السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام، أهلاً وسهلاً ومرحباً. أرجو أيها الإخوة طمأنتنا إلى سلامة البث واستقراره صوتاً وصورة.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً، يا مرحباً يا مرحباً. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد؛ هذا أيها الإخوة، أنا الحمد لله بخير رضي الله عنكم، في خير حال.
هذا هو مجلسنا السادس من مجالسنا الأكاديمية، وفي خصوص شرح كتاب "نظرية الأدب: دراسة في المذاهب النقدية الحديثة" للدكتور شفيع السيد رحمه الله. الحمد لله الصوت واضح والصورة كذلك.
في المجلس الماضي، أيها الإخوة، وهو الخامس، انتهينا من شرح المرحلة الكلاسيكية التي أجملها الدكتور ولم يفصل فيها، وهي ما يعرف بالكلاسيكية الجديدة التي شغلت على التقدير القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكان ذلك تمهيداً من الدكتور لشرح النظرية الرومانتيكية التي نشرع فيها اليوم إن شاء الله تعالى.
لكن هناك شيئاً تجدون أن الدكتور سماها بالكلاسيكية الجديدة، تناول نظريتها وأجملها في أية وريقات، ولكن هذه الصفة "الكلاسيكية الجديدة" تثير العقل إلى ما يخالف هذا القيد، أو إلى ما أخرجه هذا القيد؛ لأنه قال الكلاسيكية الجديدة، فهذا يثير النظر أو الانتباه إلى كلاسيكية أخرى، ما هي الكلاسيكية الأخرى؟ إذا كانت هذه كلاسيكية جديدة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فهذا يوحي بكلاسيكية أخرى هي الكلاسيكية القديمة.
فأنت ربما تقول: لماذا لم يشرح الدكتور الكلاسيكية القديمة كما شرح الكلاسيكية الجديدة؟ في الحقيقة الدكتور كان يشرح النظرية النقدية الحديثة التي تعد ثورتها وانقلابها على كل العصور في القرن التاسع عشر أو في أواخر القرن الثامن عشر، إذ انبثقت النظرية التعبيرية الرومانتيكية هنا، وبدأت بوادر ما يعرف بالعصر الحديث الذي تزامن مع أو أثرت فيه الثورة الصناعية والنظرة الفردية وما إلى ذلك.
الأصل في عصور الأدب أننا ننظر إلى الأدب من حيث نفسه، لكن هو أراد كما قال: "دراسة في المدارس النقدية الحديثة"، وكان الأصل ألا يتناول الكلاسيكية الجديدة، لكن الدكتور نفسه قال إنه سيتناول الكلاسيكية ضرورة ليعلم ما الذي خرجت عنه الرومانتيكية، يعني حتى تفهم الرومانتيكية لابد أن تفهم الكلاسيكية الجديدة، ولولا ذلك ما تناوله؛ لأن الكلاسيكية الجديدة تعتبر داخلة في هذا التقسيم الحديث والحياة الحديثة الأوروبية.
الكلاسيكية الجديدة أيها الإخوة مسبوقة بثلاثة أعصر كبيرة، بثلاث صبغات تسبقها، ما كان قبل الكلاسيكية الجديدة وهو الذي انقلبت عليه الكلاسيكية يعرف بعصر النهضة. احفظوا هذا العصر، معروف هكذا بعصر النهضة، ويمتد من القرن الخامس عشر إلى بدايات القرن السابع عشر، إذ بدأت انبثاقات الكلاسيكية منقلبة على عصر النهضة.
إذ من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر أو بدايات القرن السابع عشر، كما قلنا تقدير هذه الأمور بالقرون هكذا هو أمر تقريبي، لا يوجد شيء ينتهي في لحظة ويبدأ في لحظة أو في أول القرن، وإنما ينظرون إلى غالب ما صبغ القرن، لكن بطبيعة الأحوال كما قال الدكتور، كذلك يمكنك أن تعتبر أواخر القرن وبدايات اضمحلال وبدايات أو نهايات الأول، وبدايات ازدهار الجديد. فالقرنين الخامس عشر والسادس عشر إلى أوائل السابع عشر، خلاص هذه تسمى بعصور النهضة.
عصر النهضة هو العصر الذي انقلبت عليه الكلاسيكية، وبالمناسبة هذا العصر أشبه العصور بالرومانتيكية التي سندرسها، ما يسمى بعصر النهضة الأوروبية من القرن الخامس عشر إلى بدايات القرن السابع عشر، هذا أشبه القرون بالرومانتيكية، بل بعض الباحثين يسميه الرومانتيكية الأولى.
والاختلافات بين العصرين ليست في الأصول وإنما في صبغة هذه الأصول أو تطبيقات هذه الأصول، يعني كلاهما أدار الأدب على الفرد وعلى المشاعر الذاتية، بل كان في عصر النهضة إلحاد وخروج على الدين وما إلى ذلك؛ لأن عصر النهضة منقلب على العصر الثاني الذي قبله، ونحن الآن نرجع إلى الوراء، منقلب على العصر الثاني الذي قبله وهو ما يعرف بالعصر الوسيط، ويقال العصور الوسطى.
تعرفون لماذا تجمع على عصور؟ لأن مدته عشرة قرون، ما يعرف بالعصور الوسطى الأوروبية عشرة قرون، تمتد من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر، وعلى التحديد لو ربطوها بالحدث تمتد من العام 467 إلى العام 1492، وهو عام سقوط الإمبراطورية الرومانية وسيطرة المسيحية في العصور الوسطى، عشرة قرون من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر، وحددوها بحدثين كبيرين حصلا في نفس العام وهو العام 1492.
الحدث الأول سقوط غرناطة المسلمة فيما يعرف بحروب الاسترداد، استرداد الإسبان بلادهم من المسلمين أيام ملوك الطوائف والتفرق والتشرذم، فهذا كان بداية عصر جديد عرف عندهم بسقوط غرناطة المسلمة، وعرف عندهم بعصر النهضة. وهناك حدث آخر في نفس العام، ما يسمونه اكتشاف أمريكا، هو ليس اكتشاف أمريكا بل هو العثور عليها، وهي كانت موجودة وعليها سكان ولهم حياتهم ولهم اجتماعهم وأخلاقهم، يقولون اكتشفنا أمريكا في نفس العام 1492.
خلاص، يعني نهايات القرن، آخر عقد في القرن الخامس عشر الميلادي حصل حدثان كبيران: سقوط غرناطة والعثور على أمريكا، هذان الحدثان أثرا شديداً فيما عرف بالنهضة بعد ذلك التي استمرت من القرن الخامس عشر إلى بدايات القرن السابع عشر، لما انقلبت عليها الكلاسيكية التي درسناها تمهيداً للرومانتيكية.
هناك حدث آخر لو أردنا أن نبين الأحداث التي تجمع وتؤثر، حدث قبل ذلك بعقود، وبالتحديد في العام 1453، وهو سقوط القسطنطينية، تركيا الآن اسطنبول في يد المسلمين، يعني عكس حدث غرناطة، سقوط القسطنطينية، اسطنبول الآن في يد العثمانيين المسلمين، هذا الحدث كان أيضاً مؤثراً ممهداً، لكن الحدثان الكبيران المؤثران بالقطع في بداية عصر النهضة ونهاية العصور الوسطى كان ذلك عام 1492، لما سقطت غرناطة المسلمة وانفتحت أوروبا على ما عند المسلمين الأندلسيين، وكذلك لما عثروا على أمريكا التي ما كانوا يعرفونها وبدأوا طبعاً في إبادة أهلها وكذا.
هذا العصر الوسيط، ولذلك أحياناً يقال العصور الوسطى، عصر طويل عشرة قرون، من القرن الخامس، نهاية القرن الخامس عام 476، إلى آخر القرن الخامس عشر بالاحداث المحددة كما عرفت.
ولهذا كما قلت تسمى العصور الوسطى، وهي ممتدة جداً، وهذه التي سميت بالعصور المظلمة عند الأوروبيين. تحكم فيها الدين في الكنيسة تحكماً شديداً جداً، تحكم الدين في الشعراء، وحرقوا الناس وأذوا كل من يخرج على تعاليم الكنيسة. وكان الذي يقول بشيء من العلم يلتقطه من عند الأندلس من علماء المسلمين، كابن حزم وغيره، ربما يحرقونه؛ تأمر الكنيسة بحرقه.
هذا في عصر الازدهار الأندلسي، أنا الآن لست أتكلم في النقد يا إخوة والتاريخ الأدبي، أنا لا أتكلم عن عظمة المسلمين، لا والله إطلاقاً، الآن أتكلم عن تاريخ حاصل حتى تتصوروا أوروبا في هذا الوقت. الانقلاب المسيحي على الوثنية الرومانية وسقوط الوثنية الرومانية في العام 476 من الميلاد، وقيام الدولة المسيحية الدينية التي انقلب عليها عصر النهضة بعد عشرة قرون؛ ولهذا الدين عند الأوروبيين مربوط بالتخلف، وهذا الذي تجدونه في أوروبا الآن من انقلاب شديد عنيف على الدين.
هذا الانقلاب الشديد العنيف على الدين لا يخصنا، هذه مشكلة عندهم؛ لأن العصور الوسطى التي عرفت بعد ذلك بالعصور المظلمة، كانت عصور سيطرة للكنيسة وجهل، وتحكم الكنيسة أو اقتران الكنيسة بالنبلاء والتأثير على الشعوب، وإحراق من يفكر بالعلم وكل من تسرب له من علم المسلمين شيء، يعاقب عقاباً شديداً حتى يصل إلى التحريق. ولهذا انقلاب الأوروبيين الآن على الدين ليس غريباً، كل حياتهم الدينية كانت ظلاماً، فليس هذا عندنا؛ كل ما عاشوه في فترة كان الدين يحجر على العقل، ويحجر على العلم، ويحجر على الشعر. لا تقل لي جاهلية، سأحكي لك تاريخ الجاهلية الآن بما يوازي هذا.
فلذلك لا تستغرب من الأوروبيين ومن شدة العلمانية والإلحاد عندهم، لأنهم عاشوا العصور الوسطى عشرة قرون، وهم ما زالوا الآن يعيشون ردة فعل، أحسبها من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر، يعني 1500 عام مثلاً. نحن الآن في 2025، يعني لم نتم حتى ستة قرون من عشرة قرون عاشوها، فهم الآن يعيشون ردة فعل عنيفة جداً تخص قضيتهم ودينهم وحياتهم، ولا يمكن استيرادها كما نفعل الآن. البعض يقول تأثير الدين، دينهم ليس عندنا نحن قضية في هذا، بدراسة التاريخ الأدبي ليس عندنا هذا إطلاقاً كما سأبين الآن إن شاء الله.
فهذه تسمى كما قلت العصور الوسطى التي سيطرت فيها الكنيسة على الناس سيطرة شديدة وعلى الشعراء، وظهر ما يعرف بالشعر الديني، وصار الشعر في التراتيل الكنسية ويخدم الدين بطريقة معينة، وصار الشعراء هكذا؛ أي إبداع، أي تفكير، أي استقلال، أي فكر جهة ما.. فليس هناك رأي. رأيتم كيف نحن نتكلم لكم في فك جهة الفن عن الدين؟
«الدين بمعزل عن الشعر»، قالها القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني في القرن الرابع، الذي يوازي تقريباً بدايات القرن الحادي عشر الميلادي، في منتصف العصور الوسطى التي كانت الكنيسة تمنع فيها من أي شيء. كان القاضي أبو الحسن الجرجاني يقول: «الدين بمعزل عن الشعر».
وفي القرن الرابع في نصفه الأول الذي يوازي القرن العاشر الميلادي، قال أبو بكر الصولي الذي توفي عام 336 هجرية: «وما علمت أن كفراً ينقص من شعر، ولا أن إيماناً يزيد فيه». المسلمون في القرن الرابع، الذي يوازي نصف العاشر ونصف الحادي عشر الميلادي، في منتصف العصور الوسطى تماماً، كان المسلمون يقولون: «الدين بمعزل عن الشعر»، ويقولون: «ما علمت أن كفراً ينقص من شعر ولا أن إيماناً يزيد فيه».
هذا في منتصف العصور الوسطى الممتدة من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر. كلامي هذا حكاية تاريخ وليس وعظاً وخطابة؛ هذه تاريخ. اقرأوا موسوعة كامبريدج لتذهلوا، هذا كله عندي من موسوعة كامبريدج للشعر العربي، وللتاريخ الأدبي، وللتاريخ النقد الأدبي، أو المذاهب الأدبية. وهذه موسوعة أنا شغفت بها في الحقيقة، لكن طبعاً الوصف والترتيب والحديث مني وصفي عربياً.
العصور الوسطى امتدت من القرن الخامس عشر بسقوط غرناطة والعثور على أمريكا، رجوعاً في التاريخ إلى القرن الخامس بسقوط الإمبراطورية الرومانية في العام 476. ماذا كان قبل هذه العصور؟ على أي شيء انقلب العصر الوسيط؟ انقلب على ما يعرف بالعصور الكلاسيكية، التي تشترك مع الوسيطة في أنها مده ممتدة طويلة.
تبدأ من أقدم شاعر غربي، وهو الشاعر الإغريقي اليوناني هوميروس الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، يعني كان موجوداً قبل ميلاد المسيح عليه السلام بثمانية قرون، هوميروس صاحب الإلياذة والأوديسة. مروراً بسوفوكليس الذي كان في القرن الخامس، وهو صاحب مسرحية "أوديب ملكاً".
إذن، من عند هوميروس، أقدم شاعر معروف صاحب الإلياذة والأوديسة، عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، أظنه من 750 قبل الميلاد إلى 700 قبل الميلاد، عاش خمسين عاماً تقريباً. تستغرب، عاش من 750 إلى 700، ما هو قبل الميلاد، نمشي هكذا؛ فالميلاد أكبر، يكون الرقم أكبر، هو ولد مثلاً عام 750 عاش خمسين عاماً ومات عام 700 قبل الميلاد، لأننا نمشي بالعكس، تقل الأرقام بعد الميلاد وتزيد الأرقام قبل الميلاد.
هذا هوميروس، بعد ذلك سوفوكليس، صاحب الأدب، كان هذا في القرن الخامس. جاء أرسطو في القرن الرابع مفكراً، بينه وبين هوميروس ما يقرب من أربعة قرون، العصر بينهما ما يزيد على ثلاثة قرون. وبعد ذلك، هذه طبعاً مرحلة الإغريق الذين هم اليونان، جاءت في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد القضية إلى الرومان، الرومان الذين هم اللاتينيون.
ما الفرق بين الإغريق واللاتينيين؟ الإغريق هم اليونان، وهم الغربيون القدماء. أما الرومان فهم حضارة روما القديمة التي هي إيطاليا الآن، فهم الغربيون الذين ورثوا علم الإغريق وثقافتهم، لكن طبعًا كان الإغريق أرفع منهم، وكانت ثقافتهم أبين وأظهر، فاعتمد الرومان عليهم.
جاء العهد الروماني في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، وجاء بعد ذلك في قبيل الميلاد هوراتيوس. بالمناسبة، أنا كنت أقول هوراتيوس، والبعض يقول لي إن اسمه هوراس، وهوراس هو هوراتيوس، وهو الأقرب إلى لغته الأصلية اللاتينية القديمة؛ فبعض الكتب تسميه هوراتيوس، وبعض الكتب تسميه هوراس، وهو ما هو أقرب في الاستعمال الإنجليزي. فهوراتيوس هو هوراس صاحب قصيدة "فن الشعر". هذا هو في المركز القومي للترجمة والنشر، والكتاب عنه باسم هوراتيوس كما ترون: "هوراتيوس والنقد الأدبي: قصيدة فن الشعر"، والكتاب الثاني من "الرسائل".
ولد هوراتيوس في العام الخامس قبل الميلاد، وهذا الذي صار مرجعًا بعد ذلك في فكر أرسطو، جاء مرجعًا في فكر أرسطو، هو الذي وضع الترجمة لفكر أرسطو، والشروحات الإيطالية -طبعًا جاءت في هذا الفكر الإيطالية اللاتينية- فالرومان سكان روما أو حضارة روما القديمة التي هي إيطاليا الآن، أما الإغريق فهم اليونان. انتبهوا، البعض يخلط بين الإغريق واللاتينيين؛ الإغريق يونان، واللاتينيون رومان إيطاليون من سكان روما القديمة.
ما العلاقة بينهم وبين الروم الذين حاربهم المسلمون؟ هم في الأصل شعب واحد، والفرق بينهما هو سكان الجهة المشرقية وسكان جهة المغرب، أو سكان الشمال والجنوب. يعني هم انقسموا قسمين: القسم المشرقي الذي في ناحيتنا هو الذي حاربناه بعد ذلك، وكان أبو فراس يحاربهم: «أتزعم يا ضخم اللغاديد أنني ... ونحن أسود الحرب لا نعرف الحرب؟»
هؤلاء الروم هم أبناء عمومة أو أبناء جنس مع الرومان، لكن قسم غربي وقسم شرقي. فالروم هم من الرومان أيضًا الذين حاربناهم بعد ذلك، وهم في مجموعهم الإيطالي، ثم من كان معهم بعد ذلك أو أشبههم من سكان أوروبا، نقول الروم عمومًا الآن.
والأحمر -وهذا الأحمر أصلاً ألماني- هذا الذي لا أحمر منه، ألماني تعرفونه، هذا الأحمر تقولون برتقالي، أنا أقول أحمر، والعرب لا يقولون برتقالي بل يقولون أحمر، وفي الأحمر درجات. هذا الأحمر الذي لا أحمر منه من أصول ألمانية. الفرنسيون نقول عنهم "فرنسيس" أو كذا، لكن هم الآن نقول في الجميع "روم" رمزا، فالجميع روم، هؤلاء الأوروبيون الغربيون نسميهم جميعًا هكذا، أصل حضاراتهم روما القديمة، وقبلهم هؤلاء اليونان الإغريق الذين كان منهم أرسطو؛ فأرسطو يوناني إغريقي، ومن هؤلاء القدماء هوميروس وأرسطو وسوفوكليس. أما هوراتيوس فهو لاتيني إيطالي، هو الذي وضع قصيدة "فن الشعر" والذي اعتمد مذهبه بعد ذلك في تأصيله لفكر أرسطو للشعر من الجهة الإيطالية اللاتينية، وقد ولد في العام الخامس قبل الميلاد وتوفي في العام الثامن قبل الميلاد.
بعد ذلك تبدأ القرون التي بدأت المسيحية تدب فيها. كانت روما في هذا الوقت خليطًا من الوثنية، وتعرفون في التاريخ الإسلامي -وإن كنت لا أريد أن أعرض له من هذا الجانب حتى لا يقال إنك تأخذ مسلمات من القرآن- أن الوثنية دخلت المسيحية عن طريق التصالحات بين المد المسيحي والمد الوثني اليوناني القديم والروماني اللاتيني الحديث. فجاءت المسيحية وتصالحت مع الوثنية. ومن أين جاءت الوثنية؟ من تحريف لملة إبراهيم عليه السلام، صنعوا لهم كذا ثم عبدوهم لأجل كذا ودمجوا كذلك. كانت هناك المجامع التي أنتجت الأفكار، وتعرفون هذا تاريخيًا في تاريخ العقائد ومقارنة الأديان، وذكرها القرآن وأشار إليها؛ هذه المجامع التي اجتمعت وخلطت الوثنية بالمسيحية، كانت في هذه الفترة التي انتقلت فيها وامتزجت فيها، وحصلت حروب شديدة بين الفكر اليوناني والروماني (الإغريقي واللاتيني) والفكر المسيحي. كان هذا يا إخوة من بعد المسيح في هذه القرون إلى القرن الخامس الذي استقرت فيه المسيحية لتبدأ العصور الوسطى.
بعد ذلك يأتي شاعر في القرن الأول الميلادي اسمه ستاتيوس، ولد عام 45 وتوفي في التسعينيات، ربما في العام السادس بعد التسعين، مع بدايات الاتجاه المسيحي المتعصب. وتوالى شعراء في هذه الفترة غير مشهورين، وفي آخر عامين زادت حدة هذه السيطرة للكنيسة وللدين المسيحي، والاتجاه الأدبي أيضًا، إلى أن سقطت الإمبراطورية الرومانية اللاتينية في عام 476م وبدأ العصر الوسيط، وهو العصور الممتدة، القرون المظلمة الطويلة، عشرة قرون من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر.
تخيلوا معي الآن حتى تعلموا شكل الشعر في هذا الوقت والمقارنة بين المسلمين أو العرب. سأعمم العرب؛ لأن العرب لم يختلفوا في الشعر دينيا، الدين لم يؤثر بأي شيء في العرب نهائيًا، ظل الجانب الأدبي لحمة واحدة تسير وتمتد على الطريقة الجاهلية تمامًا، لا دين تدخل، لا منع موضوعات ولا أي شيء. تعالوا تخيلوا معي الآن: امرؤ القيس، ولد بعد 500 ميلادية وتوفي في العام الأربعين بعد الـ 500 ميلادية. امرؤ القيس بهذا النضج الشعري، بهذه الحرية، بهذه اللغة التي انطلق فيها، بهذا المذهب الذي سنه للعرب في البيان، جاء في أول العصور الوسطى التي كانت الكنيسة تمنع فيها هذا أصلًا وتحرق الناس عليه. كان امرؤ القيس يقول: «قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلِ»، وكانت العرب تتدارس الشعر وكان امرؤ القيس يروي شعره في بني يربوع، هؤلاء الجاهليون يا إخوة.
بعد ذلك عندك من جاء بعده النابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، والحطيئة، وبعد ذلك كعب بن زهير، وكانت أوروبا تغرق في العصور الوسطى. واذكركم بشيء: العام 476م لما سقطت الإمبراطورية الرومانية، قبل ذلك بقرنين كانت الصبغة صارت مسيحية، لكن لم تتم بشكل رسمي كامل.
لم تنتهِ الكلاسيكية تمامًا، كانت موجودة، وهناك مفكرون، وفي نهاية القرن الخامس حددوها ووقعت. لكنهم أظلموا من قبل أن يولد امرؤ القيس بقرنين أو ثلاثة قرون، وأذكركم بالشاعر ستاتيوس الذي ظهرت فيه هذه المعالم الدينية في القرن الأول الميلادي. تخيلوا، القرن الأول الميلادي! خمسة قرون صراع مع الوثنية، نصفها الأخير قرنان أو ثلاثة قرون بداية انتصار للصبغة المسيحية.
يعني قبل أن يولد امرؤ القيس بقرنين أو أكثر، كانوا بدأوا ينغلقون شعريًا ويحجرون على الشاعر موضوعًا وما إلى ذلك، وكانوا يحرقون من يقول بشيء. في حين أن العرب في الجاهلية كانت تعيش تعددية دينية أصلاً. تخيلوا، كان هناك محمد ﷺ لما جاء ما كان يذهب إلى ما كان يعبد أوثانًا، بل كان أقرب إلى الحنيفيين. كان هناك الحنيفيون، وكان هناك النصارى، وكان هناك اليهود، ولا أحد يتدخل في دين أحد. العرب كان لهم نظام، نتكلم بلغتهم، النظام المجتمعي للعرب كان عندهم تعددية دينية وأعراف عربية شاملة.
وأنتم كنتم تحرقون من يقول إن الأرض كروية! بعد ذلك، بعد الجاهلية بعهد خمسة قرون تقريبًا، لما تكلم بعض العلماء في الأندلس بمثل هذا كابن حزم، لو قال شيئًا من لو خالف اعتقاد الكنيسة يحرقونه؛ يأتون به هكذا في قفص يحرقونه داخل القفص في مشهد عام، هذه أوروبا. هذه أوروبا التي دخل بعضها بيوت العباسيين وقصورهم. اقرأوا قصيدة البحتري في وصف بركة المتوكل، في وقت كانت أوروبا مظلمة أيضًا وتعاني الفقر والجوع، ويسقط منها الشعب الحقير بالنسبة إليهم، أي الطبقة التي تخالف النبلاء. النبلاء هم الكنيسة أو الأشراف، الطبقة العليا، الكنيسة والنبلاء سواء؛ أصحاب الأموال أو الأنساب، وأما طبقة الشعب فهم الخدم الذين لا يحق لهم أن يتملكوا، بل هم عاملون عند الأسياد والنبلاء والطبقة العليا. وكان هناك جيش للكنيسة مستقل ومعروف.
العرب كان عندهم تعددية دينية، وعندهم فكر مفتوح، وعندهم نظام اجتماعي أخلاقي، وعندهم أخلاق لا يحلم بها الأوروبي. كل ما تقرأه من أخلاق العرب في هذا الوقت، اذهب واقرأ هذا التاريخ في أوروبا كيف كان؛ قالوا وحوش، وحوش حقيقة. وهذا أكثر عصر نزل فيه الشعر شديدًا، هناك أسماء ظهرت في هذا الوقت ولكن لن تجدها أسماء لامعة مشهورة مؤثرة في الأدب بعد ذلك.
بل تخيل هذا، عندهم في القرن الحادي عشر، والقرن الحادي عشر يوازي عندنا نهايات القرن الرابع والخامس الهجريين. في هذا الوقت كان الشعر الأندلسي والموشحات والأزجال الشعبية موجودة. اذهبوا واقرأوا عن شعراء الترابادور في فرنسا، وهم شعراء يشبهونهم بالعذريين الشعبيين والرومانتيكيين. هؤلاء كانوا يقولون شعرهم باللغة الأوكيتانية، وهي لغة كانت قرينة لأصل اللغة الفرنسية، هي تكاد تنقرض الآن لكن موجودة عند بضعة آلاف، وما زالت هناك أناس يحاولون تعليمها. ولو كتبتم على اليوتيوب اللغة الأوكيتانية ستجدونها، وهي لغة شعبية موسيقية فيها رقة وجمال، وفي الحقيقة لما تسمعها فيها مساحة للعب بالصوت والألفاظ والموسيقى، وهي تشبه الفرنسية.
كان منها جماعة من الشعراء يسمون في تاريخ النقد بشعراء الترابادور، وهؤلاء جمع كبير من النقاد يقول إنهم تأثروا بالشعراء العرب في الأندلس في فنون الأزجال والموشحات؛ يعني حتى لم يتأثروا ولا يستطيعون بالقصيدة العربية، بل بالموشح والأزجال، وأثبتوا ذلك بدراسات في جعل اللغة مبذولة عامية، وفي الإتيان بألفاظ عامية، بل في التوزيعة الموسيقية للنص. وهؤلاء كانوا موجودين في جنوب فرنسا المتاخم لشمال إسبانيا أو الأندلس.
في القرن الحادي عشر، حصلت الأحداث التي تعرفونها، وانقلبت جماعة من الشعراء صنعوا عصر النهضة على العصور الوسطى، وكان فيها مزيج من تحرر وانحلال وحرية فنية وتحقيق الذات. وهذه تشبه جدًا الرومانتيكية في نشأتها النفسية والفكرية والاجتماعية، لكن الفرق بينهما دقيق. الرومانتيكي شخص أقرب إلى الحالم والحزين المتعامل مع الطبيعة، أما عصر النهضة فالشاعر فيه ثوري. والبعض يقول لا يمكن أن أحصر الرومانتيكية في هذا الاتجاه الضيق المتعنت، وهو هذا الحالم الباكي المتطلع إلى المثليات والمتطلع إلى الطبيعة والسماء، مثل جبران خليل جبران، بل يقول الرومانتيكية هي إطلاق النظرية التعبيرية حول النفس والفرد وتحقيق الذات، وهذا كله حاصل في عصر النهضة، ولذلك البعض يسمي عصر النهضة بالرومانتيكية الأولى.
وأذكر من هؤلاء، إذا لم تخلني الذاكرة، الأستاذ عبد الرحمن شكري في بعض مقالاته التي جمعها محمد رجب البيومي. فتخيلوا يا إخوة، الشعر كان في أوج انتعاشه وذروته في الجاهلية ثم في الإسلام، وكان يسقط وينحدر شديدًا ويُحجر عليه في العصور الوسطى. عصر النهضة الذي جاء في القرن الخامس عشر كان عصرًا متأخرًا جدًا عندنا؛ القرن الخامس عشر يوازي نهايات القرن التاسع الهجري، أي في عهد السيوطي المصري، كان الشعر عندنا قد انتهى تقريبًا.
تخيلوا، هم بدأوا ينتفضون للتطوير الفني في عهد عصر النهضة، والشعر عندنا كان ينحدر، انتهى. لذلك يا إخوة لا تنخدعوا بقضية التراث اليوناني القديم في تاريخ الشعر، لا في تاريخ البيان والعربية. العرب أقدم أمة مبينة، أو الأمة التي تفردت بميزة البيان؛ لأن حتى في العصر الكلاسيكي العلمي الذي يعتبر علميًا من عند أرسطو، سبق في القرن الرابع، سبق قبله بأكثر من ثلاثة قرون في القرن الثامن قبل الميلاد.
القرن الرابع قبل الميلاد، سبق في الثامن قبل الميلاد هوميروس صاحب الإلياذة والأوديسة. علمياً في القرن الرابع، حتى في هذه العصور، ما دون أو ما رآه أرسطو من حقيقة فن الشعر لا يبلغ شيئاً مما عند العرب من البيان، وهذا قاله فيلسوف أرسطي، لو أردت أن تسميه هكذا، فيلسوف مغرق في الفلسفة وهو الشيخ ابن سينا، لما قال أرسطو المعلم أرسطاليس: «لو اطلع على ما عند العرب من الشعر لدون أضعاف ما دون في فن الشعر»، لكن هو لم يطلع. هذا قاله ابن سينا الذي يعرف تاريخ أرسطو الذي كان في القرن الرابع قبل الميلاد.
وكانوا في ظلام الشعر، لما كان الشعر عندنا منفجراً في العهد الجاهلي والعهد الإسلامي والعهد العباسي، كانوا يعيشون ظلاماً شعرياً واجتماعياً وكل شيء. العرب حتى لو عاشوا ظلاماً اجتماعياً ممكن يظل الشعر فوق؛ لأنه مستقل بالكيان كما قلت في أول مجلس.
وجاء عصر النهضة منقلباً، رد فعل على العصور الوسطى. لماذا سمي العصر الوسيط يا إخوة؟ هذه تسمية من عندهم هم، لأنهم اعتبروه العصر الحاجز بين عصرين منيرين، أو العصر المتوسط بين عصرين منيرين؛ لأنهم يعتبرون الكلاسيكية القديمة، من هوميروس أو من أرسطو إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية الوثنية، يعتبرون ذلك عصراً منيراً علمياً وفلسفياً وكذا، فلاسفة وشعراء وعلماء.
ولذلك حتى في العهد الميلادي لما جاء عيسى عليه السلام، جاء بمعجزة إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ لأنهم كانوا قد تقدموا في الطب وهم وثنيون. كانوا تقدموا في الطب، فجاء عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فجاءهم من جنس ما تقدموا فيه. فيعتبرون ذلك عصراً منيراً بالعلوم والفلسفة، أرسطو يتجول ويسأل الناس وفلسفات، لا فلسفة واحدة، وأرسطو يمشي في الشارع يسأل الناس، وحتى أعدم في الأخير لأنه سيغير الأفكار الوثنية والتحجرية عند كثير منهم، لكن على كل هذا كان عصراً علمياً من بعد أرسطو وكذا على الأقل، وبعد ذلك جاء العصر المظلم ثم جاء عصر النهضة منقلباً، فلذلك سموا ذلك بالعصر الوسيط.
السؤال: ما الذي فعله شعراء عصر النهضة؟ انقلبوا على الظلام تماماً، فكان في ذلك رد فعل شديد، ليس له ضابط لا في الموضوعات ولا في الأساليب، وخرج في هذا الوقت شعراء كبار جداً، ولكن كان ذلك كأنه يعاني من عدم الضبط وعدم وجود صور واضحة للفنون. فجاء ما يعرف بالكلاسيكية الجديدة بما فيها من مبادئ العقل واللياقة والكل الشمولي، ومحاكاة الطبيعة التي هي الواقعية، ووصف الأحوال الإنسانية المشتركة الذي خرج منه مبدأ الكلي الشمولي أو النموذج الشامل. تذكرون مبدأ الكلية، ثم مبدأ اللياقة والأخلاقية، اللياقة الأدبية والأخلاقية. جاء ذلك رد فعل على عصر النهضة، والآن سنخوض في الرومانتيكية التي هي رد فعل على الكلاسيكية، والتي أشبهت عصر النهضة حتى سمي عصر النهضة بالرومانتيكية الأولى.
تخيلوا، ونتوكل على الله، هذه كانت رحلة من هوميروس في الثامن قبل الميلاد، مروراً بسوفوكليس في الخامس قبل الميلاد وأرسطو في الرابع قبل الميلاد، ثم استاتيوس في القرن الأول الميلادي، وإلى سقوط الإمبراطورية الرومانية لينتهي بذلك العصر الكلاسيكي القديم بشقيه الإغريقي واليوناني (الإغريق اليوناني) واللاتيني الإيطالي الذي هو روما الروماني. هناك الرومان وهناك اليونان، اليونان هم الإغريق القدماء، والرومان هم اللاتينيون الذين ورثوا مكانهم في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، وكان منهم هوراتيوس، صاحب قصيدة فن الشعر الذي يعتبر الوارث لفن أرسطو الإغريقي، وهذا لاتيني روماني، وأرسطو إغريقي يوناني.
ثم كان الميلاد وخمسة قرون بعد الميلاد، انتهى العصر الكلاسيكي القديم لتبدأ العصور الوسطى التي امتدت عشرة قرون إلى سقوط غرناطة والعثور على أمريكا في عام 1492، يعني في العام الخامس عشر الميلادي. بعد ذلك انقلبت على ذلك الأفكار النهضوية لياتي عصر النهضة، ولذلك ترون مثلاً عصر النهضة يترجم له في موسوعة كامبريدج مجلد كبير، بينما العصور الوسطى التي امتدت عشرة قرون مجلدان ضخمان جداً في موسوعة كامبريدج، إنه عصر كبير، إليه عصر النهضة مجلد كبير فيه شعراء وفيه أحداث وأشياء كثيرة جداً وأفكار كثيرة.
وبعد ذلك يأتي الكلاسيكية الجديدة التي تجاوزت العصور الوسطى وتجاوزت عصر النهضة، وجاءت بأفكارها من الكلاسيكية الأرسطية القديمة، كلاسيكية هوميروس وأرسطو وهوراتيوس كما عرفتم، فتجاوزت عصر النهضة الذي تعتبره انحلالاً وتجاوزت العصور الوسطى التي تعتبرها سقوطاً وظلاماً، وأحيت الكلاسيكية القديمة. وبعد ذلك كان رد الفعل العنيف على ذلك في العصر الحديث الذي لم ينتهِ إلى الآن، بالرومانتيكية التي انقلبت على الكلاسيكية.
لاحظتم باستعراض هذا التاريخ، كل ذلك لا يخصنا، ما عندنا في الشعر كبتنا أحداً. عمر بن أبي ربيعة في مكة بجوار الحرم كان يقول: «وناهدة الثديين قلت لها ... التكي على الرمل في ديمومة» «لم تمهدي فقالت على اسم الله ... أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعوِّد»
امرؤ القيس كان يدرس في المساجد، وأئمة الإسلام كانوا يروون شعر بشار بن برد بما فيه من مجون، وشعر أبي نواس بما فيه من مجون، وشعر مهيار الديلمي، أو الحسين بن الضحاك الخليع، أئمة الإسلام هم الذين كانوا يروون أشعار هؤلاء. كان يذهب أئمة الإسلام كالأصمعي وأبي عمرو بن العلاء إلى خلف الأحمر يجلسون أمامه مطأطئي الرأس: «ماذا قلت من الشعر يا أبا معاذ؟ ماذا أحدثت من العلم يا أبا معاذ؟»، علم الشعر، علم باللغة بالفنون. كان هذا حال العرب في الجاهلية وفي الإسلام، وكانوا هناك لا يعرفون هذا وغير مسموح.
رأيتم كل هذا لا شأن لنا به، انقلابات لا شأن لنا بها. في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي بدأوا ينتبهون إلى التعبير عن الذات. امرؤ القيس، تعبير عن الذات، شوف امرؤ القيس في التعبير عن الذات، وشوف جرير والفرزدق والأخطل في التعبير عن الذات وغير الذات، وانظر إلى بشار بن برد وأبي نواس وصريع الغواني والمتنبي في التعبير عن الذات، وأنت اكتشفته في نهاية القرن الثامن عشر لما حصلت النهضة الصناعية.
تعال الفصل الثاني، النظرية التعبيرية عند الرومانتيكيين. يقول الدكتور شفيع السيد في النظرية التعبيرية عند الرومانتيكيين: «لم يكن لمحاكاة النماذج الأدبية القديمة والقواعد الفنية المنبثقة عنها...».
أن تظل لها السيادة في الآداب الأوروبية كما ما طرأ على مجتمعاتها خلال القرن الثامن عشر من متغيرات في الحياة الثقافية والاجتماعية أو السياسية والاجتماعية والثقافية. ما هي نظرية المحاكاة للقديم؟ عرفنا في الفصل السابق أنها ليست محاكاة القديم لقدمه، وإنما هي اقتناع بنظرية محاكاة الطبيعة وما تفرع عنها من مبدأ العقل واللياقة والنموذج الشامل والعدالة الإلهية.
تعرفون كل هذا؛ هم آمنوا بهذه الأفكار، وأكد هذا الدكتور هنا ونقل عن بعض نقادهم الغربيين أنهم آمنوا بالفكرة التي عليها الكلاسيكية. الآن تعرفون لماذا؟ بما زدته من بيان الآن في مطلع المحاضرة أو في أغلب المحاضرة، وهو أنهم انقلبوا على النهضة التي حصل فيها انحلال وتفسخ، رد من باب رد الفعل على العصور الوسطى المظلمة، فكان رد الفعل عنيفًا، فوجدوا أنهم يحتاجون إلى الكلاسيكية القديمة ليضبطوا الأمر. ليس لأنهم يحاكون القديم، بل رجعوا إلى أفكاره. فليست كلاسيكية؛ فيبطل هنا من يقول امرؤ القيس وأصحابه كلاسيكيون لرجوعهم إلى القديم. نحن آمنا بما عليه العرب من البيان لأن هذا هو التطور للغة العرب، وليس ما عندك يا من تمشي على سحلية لا يجري فيها الماء ولا الكهرباء المقلوبة، هذا ليس بيانًا.
قال: وما طرأ على مجتمعاتها خلال القرن الثامن عشر من متغيرات في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. ومن أبرز معالم التغيير التي شهدتها أوروبا في ذلك القرن ثورة صناعية كبرى. أنا ألخص لكم الصفحة: ثورة صناعية كبرى وقيام الثورة الفرنسية.
حدثت ثورة صناعية كبرى أيها الإخوة. يقول: هذه الثورة الصناعية؛ الصناعة بدل ما كان شغلًا باليد صارت هناك الآلة البخارية وكذا، دفعت إلى السطح طبقة جديدة في المجتمع، وجدت طبقة لم تكن موجودة هي الطبقة البرجوازية، الطبقة البرجوازية بكل طموحاتها وأشواقها وتطلعات أفرادها إلى تأكيد ذواتهم. ما الذي نبههم إلى أنفسهم؟ الصناعة. كان يعمل بالسخرة عند النبلاء والملوك ورجال الكنيسة، وما كان يحق له شيء، الصناعة أعانته.
هذا كلامي لا والله، تاريخ ولا كلام الدكتور، هذا الكلام كله يا إخوة موجود في موسوعة كامبريدج، هذا ملخص له فقط. هذا مدخل للدارسين الأكاديميين في الجامعات المصرية، ولذلك اخترته ضمن سلسلة شروح الكتب الأكاديمية، ولكن تريد أن ترجع إلى الأصول ارجع إلى كلام الباحثين الموسع في موسوعة كامبريدج، وهي عندنا في مصر مثلا مترجمة من خلال المركز القومي للترجمة والنشر، والحمد لله أحصلها كاملة، بقيت لي فيها بعض المجلدات، لكن في الحقيقة هي موسوعة ثمينة جدًا جدًا، وكلما أمعنت فيها وجردت منها ما جردت تبين لي أولًا مكانة الشعر العربي واستقلال الشعر العربي، وتبين لي ثانيًا أن كل محاولات إجراء المذاهب الغربية على العرب هراء وهباء منثور.
ليس خطابًا وعاطفية وكلامًا منبريًا ونحن ولغتنا العظيمة أعظم اللغات لغة القرآن؛ لا حبيبي لا والله العظيم، لا. بالحقيقة، بالحقيقة وبالتاريخ وبدراسة الخصائص، وأنا أصلاً دارس لخصائص لغتي، مشتغل بالعربية بنحوها وصرفها وبيانها، أقول لكم هذا لا يطبق عليه قواعد الغربيين، هذا عالم وهذا عالم. ولذلك هذا الذي عرضته لكم الآن تاريخ، والعرب تاريخ.
امرؤ القيس كان يتكلم عن بيضة الخدر وعن عنيزة وعن سلمى، في حين كان الذي يفتح فمه بمثل هذا في أوروبا ربما يُحرق. كانوا يعدمون من خالف الكنيسة، وكان هناك في أرض العرب تعددية دينية أيضًا. وهذا التاريخ العربي هجري وقبل الهجري بالتاريخ الميلادي، قبل الميلاد وبعد الميلاد، وستعرف بينهما ستة قرون تقريبًا بين الميلادي والهجري. المهم ستة قرون، قايسها بالعقل بالتقريب وستفاجأ كيف كانت أوروبا مقابل الجاهليين العرب، مش الإسلام كمان، مقابل الجاهليين العرب.
فحصلت عندهم الثورة الصناعية التي أشعرت الإنسان بقيمته، دفعت إلى السطح طبقة جديدة في المجتمع هي الطبقة البرجوازية، بكل طموحاتها وأشواقها وكذا والتعبير عن عواطفهم الذاتية. بدأنا نختلف الآن؛ لأن الكلاسيكية -لذا قال الدكتور لابد أن أوضح لك ما هي الكلاسيكية القديمة الجديدة كلاسيكية بوالو كما سميتها- التي تأثرت باتجاه ديكارت العقلي، وعرفتم قصتها بالعقل واللياقة والنموذج الكلي وإلى آخره، وتدخلت في الموضوعات والأسلوب والأخلاقيات وكل شيء، وهي كلاسيكية أرستقراطية قديمة.
ظهرت طبقة لم تناسبها الكلاسيكية التي كانت تناسب عقلية الإذلال والطبقية؛ ظهرت طبقة تريد أن تعبر عن نفسها وتقول للشعر العربي الرومانتيكي: يا أهبل، ده أنا بعبر عن نفسي. من الجاهلية ده طرفة هجا أهله، يعني أنت بتهزر؟ تقول لك بعبر عن نفسي، ده إحنا عبرنا لما اتهرينا عن نفسنا. ظهرت طبقة تعبر عن عواطفها الذاتية، يا أخي حرام عليك، تاريخ متخلف يعيش هذا التخلف. وتأتي عندنا تقول الشعر العربي رومانتيكي! يا رجل، ده إحنا من أيام العصور الوسطى كنا فجر في الشعر، فجر فنيًا وموضوعيًا، لا حدود في الشعر عندنا منذ الجاهلية وفي الإسلام، فقط لو آذيت أحدًا تعاقب، لكن ما علمت أنهم حتى عاقبوا على شعر فاحش أو غزلي أو كذا، ما حصل ما حصل.
وتقول لي الشاعر الرومانتيكي يا عيني! الطبقة البرجوازية في نهايات القرن الثامن عشر أرادت أن تعبر عن نفسها، بدأوا يعبرون عن أنفسهم. لا تنظر إلى أوروبا الآن برد الفعل الصناعي الذي تعيشه وقد تخلصت من الدين، وبما نحن فيه من تخلف وتشرذم، قواعد الحضارة عندنا قواعد النمو، أما هم رد فعل لا توازي قطعة من الزمن، تمثل رد فعل على عصور وسطى وعلى عهد كلاسيكي ليس أكثر. وتقول لي هم متقدمون عنا وتفتن وتلحد؟ يهبل، تلحد عشان دول يهبل معفنين ريحتهم وحشة أصلاً! عجيب، عندنا أسس حضارية، نعم طبعًا، وليس فقط من الإسلام، من العرب، من أول العرب.
والتعبير عن عواطفهم الذاتية؛ يقول لك من الظواهر التي رافقت ظهور هذه الطبقة إحساس الفرد بذاته، يا عيني بدا الفرد يحس بذاته، مدد يا امرؤ القيس، مدد يا طرفة، مدد يا كل حد. إحساس الفرد بذاته وتمردُه على أعراف المجتمع الإقطاعي ونظمه الجائرة التي أدت إلى انطماس ذات الفرد في ظل الاهتمام بالجماعة والنوع الإنساني. أدى أول شيء ثورة صناعية كبرى حصلت في أوروبا أشعرت الطبقة العاملة بأهميتها، وهي نعبر عن أنفسنا بعد الضغط والكبت والاستذلال والاستعباد في كل العصور السابقة، وهم لم يشموا أنفسهم أصلاً، لا في العصر الوسيط، ولا في العصر النهضوي، ولا في العصر الكلاسيكي.
مرتبط بأصحاب الطموحات والنبلاء أيضًا، وهذا الفرق بين النهضوي والرومانتيكي؛ لماذا يقولون الرومانتيكي حزين وحالم وكذا؟ لأنه خارج من طبقة عمال، أصلًا خارج من طبقة برجوازية مطحونة. أما النهضوي ففيه ثورة، لأنه مرتبط بأناس متحضرين، أما هذا فطبقة حزينة لكن اتجاه واحد، اتجاه الفرد.
النهضوي أناس من العصور الوسطى تمردوا بذواتهم على التقييدات الكنسية فقط، لكنهم أيضًا طبقة عالية من الشعراء والناس والنبلاء، ولذلك أيضًا عندهم النبل والسمو، وعندهم كلام في هذا صريح. أما الرومانتيكية فيصورون لك ماذا؟ الفقير. حتى شوف أفلامنا، الأفلام التي يأتون فيها بابن البواب الذي أحب، أو ابن الغفير، أو ابن الجنيني الذي أحب ابنة الملك ويعيش في سعادة. والله ما هيعيشوا في سعادة، انتهبل عمره، لكن هذا فكر رومانتيكي حالم. والله ما هيشوف سعادة، مين يا أبو سعادة؟ خد واحدة من توبة، أو ابن الماش، ابن الباشا اللي أحب الفتاة الفقيرة بنت مش عارف مين، مش هتعجبك في حياتها الشخصية، لن تعجبك أصلًا، ما أنت مش متعود، هتقارنها بأختك، هتلاقي أختك أحسن في نظرك.
فهذه الإذابة الطبقية من أثر الثورة الرومانتيكية؛ الحب ما بيعرفش كبير وصغير، الحب مش بيعرف كريم وغني، الحب مش بيعرف ابن باشا وبنت بواب. بيعرف يا أخويا، ده بيعرف ونص وثلاثة أرباع، أنت أهبل يا ابني أنت عبيط، ده بيعرف وبيعرف وبيعرف. هذا من آثار الثورة الرومانتيكية الأوروبية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، التي أحدثت فكرًا عند الناس حالمًا ضاربًا في الخيال. ولذلك الرومانتيكي خيالي إلى حد بعيد، ولهذا انقلبت عليه الواقعية وأشياء هكذا، انقلبت على الرومانتيكي أشياء جزئية هكذا كالواقعية.
وبهذا كما قلت اختلفوا عن عصر النهضة الذي أيضًا كان ثورة نبلاء أيضًا. هذا الفرق بين الرومانتيكي الأول، رومانتيكي النهضة الذي هو بين الكلاسيكي والرومانتيكي، الذي هو بين الكلاسيكي الذي جاء قبل الرومانتيكية الثانية وبين الرومانتيكية الثانية.
ثم العامل الثاني، إذا الأول ثورة صناعية كبرى، العامل الثاني قيام الثورة الفرنسية التي قامت في العام 1789، وقيام الثورة الفرنسية وما دعت إليه من مبادئ الحرية والإخاء والمساواة إلى آخره. ولم تكن حركة الإبداع بمعزل عن الساحة، بل على العكس كانت في القلب منها، وهي التي أرهصت بالثورة السياسية. يعني الاتجاه الرومانتيكي الجديد الشعري والأدبي هو الذي بعد الثورة الصناعية، هو الذي أرهص بالثورة الفرنسية وشدت من أزرها. وكان المشهد الأخير، إذ بدا التغيير في عالم الإبداع الأدبي تغييرًا ضخمًا تشهده أوروبا لم تشهده أوروبا من قبل.
ثم يقول: والواقع أن تلك النزعة الجديدة في مجال الإبداع الأدبي لم تكن مفاجئة، فقد ظهرت بوادرها خلال النصف الأخير من القرن الثامن عشر، وبدأت تتحرك رويدًا رويدًا. وما كادت حركة التاريخ تنعطف نحو القرن التاسع عشر، حتى تأيدت ببيان يوضح أصولها وفلسفتها الفنية التي تختلف بها اختلافًا كبيرًا عن الكلاسيكية الجديدة التي كانت تلملم أوراقها في ذلك الحين، كانت تندثر خلاص.
ونأتي إلى مصطلح الرومانتيكية، لم يستقر في هذا الوقت. كان هناك يا إخوة مؤثرون ألمان وإنجليز، احفظوا هذه الأسماء، هذه الأسماء مهمة يا إخوة. تستطيع أن تقول إن فرنسا هذه المرة هي التي أخذت من غيرها كالألمان عن طريق مدام ديستال. احفظوا هذه الأسماء، هناك رجلان في ألمانيا، أجملهما الآن هما الإخوان شليجل؛ أوجست شليجل وفريدريك شليجل. يقال الإخوان شليجل، فريدريك شليجل توفي عام 1829، وأوجست شليجل توفي عام 1845، يعني توفي منتصف القرن التاسع عشر الذي هو قرن الرومانتيكية.
تعال خذ معلومة على الجنب، لنعرف الرجلين الآخرين أولًا لتفهم. الرجلان الآخران إنجليزيان صديقان، هذان الإخوان المانيان، هذان ذكر ربما لا، يذكر فيما مر، كولردج ووردزوورث. هذان كانا موجودين في نفس الوقت في إنجلترا أو في بريطانيا. في الصفحة التالية، أحسنت أنت معك الكتاب ما شاء الله، كولردج توفي في العام 1834، يعني كان معاصرًا للأخوان شليجل. صديقه وردزوورث توفي عام 1850، ولد عام 1770، وكولردج ولد عام 1772، كولردج أكبر بعامين وتوفي عام 1834، ووردزوورث توفي عام 1850، يعني بعد صاحبه بـ 16 عامًا.
الإخوان شليجل في ألمانيا توفي أحدهما 1829 والآخر 1845. فهذه أربعة رموز متعاصرة، معهم المدام ديستال الفرنسية التي ولدت عام 1766 وتوفيت عام 1817. هي أكبر منهم في السن، أكبر من شليجل الذي ولد عام 1772 بأعوام، وأكبر من أوجست شليجل بثلاثة أعوام. المهم، هؤلاء الخمسة متعاصرون: الإخوان شليجل في ألمانيا، وكولردج ووردزوورث في بريطانيا، ومدام ديستال في فرنسا. هؤلاء تأسست منهم النظرية التعبيرية الرومانتيكية.
مصطلح الرومانتيكية كيف استعمل وكيف استقر؟ يقول: تلك الحركة هي ما شاعت تسميتها لدى النقاد ومؤرخي الآداب الأوروبية باسم الرومانتيك، وهو مصطلح لم يكتسب مشروعية الاعتراف به في ذلك الوقت، وإنما تأخر هذا الاعتراف سنوات طويلة، يعني لم يقل رومانتيكية بل كان عليه جدل. ولكن كانت بوادر هذا الاصطلاح في ألمانيا، وكان استخدامه بمعنى يقابل معنى الكلاسيكية الجديدة، واستخدام الرومانتيكية بما يقابل الكلاسيكية الجديدة على أيدي الناقدين الألمانيين الشقيقين فريدريك شليجل وأوجست شليجل، بفضل ما أصدرتا من كتابات نقدية في الفترة ما بين عامي 1798 و1800، وبتاثيرهما انتشر المصطلح بمفهومه ذاك في سائر الأقطار الأوروبية. إذاً من الذي استعمل كلمة رومانتيكي؟ الإخوان شليجل في ألمانيا.
وكانت مدام ديستال ذات دور حاسم في هذا الشأن، إذ كانت أكبر داعية للحركة في فرنسا بتأثير الزيارتين، حيث سافرت إلى ألمانيا وجلست مع الأخوين شليجل.
اللتين قامت بهما لألمانيا للتعرف على الأخوين شليجل، وهي طبعًا من جيلهما، فالفروق سنوات قليلة. وأثمرت الزيارتان أهم كتاب من كتابيها الذي خلفتهما، وهو كتاب «في ألمانيا» الذي أعدته للطباعة في باريس عام 1810. إلا أن الحكومة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت قامت بمصادرته، فلم يرَ النور هناك في ذلك الوقت، ثم ما لبث أن تُرجم إلى الإنجليزية وظهر في لندن عام 1813، وفي العام التالي عام 1814 أعيدت طباعته في باريس.
وترجع أهمية الكتاب إلى أن مدام ديستال رددت فيه أفكارًا أخذتها من فريدريك شليجل، وهي أفكار تؤكد اختلاف معنى الرومانتيكية عن الكلاسيكية الجديدة ووضع كل منهما في مقابل الأخرى؛ فهناك شعر رومانسي وهناك شعر كلاسيكي، وهناك الدراما الحديثة، والدراما الشخصية في مقابل دراما الحدث عند الإغريق. وهكذا كانت مدام ديستال أول من سماها الرومانتيكية. هو استعمل أفكارًا كذا، لكن من سماها الرومانتيكية واستقر المصطلح كان مدام ديستال الفرنسية بعد أن استعمل المفردة الأخوان شليجل، وكان لذلك أثره في تبني النقاد الإنجليز لمصطلح رومانتي، بمعنى دال على نزاعات أدبية قائمة بالفعل ومعترف بها.
تذكرون كانوا في الكلاسيكية الجديدة يمنعون المعاني الذاتية والأهواء والانفعالات الذاتية، هنا اعترفوا بالانفعالات الذاتية شعرا. كان أوجست شليجل أيضًا له كتاب، وإلى جانب هذا الكتاب وكتاب مدام ديستال، كان هناك كتاب آخر لا يقل عنه أثرًا في شيوع مصطلح الرومانتيكية وما اشتق منها بالمعنى السابق في إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وهو كتاب أوجست شليجل الألماني عن الفن الدرامي والأدب، وقد كان في الأصل محاضرات ألقاها في فيينا ما بين عامي 1808 و1809، ثم نُشرت بعد ذلك بقليل وتُرجمت إلى الفرنسية عام 1814، وإلى الإنجليزية 1815، وإلى الإيطالية عام 1817.
ويحكي الدكتور بعد ذلك عن أن مصطلح الرومانتيكية اتسع شديدًا وصار فضفاضًا، وأنه وصل إلى معنى صار بعض شعراء الرومانتيكيين يهربون من هذا الوصف والاسم حتى لا يسبب لهم متاعب سياسية. يذكر في هذا الشأن أن الكلمة ارتبطت في بعض دلالاتها بالكفاح من أجل التحرر السياسي والاجتماعي ومقاومة أنظمة الحكم المستبدة، ولهذا لم يشأ كثير من الشعراء الذين يكتبون وفقًا لتقاليدها أن يعترفوا بأنهم رومانتيون لما يجلب عليهم ذلك من متاعب.
وأوضح ما يكون ذلك في الشعراء الإنجليز. أنا قلت لماذا يا إخوة عندما ذكرت وردزورث وكولريدج، كل هؤلاء سواء فريدريك شليجل الذي توفي عام 1829، أو أوجست شليجل عام 1845، أو كولريدج الذي توفي عام 1834، أو وردزورث عام 1850؛ كلهم توفوا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، الذين أسسوا هؤلاء، ومدام ديستال التي توفيت عام 1817. هذه التواريخ عندكم في الكتاب يا إخوان، لا بأس أن تراجعونها؛ هؤلاء الخمسة المؤسسون للرومانتيكية في أوروبا كلهم في النصف الأول، ولدوا في النصف الأخير من القرن الثامن عشر وماتوا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ونضجت الرومانتيكية في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
تعرفون متى ظهرت الرومانتيكية عند العرب؟ لما قلدناهم، التي تأثر بها العقاد، تعرفون متى؟ في عشرينيات القرن العشرين، في النصف الأول من القرن العشرين. تتخيلون؟ كثير، ما يقرب من قرن لأننا اتبعناهم. في هذا الوقت، كما ستدرسون في هذا الكتاب نفسه بالتواريخ، لما بدأت تظهر الرومانتيكية في مصر وفي الشام مع العقاد وعبد الرحمن شكري وإبراهيم المازني، وظهرت في الشام مع خليل جبران ومدرسة شعراء المهجر والرابطة القلمية، كانت أوروبا قد دخلت في الحداثة والنقد الجديد.
في العشرينيات، في الوقت الذي كان العقاد يرسخ للرومانتيكية، كان تي إس إليوت، أو توماس ترنس إليوت، كتب قصيدته «أرض الخراب» التي يعدونها إلى الآن أعظم قصيدة حديثة غربية. بالمناسبة هي لا تفارق مكتبي وقلمي فيها دائمًا، وأقول لكم سرًا، ربما قلتها من قبل، كنت أحفظها وأراجعها. في الوقت الذي بدأوا فيه يؤسسون مدرسة الديوان وتقود للشعر الرومانتيكي، هؤلاء الشباب المصريون منهم العقاد، كانوا في مصر وفي الشام وفي الرابطة القلمية وفي شعراء المهجر الأمريكي، بينما كانت أوروبا تتمتع بقصيدة «أرض الخراب» الرمزية الجديدة الحداثية.
أصلًا الرمزية بدأت على يد تشارلز بودلير الذي ولد عام 1821 وتوفي عام 1867، الشاعر الرجيم الملقب بتشارلز بودلير، أبو الرمزية الذي أخذها عنه رامبو ومالارميه وفيرلين. ولد عام 1821 وتوفي في الأربعينيات من عمره، هذا هو أبو الرمزية الذي حولها من الرمزية الصوفية الرومانتيكية في عهدها الأول وتأثرت شديدًا بإدغار آلان بو، ليؤسس رمزية جديدة تفرع منها الرمزية التي جاءت عند مالارميه وفيرلين، والرمزية المتطرفة التي صارت السريالية عند رامبو بعد ذلك.
والرومانتيكية التي هي في النصف الأول من حياة تشارلز بودلير وعند إدغار آلان بو كانت تبدأ تنتعش في عشرينيات القرن العشرين، في حين أن الرمزية انتهت إلى الأمريكي تي إس إليوت وصديقه عزرا باوند في نفس الوقت؛ وكان عزرا باوند شاعرًا كبيرًا وكان إليوت معجبًا بشعره جدًا. انتقلت الرمزية متأخرة جدًا، فالمصنفات الغربية التي تتكلم عن الرمزية ووصولها إلى أمريكا تقول إنها وصلت متأخرة ونضجت متأخرة في أمريكا عند تي إس إليوت وعزرا باوند، الذي كتب إليوت «أرض الخراب» في عام 1922، في الوقت الذي كان العقاد وإخوانه ينشرون الرومانتيكية التي شغلت النصف الأول بشدة من القرن التاسع عشر.
جاءت عندنا في النصف الأول من القرن التاسع عشر وما زالت مستمرة إلى الآن، مسيطرة على الفكر، وأنا ممن تأثر بها في بدايته بالمناسبة، وتأثرت بها في كتاب شرح القصيدة، وللأمانة العلمية أيضًا ثم تركتها وتطهرت من كل ذرة فيها والحمد لله.
فهذا فقط استعراض تاريخي وإظهار للوكسة عندنا وكستنا. يقول: وأوضح ما يكون ذلك في الشعراء الإنجليز، لم يعترف أحد منهم بأنه رومانتيكي، أو لم يعترف بأن ما يدور من مناقشات في أوروبا حول هذا المصطلح يتصل به أيضًا بما يكتبه من شعر. وردز وورث كان شديد التعاطف مع الثورة الفرنسية ويحلم بقيام مثلها في وطنه، وكوليدج كان ناشطًا سياسيًا تجلى في مقالاته التي كان يكتبها.
وبالمثل شيلي من أشعار رومانتيكية طبعًا في الاتجاه نفسه، وبايرون اشترك في حرب سياسية خارج بلاده ومات فيها. يقول: لذا ليس غريبًا ألا يفيد كوليدج وهازلت مما كتبه أوجست شليجل عن هذا المصطلح، على الرغم من إفادتهما. نعم، كوليدج وهازلت استفادوا من شليجل لكن لم يستعملوا مصطلح الرومانتيكية؛ لأن الوضع عند الإنجليز كان يختلف، فكانوا يخافون من مصطلح الرومانتيكية لأن كان له أبعاد سياسية أخرى، لأن كانت هناك ثورة قائمة في فرنسا، فكان يخاف من مصطلح الرومانتيكية واستفاد الفكر دون المصطلح.
إذن كوليدج أفاد كما يقول من محاضرات أوجست شليجل السابقة، واستخدامهما لها، وإن يرفض بايرون رفضا قاطعًا أن يعد الشعر رومانتيكيًا، ولم يكن على وعي بأنه ينتمي إلى تقاليد هذه المدرسة. ومن الطريف أن أحد عيون البوليس النمساوي الذي كان يراقب نشاط بايرون السياسي وتحركاته في إيطاليا، فطن إلى انتمائه هذا وسجل في تقرير أمني عنه فقال: «إنه يكتب وما زال يكتب شعرا من شعر هذه المدرسة الجديدة الرومانتيكية». هذا خطر، أنه يكتب وما زال يكتب شعرا من شعر هذه المدرسة الرومانتيكية، هذه المدرسة الجديدة.
تقول: ومهما يكن من أمر بشأن الاختلاف الكبير في معنى الرومانتيكية، فإن الذي استقر عليه النقاد ومؤرخو الأدب أن هذا المصطلح يعني في مجال الإبداع الأدبي نزعات كثيرة نحو التغيير ظهرت بين أوائل القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وهي نزعات تتنوع تنوعًا كبيرًا في المكان والزمان والشعراء والكتاب، تمتد من البحث عن اتجاهات جديدة داخل إطار التقاليد القديمة إلى رفض هذه التقاليد والثورة عليها. وتعني في مجال التنظير النقدي نظرية للأدب تستوعب هذه التغيرات وتعبر عن فلسفتها وقيمها الفنية.
اسمعوا الآن هذا الذي يأتي ونختم بالتعليق عليه، وأساس النظرية التي ترتكز عليها: اعتبار العمل الأدبي من نتاج الفرد وعبقريته، لا أنه أفكار الكاتب وآراؤه تصب في قوالب معروفة. سأقرأ العبارة مرة أخرى وأجيبوني على السؤال: هل نحن النقاد العرب نختلف على ذلك؟ هل نختلف في أن العمل الأدبي من نتاج الفرد وعبقريته، لا أنه أفكار الكاتب وآراؤه تصب في قوالب جاهزة؟ هل نختلف في هذا؟ هل عندنا قوالب؟ هل عندنا أفكار ثابتة؟ هل عندنا أفكار نأتي بها من غيرنا؟ لا بد إذاً أقول هذا بحد ذاته صحيح وليس عليه غبار، الله أكبر.
نرجع إذاً، هذا المبدأ بحد ذاته صحيح ليس عليه غبار في الظاهر المجمل، فلا قوالب جاهزة تصنع البلاغة كما قال، والشعر عبقرية فردية. ولكن ما موضوع العبقرية الفردية؟ هنا ننتبه إلى شيء يستعمل معك أحيانًا؛ أحيانًا لا تختلف مع المجمل، ولكن كما نقول الشيطان يقبع في التفاصيل. في كل شيء هو يقول لك كلامًا مجملاً جميلاً، لكن قل له اشرح لي ما هو تفصيل هذا، الشيطان يقبع في التفاصيل. لا نختلف، ولذلك لن ينتهي المقطع إلا وقد اختلفنا.
أساس تلك النظرية التي ترتكز عليه هو اعتبار العمل الأدبي من نتاج الفرد وعبقريته، لا أنه أفكار الكاتب وآراؤه تصب في قوالب معروفة، واستتبع ذلك تغيرًا في مهمة النقد عما كانت عليه في الكلاسيكية الجديدة؛ يعني كانوا ينقدون أخلاقه وموضوعاته ولياقته والنموذج الشامل، لن ننتقد هذا، جميل. فأضحت مهمة الشاعر الناقد تفسير ذلك الإنتاج تفسيرًا علميًا على أنه تجربة حية للفرد في بيئته الخاصة.
سنعمل دائرة بالقلم حول لفظتين حتى تعرف كيف يدخل عليك الفكر بتفاصيله؛ المشكلة ليست في العبارة المجملة الجميلة، بل تبدأ عند التفصيل، الشيطان يقبع في التفاصيل: "تفسيرًا علميًا" و"تجربة حية". ما هي هذه المشكلة؟ ما أنت ممكن تقول يا أبا قيس تجربة حية، يعني الشاعر تهتز نفسه بالمعنى، لو كان على ذلك وافقنا، إنما أنت عندك نصف الرومانتيكية؛ يقول الشاعر من حقيقة أحداثه وبيئته وليس فقط من صدره وخياله.
والتفسير العلمي، أنت خدعت بكلمة "تفسير علمي"، ما المشكلة يا أبا قيس؟ ستعرف من هذا الكتاب ما معنى التفسير العلمي. التفسير العلمي ليس أنه نسب إلى العلم بالمعنى العام، التفسير العلمي هو التفسير الذي أتوا به من أوروبا في تحليل الشعر تحليلاً اجتماعيًا وتاريخيًا، ولذلك سيختلفون فيه على مذهبين: مذهب ربط الشاعر أو شعر الشاعر بسيرته الذاتية الشخصية مباشرة، ومذهب ربط الشاعر بالسيرة الاجتماعية أو الحالة الاجتماعية لهذه الطبقة.
وهذا تفسير علمي نشأ مع النهضة العلمانية في بريطانيا أو في أوروبا مع الثورة التي تحدثنا عنها، الصناعية، أن كل شيء يفسر علميًا. ومن هنا يقولون الشاعر إما مرتبط بسيرته الذاتية، هذا مذهب له أصحابه سنذكرهم في هذا الشرح، وإما مرتبط بالحالة البيئية المجتمعية أيضًا، وهذا مذهب له أصحابه وأيضًا سنذكرهم هنا. هذا المذهب هو المذهب العلمي، هو الذي تعلمه طه حسين من أستاذه الإيطالي نالينو، وجاء تكلم عنه في مصر وتفرع منه النقاد الرومانتيكيون، ومنهم العقاد الذي سلك مسلك تفسير.
الشعر بالسيرة الذاتية، وهذا مذهب صاحبه أقدم من طه حسين أصلاً، أصحابه فرنسيون، أقدم من طه حسين وغيره من العرب، خلاص أخذه طه حسين بوسائط.
ومن الذي شرح ذلك تفصيلاً، وبين خط سيره الزماني، الدكتور إبراهيم عبد الرحمن في كتاب -سأعرضه لكم لما نأتي عند هذا الموضع- الدكتور المصري إبراهيم عبد الرحمن في كتاب -سأعرضه لكم وأقرأ لكم بعض كلامه لما أتناول الحقيقة أو ما حصل في المشهد العربي- لما آتي عند هذا المذهب وأقول كيف تمثل عندنا في مصر؟ كيف دخل مصر أولاً وكيف تمثل فيها؟ لأن مصر رائدة في دخول هذه المذاهب؛ مصر والشام، مصر والشام رائدتان في دخول هذه المذاهب والانتشار منها.
ولهذا أنا مثلاً لما قلت في مرة إن شعر فهد العسكر الكويتي وعبد الله شحاتة السعودي، إن شعرهما ضعيف وأنهما شاعران ضعيفان، البعض زعل مني، قال لا، لأن عبد الله شحاتة في السعودية اسم كبير، وفهد العسكر في الكويت ما فيش غيره أصلاً -إلا طبعاً شعراء الشيعة، الآن هذا شيء آخر- لكن التراث الكويتي ما فيهوش غير فهد العسكر.
فلما أقول شاعر ضعيف رومانسي، وعبد الله شحاتة شاعر ضعيف رومانسي، أصلاً هما فرع الفرع عن المدرسة المصرية الرومانتيكية، التي هي فرع عن مدرسة أو عن طه حسين بأستاذه الإيطالي، الذي هو فرع عن المدرسة التي ستدرسونها هنا. فهمتم لماذا قلت هؤلاء ضعاف؟ ستعرفون ما معنى ضعاف لما نتناول المذهب الرومانتي ونفصل إن شاء الله.
قال: «فأضحت مهمته تفسير ذلك الإنتاج». تذكروا: تفسيراً علمياً، علمياً، علمياً، علمياً. خطيرة، لها معنى خاص هنا سيأتي في الكتاب ليس من عندي، على أنه تجربة حية للفرد في بيئته الخاصة، بعد أن كانت وظيفته في الكلاسيكية الجديدة بيان مدى اتباع الكاتب للقواعد المفروضة عليه وقياس براعته بمقدار خضوعه لها.
وضحت؟ وإلى لقاء آخر إن شاء الله. أنا ربما أجعل هذا المجلس يومين في الأسبوع، صح يا خالد؟ أظن الأمر مناسب، أجعل هذا الكتاب يومين في الأسبوع إن شاء الله، الاثنين والخميس، إن شاء الله يكون في الاثنين والخميس. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد