هذه يا إخوة هي المحاضرة السابعة من محاضرات كتاب نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة، من الكلاسيكية القديمة أو الكلاسيكية الجديدة إلى الرومانتيكية.
وخلاصة الكلام على الرومانتيكية أن هناك حدثين كبيرين أثرا في صعود الرومانتيكية من نهايات أو من بروز وظهور الرومانتيكية في نهايات القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، والقرن التاسع عشر هو قرن الرومانتيكية، لكن بدأ بزوغ هذه الفكرة وهذه الفلسفة في أواخر القرن الثامن عشر.
قلنا هناك حدثان أثرا في ذلك؛ أول حدث هو الثورة الصناعية التي أيقظت الطبقة البرجوازية، العمال والتجار وأهل الحرف، هؤلاء الذين أصبحوا بعد ذلك الطبقة الرأسمالية في الثورة الصناعية. والحدث الثاني هو قيام الثورة الفرنسية في عام 1789.
بعد ذلك ظهرت أسماء بعض النقاد في ألمانيا وفي إنجلترا وفي فرنسا. في ألمانيا ظهر الأخوان شليجل؛ فريدريك شليجل الذي توفي عام 1829، وأخوه أوجست شليجل الذي توفي عام 1845. وظهر في إنجلترا ناقدان سيدور كلامنا حول أفكارهما اليوم إن شاء الله أو حول أفكار الأول منهما، الأول هو وردز ورث، الذي توفي عام 1850، وصديقه كولريدج الذي توفي عام 1834.
وهناك بعد ذلك في فرنسا مدام دي ستال التي توفيت عام 1817، التي سافرت إلى ألمانيا والتقت بالأخوين شليجل وتلقت منهما هذا الفكر ورجعت إلى بلدها كما عرفتم إلى فرنسا، وألفتها في ألمانيا ومنع نابليون بونابرت طباعتها، ثم طبعت بعد ذلك بعشرة أعوام وترجمت.
وهناك معلومة مهمة أيها الإخوة في هذا السياق ونحن نتكلم عن شليجل والنقاد الإنجليز، وهي أن الكلاسيكية لم تطل شديداً في ألمانيا، هي طالت في فرنسا، لم تمكث كثيراً ولم تبرز شديداً في ألمانيا؛ انتقلت ألمانيا بسرعة إلى الرومانتيكية.
وكان فيها تيار يسمى تيار الثورة والانفعال، أو تيار الانفعال، هذا التيار الذي مشى فيه جوتا الألماني وصديقه شيلر؛ شيلر الذي توفي عام 1805، وجوتا الذي توفي عام 1832، ذهب فترة إلى هذا التيار ثم رجع إلى الكلاسيكية، وعرف عنهما ما يسمى بالكلاسيكية الويمارية الألمانية المعروفة، وماتا كلاسيكيين.
هناك شعراء كلاسيكيون اشتهر منهم راسين وبوب وأسماء أخرى شهرت في هذا الوقت، مثل درايدن. وكما قلت في المحاضرة الماضية، إن الاتجاه الرومانتيكي جنح إلى ما يعرف بالتفسير العلمي.
أريد هنا أن أوضح توضيحاً مهماً حول ما يعرف بالتفسير العلمي؛ التفسير العلمي يا إخوة هو استعمال علوم الطبيعة في تفسير الشعر ومرادات الشعراء. هذا ليس تفسيراً علمياً ما نقوم نحن به من جهة اللغة، بل هو يجانب أو يتنكب جهة اللغة بالمقام الأول؛ لأن قضية الرومانتيكية كما سنعرف اليوم قضية معنوية نفسية، التوجه الرومانتيكي يا إخوة توجه اجتماعي نفسي، ليس توجهاً فنياً لغوياً، هو تبعة بعد ذلك التوجه اللغوي، ليس لغوياً ابتداءً من الأول.
فالتفسير العلمي هو استعمال علوم الطبيعة، وسنعرف في هذا السياق مذهبين في تفسير هذا الشعر: مذهب تفسير الشعر بالبيئة الاجتماعية، ومذهب تفسير الشعر ومرادات الشاعر بالسيرة الذاتية. هذان اتجاهان لهما روادهما في داخل الاتجاه الرومانتيكي، وهذان الاتجاهان هما اللذان جاءا إلى مصر عن طريق طه حسين، وتوزعت فروعهما في الشعراء.
ظهر شديد التأثر بتفسير الشعر عن طريق السيرة الذاتية، ظهر هذا في طه حسين شديداً، وظهر في العقاد شديداً الذي أخذ يحلل، وكذلك التحليل النفسي أخذ يحلل من شعر أبي نواس أنه كان شاذاً، أي كان مثلياً. والدكتور محمد النويهي من متطرفي هذا الاتجاه الذي أخذ يفسر عن ابن الرومي عاهات بدنية معينة يستنبطها من شعره، والعقاد ألف كتاب «ابن الرومي حياته من شعره»، وظهر هذا الاتجاه في مصر كثيراً، وما زال إلى الآن: الشعر الفلاني حياته من شعره، هكذا أضرت طريقة العقاد رحمه الله.
هذه الطريقة رومانتيكية أيها الإخوة، وروادها الأوائل في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، وبمناسبة هم يعترفون بهذا، العقاد وعبد الرحمن شكري لا ينكرون هذا، يقولون تأثرنا بالنقاد الأوروبيين، وإن كان العقاد فيه تعاظم، يعني يقول لا، بل جاءتنا وجاءتهم الفكرة بطبيعة الزمن في وقت واحد.
ونتوكل على الله تعالى، وقفنا عند الولوج إلى مبادئ النظرية عند وردز ورث البريطاني الذي توفي في عام 1850. يقول الدكتور: «ولعل من أهم الوثائق النقدية التي يشار إليها عند الحديث عن الرومانتيكية -حتى لا توصف بأنها مانيفستو-». والمانيفستو يا إخوة أصلها لاتيني، ويراد بها الوثيقة المباشرة المعلنة، الدستور، الوثيقة المباشرة المعلنة للأفكار والمبادئ، قائمة بنود صريحة، لائحة معلنة للأفكار والمبادئ.
يقول: «حتى لا توصف بأنها مانيفستو الحركة الرومانتيكية، المقدمة التي كتبها الشاعر الناقد وردز ورث لديوان قصائد قصصية غنائية له، وهو الديوان الذي يضم مجموعة من قصائده وقصائد أخرى قليلة لصديقه كولريدج، صدر في طبعته الأولى عام 1798، ولم تظهر المقدمة المشار إليها في هذه الطبعة، وإنما جاءت في الطبعة الثانية التي صدرت في عام 1800».
لاحظوا أن الناقدين الإنجليزيين كانا يكتبان تزامناً مع الألمانيين؛ انظر، نُشر عام 1802. يقول الكتابات النقدية في صفحة 32 في الطبعة التي معي: «الكتابات النقدية في الفترة ما بين عامي 1798 و1800 هي كتابات الأخوين شليجل». إذاً كان الكاتبان وردز ورث وكولريدج يكتبان في الوقت الذي يكتب فيه الناقدان الألمانيان فريدريك...
شليجل وأوجست شليجل، نعم. قال: ثم أضاف إلى ذلك أو إليها بعد ذلك بعامين 1802، ملحقًا وكتب مقدمة أخرى ومقالة تكميلية عام 1815. وقتها لم يخرج كتاب مدام ديستال، في العام التالي الذي أعيد طبعه طبع في عام 1813، ثم أعيد في العام التالي 1814، أعيدت طباعته في باريس، إلى آخره.
خلاص، تزامنت الكتابات الإنجليزية والكتابات الألمانية والكتابات كذلك الفرنسية بواسطة مدام ديستال تلميذة الناقدين الألمان. قال: ومن هذه الكتابات جميعًا عند وردزورث تشكلت آراؤه النقدية التي احتلت موقعًا أساسيًا.
يبقى دائماً كنت أتحدث عن وردزورث وأنا أنقد الرومانتيكية وأتكلم عن الأفكار التي نسخها العقاد، لماذا وردزورث؟ لهذا يقول: ومن هذه الكتابات جميعًا تشكلت آراؤه النقدية التي احتلت موقعًا أساسيًا في نظرية الأدب الرومانتيكي، ليس لدى النقاد الإنجليز وحدهم، وإنما لدى غيرهم من النقاد الرومانتيكيين في سائر الأقطار الأخرى.
نحن الآن ندرس كما قال "مانيفستو"؛ لائحة صريحة وثيقة مباشرة معلنة للأفكار الرومانتيكية والمبادئ الرومانتيكية. بدأ يتخيل ما هو الشعر؟ وتعالوا، بدأنا هنا في المعمعة، بدأنا في اللعب الشديد والشغل: ما هو الشعر؟
يقول في المقدمة الأولى للديوان، ذكر وردزورث أن الشعر فيض تلقائي للمشاعر القوية. انتبهوا، للأسف الإخوة يدرسون هذا سواء في الأكاديميات أو يقرؤون ويمرون على الكلام جملة، لا تقف عليه وتحلل لتعرف ما الفرق بين فكرك وفكر غيرك. الله يرضى عنكم يا رب.
احفظوا هذه العبارة لو سمحتم، هي وردزورثية لكن احفظوها، هي مهمة: «أن الشعر فيض تلقائي للمشاعر القوية». هكذا درسناها في الجامعة، مجملة للأسف: "فيض تلقائي للمشاعر القوية". وعلى أساس هذه الفكرة بنى وردزورث نظريته في سائر القضايا المتعلقة بالشعر من حيث لغته وتأثيره وقيمته.
افهموا هذا؛ تصورك للشيء هو الذي ينبني عليه تنصيصك أو تصورك لكل ما يحيط به من قضايا: اللغة، ما تأثير الشعر، ما هو وكيف يكون، ما قيمة الشعر؟ هذا ينبني على تعريفك للشيء. ما تعريفنا للشعر؟ فيقول: الشعر فيض تلقائي للمشاعر القوية.
من هنا يا إخوة، من هنا سنبدأ في تبيين مفترق الطرق بين الشعر العربي والشعر الرومانتيكي. أما الكلاسيكي، عرفناه، تقييد في الموضوع، تقييد في الأسلوب، ارتباط بالأخلاقيات، حتى الأسلوب لا يحق لك أن تخرج عن المألوف. الآن سنتبين مفترق الطرق بين الشعر العربي والشعر الرومانتيكي.
انظر مبدئيًا، ركز على لفظ "تلقائي"، أنا فقط أقدم لك أشياء، ركز على لفظ "تلقائي" وما سيؤول إليه في قضية اللغة. ما هو عشان يكون فيض تلقائي؟ الشعر عندنا فيض مشاعر، لكن "تلقائي"؛ ما مفهوم تلقائي؟
قلت هي حالة نفسية هبت على طبقة اجتماعية برجوازية، انقلبت طبقة العمال والحرفيين والعامة -طبقة وسطى كما يقولون- انقلبت نفسيًا على طبقة نبلاء أخلاقيين يقولون الشعر منمق بطريقة معينة في أبواب معينة. فجاءت طبقة انقلبت، فماذا تتوقع من مفهوم التلقائية في طبقة شعبية منقلبة؟
بدأتم تفهمون ما مشكلتنا مع الرومانتيكيين؟ نحن عندنا أبو هلال العسكري يقول في "الصناعتين" -الطبعة القديمة جداً، أظن صفحة 139-: «وإنما قصر بالشعر كثرته، وطاعات كل أحد له حتى السفل والعامة».
ثورة صناعية أطمعت طبقة من الناس، انقلبت على طبقة من نبلاء الكلاسيكية الذين ارتبطوا بالأخلاق السامية والمعاني النبيلة، لا معاني السفلة والعامة، وبلغة راقية بشكل معين، اللغة الملكية. وجاءت طبقة شعبية؛ نحن لا علاقة لنا بالموضوع، مثل لغة الشارع.
عندنا امرؤ القيس الملك قال شعراً، وعندنا الصعاليك قالوا شعراً من نفس اللغة والمنهج. عندنا الكبار؛ الملك امرؤ القيس، والحكيم الكبير صاحب الحشمة والشيخ المصلح في الجاهلية زهير بن أبي سلمى، والسفير الثري من سادات الناس الذي كان يقل في صحاف الذهب والفضة في قلب نجد في الجاهلية. كل هؤلاء قالوا الشعر باللغة التي قالها بها الصعاليك الذين لهم في أجسامهم حراشيف كحراشيف السحالي والثعابين، الذين يشربون من تنفس الهواء الرطب ويأكلون الحشيش والعود، الذين لا تميزهم عن الحطاب، الذين إذا نام أحدهم على جنبه ترفعه مفاصل عظامه عن الأرض.
نفس اللغة، لأن الملوك والصعاليك كان مرجعهم إلى لغة واحدة. هذه اللغة كانت مرجعاً للفريقين، ولم تكن اللغة تابعة لهم كما عند الغربيين من رومانتيكيين وكلاسيكيين.
ركزوا أول شيء على كلمة "التلقائي"، كل هذا سيأتي، لكن أنا أريدك أنت أن تسابق بالفكر. ركز على كلمة تلقائي وما ستؤول إليه من قضية اللغة والتأثير والقيمة. ولما تقرأ كتاب عائشة بنت الشاطئ "مفاهيم جديدة في أدبنا القديم" ستعرف ما أقول. لأن الإخوة عندنا يزعلون ويقولون أبو قيس يهاجم أو ينقض بعض أعلامنا في الآداب أو دار العلوم أو حتى الأزهر؛ أنقد لأنني أعرف الجذور والصورة الفكرية التي كُتب بها.
هذا كتاب "قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر" للدكتورة الجليلة الكبيرة عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ"، وهو مطبوع في دار المعارف. الكتاب يقع في جزئين، وانطلقت فيه في الحديث عن القيم، مثل تصور الشعر ووظيفته وما يقوم به من إصلاح في المجتمع كما سيأتي اتجاه الرومانتيكية هنا، ففيها اتجاه رومانتيكي في منطلق تحديد قيمة الشعر، ويظهر ذلك عند المتأثرين بهذا الاتجاه لما يؤلف في قيمة الشعر ووظيفته والكيفية.
التي تزن بها الشعر الحقيقي كما فعلته هنا الأستاذة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، الأستاذة الدكتورة المصرية الجليلة، رحمها الله تعالى ورضي عنها وكتب لها الأجر، آمين.
ركز على فكرة المشاعر؛ الشعر فيض تلقائي للمشاعر القوية، وركز على فكرة المشاعر وعلى إدارة القضية عليها بعد جعل اللغة تلقائية المشاعر رقم واحد عند الرومانتيكيين. بل في رومانتيكية العرب استهانة باللغة لدرجة أن يتصارع الرومانتيكيون داخلياً، كالعقاد وميخائيل نعيمة، لما قال ميخائيل نعيمة أو تساهل في قضية اللحن وتغيير الإعراب وهذه الأشياء. بل المنفلوطي، وهو رومانتيكي طبعاً رقم واحد، مادته الرومانتيكية؛ المنفلوطي له كلام في خطأ الشاعر وخطأ اللغوي للشاعر، وله كلام حالم، هكذا في أن الخطأ اللغوي للشاعر لا يأتي شيئاً بجوار الخطأ في المشاعر وعدم صدقها.
أيضاً هناك نوع من التهاون في هذه القضية؛ انظروا إلى إدارة القضية على المشاعر بعد جعل اللغة تلقائية. هذا غير متأتٍ أصلاً، لا يستقيم عربياً، ولا يستقيم في غير اللغة العربية أيها الإخوة. ترى أنك إما أن تميل إلى جهة المشاعر وتخفف العناية عن جهة اللغة وتنميقها وبلاغتها، وإما أن تميل إلى جهة اللغة وتنميقها وبلاغتها وتخفف العناية بقضية المشاعر؛ لأن هذا يرجع إلى الاختلاف في فكرة الخصائص اللغوية، وبشاهد واقع مذاهبهم، أشاهد واقعهم في ترددهم بين المذاهب فعلاً.
فكرة العاطفة الجياشة؛ إما أن تكون عاطفة جياشة تقترب من اللغة العامة كما سيأتي في وردز وورث، وإن كان سيخلفه فيه كولريدج بدرجة، وإما أن تركز في اللغة والتنميق كالكلاسيكيين وتخف العواطف؛ تذكرون هناك قالوا: لا نريد الذاتية في اللغة، يتخففون من الذاتية والانفعال الذاتي، العاطفة الجياشة والانفعالات يتخففون منها، هناك يؤدون أدباً جميلاً، المهم المعاني الحسنة واللغة الملكية الرفيعة.
هنا العكس، انقلاب طبقة على طبقة، لأن هذا انقلاب طبقي؛ الفن تابع للانقلاب الفني، لكن الأصل انقلاب طبقي. جاءت الطبقة البرجوازية، وهذا ليس حتى كلام شيف بيك السيد، كما قال البرجوازية، هذا في موسوعة كامبريدج، اذهبوا إلى قسم الرومانتيكية، مجلد الرومانتيكية، وهو المجلد الخامس من الموسوعة عن الرومانتيكية، مجلد كبير فيه كل هذا أصلاً. هذه الطبقة الكادحة التي انقلبت بلغتها، وهي التي زوجت ابن البواب من بنت الباشا، وابن الباشا من بنت البواب، هي التي فعلت هذا، هذه الطبقة التي صارت الرأسمالية بعد ذلك. فهو صراع طبقي في الحقيقة، صراع أنماط ناس وطبقات.
فيقول: الشعر فيض تلقائي للمشاعر القوية، وعلى أساس هذه الفكرة بنى نظريته في سائر القضايا المتعلقة بالشعر من حيث لغته وتأثيره وقيمته. ونقطة البدء أن ذات الشاعر هي النبع. وإذا بدا في القصيدة مظاهر من العالم الخارجي فليست على النحو الذي هي عليه في الواقع، فقد تحولت تماماً بمشاعر الشاعر وعمليات ذهنه، يعني في الأخير كل شيء حول الشاعر سيتحول إلى تعبير ذاته، هذا معنى هذه الفقرة.
يقول: كان هذا المفهوم الجديد للشعر انقلاباً على نظرية الأدب الكلاسيكي، فتراجعت نظرية المحاكاة؛ تراجعت نظرية محاكاة الطبيعة التي درسناها وشرحناها، التي هي أن الشعر محاكاة فنية لغوية للواقع والطبيعة الإنسانية، وقلنا كيف فسر الواقع بالشمول والكل، وكيف فسر بقضية اللياقة، وكيف أن الاتجاه كان يمشي نحو النموذج الكلي المتفق عليه بين النبلاء أخلاقياً ومعنوياً إلى آخره، ويأتي بغرابة ويترك نفسه للانفعالات الذاتية؛ مبدأ العقل الكلاسيكي منقلب هنا.
طبقة كادحة وافقتها الظروف والأحوال بالثورة الصناعية أولاً، ثم بالثورة الفرنسية عام 1789، وانقلبت الدنيا لصالحها فصارت لها لغتها، صارت لغتها الرومانتيكية مذهباً لنا. صراع طبقي لا نعرف عنه شيئاً ولا علاقة لنا به، والطبقات عندنا لا علاقة لها بالشعر؛ إذا كان فنياً، فمثلاً الصعاليك عندنا يقولون شعراً عالياً، لو الصعلوك قال شعراً رفيعاً هل نقول له لا؟ طبعاً لا، لأن الصعلوك عنده فروسية أيضاً يتشدق بها ويتباهى بها ويفخر بها، وصعلوكنا ليس كصعلوك غيرنا أيضاً، والجاهلية شاهدة.
قال: فتراجعت نظرية المحاكاة التي كانت جوهر مفهوم الشعر من قبل، وأصبح الشعر بمفهومه الجديد يقوم على العاطفة والشعور، وبدأ التعارض واضحاً بين النظريتين أو المدرستين. فعلى حين دعا بوالو من قبل -الذي نعرفه والذي توفي عام 1744- إلى الإذعان لسلطان العقل والاستجابة له، أعلن ألفريد ديموسيه، المولود عام 1810 والمتوفى عام 1857، في قلب انتعاش الرومانتيكية، أحد شعراء الحركة الرومانتيكية في فرنسا، أن أول مسألة هي: «ألا تُلقِ بالاقل»؛ يقصد العقل بمعناه في الكلاسيكية الجديدة، ثم ينصح صديقاً له أن يقرع باب القلب ففيه وحده العبقرية.
تعبير عاطفي، ثورة من طبقة كانت كادحة كانت مظلومة؛ هذه آدابنا نحن الآن، لا عقل هذا الذي عندكم، هذا العقل الذي يحكم الانفعالات الذاتية والمعاني الفردية سننقلب عليه، شعرنا هو المعاني الذاتية وهو الانفعالات الفردية، ففيه وحده العبقرية. انظر كيف بدأت تتهدم المبادئ الكلاسيكية شيئاً فشيئاً، فكرة العقل والتعقل في النص ونفي المعاني الذاتية.
ثم بدأ يتكلم عن نوع العاطفة في المذهب الرومانتيكي، لأن هذا أحدث إشكالاً؛ ما معنى العاطفة هنا؟ يقول: «إن عبارة فيض المشاعر أو تدفق المشاعر التي استخدمها وردز وورث في تعريف السابق وكررها في مقدمته مرتين، توهم بأن ليس هناك قيود من أي نوع على العواطف والمشاعر التي تنبثق من ذات الشاعر، ومن الممكن حينئذ أن تكون هذه العواطف هادئة منضبطة، أو تكون انفعالات فجة قبيحة، وعواطف طائشة مهتاجة لا تحكم فيها ولا انضباط لها، فكلا النوعين تصدق عليه العبارة السابقة».
ومعنى ذلك أنه أياً ما كانت طبيعة المشاعر التي يعبر عنها الشاعر فهي شاعر. يعني بدأ وردز وورث يشعر بأن كلامه الذي فيه إطلاق فكرة المشاعر سيبعدنا عن الشعر من حيث كونه فناً، ما هو في الأخير الشعر فن، ولا بد من نوع خاص من المشاعر. كيف نأتي بهذا النوع من المشاعر؟ يقول: ولذا حاول وردز وورث...
أن يفسر العبارة تفسيراً كثيراً يدفع هذه الشبهة، فذكر أن الشعر ينبع من العاطفة التي يستعيدها الشاعر في حال سكينة وهدوء. يقول: فذكر أن الشعر ينبع من العاطفة، أي عاطفة التي يستعيدها الشاعر.
لا، تعالى يستعيدها؛ هذا لازم أفهمك الموضوع، لازم تقف على اللفظة: "التي يستعيدها الشاعر في حال سكينة وهدوء". يستعيدها الشاعر، وتبرز هذه العاطفة المشابهة لتلك التي كانت قبل حالة التأمل تدريجياً، وتعمل عملها بالفعل كما لو كانت موجودة في ذهن الشاعر. فعملية الخلق هنا قد وصفت وصفاً دقيقاً مشابهاً للإثارة المتعمدة.
شوف، هو دخل في ورطة الآن، يقول لك: إثارة متعمدة، عاطفة يستعيدها، للإثارة مشابهاً للإثارة المتعمدة للعاطفة السابقة. فالذي يظهر مرة أخرى هو شبيه العاطفة السابقة وليست هي على حقيقتها، شبيه العاطفة السابقة. انظر إلى سيطرة الفكرة الرومانتيكية أصلاً على الفكر وعلى الذهن، هو يجعلها نسخة عن الأولى؛ لأنه رومانتيكي، وقال مشاعر فياضة لعاطفة تلقائية، فهو ليس عنده إعادة صناعة التهييج الجديد.
عندنا التخييل، شرف المعنى من هنا يبدأ. انظر، العرى تمفك بيننا وبين الرومانتيكية، من هنا هو يقول: استعادة مشاعر قديمة لكن بطريقة هادئة فقط، يعني لو كان فيها نزق أو سرعة أو انفعال، لا؛ هذه المرة المشاعر مستعادة بترتيب معين. ما هي المشاعر الجديدة؟ ألا يصلح أن أصنع مشاعر جديدة بمادتها الجديدة؟ يعني جديدة من أصلها، تخييل جديد.
عند الرومانتيكي حتى يكون صادقاً يريد نفس المشاعر، لكن تأتي بها مهذبة فقط، يعني أنت تستعيدها بهدوء وتعمد. انظر إلى العبارة: "التي يستعيدها الشاعر في حال سكينة وهدوء يستعيدها الشاعر وتبرز هذه العاطفة المشابهة". يعني ظل الرومانتيكي يتحدث عن مشاعر هي التي وقعت ساعة الحدث، لكن ليست بنزق الحدث وسرعة الحدث، بل بهدوء وسكينة وترتيب، بس العربي لا، عنده خلق جديد.
العربي يخلقها تخليقاً جديداً عن طريق ماذا؟ التخييل الذي هو خلق جديد ووجود جديد. ولذلك عندنا الشاعر هو الذي يشعر بما لا تشعر به الناس، يعني من الدقائق واللطائف. عندهم هناك قاعدة شعبية في الشعر، بعد ذلك تكون هناك قدرة لغوية فقط. عندهم الشاعر بائع الخضار، بائع البطاطا، عندهم الشاعر هو عامل الدهان، عندهم الشاعر هو البقال، عندهم الشاعر هو عامل النظافة الذي يتغنى، عندهم الشاعر هو العامل البناء، عندهم الشاعر أحد الملوك، كل هؤلاء شاعر. ما شعر؟ ما شعر فهو شاعر. طب كيف؟ ما المشكلة؟ ما الذي سيفعله الشاعر في الشعر؟ سيستعيد العاطفة بهدوء فقط، لذلك شعر الرومانتيكي كثير والباقي منه قليل.
الباقي الخالد منه قليل، وتجد الرومانتيكي إلى الآن يخرج مجلداً ومجلدين وكذا مجلدات؛ رومانتيكي حالم، حزين هائم، يقتبس اللقطة الشعورية الموجودة الآن. فهمتم يا إخوة؟ هو يستعيد فقط الموقف ليعبر عن هذه المشاعر التلقائية بتعبير تلقائي؛ سيعبر بتعبير تلقائي عن المشاعر الفياضة التي جاءته. يبقى ويرد، يقول أو يذهب إلى أن الشعر ينبع من العاطفة التي يستعيدها الشاعر، يعني الشاعر لا يتأمل وينفجر بشعور جديد، لا؛ الشاعر يتذكر كيف انفعل ويعبر تعبيراً جديداً. فهمتم المشكلة أين؟ الشاعر يتذكر، لا يخلق انفعالاً جديداً، لا يخلق فناً جديداً، وإنما يتذكر.
طيب لما مثلاً يقول زهير بن أبي سلمى، لما يقول: بكرت عليه غدوة فرايته *** على كل حافٍ لديه بالصريمِ عواذله يفدينه طوراً *** وطوراً يلمنه واعياً فما يدرين أين مخقاتله *** فأكثرنا منه عن كريم مرزا
عزوم على الأمر الذي هو فاعله. أنت بهذا التخييل العالي لا يمكنك أن تقول هذه مشاعر حصلت لزهير لما ذهب إليه فرآه قاعداً كذا وجاء كذا فقال: يفدينه طوراً وطوراً يلمنه واعياً. أصلاً كلمة "يفدينه طوراً وطوراً يلمنه واعياً" خلق زهير، هذا خلق زهير. فهمتم؟ "يفدينه طوراً وطوراً يلمنه واعياً"، لم يقل "واعياهن"، لا؛ "أعيا" ليكون الإعياء عاماً: "واعياً فما يدرين أين مخقاتله، فأكثرن منه عن كريم مرزا". هذا خلق زهير أصلاً في الكلام، هذا خلق زهير.
كذلك لما قال امرؤ القيس مثلاً: فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا *** ورد فذلت صعبه أي إذلال
هذا البيت خلق امرئ القيس، هو جمعه من مواقف مش عاطفة حصلت في حدث، لا؛ هذا خلق لغوي جديد، هذا يسمى تخييل، يسمى تخييل. فهمتم هذا يا إخوة؟ ولهذا قالوا: الشاعر المجيد هو الذي يقدرك على أن تهجو ذويك وتمدح أعداءك، يغير المواقف، فين بقى صدق المشاعر هنا؟ طب من بأي شيء غير المواقف؟ بالإجادة.
فهمتم يا إخوة؟ يا دارسين، وأنت إذا كنت تفهم لماذا أنا قلت حتى في مدرستي "رواد القصيد" قلت لن أدرسكم هذه الآداب حتى أدرسكم النظرية العربية؛ لأنك وأنت تقرأ تفصيل مذهبهم، أنت تعرف ما الذي فارق به مذهبك لو كنت تعرف مذهبك، إنما الذي لا يعرف مذهب العرب كما شرحت الآن الفروق سيقرأ هذا ويقول: "والله جميل، أهو ما هو حلو زي الفل"، يقول لك: الشعر ينبع من العاطفة التي يستعيدها الشاعر في حال سكينة وهدوء، يعني هو بيقعد يمسك القلم ويقعد في هدوء يكتب وليس تعبير طائش، طب ما هو حلو أهو يا مولانا، ما المشكلة؟
لن يفهم هذا، لن يفهم أن الشعور عند العربي الشعري غير شعور الحدث، هو شعور مرتب على شعور الحدث. يعني لما يصنع الشاعر العربي قصيدة يهيج تهييجاً فنياً جديداً. لما أراد كعب بن زهير أن ينجو بنفسه ولم يستطع، دعك من كلام الدراويش؛ زهير جاء إلى النبي ﷺ خائفاً، كعب بن زهير جاء إلى النبي ﷺ خائفاً من القتل. ما تقولش لا، ألقى النور في قلبه في الطريق، أنت بقى ربنا كشف لك بالكشف الصوفي، كشف لك، أنت راجل بلغت من الولاية والكرامة أن الله كشف لك ما حصل في صدر زهير، براحتك كما تشاء، لا يظهر لنا هذا، يظهر لنا رجل جاهلي خاف من القتل وجاء. والرواية تقول إن بجيرا قال له: أما إن تأتي ما أهدر النبي ﷺ دم أحد إلا قتل. خلاص، دنت له الأرض، ما أهدر دم أحد إلا قتل، وقد أهدر دم الذين آذوه من.
الشعراء، وأنت منهم، وأنت منهم. أحسنت يا خالد الشيباني. حاول يستجير من قومه مزينة، صح؟ وقال هذا في القصيدة. القصيدة جاهلية، جاهلية تماماً خلاص. فقال له بجير: «ما أهدر دم أحد إلا قتل، فإما أن تضرب في الأرض وإما أن تأتي». حاول أن يضرب في الأرض، وأن يستجير بمزينة، وأن يستجير بالأصحاب، وما أجاره أحد. لماذا؟ خلاص هذا محمد صلى الله عليه وسلم دانت له الأرض والقوة، فلم يجره أحد.
فجاء خائفاً يعتذر، صنع تخييلاً فنياً، على أنه مهتدٍ وأنه لاجئ، وهو كل هذا لم يحصل بعد أصلاً. كل هذا هو جاء خائفاً. هو جاء خائفاً، يعني ما قال القصيدة، وهو خلاص المؤمن كان خائفاً، حتى لو كان أسلم يا سيدي خائف، خائف، خلاص الأسد والفيل ومش عارف إيه. فيمدح، مدح كان ابناً شرعياً للنابغة. قصيدته:
يا دار مَيّة أنبئتِ أن أبا قابوس ... أوعَدَني ولا قرارَ على زارِ مهلاً فداءً لك الأقوامُ كلهم ... وما أثمرت من مالٍ ومن ولدِ أنبئتُ أن رسول الله أوعَدَني ... والعفوُ عند رسول الله مأمولُ مهلاً هداك الذي أعطاك نافلةً ... القرآن فيها مواعيظ وتفصيلُ
كانت القصيدة أمام عينيه في صدره وهو يكتب أو ينشئ قصيدته، وعمل موازنة معه وحاكياها. أتهزر؟ وقصيدته جاهلية وفجر فيها المعنى. وما كان كعب بن زهير المسلم الذي عرفناه بعده، ما كان هو؛ كان رجلاً خائفاً صنع تخييلاً. صنع تخييلاً، فهمتم؟ هذا هو، إنما استعادة المشاعر القديمة؛ افرض ما حصلش قبل كده مشاعر، أعمل أنا إيه دلوقتي؟ يقول استعادة المشاعر الأولى بهدوء. ما هو أنت عشان رومانتيكي تربطها بمشاعر حصلت من قبله أو طرأت عليك في حياتك.
هناك شاعر سيخلق التخيلة الشعرية خلقاً أولياً، ليكون الحدث الأصلي مفترضاً ليس حقيقياً. هتقول لي زي إيه؟ كماذا أقول لك كـ «ميمية» الشريف الرضي:
بتنا ضجيعين في ثوبي هَوى ... وتقا يلفنا الشوق من فرع إلى قدمِ وبات بارك ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلمِ
أو تميم البرغوثي، أنا أجزم بأن تميم ليس له علاقة عاطفية في حياته أو في القصائد التي يقولها، لكنه يتغزل ويروح مع الفتاة المغربية والعراقية ومش عارف، عمال يتفسح في الدول بالشعر، وهو عايش في أمريكا عمال يحب العربية العراقية والمغربية والفلسطينية، وهو عايش في أمريكا وسط بني الأصفر. خلاص المهم.
يقول وقد حرص "وردز وورث" في مواضع متعددة من كتاباته على نفي الشبهة التي أثارتها عبارته السابقة. شوف، لأن هذه مشكلة عند الرومانتيكية؛ تقول لي: المشاعر الفياضة، طب أي مشاعر؟ أنا الآن أكتب فناً شعرياً، فأي مشاعر تتحدث عنها؟ وتأكيد أن الشعر يتدفق على لسان الشاعر وهو على وعي بما يقول، يعني ليس طيشاً، وهو على وعي بما يقول. وليس أدل على ذلك من أنه وضع قائمة للملكات الشعرية فيما يبدو أنه نظام افتراضي؛ وضع التأمل نظاماً افتراضياً لها، وضع التأمل في المرتبة الثالثة، ووضع الحكم -بمعنى سلامة التقدير- في المرتبة السادسة، وجعل الملاحظة والشعور المرهف يتقدمان التأمل، أما الخيال والوهم والابتكار فتتقدم على الحكم بمعناه السابق.
وثمة دلائل كثيرة سيأتي هذا إن شاء الله، وثمة دلائل كثيرة على شدة تمحيصه لشعره ومبالغته في تنقيحه وانتقاء عبارته. ومن قوله في هذا الصدد: «إن تعبيري الأول غالباً ما يكون كريهاً»، وإنها لحقيقة تتكرر كثيراً أن الكلمة الثانية مثل الفكرة الثانية، كلتاهما أفضل من سابقتها، يعني تنقيح الشعر والنظر فيه. ونصح صديقاً له قائلاً إنه من المؤكد أن تأليف الشعر أكثر فناً من أشخاص مستعدين للإيمان به. تأليف الشعر أكثر فناً، يعني أرفع في الفن من أشخاص مستعدين للإيمان به، هذا كلام صحيح، لكن هو ظل مرتبطاً باستعادة الفكرة، ظل رومانتيكياً، وأن النجاح التام فيه يتوقف على تفصيلات.
قال ويتأرجح "وردز وورث" مثل كثير من الشعراء في تحديد مصدر الشعر بين الإلهام والحدث. الإلهام يا إخوة وحي من الخارج، سبب من الخارج، وحي من الخارج، هذا يسمى الإلهام. وربما يأتي تفصيل شيء من هذا إن شاء الله أكثر. هناك شيئان في مصادر المعنى عند الرومانتيكي هما الإلهام والحدث. الإلهام هو أن يأتيه الفكر والشعور والمشاعر من مصدر خارجي، مصدر في الخارج، من حدث أو فكرة يأتي كالوحي من خارج. أما الحدث فهو بصر داخلي يتبصر المعاني داخلياً، يعني ينفعل داخلياً بالمعاني.
قال ويتأرجح "وردز وورث" مثل كثير من الشعراء في تحديد مصدر الشعر بين الإلهام والحدث، هل هو حديث النفس أم هو أشياء ترد من خارج الإنسان؟ قال فأحياناً يبدو الإلهام عنده وكأنه هبوط من أعلى لقوة خيالية في زيارة خيالية، وأحياناً أخرى يكون أكثر تمييزاً وتحديداً، فيقول إن الشعر ينبع من الحياة الداخلية، يعني الحدث. خلاص هذا لا يترتب عليه شيء. أخونا الذي يسأل: ما الذي يترتب على هذا؟ لا يترتب عليه شيء أكثر من أن يعرف هذا الذي قاله كان من حديث نفسه أم كان إلهاماً من الخارج. هو فقط بحث عن السبب، كما تحدث عن اللغة؛ هل هي توقيفية أم اصطلاحية؟ توقيفية أم بالتواضع عليها والاصطلاح عليها؟ لا يؤثر، وأنت خلاص تتكلم باللغة. فكذلك الفكرة التي تأتيك، أهي من خارجك أم هي من داخلك؟ يتأرجحون في هذا.
وربما يترتب عليه أنك إذا ذهبت في ذلك إلى قول، فأنت تركز في صناعة الشعر على العالم الذي آمنت أن الشعر يأتي منه؛ يعني إذا كان يأتي من الخارج من الإلهام، فأنت تركز على فكرة التأمل في الطبيعة وكذا وسياتيك من خارجها، أو تكثر التأمل في صدرك وفي نفسك. على أني في الأخير أرى الرومانتيكيين جميعاً يقولون بالتأمل في الطبيعة سواء من قال بالحدث أو من قال بالإلهام، فلا يترتب عليها شيء غالباً. قلت ربما يترتب عليه، لكن هي تفسير تحليل شيء حاصل؛ هو حاصل، من خارج أم من داخل، لكن لا يؤثر في وجود الشيء المحض.
نعم، قال وأحياناً أخرى يكون أكثر تمييزاً وتحديداً، فيقول إن الشعر ينبع من الحياة الداخلية، من الماضي الدفين، وكثير من شعره يبدو مثل وثبة في أماكن خفية، أو بحثاً عن نقطة في الزمن، عن ومضة الطفولة. انظر، والشعر أساساً عند "وردز وورث" معالجة ماهرة للمشاعر الإنسانية بقصد سعادة الإنسان وتحقيق صحته الأخلاقية والذهنية. هذه مسؤولية أخلاقية عند الشاعر الرومانتيكي؛ يقول لك الشعر لابد وأن يفعل ماذا؟ أن يهذبني، وأن يمتعني، وأن يرحني. الشعر عند الكلاسيكية القديمة أو الجديدة كان ماذا؟ كان على ما فُسّر من مذهب التطهير، أنك تأخذ تجربة في الحياة لتستعد لها وكذا.
بناء على أنهم قالوا الشعر، لابد أن يكون في التجارب الإنسانية المشتركة التي لها نبل مقصد. هنا يقول سعادة الإنسان وتحقيق صحته الأخلاقية والذهنية، وهذا قريب وسيفسرون به التطهير أيضًا بالمناسبة.
لكن مشكلتهم في ماذا؟ في أي مجال؟ هناك يعطونك تجارب عن طريق المسرح وطريق الكذا، وهنا يعطونك أيضًا تجربة تصفو بها نفسك، كما يقول، وتسعدك وتحقق صحتك الأخلاقية والذهنية.
يقول: اسمع حتى تفهم كيف يفكر الرومانتيكي، وإنه انقلاب نفسي في الأخير وليس انقلابًا فنيًا؛ هو فني تابع للنفس، ولهذا لن يكون الفن مستقلاً بحيث يكون له حكم كبير، أي يكون له استقلال في بلوغ الذروة، لا، هو تابع للفكر، تابع للطبقة التي تقول به.
فهو يقول: ينبغي للشاعر العظيم أن يعالج مشاعر البشر، وأن يمنحهم أبنية جديدة من الشعور، وأن يجعل مشاعرهم أكثر سلامًا. لو أنا شاعر عربي أريد أن أعبر عن نفسي بلغة عالية فقط، لا عن النفس، هل ينبغي أن أفعل هذا بالمشاعر الإنسانية؟ فلذلك هم يدورون وتقريبًا يسقطون مع الكلاسيكية أيضًا.
يقول: «وأن يجعل مشاعرهم أكثر سلامة ونقاءً ودوامًا»، وباختصار أن يجعلهم أكثر انسجامًا مع الطبيعة. الشاعر الرومانتيكي له اتجاه خاص جدًا مع الطبيعة. تعرفون يا إخوة فكرة التصالح مع الطبيعة، وطرزان وماوكلي، ويصدق الدب ويعمل، هذه أفكار رومانتيكية.
نفس المصدر الذي جاءت منه هذه الأفكار، جاءت منه أفكار أن ابن الباشا يتزوج بنت البواب، وابن البواب يتزوج بنت الباشا؛ نفس الأفكار، وأن الحب لا يعرف فقيرًا وغنيًا، ولا يعرف فوق وتحت. هذه أفكار رومانتيكية، فمن أين جاءت؟ افهم هذا؛ الشاعر الرومانتيكي له ارتباط بالطبيعة.
صحيح يا شيخ خالد، أهلاً يا خالد الدبيخي. شيخنا الكريم أقول: إذا أردت أن تخوض في الرومانتيكية -لأن الرومانتيكية في الحقيقة مثيرة للفضول للخوض فيها بخلاف الكلاسيكية التي ليس فيها عمل كبير، إنما الرومانتيكية مغرية- فإذا أردت كتابًا عن الرومانتيكية فابحث عن كتاب "الرومانتيكية" للدكتور محمد غنيمي هلال، وهو كتاب كبير ومستقل ألفه في الاتجاه الرومانتيكي، تكلم فيه عن أثر الأحلام في الرومانتيكية وعن أثر ارتباطه بالطبيعة.
الرومانتيكي يا إخوة هو هذا الشخص الذي يحب أن ينطلق في الطبيعة، وينطلق ويلبس خفيفًا ويجري مع القرود، والطبيعة جميلة. أعجبني هذا الشاب، أحمد الغندور، صح اسمه "الدحيح" المصري، له حلقة يتكلم فيها عن الفكر الرومانتيكي، عن واحد راح يعيش مع الدببة فأكلته الدببة، فيقول لك إن الناس تختلف؛ أحدهم يقول: أنت ترى في الدببة وجهًا من الطبيعة مألوفًا، وعيونًا تنظر إليك بعطف جياش وبحب وانتماء، وآخر يقول: الدب وجهه متوحش وفك.
هو الدب لا كذا ولا كذا يا إخوة، الدب غير عاقل، الدب غريزة؛ قالت له: أنا جائعة سآكلك، سواء كان شبعانًا أو جائعًا، هو يراك قطعة لحم أمامه، الله خلقه غريزيًا. هناك مواسم التكاثر للكلاب والقطط، ترى في أوقات التكاثر الكلاب تتقافز على بعضها، لماذا؟ لأنها غريزة في هذا الوقت من السنة، تهتاج الكلاب لفعل هذا.
الإنسان لا، لأنه عاقل مفكر، ترك الله له العقل بجانب الغريزة. حتى في الأغاني تقول فيروز: «حبيتك في الصيف، حبيتك في الشتاء»، عادي، حبيته في الشمس وفي المطر، لا توجد مشكلة. إنما الحيوانات، كثير من الحيوانات لا يتكاثر إلا في الصيف أو في الشتاء أو في الربيع، لأن خلقته غريزية.
مشكلة الرومانتيكي يا إخوة أنه له نظرة حالمة في الطبيعة، بل يعتبر نفسه نبيًا للطبيعة، تخيلوا! يعتبر نفسه نبيًا للطبيعة، مثل جبران خليل جبران في "النبي". يقول "وردزورث": ينبغي للشاعر العظيم أن يعالج مشاعر البشر، وأن يمنحهم أبنية جديدة من الشعور، وأن يجعل مشاعرهم أكثر سلامة ونقاءً ودوامًا، وباختصار أن يجعلهم أكثر انسجامًا مع الطبيعة.
هل الطبيعة هنا، تعال يا حبيبنا خالد الشيباني، هل الطبيعة هنا هي الطبيعة التي شرحناها في محاكاة الطبيعة عند الكلاسيكية، التي هي الواقع والطبيعة الإنسانية؟ لا، الطبيعة هنا هي الطبيعة: الجبال والسماء والأشجار. الرومانتيكي يحب الأشياء الطبيعية وينفر من الحياة الحضرية، هذا الرومانتيكي أصلًا عنده نزوع نحو التجرد والحياة الطبيعية، وأنه يأخذ خيمة ويعيش مع الحيوان ويرى نقاء الطبيعة في صورتها الأولى، وينفر من تعقيدات الحضارة، يذهب إلى الطبيعة التي تعطيه انفعالًا جياشًا تلقائيًا مباشرًا معها.
هناك الواقعية، أما هنا فماذا قال؟ أعني بالطبيعة: "الطبيعة الخالدة وحركة الروح العظيمة للأشياء". والمراد بالطبيعة هنا نموذج الإنسان المثالي الذي يعيش حياته قريبًا من الطبيعة، حياة تتسم بالبساطة والتواضع والاقتصاد في الإنفاق، بعيدًا عن مفاسد الحضارة المدنية وشرورها، الطبيعة الأولى التي تتفق مع الطبيعة في الشلالات وفي الجبال. ولهذا الرومانتيكي يحب الخلوات ويخرج للطبيعة بعيدًا عن التعقيد.
طيب، أين الطبيعة عندك أيها الرومانتيكي من قصيدة هجائية؟ أين الرومانتيكي من قول أبي الطيب المتنبي: «ما كنتُ أحسبني أحيا إلى زمنٍ ... يسيءُ بي فيه كلبٌ وهو محمودُ»؟ ماذا قال في الدالية؟ "ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن يسيء بي فيه كلب وهو محمود". ما يقول الرومانتيكي في هذا؟ أين الطبيعة؟ أين الكذا؟ سيأتي الآن موقف الرومانتيكي من الهجاء.
تخيل، من باب كامل يقول: والمراد بالطبيعة هنا نموذج الإنسان المثالي الذي يعيش حياته قريبًا من الطبيعة، حياة تتسم بالبساطة والتواضع والاقتصاد في الإنفاق بعيدًا عن مفاسد الحضارة المدنية وشرورها. ابن الباشا يتزوج بنت البواب لأن كلهم في الطبيعة؛ هو ينظر إليهم أنهم لو تجردوا فهم أولاد آدم وحواء، يعني عادي، وكلنا أولاد الطبيعة، كلنا أولاد السماء نفسها. لكن هل ستعيش متجردًا يا بني؟ هل ستظل متجردًا ٢٤ ساعة؟ لا، ستلبس وتختلف في اللبس وفي الطبع وفي كل شيء.
كما يراد بها إلى حد ما طبيعة القرن الثامن عشر؛ بمعنى الوعي المشترك بإنسانيتنا المشتركة. إنسانية ماذا؟ إنسانية الطبقة البرجوازية التي تأثرت بالثورة الصناعية والثورة الفرنسية عام 1789، ومن قبلها بالثورة الصناعية. هذه هي الطبيعة، فهمتم؟
قال: الوحدة التي تجمع بين الإنسان والطبيعة الخارجية. إذن، خلاص، طبيعة القرن الثامن عشر بمعنى الوعي بإنسانيته المشتركة، والوعي بما بين الناس جميعًا من رباط وثيق ووحدة تجمع بين الإنسان والطبيعة الخارجية. كلنا بشر؛ العربي والأوروبي والهندي، كله بشر تحت طبيعة واحدة، إنسان واحد، ونعيش طبيعة خارجية واحدة، وينبغي أن يكون بيننا السلام والوئام والحب. هذا الذي بالغوا فيه، حتى وصلوا إلى ما تعرفون: سالب وموجب، سالب وموجب؛ هذه امتدادات تطرفية، وقد أكدوا على السلام، وأكد لي على السلام.
قال: فالتاثير العاطفي للشعر بإثارة التعاطف مع الآخرين من البشر والحيوانات، وحتى غير الأحياء. يعني أنا المفروض ما أذبحش في العيد ولا إيه؟ أنت تذبح واحدة بنتها موجودة، ما هي بنتها هتنسى يا ابني! يا حبيبي الحيوان ده غير عاقل، يقول لك هتذبحها وسايب ابنها، أنت متخيل أن ابنها زي ابنك؟ ابنها لما بيكبر هيتكاثر معها برضو، ما فيش عقل، افهم، ليس له عقل.
هذا هو. لدي صديق فيلسوف، إيراني، أسترالي، مصري، يعيش ويدرس في الأزهر في مصر؛ فإنه أزهري، وعنده قط، وهذا القط خُصي، يعني عملت له عملية تعقيم من صغره. فقلت له: ألا ترى أن هذا يؤلمه نفسيًا أن يرى نفسه لا يتكاثر؟ قال: هو لن يرى شيئًا، هو لن يريد التكاثر أصلاً، هذا غير عاقل. هذا غير عاقل، يعني لا يؤلمه شيء، هو لن يفكر في شيء، فإذا لم تتحرك غريزته خلاص، هو الآن مبسوط جدًا، سعيد، يأكل وينام في التكييف، ويتمرغ في حجرنا، هو يعيش سعيدًا جدًا، ليس عارفًا أن حصل له تعقيم ولا شيء، هو يرى أنه طبيعي، هو لا يشتهي أنثى أصلاً.
هو ليس عاقلًا بخلاف المخصي من البشر، كما كانوا يخصون العبيد؛ كانوا يخصون الأوروبيين والثقالبة، الروس والغساسلة وهؤلاء، وكانوا في قصور بني أمية وفي الأندلس وغيرها، وكانوا في بني العباس مخصيين، فهم يتألمون لأنهم عقلاء بشر، لهم عقل يشعرون بما فقدوا، أما الحيوان لا، الحيوان يختلف في ذكائه.
يقول: وحتى غير الأحياء من الجمادات أمر حاسم. فالتاثير العاطفي للشعر بإثارة التعاطف مع الآخرين من البشر والحيوانات، وحتى غير الأحياء من الجمادات؛ أمر حاسم مع الجمادات. يعني إيه الجمادات؟ تشفق على هذا البيت وعلى هذه البناية.
قال: وإحدى وظائف الشعر أنه يهز الناس ويخرجهم من حالة الحياد العاطفي وعدم الاكتراث، ويجعلهم يدركون الطبيعة ويفهمون سر العالم. ومن هنا وصف الشاعر الرومانتيكي بأنه نبي؛ أخذ وصف النبي عندهم لأنه يعتبر نفسه نبياً للطبيعة وللمثل العليا، وهذا كله أمور تتعلق بالمعاني والاتجاه النفسي.
انظروا هنا في هذه القضية، لي هنا وقفة أريد أن أكشف لكم بها مذاهب بعض الرومانتيكيين في عصرنا، أو من دكاترتنا. لما يقول: المراد بالطبيعة نموذج الإنسان المثالي الذي يعيش حياته قريبة من الطبيعة، حياة تتسم بالبساطة والتواضع والاقتصاد في الإنفاق بعيدًا عن مفاسد الحضارة المدنية وشرورها؛ طبيعة القرن الثامن عشر بمعنى الوعي بالإنسانية المشتركة، وأن تكون هناك وحدة تجمع بين الإنسان والطبيعة الخارجية.
هنا ترون أن الأفكار الرومانتيكية يا إخوة كلها أفكار نفسية، أفكار نفسية أكثر منها رومانتيكية، وأكثر منها فنية. لاحظتم؟ لأنها مرحلة زمانية منقلبة على مرحلة زمانية أخرى؛ مرحلة زمانية فكرية انقلبت على مرحلة زمانية أخرى، بل مرحلة طبقية انقلبت على طبقة أخرى، فليس للعرب دخل في ذلك. فلما تأثر العرب بذلك، تأثر بهم مثلاً الدكتور محمد النويهي في فهمه لوصف الطبيعة وقضية الطبيعة، وأراد تفسير الشعر بذلك؛ انحرف، انحرف. لماذا؟ لم يفهم مثلاً فكرة إطالة التشبيه.
أختم لكم المحاضرة بكلام له لحظة. هذا يا إخوة كتاب "ثقافة الناقد" للدكتور محمد النويهي، وهذا الكتاب هو أكثر كتاب رأيته متطرفًا في فكرة التفسير الرومانتيكي للشعر والتفسير بالعلوم الطبيعية وهذه الأشياء، حتى إنه مليء بالخرائط والخطوط ورسم الجماجم والأصابع، يعني كتاب في الطب! انظروا، كتاب في الطب، أشكال الرؤوس، واضح الصورة يا إخوة؟
في صفحة ٢٦٧، اسمع كيف فسر. وذهب إلى مثل هذا المذهب، فيما أذكر الدكتور عبد الله الطيب رومانتيكي أيضًا، اسمع ماذا قال. يقول ومن الطريف -يتكلم عن قضية الطبيعة ووصف الطبيعة وهذه الأشياء- فيذهب إلى أن الشاعر الرومانتيكي، والشاعر العربي القديم عليه قيود لا يستطيع أن ينطلق في راحته في وصف الطبيعة كالشاعر الرومانتيكي المعاصر، فيتحايل.
يقول الدكتور النويهي: «ومن الطريف أن ترى محاولات الشعراء الجاهليين في التخلص من هذا التقييد أو تخفيف وطأته، وسيلتهم في هذا إطالة التشبيه والاستطراد في تقصي المشبه به». يعني امرؤ القيس لما أراد أن يصف النخيل بمنظره الطبيعي، تظاهر بأنه يصف أو يشبه به فوج النساء في السفر، فأخذ يستطرد في وصف النخيل.
وسيلتهم في هذا إطالة التشبيه؛ هو فهم إطالة التشبيه عند العرب الجاهليين من أنها وصف للطبيعة، لأن الرومانتيكي يقول إن الشاعر يتجه نحو وصف الطبيعة، ولم يدرِ -كما قلت لو كانوا من الأول قبعوا في علم العرب- لو قبعوا في علم العرب لعلموا طول أنفاسهم في التشبيه المركب، ولعلموا أن امرأ القيس حين قال فشبهتهم في...
«أَوْ كَالنَّخِيلِ الزَّاهِيَاتِ حَدَائِقًا ... دُوَيْنَ الصَّفَا اللَّائِي يَلِينَ الْمُشَقَّرَا سَوَامِقَ جُبَّارٍ أَثِيثٍ فُرُوعُهُ ... وَعَالِيَاتٍ قِنْوَانًا مِنَ الْبُسْرِ أَحْمَرَا حَمَتْهُ بَنُو الرَّبْدَاءِ مِنْ آلِ يَامِنٍ ... بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى أَقَرَّ وَأَوْقَرَا وَأَعْتَمَ زَهْوَهُ وَأَكْمَمَ حَتَّى إِذَا ... تَهَصَّرَا أَطَافَتْ بِهِ جِيلَانِ عِنْدَ قِطَاعِهِ تُرَدُّدُ الْعَيْنِ حَتَّى تَحَيَّرَا»
لو قبع في هذا الشعر لعلم أنه بالفعل يصف مشاهد رآها في فوج النساء، بهذا التشبيه الطويل؛ هو لأنه رومانتيكي في الأول.
الدكتور محمد النويهي رحمه الله؛ لأنه رومانتيكي، عنده أن الشاعر يصف الطبيعة. فلما نظر إلى هذا عند امرئ القيس، قال إنه تحايل بالتشبيه الطويل؛ لأن الرومانتيكي فياض، سريع، مباشر. الشعر عنده فيض تلقائي وتعبير مباشر عن المشاعر الفياضة.
والميل إلى الطبيعة هو الأساس؛ الميل إلى وصف الطبيعة لأنهم جزء منها ويحبون الانتساب إليها. الشاعر الرومانتيكي يحب أن يبقى في نفسه مثل طرزان أو موكلي. الشاعر الرومانتيكي يميل إلى هذا، وعنده الشعر تعبير مباشر أو تلقائي كما قالوا عن المشاعر الفياضة.
فلم يتخيل الدكتور النويهي، وهو رومانتيكي، أن امرأ القيس يطيل التشبيه في شيء يشبهه فعلاً، بل قال: لا، هو يصف النخيل ولكنه تحايل. انظر ماذا قال! رأيتم لما تقرأوا؟ أنا مما ألوم فيه على المؤسسات الأكاديمية عندنا أنها تدرسهم هذه المذاهب والكتب للنويهي وغيره، وكتب المذاهب النقدية، دون أن يؤسسوا في العربية، فيأخذون الفكرة عن العربية من هذا الكلام. تخيل واحداً أول ما يقرأ، يقرأ للنويهي ولا يعرف التفصيل الذي ذكرته لكم الآن، والذي صرتم تعرفونه من سنوات من أعوام حول التشبيه المركب في سِلم شوقي.
انظر، قال: «ومن الطريف أن نرى محاولات الشعراء الجاهليين في التخلص من هذا التقييد أو من الطريف...». يعني الدكتور صار يتظرف ويتطرف بحال الجاهليين الذين لم يبلغونا نحن الرومانتيكيين. قال: «ومن الطريف أن نرى محاولات الشعراء الجاهليين في التخلص من هذا التقييد أو تخفيف وطأته، وسيلتهم في هذا إطالة التشبيه والاستطراد في تقصي المشبه به».
افترض مثلاً أن أحدهم مر في يوم من أيام حياته بمنظر ما راعه أو أعجبه، كمنظر ساقية تسقي بساتين النخيل، أو سنحت له ظبية أعجبها جمالها، أو راقب حيواناً برياً شائقاً تتبع أحداث عيشته، أو رأى روضة معشبة فتنته، أو ما إلى هذا من التجارب التي تستثير العاطفة الشعرية؛ فهو لا يستطيع كما يستطيع الشاعر الإنجليزي مثلاً أن ينظم أبياتاً يصف فيها شيئاً من هذا وليس لها غرض إلا وصف هذه التجربة الخاصة.
امرؤ القيس -لا طرف له- لو رأى منظراً في الطبيعة أعجبه، ممنوع أن تقول شيئاً! ممنوع أن تكون شيئاً ليس إلا، فقط أنه أعجبك، لازم يكون له غرض من الأغراض المعروفة الموروثة. لا يستطيع أن ينظم أبياتاً يصف فيها شيئاً من هذا وليس لها غرض إلا وصف هذه التجربة الخاصة. يعني الشاعر الجاهلي ممنوع عليه أن يصف شيئاً لأنه أعجبه فقط.
اسمع بقى ماذا يفعل، فيحاول أن يجد لها مكاناً مناسباً في غرض من الأغراض الشعرية المحددة؛ فيشبه دموع عينيه إذ يبكي لفراق محبوبته بمياه تلك الساقية في غزارتها، ويستطرد في وصف الساقية استطراداً يرينا أن هذا هو غرضه الحقيقي وليس وصف دموعه وحزنه لفراق المحبوبة. أو يشبه محبوبته بالظبية، أو يشبه طيب رائحتها بطيب رائحة الروضة، أو يشبه ناقته أو حصانه بذلك الحيوان البري في السرعة، ثم ينسى في كل حال أنه في سبيل تشبيه، فيستطرد استطراداً يطول أو يقصر في تحقيق المشبه به حتى يشبع عاطفته الشعرية.
يقول: «أمانت بسخرية محمود شاكر فيه؟». أنت عرفت لماذا كان محمود شاكر يغضب ويسخر؟ هذا الكلام يغضب! أنتم لما عرفتم في سِلم شوقي بماذا يشبه: ﴿وَإِنَّ وَفْدَ النِّسَاءِ لَهُ زِينَةٌ كَالنَّخْلِ مِنْ بَعِيدٍ * وَلَهُ أَنَّ مَاشِيَ تَحْتَهُ كَالنَّخْلِ الْمُسْرَدِ﴾ [الشعراء: 62-63]، حتى تحير الماء... خلاص، لو عرفت لما عرفتم، الآن صرتم تغضبون لما تسمعون هذا الكلام؛ لأن الآخر هذا اسمه تشبيه مركب ممتد طويل، تشبيه مركب تمثيلي طويل.
للأسف الرومانتيكيون أنفاسهم قصيرة. أنا دائماً أقول الرومانتيكيون لا يفهمون الشعر العربي لما يطول وكذا ويتركب التشبيه والاستعارة وما إلى ذلك. أنتم رأيتم أمامكم الآن الدكتور محمد النويهي يقول في كتاب "ثقافة الناقد" صفحة 267، يقول كلاماً صريحاً في أن العربي يريد أن يشبه الطبيعة ولا يستطيع كالإنجليزي أن يصفها دون غرض من الأغراض المعهودة، فيتحايل فيظل يشبه، يأتي بالمشبه به مختزلاً ويطيل في التشبيه، وهو يريد من التشبيه أن يصف وأن يروي غريزته البيانية والشعرية والعاطفية.
قد يجادلني البعض ويقول: لا، النويهي عربي المذهب، هو عربي المذهب، فهو كاد أن يسخر من شعر العرب أو من العرب حين قال: «ومن الطريف أن العرب كذا ولا يستطيع أن يفعل هذا كالشاعر الإنجليزي». كتاب "ثقافة الناقد" لمحمد النويهي.
حينما أقول على أحد إنه فيه حداثة أو رومانتيكي، ويكون مشهوراً في بيئتنا العربية أو الشامية أو المصرية، لا أقول اتهاماً، بل أقول رحمه الله وأقدر عمله وأجله. وأنا أجله، هو أجله عبد الله الطيب السوداني، رومانتيكي. فسروا الأدب العربي تفسيراً يخالف ما عليه العرب بتأثير الرومانتيكية، وأنا لا أعرف الرومانتيكية؛ أنا غارق في موسوعة كامبريدج. لم أقابل أحداً إلى الآن أصلاً من الذين يتبنون المذاهب الغربية من المصريين أو العرب، وهو يعرف مذهبه أكثر مما أعرفه. ليس تصفُّعاً، بل أقول حقيقة أراها وأقولها متعجباً، وأرد بذلك على من يقول: لا، ليسوا كذلك وهذا هو المذهب العربي، وهذه وجهة نظر.
هم رومانتيكيون وأنا لا أعرف الرومانتيكية، ويقولون كلاماً يخالف الرومانتيكية. أنت تقول لي: لا، هو وجهة نظرهم في القصيدة. لا، وجهة نظر الرومانتيكية التي ينتسبون إليها التي أعرفها جيدا أكثر منك. أنت تقول إنك بنيوي أو كذا، لا أعرف البنيوية، أعرف الرومانتيكية، لكن ليس صواباً أن أتحدث فيها مع الجمهور، أتحدث فيها بعد التأسس في الأدب العربي أو أبين الفروق كما في هذا الكتاب.
شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، لا تنسوا صلاة المغرب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد