك، ولا ينبغي أن يكون هناك فرق جوهري بينهما. ويبدي تعجبه من ولع النقاد بتتبع الشبه بين الشعر والرسم بغية الوصول إلى القول بأنهما إخوان إلى آخره، ثم يقول إنه لا يستطيع أن يفخر بأي دم إلهي يميز عصاراته الحية عن عصارات النثر، فنفس الدم الإنساني يجري في عروقهما جميعاً. كذا يقول لك، إن الشعر لا يسفح دموعاً مما تبكيه الملائكة، بل دموعاً طبيعية إنسانية.

عرفتم لماذا كانت الناس تعجب بأشعار الرومانتيكيين في عصرهم هذا؟ هذا الحديث أيام في جيل العقاد وبعده قليلاً وقبله قليلاً، كانت تعجب بأشعار الرومانتيكيين، والآن إذا سمعوها أو قروها لا تعجبهم؛ لأنهم الآن جربوا تذوق الشعر العالي، ما كان عندهم هذا، وكانوا يحبون الشعر المترسل السريع الجميل، هو هذا الشعر الذي يعجبنا. الآن الأذواق تنفي هذا عن نفسها، لماذا؟ أين الشعر؟ أين الشعر الآن والحمد لله؟

ثم يوضح، كأنه يرد على استشكال: يا "وردز وورث" أنت قلت الآن الفرق بينهما هو الوزن فقط، طيب هذا فرق يجعل هذا شعراً ويجعل هذا ليس شعراً؟ فقال يوضح أن فرق الوزن والقافية مضطرد ومتحد الشكل، وليس كذلك الفرق القائم على أن هناك لغة شعرية وأخرى غير شعرية، فهو فرق تحكمي يخضع لأهواء لا تنتهي، ولا يمكن أن يستنتج منه أي استنتاج. يعني أقول لك اللغة الشعرية ونحن معك، نحن العرب معه في هذا، نعم، الفرق لا يكون.

بالوزن فقط أستطيع أن أقول هذا السطر نثرًا وهو موزون، نثري بمعنى أنه ليس شعريًا وهو موزون. أقول ليس شعريًا، ولكن لا أقول على كلام حلو غير موزون أو كلام بليغ غير موزون شعرًا، لا أقول عنه شعرًا؛ لأن الوزن ركن، فكل شعر موزون وليس كل موزون شعرًا، عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ كل شعر موزون وليس كل موزون شعرًا.

كما أنه كل شعر مؤثر، كل شعر يحرك العاطفة، وليس كل ما حرك العاطفة شعرًا، وكل شعر عاطفي وليس كل عاطفي شعرًا. المسألة الثانية التي قلت لكم عنها الآن هي القول بأنه لا يوجد معجم شعري، تعال المسألة هذه؛ قال الدكتور شفيع رحمه الله: أمر آخر يتعلق بلغة الشعر دعا إليه «وردز وورث» أيضًا، وهو أن تكون هذه اللغة مستمدة من لغة الحياة البسيطة والمتواضعة، أو لغة الحياة الدنيا الريفية بعامة.

كما ترون، هو اتجاه نفسي اجتماعي طبقي صريح، أخذ يقد الفكرة اللغوية على قدرها. هو اتجاه لغوي، اتجاه اجتماعي نفسي، أخذ يقد الشعر على اتجاهه هو، وهذا أول ما نلاحظه من أول حديث عن الرومانتيكية، وأنها تأثرت بالثورة الصناعية وتأثرت بالثورة الفرنسية عام 1789. فليس هو إطلاق الطاقات اللغوية كما عرفنا عندنا، ولا يتعلق باللغة؛ كل حركاتهم وتوجهاتهم خارج اللغة.

تعرفون، لما بدأوا ينطلقون من اللغة نفسها بدأت تظهر التوجهات الحداثية وبدأ يظهر التعقيد عندهم والضياع، وسرعان ما انتقلوا من الحداثة، أو بدايه الحداثة، إلى حداثة أخرى وهي التفكيك، وإلى ما بعد الحداثة. أخذوا ينتقلون من البنيوية إلى التفكيكية إلى كذا، وضاعوا؛ أول ما جعلوا اللغة أساسًا عندهم ضاعوا، تخيلوا!

لماذا أرجع وأقول في هذا الأمر الذي ربما البعض لا يقتنع به؟ الفكرة أن القضية اللغوية عندنا تختلف عن القضية اللغوية عندهم؛ لغتنا تسمح بالانتقال من اللغة أو بالانطلاق من اللغة، لغتهم هم لا تسمح. كل ما نوازعهم الماضية نوازع معنوية ومذاهب اجتماعية؛ لما أرادوا أن يجعلوا اللغة موضوعًا لم تتحمل اللغة، هذا أخبرني التاريخ.

أمامنا قل لي يا أبا قيس، ها هم انطلقوا من اللغة واستقروا كما استقررنا نحن في نظرية بلاغية. قل لي ها يا أبا قيس، ها هي آياتك؛ هذه موسوعة كامبريدج وهذا تاريخ الأدب الغربي، وفي مصنفات غير الموسوعة موجودة أيضًا ربما أدلكم عليها، وهذه الموسوعات موجودة. ها هي بلاغة استقرت وبني عليها تاريخ أدبي عندهم انطلقوا فيه من النص، تاريخهم كله أمامك، جئتك من أول هوميروس، جئتك من أول الإغريق اليونان، مرورًا باللاتين الرومان، ثم العصور الوسطى، ثم عصر النهضة، ثم الكلاسيكية؛ كلها انقلابات موضوعية ليست لغوية، انقلابات موضوعية على بعضها، انقلابات متتالية موضوعية تكييف اللغة للمذهب الاجتماعي.

نحن عندنا اللغة مسيطرة على كل المذاهب الاجتماعية، هل سمعتم عن مذهب اجتماعي عندنا أثر في الشعر وقيوده وقوانينه؟ لا، هو ربما أثر في طبقاته، يعني الشعر العذري، غزل الكذا، الماجن، أخف، غزل الهزلي، يعني أقصد الهزلي أخف، لماذا؟ لطبيعته، لكن هل غير القوانين؟ هل قال ينبغي كذا وينبغي أن يكون كذا؟ لا.

صح، أنا هذا بث محفوظ، تعالى أحرجني، ولن أحرج إن شاء الله، سأرجع بسرعة إلى الحق. قل لي، عندهم هم نظرية استقرت بكذا وكذا؛ نحن عندنا، هم عندهم انقلابات نفسية، بالضبط يا شيخ، انقلابات نفسية اجتماعية كيفت اللغة. نحن عندنا تختلف الناس، تختلف الاتجاهات في عصر واحد، تختلف العصور، اللغة هي اللغة والأصول هي الأصول؛ لأنها عبارة عن غابة كبيرة تسمح لأي أحد بالولوج فيها على قدرته وحسبته، ولا يبلغ آخرها عارفين آخرها، ليه؟ مين عارف آخرها؟ آخرها الإعجاز القرآني، فأنت آخرها ما تنفعش توصل له، أنت يعني آخر الغابة مش هتعرف توصل لأن آخرها الإعجاز القرآني.

الغابة البلاغية عندنا، الأرض التي تلجو فيها وتجري فيها لن تصل إلى آخرها لأن آخرها الإعجاز القرآني، لكن يوجد فيها طبقات شعراء كبيرة. فالبلاغة عندنا واللغة عندنا غابة متشعبه مدهامة، واحدة مش اثنان، مدهامة، ومن دونها غابة أخرى مدهمة، وأنت عمال تجري، فكل سيأخذ منها بحسبه؛ العذري سيدخل، الغزلي سيدخل، الهاجي سيدخل، المادح سيدخل، الراثي سيدخل، المدح كله سيدخل. قل ما تشاء، تيجي لي عباسي ستدخل، جاهلي ستدخل، إسلامي ستدخل، أندلسي بمرفه بمياه بثلج بتراب بزهور ستدخل، كله سيدخل وكل يأخذ منه على قدر طاقته ومذهبه النفسي وراحته، وكذا، كله سيأخذ، ولم يغير أحد شيئًا في البيان العربي.

هم عندهم أول ما يحصل انقلاب يغيرون في القوانين؛ أدي واحد رومانتيكي قال لك لابد أن تأخذ أفكار العامة، لغة العامة، أسمع، أن تكون هذه اللغة لغة... كلام «وردز وورث» مذهبه؛ قال أمر آخر يتعلق بلغة الشعر دعا إليه «وردز وورث» أيضًا، وهو أن تكون هذه اللغة مستمدة من لغة الحياة البسيطة والمتواضعة، أو لغة الحياة الدنيا الريفية بعامة.

ويعلل ذلك بأن انفعالات القلب الجوهرية تجد في هذه الحياة خير تربة تستطيع أن تبلغ فيها أشدها وهي تتعرض لضغط أقل. يا عم فين اللغة؟ تجد إيه؟ اللي بيتكلم زي الفلاحين، بيتكلم زي أهل الريف، كلام ناعم حبيبي، أين اللغة من حيث كونها لغة؟ أنا لما شرحت النابغة الذبياني لما قال: «والنحر تنفجه بثدي مقعد»، هناك بلاغة شرحتها. هذا البيت أو هذا الشطر ليس من كلام عامة ولا أهل الأرياف، ولا أهل الأكناف، ولا أي شيء، لا، ده كلام النابغة الذبياني. امرؤ القيس لما قال: «وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا»، ورد فذلت صعبة أي إذلالي، هذا كلام الكبار، هذا كلام الكبار.

ثم يقول الدكتور شفيع السيد: «ومن الصعب تحليل الأسباب التي بنى عليها وردز وورث -طبعًا حتى لا تظن أننا فوتنا شيئًا- يقول عن هؤلاء أهل الريف؛ لأن هؤلاء الناس يتصلون في كل ساعة بخير الموضوعات التي اشتق منها في الأصل خير أجزاء اللغة، ولأنهم بسبب مكانتهم في المجتمع وقلة اختلاطهم وبعدهم عما يدعو إلى الزهو الاجتماعي يعبرون عن مشاعرهم وأفكارهم بعبارات بسيطة غير مصطنعة. وقد أثار موقفه هذا جدلًا واسعًا في أوساط الأدباء والنقاد، والحق أن الأدوات الشعرية التقليدية في أواخر القرن الثامن عشر قد غدت عبارات رتيبة مبتذلة، فجاء رد فعل وردز وورث».

يقول الدكتور شفيع السيد: «ومن الصعب تحليل الأسباب التي بنى عليها وردز وورث رفضه لمعجم القرن الثامن عشر تحليلاً منهجياً لكثرتها وتنوعها».

تعال بقى يعترض على إيه؟ وردز وورث يعترض على وسائل أسلوبية معينة مثل التشخيص، أي إحياء المعاني في أشخاص، أو جعل الجمادات أشخاصاً، أي إضفاء الصفات البشرية على شيء ما أو على مفهوم تجريدي. وقد جاء الصبر في سورة رجل. هذا اعترض عليه كما يعترض على الإسهاب، والتعبيرات المشتقة من اللاتينية أو المحاكية لها من اللغة الرسمية اللاتينية (Roman)، وقلنا هذا امتداد للغة الشعبية التي كتبت بها القصص الغرامية وكذا وكذا، التي كانت تقاسمها في الرومان القدماء اللغة اللاتينية؛ فهو يرفض اقتباس ألفاظ لاتينية رومانية قديمة.

كما يعترض على الإسهاب والتعبيرات المشتقة من اللاتينية، أو المحاكية لها، والانحرافات النحوية. ما معنى انحرافات نحوية؟ هذا مصطلح بالمناسبة؛ الانحرافات النحوية يعني أن يجيء على خلاف الشائع المعهود. مثلاً امرؤ القيس لما يقول: «يضيء الفراش وجهها لضجيعها»، يضيء الفراش وجهها، هذه انحراف نحوي. كذلك لما أقول: «وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورد فذلت صعبة»؛ أي إذلال، هذه انحرافات أيضاً. وتقاطعات وكذا وكذا في القرآن: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ فجأة هكذا بالنصب، على ما يعرف بالقطع، وهذا انحراف نحوي. كذلك مثلاً: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، حمالة، البعض فسرها على أنها على التخصيص أيضاً. هذا عنده شيء يخض، كما قال بتاع أهل الأرياف: الفلاحين سهل وجميل ولا يشعرك بأن صاحبه عنده علم ولا عنده انفعال.

ويعترض على خصائص تركيبية، هذا كلام الدكتور، ويعترض على خصائص تركيبية مثل العكس أو القلب، بمعنى تغيير الوضع الطبيعي للكلمة، وبخاصة تقديم الفعل على فاعله، فهو عكس المألوف في اللغة الإنجليزية. ويعترض على كثرة التضاد أو المقابلة، وعلى ظواهر أسلوبية أخرى لا داعي للإطالة بذكرها. قلت لكم يعترض على ظواهر بلاغية التي يصنع بها الكلام العالي أصلاً وتؤدي إلى الصدمة الأسلوبية والتجهول؛ هو لا يريد هذا، هو عايز يسمع غناءً مع آلة موسيقية، غناءً لطيفاً جميلاً مباشراً عاطفياً. وأهم حاجة بين قوسين: عاطفي، مع آلة موسيقية ريفية بسيطة، هذه الحياة، وهذا هو الشعر الذي يهذب النفوس.

ويتحدث عن النقد الذي وُجّه إلى وردز وورث بأنه استخدم كثيراً -أتذكر قوله تعالى: ﴿أَقُلْتُمْ أَإِنَّكُمْ لَشَهِدْتُمْ﴾- صح، وجدوا أنه استخدم كثيراً من الأدوات والوسائل التي اعترض هو عليها، حتى يخرج شعراً. يقول: «أقول بعض تراكيبه يمكن أن تكون معقدة، وأحياناً استخدم كلمات متعددة المقاطع يرجع فيها إلى ما هو مدون في الكتب لا إلى تجربته الشخصية، وكذلك تحفل قصائده بما سماه مغالطة التشخيص، اللي هو إنسنة الجماد والمعاني المجردة، واشتملت على كثير من الأضناب الذي رفضه أيضاً ولم يحدد الفرق بالنسبة له».

بينما هو مشروع، يقول: «ولم يستطع وردز وورث في كتاباته النقدية أن يحدد الفرق بالنسبة له بين ما هو مشروع بل استعارة أساسية حية وما هو زائف ومصنوع»، هو أتى بالاستعارات التي رفضها، طيب أنت ما المرفوض عندك وما المقبول؟ «ولم يستطع كذلك أن يصف من الناحية النظرية السبب في أن بعض أنواع العكس صحيح وبعضها خطأ، ما رفضها من العكس والقلب، وكذلك تزكية وردز وورث لاستخدام اللغة الطبيعية تحتاج إلى تفسير».

قالوا إذا كان يعنى بها اللغة الفعلية التي يتكلم بها البسطاء من أبناء الشعب، فهو نفسه لم يستطع أن يستخدمها في بعض من قصائد ديوانه، قصائد قصصية غنائية، وقد دافع عن هذه القصائد بأنها ليست إلا تجارب. يا وردز وورث، ماذا تقصد باللغة الطبيعية؟ كما قلت لغة العامة وأهل الأرياف والبسطاء، شعرك لم يكن كذلك، شعرك كان أعلى من هذا ولم تتكلم بهذه اللغة. ولدرجة أنه اعترف في الطبعات التالية بأن ملاحظاته على المعجم قد طبقت تطبيقاً قليلاً على الجزء الأعظم من الديوان.

والعجيب، اسمع العجيب، ظل وردز وورث يذهب إلى تحديد اللغة التي يتكلم بها، أنت ضد منهج الحرية، أنت تقول أنا حر وأنت مانتيك (Romantic) حر، ظل يحدد هذه اللغة حتى انتهى إلى كلاسيكية جديدة. يقول الدكتور: «وردز وورث في موقفه من لغة الشعر حتى ينتهي إلى كلاسيكية جديدة عندما يتطلب اللغة العامة للإنسانية، تذكرون النموذج الشامل الكلي في الكلاسيكية الجديدة، عندما يتطلب اللغة العامة للإنسانية وعندما يلوذ بالمبادئ العامة التي تحكم الطبقة الأولى من الكتاب في كل الأمم واللغات، ذهب إلى فكرة النموذج الشامل». وذلك بسبب استطراده وتماديه في تحديد ما هي اللغة الشعرية وكيف يتكلم. رفضت الهجاء، نقول حتى لو كان المهجو يستحق، إذاً أنت صرت تقصرني على طريقة الكلاسيكية الجديدة التي حكمت الموضوعات في أخلاق نبيلة وفي موضوعات وحكمت العقل والذوق العام والنموذج الكلي واللياقة وعدم الاقتصار على المحلي، أنت عملتها أهو، انتهى إليها.

وفي الأخير قالوا: هناك إيجابيات، الدكتور قال هناك جوانب إيجابية، أي حسنة ومفيدة فيما أوصى به وردز وورث حول لغة الشعر، ما هي؟ أن اللغة الشعرية يجب أن يتحقق فيها حيوية الإحساس. طبعاً ستلاحظون أنها إيجابية لو دققتم، بالنظر إلى لغة الشعر عند الطبقات التي انقلبت عليها الرومانتيكية، لا بد أن يكون فيها إحساس. هذا جانب إيجابي عنده، لكن إحساسه بأي شيء حققه؟ بالنزول إلى اللغة الريفية البسيطة، بعدم بلاغة، بعدم تقديم وتأخير، ولا حذف ولا إثبات ولا انحراف نحوي، عدم استعارات، عايزين كلام عاطفي فياض مترسل جميل. فيقولون الشيء الإيجابي لأنه غير متحقق عند بعض المذاهب السابقة، أن اللغة الشعرية يجب أن يتحقق فيها حيوية الإحساس، حتى إنه قال: «ومن الاعتقادات الشائعة أن اللغة المجازية العاطفية كانت لغة الإنسان البدائي»، ومن هنا فإن الاختيار إذا كان بصدق.

وحكمه يتعين بالضرورة أن يكون جليلا ومتنوعا ومفعما بحيوية الاستعارات والصور المجازية، هذا هو الضابط؛ لأن الشأن في الإنسان حين تتملكه عاطفة ما، أن يستخدم الصورة أو الصور المجازية تلقائيا. ومن الاعتقادات الشائعة أن اللغة المجازية العاطفية كانت لغة الإنسان البدائي.

ويقول وردز وورث إن أقدم الشعراء كتبوا بلغة مجازية طبيعية تفيض بقوة الشعور، وفي رأيه أن الصور البلاغية في شعر القرن الثامن عشر المكتسبة بالتعلم صور مشوهة أسيء فيها استخدام تلك اللغة الأصلية التي كانت تعبيرا تلقائيا. وانتقل في ذلك إلى فكرة الصدق: ما مفهوم صدق الشاعر؟

نحن سنختم بهذا الكلام عن وردز وورث، والحصة القادمة -إن شاء الله- غدا نتكلم عن صديقه كوليريدج. له قضايا أخرى، وبالانضمام إلى وردز وورث -كما عرفتم- ينبني عليه أو يؤسس عليها الفكر الرومانتيكي. لو درستم جيدا وفهمتم جيدا الأفكار التي أتى بها وردز وورث والأفكار التي أتى بها كوليريدج، صديقه الإنجليزيان، تكونون إن شاء الله قد أحطتم بالنظرية أو أوعبتم النظرية الرومانتيكية إيعابا حسنا، والحمد لله.

يقول: يمثل الصدق معلما مهما من معالم نظرية الشعر عند وردز وورث، فالشعر عنده -كما سبق أن ذكرنا- تدفق تلقائي للعواطف القوية. احفظوا هذه العبارة: تدفق قوي للمشاعر الفياضة أو للعواطف القوية. تعرفون لماذا؟ لأننا إن شاء الله سنقرأ هنا أيضا في نفس الكتاب كلام العقاد. العقاد نسخ هذا الكلام، العقاد نسخ هذه الأفكار ونسخها.

ثم يقول: نحن التقينا بحكم ظروف الزمان والتطور -لا علينا- إن شاء الله بالمناسبة، مما سنقرأه بعد هذا الكتاب وكتاب الديوان، ربما فقط الجزء الخاص بنقد العقاد لأحمد شوقي من كتاب الديوان -إن شاء الله- سنقوم بدور أو بوظيفة الوساطة بين الرجلين ونرى إن شاء الله.

قال: فالشعر عنده -كما سبق أن ذكرنا- تدفق تلقائي للعواطف القوية، فهو تعبير ذاتي أو تنفيس عن المشاعر الشخصية. وقد بالغ في النظر إلى عنصر الصدق واعتباره معيارا ثابتا في الحكم على الشعر، إلى حد أنه أشار في مقالاته الثلاث التي كتبها عام 1810 عن المرثيات، إلى أن المتسلم به أن من يكتب مرثية يجب أن يعطي البرهان على أنه قد تأثر وثارت مشاعره، وأنه صادق في حزنه وليس بارد العاطفة ولا متكلفا.

فالأمر إذا يتوقف على الشعور بالحالة الذهنية للشاعر، فإذا كان هناك إحساس بأن الشعر واقع تحت تأثير الشعور -حتى يقول لك أندريه فيلين-: «فمن الممكن أن تغفر له»، فمن الممكن إذا كان هناك إحساس بأن الشعر واقع تحت تأثير كثير الشعور، فمن الممكن أن تغفر له أو أن تغفر له أخطاءه في الأسلوب وفي طريقة الأداء. لو حسيت أن الشاعر صادق في العاطفة، فهذا مذهب رومانتيكي؛ لو شعرت أن الشاعر صادق تغفر له الإخفاق في الأسلوب والأداء اللغوي.

تخيلوا، خذوا عندكم المنفلوطي له كلام يشبه هذا أو يطابقه. طبعا لو سألتني من الرومانتيكي المادة الخام العربية للرومانتيكية؟ هل كان المنفلوطي؟ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله كان إنسانا نبيلا، كان إنسانا رائعا رحمه الله، كان ذا شعور رهيف جدا، ولكن انتبهوا لأنه يتعصب له أصحاب الاتجاه الرومانتيكي ولا يخفون علينا. بل وجدت بعض الأجانب في مصر، الدارسين في الأزهر ممن بلادهم متأثرة بالثقافة الفرنسية الرومانتيكية، وربما درسوها في بلادهم قبل أن يأتوا إلى هنا، شغفوا في إقامتهم في مصر بالمنفلوطي الذي أيضا شغف بالترجمة للقصص الفرنسي، وجزء كبير من عمله كان ترجمة، لكن الحقيقة ترجمة جيدة جدا.

المنفلوطي مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله له كلام مطابق لهذا أو يشبهه، أنا قرأته منذ ما يقرب من ثلاثة عشر عاما تقريبا، إذا لم تخني الذاكرة أو إذا أسعفتني الذاكرة، فهو في مقاله أو كتابه عن الشاعر. أنا كنت قرأت المنفلوطي في مجلد ضخم وهو الأعمال الكاملة، ثم اشتريت كتبه مفرقة في طبعات جيدة، لكن جئت أولا بالأعمال الكاملة له. له كلام يشبه هذا جدا، فهذا خطأ كبير؛ لو شعرت بصدق العاطفة فلا يهمك الخطأ.

هذا الكلام قريب منه كلام ميخائيل نعيمة، أحد المنظرين العلميين الذي يقابل العقاد في مدرسة الديوان، المنظر العلمي للرابطة القلمية، أو لشعراء المهجر الأمريكي الذين هم من لبنان وسوريا. وهاجمه العقاد في هذا ورد عليه، وهاجمه عندما تكلم عن موضوع اللغة وما يعرف بالأخطاء، وأن لا يتهاون في هذا الأمر، لا مساس بجسم اللغة ولا مساس بصحة اللغة.

يقول الدكتور شفيع السيد -وهذه عبارة جميلة- يجيب الدكتور شفيع عن هذه الحالة التي عند وردز وورث في مسألة الصدق: «والواقع أن جودة الشعر ورداءته لا دخل لهما في مسألة الصدق». لا يقول هذا إلا من جرب؛ «والواقع أن جودة الشعر ورداءته لا دخل لهما في مسألة الصدق، فأسوأ ما يكتب من شعر الحب هو ما يكتبه المراهقون لكنه أكثر صدقا».

المراهقون، هذا الولد في مخه رديء جدا مع أنه صادق؛ الولد يموت على البنت يا فتحي! فأسوأ ما يكتب من شعر الحب، الدكتور يقول لك هذا وكأنه جربه وشاهده. "أسوأ ما يكتب" ليست لغة أكاديمية، هذه لغتي أنا. الأكاديمي يصعب عليه أن يقول هذه الكلمة، فالباحث المفروض أن يكون محايدا هادئا في الكلام، وهذه لغة وصبغة ربما نتكلم عنها يوما ما إن شاء الله. رفضها محمود شاكر وأنا أرفضها كذلك، لكن هذه الكلمة غريبة على الوسط.

فهي ليست موضوعية تماما، لكن الباحث الأكاديمي عموما يلزمونه بلغة تبتعد عن الميل القاطع، حتى من العرف المعروف في كتب الرسائل، أن الكاتب لا يستعمل ضمير المتكلم، لا يقول: «فأنا أرى وقد بحثت فوجدت و رأيت كذا».

فالباحث يرى يستعمل كلمة "الباحث" عن نفسه في الرسالة؛ فالباحث يرى كذا، ولذلك نظر الباحث في كذا، والباحث يرجح، والباحث افترض كذا. هذه هي اللغة المفروضة، والمهم أنها ليست صوابًا بإطلاق وليست خطأ بإطلاق.

قال: «والواقع أن جودة الشعر ورداءته لا دخل لهما في مسألة الصدق، فأسوء ما يكتب من شعر في الحب هو ما يكتبه المراهقون، لكنه أكثره صدقًا». هو صادق لكنه رديء قبيح، ولو أننا وضعنا الصدق معيارًا في تقييم الشعر لتحولت المشكلة النقدية إلى فحص لسيكولوجية الشاعر وسيرة حياته.

الدكتور بين مذهبه لغوي بلاغي. الأستاذة شيماء طه، دكتورة حضرتك، أذكر حضرتك أستاذتنا الكريمة شيماء طه. حضرتك دكتورة جامعية، أختنا الدكتورة شيماء تقول: ممنوع استخدام ضمير المتكلم "أنا"، وإذا فعلها الباحث تكون عيبًا في الرسالة، صح؟

نعم يا أستاذ، أنا مدرس مساعد نقد وبلاغة وأدب مقارن. ما شاء الله، على الرأس، أظن في جامعة الأزهر؟ تشرفت بك دكتورة كريمة وأحييك باسمي وباسم الحضور. رضي الله عنكم، وجميل حضورك ونتشرف بك نتعلم منكم، أنت أستاذتنا وعلى الرأس.

جامعة بورسعيد، ما شاء الله، نزوركم يومًا إن شاء الله دكتورة، نتشرف بلقائكم بإذن الله. سعيد بحضورك وبمباركتك هذا المجلس، كلية الآداب قسم اللغة العربية، ما شاء الله، على الرأس والعين.

يقول: «ولو أننا وضعنا الصدق معيارًا في تقييم الشعر لتحولت المشكلة النقدية إلى فحص لسيكولوجية الشاعر وسيرة حياته». كما قالت لكم الدكتورة يا إخوة، كلمة استعمال ضمير المتكلم: أنا، ورأيت، وأذهب، وأرى؛ هذا مرفوض، أو كما قالت يعد عيبًا في الرسالة، لازم قال: "الباحث"، "ويرى الباحث"، "ويرجح الباحث"، "وربما وجد الباحث"، "واحتمل كذا"، "وافتراض الباحث". كلمة "افترض" كثيرة جدًا وتستعمل أيضًا.

أحيلكم هنا أيها الإخوة إلى محاضرة فيها تفصيل علمي. يرى الباحث نعم، أو المرجح لدى الباحث، هذا مستعمل في الرسائل. أقول: أحيلكم في هذه المسألة إلى محاضرة فيها تفصيل علمي على قاعدة العرب، أنا لا أظن أنه وقع هذا التفصيل من قبله في محاضرة أو في مادة علمية أو تدريسية شعرية، استخدمت المراجع التي استخدمت في هذه المحاضرة، ولم أسمع القرطاجني شرح ما فيها تفصيلًا.

هذه المحاضرة هي محاضرتي بعنوان: «لماذا نزل شعر المتنبي عن حيثيته بعد مغادرته سيف الدولة؟ حديث في الباعث وشهوة النفس الشاعرة». أنا أحثكم شديدًا عليها في هذه المسألة، وهي تعلق الشعر باللغة لا بالسيكولوجية. ما مدى تأثير السيكولوجية؟ ما مدى تأثير الشاعر؟ تأثير النفس والصدق عند الشاعر؟ ما درجات الصدق عند الشاعر؟ قضية الصدق هذه، هذه المحاضرة مهمة جدًا، وفيها خلاصات وتوثيقات علمية مهمة جدًا.

لا أدري لماذا يهمل هؤلاء العلماء أو الباحثين هذه المراجع والتحليلات؛ تراهم ينقلون عن سورويل، أو برشت، أو ينقلون عن نعوم تشومسكي وجاك دريدا وتفكيكية نعوم تشومسكي والنحو التحويلي، ولا ينقلون عن القرطاجني، فيلسوف نقاد العرب، الذي ينقل عن ابن سينا وعن الفارابي، وطعم النقد العربي وفلسفته. لا غريب، حالة غريبة نعيشها. فهذه المحاضرة مهمة جدًا وفيها خلاصة قوية وبحث قوي ستتسلحون به في مسألة صدق الشاعر، لأنها ليست ملغاة، لكن ما معنى صدق الشاعر؟

بعض الناس يحسب أن صدق الشاعر أن تكون الحادثة قد وقعت له، وهذا كلام مجرب؛ لا يصدق إلا من كان عاش حياته وكان صادقًا. قد يفعل الإنسان الشيء ولا يقول فيه الشعر، وربما يحبه ويتمناه ويقول فيه الشعر، إنه موهوب ولم يحصل له.

خذوا عندكم، ابن سينا يقول: «أكثر شعر العرب من باب الاختلاق الإمكاني». أكثر شعر العرب من الاختلاق الإمكاني؛ لأن هدفهم الإبهار، هدفهم التخييل، لأن هدفهم الإثارة النفسية، وليس أن يحكي لك قصة حصلت، هم ليسوا رومانسيين.

مثلاً عقيل العميدي، مقيم الآن في النجف العراق، طالب في المدارس التراثية في دار الإمام الخوئي، رجل مغموس في العلم، لو جاءك بقطعة هكذا نشرها لما كنت في العراق أو لما رجعت، ربما نشر قطعة فيها تغزل بمصرية، أتاني برسائل من حبيبته المصرية، قلت له: أنا خلفته ونسيته يا بني؟ هو لو يحب مصرية سيخبرني. والبعض فسر الحبيبة أنها رمز لأبي قيس، فقلت له: والله يا أستاذ جاءت أبيات على رأسي وكانت نجدية جعلتها مصرية، غيرت المكان من نجدية إلى مصرية، فقلت له: هل في فتاة حقيقية تحبها؟ قال لي: ما في أبيات أعجبتك قلتها. فالشاعر هنا يجرب نفسه، يجرب قلمه. ربما رأى أنهم يربطونه بالشعر الشيعي أو الديني أو الحسين، فقال: لا، هذه قطعة غزلية أو عذرية حتى تعرفوا أنني فنان شاعر بقطع النظر عن أنني شيعي متدين.

يقول ابن سينا: «أكثر شعر العرب من قسم الاختلاق الإمكاني»، يعني مما اختلقوا فيه شيئًا ممكنًا لكن لم يحصل، يعني قال أحبه ولم يحب. خذوا المفاجأة من الشاعر الذي هو من أشهر شعراء الغزل العذري، نصيب بن رباح؛ ليست له إلا زوجته، بل أصلاً كان كما ذكروا عنه أسود دميماً وكان من الموالي، ليس له مكان يسمح له بأن يتجرأ على العلاقات والحب.

نصيب بن رباح ما كان عفيفا، ولم تكن له إلا زوجته، هل كان عفيفا باختياره أو لأحواله؟ الله أعلم، لكن الواقع أن شعره كله في أسماء فتيات عدة، وكلها غير حقيقية؛ هو يحب هذا النوع من الشعر، وهو أكثر شعر العرب من هذا الباب.

ابن رشيق في «العمدة» ينقل عن شيخه الشيباني ابن أبي الرجال، الإمام الورع الزاهد العابد، كذا كذا، يقول -أيده الله-: وأتى بأبيات في وصف القد والخد والش... قال أيده الله. ماذا كان يفعل ابن أبي الرجال؟ يهيج النفوس، بل يهيج النفس.

عبيد الله بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة، تغزل بامرأة حقيقية موجودة، تعرفون القصة؟ تغزل بامرأة حقيقية موجودة أصلا، والناس تلقوا الأمر عادي، لأنه أحد فقهاء المدينة السبعة. نزلت امرأة إلى المدينة، جاءت من مكة إلى المدينة ونزلت، وكانت جميلة جدا، فخطبها الناس فتعلق قلبه بها، فقال فيها أبياتا أقرأها لكم من باب تلطيف المحاضرة الجافة.

هذا شعر الفقيه الشاعر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، المتوفى عام 98 من الهجرة، هذا أحد فقهاء المدينة السبعة. قال أبو الفرج: حدثنا محمد بن جرير الطبري، والحرمي بن أبي العلاء، ووكيع، قالوا: حدثنا الزبير بن كمال، قال: حدثني إسماعيل السند إلى آخره، قال: قدمت المدينة امرأة من ناحية مكة، وكانت جميلة فخطبها الناس وكادت تذهب بعقول أكثرهم.

يعني هو الفقيه ليس له نصيب؟ لا، والله، فقيه كالناس، وهو شاعر أيضًا، وكادت تذهب بعقول أكثرهم. فقال فيها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، واستشهد على حبها بشهادة فقهاء المدينة الذين هو سابعهم. اسمع، أحبك حبا؛ هذا الفقيه يقولها في امرأة حقيقية نزلت المدينة:

أحبك حبا لا يحبك مثله ... قريب ولا في العالمين بعيد أحبك حبا لو علمت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد وحبك يا أم الصبي مدله ... وشهيدي أبو بكر فنعم شهيد ويعلم وجدي القاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى وسعيد وسعيد يعلم ما أخفي سليمان ... علمه وخارجة يبدي ويعيد متى تسالي عما أقول فتخبري ... فللحب عندي طارف وتليد

الجميل أنهم تعاملوا مع الموقف عادي. يقول: فبلغت أبياته سعيد بن المسيب، الذي ذكره في البيت الرابع، وهي ستة أبيات، فبلغت أبياته سعيد بن المسيب فقال: «والله لقد آمن أن تسألنا، وعلم أنها لو استشهدت بنا لم نشهد له بالباطل عندها».

انظر رد سعيد بن المسيب على زميله الفقيه الكبير لما سمع الأبيات واستشهد بها. هؤلاء فقهاء المدينة السبعة، يعني لا تقل لي مش عارف مين، هؤلاء أصول فقهاء المدينة، هم سبع فقهاء ملؤوا المدينة علما، وكانوا أصولا لعلم المدينة.

كذلك بالنسبة لموضوع قضية الصدق، هناك رواية عن عاتكة بنت زيد، التي تزوجها عمر بن الخطاب، واعترض أمها علي بن أبي طالب على عدم صدقها. هذه الرواية تكشف لكم عن قضية الصدق التي يقولها الشيخ، ولو أننا وضعنا الصدق معيارا في تقييم الشعر لتحولت المشكلة النقدية إلى فحص لسيكولوجية الشاعر وسيرة حياته.

أريد أن أقف عليها بسرعة إن شاء الله. أوردها الجاحظ في رسائله المطبوعة في أربعة أجزاء، يقول: تزوج عبد الله بن أبي بكر الصديق عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت امرأة لها جمال وكمال وتمام في عقلها ومنظرها، وجزالة في رأيها. فلما مات من السهم الذي أصابه بالطائف، أنشأت تقول:

فاقسمت لا تنفك عيني سخينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

فتزوجت عمر بن الخطاب، فسرح عمر إلى عدة من أصحاب رسول الله ﷺ، دعاهم لما بنى بها. فقال له علي بن أبي طالب لما قبل الدعوة وذهب إليه: «إن لي إلى عاتكة حاجة، أريد أن أذكرها إياها، فقل لها تستتر حتى أكلمها». فقال لها عمر: «استتري يا عاتكة فإن ابن أبي طالب يريد أن يكلمك». فأخذت عليها مرطها، فلم يظهر منها إلا ما بدا من براجمها.

فقال: «يا عاتكة، فاقسمت لا تنفك عيني سخينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا». فقال له عمر: «ما أردت إلى هذا؟» فقال: «وما أرادت إلى أن تقول ما لا تفعل، وقد قال الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3]، وهذا شيء كان في نفسي أحببت والله أن يخرج». فقال عمر: «ما حسنه الله فهو حسن». أنا لم أفهم عبارة عمر بن الخطاب، هل قصد؟

إن ما حسن الله من إباحة الزواج هو حسن، أما حسن الله فهو حسن، تصديقاً على كلمة علي بن أبي طالب لإيراد الآية: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3]. وأحسبها أنه ما حسن الله، يعني هي تتجاوز هذا الذي قالته في البيت وتتزوج، هذا حسن لها، هذا ما أظنه والله تعالى أعلم.

فهذا البيت، هل هو صادق بمعنى منفعل على هذه الرواية والقصة؟ هل صدقت في أنها لا ينفك جلدها أغبر وتظل كذا؟ المهم الانفعال وقت الكلام هذا هو. وردز وورث يقول الكلمة: «ويظل يلملم في أطرافها»، إذ ينفعل في قولها ثم يجدها تنفرط عليه. يقول الدكتور: ومع هذا فإن وردز وورث اعترف صراحة بأن لهذا المدخل في تناول الشعر حدوداً يجب مراعاتها، فيشير في بعض رسائله إلى أن مهمتنا إزاء الكتب التي نقرأها أن... المهم في الأخير استدرك وورث على مذهبه وحاول أن يقيد، وحاول أن يذهب يميناً وشمالاً حتى يقول في الأخير: الشعر هو شعر.

يقول: «إن مهمتنا إزاء الكتب التي نقرأها أن نفهمها ونستمتع بها، وفيما يتعلق بالشعراء خاصة، فالحق أن أعمالهم إذا كانت جيدة فسوف تحتوي بداخلها على كل ما هو ضروري لفهمها والاستمتاع بها». وكأني أكلم ترامب! نحن متأثرون بالذي حصل في كذا، نعدك ألا يحصل مرة أخرى، نعم، إن هذا الذي حصل يمكن أن يكون ما هو... كلامك هذا متناقض يا وردز وورث؛ أنت قلت الشاعر لابد فيه من الصدق، والآن تقول المتلقي إذا وجد الشيء في القصيدة جيداً فستكون جيدة!

وفيما يتعلق بالشعراء، ما أذل قوماً يحتمون بهؤلاء! تخيل، ما أذل قوماً يحتمون بمن لا عهد لهم ولا دين، ومصلحتهم يأخذون ويمصون دمك وهم يثيرون القلاقل عليك. وتعرفون ما المشكلة يا إخوة؟ إننا يوم نتحرر من هذا سنندم على العقود التي ذهبت تحت حمايتهم، ستندمون وتقولون: ليتنا فعلنا من قديم. كل يوم يمر هو خسارة وتكلفة، ويوماً ما سندرك كل هذا، ستدرك الناس إن شاء الله، ويوم قريب إن شاء الله.

قال: «وفيما يتعلق بالشعراء خاصة، فالحق أن أعمالهم إذا كانت جيدة فسوف تحتوي بداخلها على كل ما هو ضروري لفهمها والاستمتاع بها». ماشي، ما الجديد؟ يعني ماذا فعل؟ ناقدت نفسك خلاص؟ ما قضية الصدق عندك؟ ويفرق وردز وورث في هذا السياق بين نوعين من الشعر؛ أحدهما يمكن أن يسمى الشعر الموضوعي، والآخر الشعر الذاتي. قضية الصدق عنده لو فهم قضية اللغة وصدق الانفعال لارتـاح، لكن هو لا يستطيع تصوره لأنه رومانتيكي من جهة، ولأنه لا يجد الخصائص اللغوية من جهة أخرى، فما زال يلعب في المذهب الفكري والاجتماعي والنفسي، ما زال يجول وسيظل مجاله المذهب الفكري والاجتماعي.

نعم بالضبط يا دكتورة، سيظل في هذه الفكرة، في هذا الجانب. هناك شعر موضوعي وهناك شعر ذاتي، وقضية الصدق هي شعر كما هنا في الأول، ظل يحدد إلى أن دخل في الكلاسيكيات الجديدة. يقول: «اللغة لابد أن تكون مستمدة من الحال البسيطة»، ويحاول أن يضع حدوداً حتى لا يُفهم أن الشعر ككلام العام، ما هو أنت تندفع وتقعد تلملم وليس عندك فكرة ونظرية حاضرة، بل عنده شيء مسيطر عليه، العاطفة. تلاحظون في حوالي ثلاثة مواضع مما قرأنا اليوم يدخل في الكلام يقوله، ثم يبدأ في تجنب اللوازم التي هي لوازم.

قضية الصدق في الشعر، هل هو بالغ؟ هناك موضوعي وهناك ذاتي، والقصيدة إذا كانت جيدة ستعجب مهما كانت، طب أين الصدق راح؟ يعني هل الشعر الموضوعي ليس فيه صدق والذاتي فيه صدق؟ والموضوعي ليس فيه صدق؟ وخلافاً لما ذهبت إليه الكلاسيكية الجديدة من إهمال الخيال وازدرائه ووضعه في أحسن الأحوال تحت رقابة العقل وتوجيهه، ترى وردز وورث يشيد به ويرى أنه ربما يكون أنبل ملكة في الإنسان، وأن صوت الشعر عند الإنسان لا يستطيع أن يسمعه القارئ دون أن تتوفر لديه ملكة الخيال، ويحاول التفرقة بينه وبين الوهم باعتبار أنهما درجتان مختلفتان من ملكة واحدة.

قضية الخيال والوهم سنتناولها بالتفصيل إن شاء الله عند الكلام عن كولريدج في المحاضرة القادمة. نحن بدأنا في الكلام عن كولريدج صديقه، الذي يكون معه المانيفستو أو الوثيقة والقائمة الفكرية للفكر الرومانتيكي. كما قال الدكتور لما بدأ الكلام: «ولعل من أهم الوثائق النقدية التي يشار إليها عند الحديث عن الرومانتيكية، حتى لا توصف بأنها مانيفستو الحركة الرومانتيكية، المقدمة التي كتبها الشاعر الناقد وردز وورث»، واستعرضناها وانتهينا منها والحمد لله. سنراجع فكر وردز وورث وسنضيف إليه القسم الآخر الذي سيكون النظرية التعبيرية الرومانتيكية عند صديقه كولريدج إن شاء الله.

هذا في الغد يا إخوة إن شاء الله، وبالكلام عن كولريدج بعدها سندخل في قضية النقد الأدبي والمذاهب فيه، سواء المذهب الذي يربط العمل بالمؤلف في السيرة الذاتية، مذهب سانت بيف، أو المذهب الذي يربطه بالشاعر، هو هيبولتين ومدام ديستاد الفرنسية التي عرفتموها تلميذة الأخوين شليجل إن شاء الله. لقاؤنا في الغد إن شاء الله يا إخوة، وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.