دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى استقرار البث وسلامته صوتاً وصورة من بعد إذنكم، حتى أطمئن إلى ذلك من جهتي.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً. طمئنوني إلى سلامة البث أيها الإخوة. يبدو عندي جيداً والحمد لله.

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا أيها الإخوة هو لقاؤنا الخامس. كل من ألقى السلام؛ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً خالد الشيباني، أهلاً وسهلاً شاهر، أهلاً بالجميع، أهلاً بأيمن. مرحباً بالجميع، كل من ألقى السلام؛ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا؛ حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً.

هذا أيها الإخوة هو مجلسنا الخامس من مجالسنا الأكاديمية في شرح كتاب «نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة» للدكتور شفيع السيد رحمه الله، وكتب الله له الأجر ونفع بعلمه.

طبعاً تعلمون أننا وقفنا عند الكلاسيكية وما زلنا فيها، وتحدثنا فيها عن مبدأ الكلي أو النموذج الشامل الذي تفرع عنه، أو أدى إلى مبدأ آخر من مبادئ هذه النظرية وهو مبدأ اللياقة. وهذا يأتي تحت تفسير الطبيعة، محاكاة الطبيعة، وإنهم فسروا الطبيعة بالواقعية. وتناولوا تحت مبدأ الواقعية بعض الأفكار، ونقلوا قضية الوحدات الثلاث؛ وحدة الحدث والفعل، أو وحدة الحدث، والزمان والمكان.

وكيف جاءت الكلاسيكية الجديدة في القرن السابع عشر، أو نتكلم عن نشأتها في القرن السابع عشر أو عن نضجها في القرن السابع عشر؛ كيف جاءت وطورت مبدأ الاحتمال وكذا، وتحدثوا عن مبدأ الواقعية والألفة، وجاؤوا في هذا بمبدأ الكلي أو النموذج الشامل كاملاً كما عرفتم، والذي تطور أو تطرف حتى كان -كما قال الدكتور نفسه- استبعاد كل ما هو من قبيل الصفات المحلية، وكل ما هو فردي ومادي خالص. حتى قال أخونا الشيباني: ماذا بقي في الشعر؟ وتكلمنا عن أن هذا النموذج الشامل أو العالمي الكلي، الذي هو مبدأ استبعاد كل ما ليس عالمياً إنسانياً مشتركاً، هذا المبدأ تطور أيها الإخوة إلى مبدأ اللياقة، بمعنى الالتزام بأصول الآداب والسلوك وما إلى هذا.

قبل أن أكمل، أردت أن أعقب على المحاضرة الماضية التي هي الرابعة. سألتني أخت كريمة دارسة، وهي من أعضاء اتحاد الكتاب، قالت لي: «أنا قرأت للدكتور شوقي ضيف المصري رحمه الله أن الكلاسيكية هي الرجوع إلى القديم». شوف، أنا سعيد بسؤالها هذا، وقلت سأتحدث عنه هنا لأنه يكشف عن فائدة هذه الدراسة وفائدة العلم؛ ليس الذي أنا قلته فقط، لا، بل الموجود هنا.

قالت لي الأخت الكريمة: «ولكن الدكتور شوقي ضيف يحكي عن أن الكلاسيكية هي مبدأ الرجوع إلى ما عليه الأقدمون»، ومن هنا هو جعل الشعر الذي يقال على طريقة القدماء الآن جعله كلاسيكياً، صح؟ فقلت لها ما أقوله لكم هنا حتى تفهموا الفائدة، وحتى تعرفوا فائدة العلم والدراسة، وأن الأمر قبل الدراسة يختلف عن الأمر بعد الدراسة.

هم قالوا الكلاسيكية مبنية على مبدأ الرجوع إلى ماذا؟ مبدأ الرجوع إلى ما عليه أرسطو، الكلاسيكية القديمة، وأن أرسطو هو العقل الأول لهذه القضية. ولكنكم درستم كذلك إلى أن رجوعهم إلى مبدأ أرسطو هو من باب جعل أرسطو رمزاً للفكرة، وليس أنهم يقلدون أرسطو، أو أنهم رجعوا إليه لأنه أرسطو، أو لأن هؤلاء الإغريق أو القدماء خلاص، بل هم رجعوا إلى مبدأ محاكاة الطبيعة.

وأن أسألكم الآن، وأنتم حضرتم بعد شرح مبدأ محاكاة الطبيعة الذي رجعوا إليه عن طريق أرسطو: هل هذا المبدأ يبدأ بموافقة الشعر العربي فيما درستموه؟ يعني المحاكاة الفنية للواقعية والطبيعة الإنسانية بما درستموه تحت فكرة الواقعية من مبدأ الكلي الشامل ومبدأ اللياقة وما سيأتي اليوم، والتدخل في الموضوع ومبدأ اللياقة والتدخل في الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية من حيث موضوع المادة الأدبية، هل هذا يوافق ما عليه الأدب العربي؟ لا طبعاً، بل يناقض. أحسنت، يناقض ما عليه الأدب العربي.

فلذلك، مع تقديري للأستاذ الدكتور شوقي ضيف رحمه الله، وأنا أعتقد أنه مؤرخ وليس ناقداً -دكتور شوقي ضيف أعتقد أنه مؤرخ وليس ناقداً مع تقديري له ولجهوده- أقول: لا يمكن أن تقيس مذهباً على مذهب لمجرد الاشتراك في أن هذا رجع.

إذا المسلمون الآن الذين يأخذون مثلاً بفقه الأولين، بفقه الصحابة أو فقه أهل البيت أو فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ هل هم كلاسيكيون؟ كلاسيكيون لماذا؟ لأنهم رجعوا؟ طيب، هل نحن الآن نأخذ بفقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد لأجل أنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؟ الجواب لا. وإنما نأخذ بأقوالهم؛ لأننا وهم على قدم المساواة في الأخذ من التشريع الأول، يعني الأخذ من الكتاب والسنة. نحن وهم على حكم واحد في الأخذ من الأول وعلى منهج واحد، الفرق بيننا وبينهم أنهم سابقون في الدراسة والتحصيل والفهم.

هذا هو الفرق؛ ما الفرق بين متعبد الآن في عصرنا بالكتاب والسنة، وبين أبي حنيفة المتعبد بالكتاب والسنة؟ ما الفرق بين من هو مطلوب منه من أحاد المسلمين أن يأخذ بالكتاب والسنة، وبين أبي حنيفة إمام الفقه في هذه الأمة الذي مطلوب منه أن يأخذ بالكتاب والسنة؟ لا فرق من حيث المنهج، ولا من حيث أصل المنهج، ولا من حيث التعبد، ولا من حيث المصدر الذي يرجع إليه. الفرق في أن الأول مجتهد وهذا عامي، أو هذا فقيه أقل منه أو كذا، وأما أبو حنيفة فمجتهد؛ ولذلك رجعنا إلى أبي حنيفة. فكذلك هم رجعوا، إلى من رجعوا؟ إلى أرسطو. فهل نحن كلاسيكيون لأجل فكرة الرجوع؟ الجواب لا.

فكيف نقول إن مجرد فكرة الرجوع تجعله كلاسيكياً؟ أولاً، هم لم يرجعوا إلى أرسطو، هم رجعوا إلى المذهب الذي آمنوا به. ثانياً، الذي رجعوا إليه -حتى لو قلنا رجعوا إلى أرسطو- هو مبدأ محاكاة الطبيعة الذي ما زلنا فيه نحن الآن، مذهب محاكاة الطبيعة. محاكاة الطبيعة الذي هو المحاكاة الفنية للطبيعة الإنسانية، للواقع والطبيعة الإنسانية كما عرفتموها عند التفصيل وعند الإجمال، لا علاقة لها بقضيتنا. تدخلوا في الموضوع ورأينا كيف أن الطبيعة فسرت بالواقعية في الشروح الرئيسة.

رضي الله عنكم وعنا. أقول: رجعوا، كلمة الطبيعة فسروها وشرحوها بالواقعية، وتحت الواقعية تناولوا مبدأ الوحدات الثلاث التي قال فيها أرسطو بمبدأ وحدة الفعل أو الحدث، ثم فرعوا عنها وحدة الزمان والمكان.

الاحتمال والواقعية، وانطلقوا من ذلك إلى مبدأ الكلي الشمولي، وهو أن يكون الشعر مما يشمل القضايا الإنسانية المشتركة؛ حتى يستبعد كل ما هو من قبيل الصفات المحلية، وكل ما هو فردي ومادي خالص. وانطلقوا من ذلك إلى مبدأ اللياقة، الذي هو بمعنى الالتزام بأصول الآداب والسلوك الحسن، وهذا كله تحت مبدأ محاكاة الطبيعة.

فهل هذا يخصنا؟ هل هذا يتعلق بنا في الأدب؟ لا، فكيف نكون كلاسيكيين؟ هذه الكلاسيكية كما قلت، لو كانت الكلاسيكية مجرد الرجوع، فنحن كلاسيكيون لأننا نرجع إلى أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد. نحن أيضًا هكذا؛ أي كلاسيكية؟ أي أحد رجع كلاسيكي، إذا رجعت إلى تفسير القرآن عند الطبري والزمخشري فأنت كلاسيكي أيضًا، لأنك رجعت إلى منهج، ولو راجعت في تحليل النص أدبيًا إلى عبد القاهر فأنت كلاسيكي.

والحقيقة أن كل من كتب في هذه الحقبة كلاسيكي؛ لأن كل من رجع اتهم أنه كلاسيكي، لأنه كان هناك فكرة التمرد على الموجود. هذه عاشها شوقي ضيف، وهو ممن تمرض، وهو إجمالًا منسوب إلى المدرسة الرومانتيكية. لمن لا يعرف، الدكتور شوقي ضيف هو بالأساس قارئ واسع، يؤرخ بدقة حتى لا أتجاوز حدودي، ومنسوب في الجملة إلى المدرسة العلمية التي هي جزء من المدرسة الرومانتيكية الواسعة.

فهو من ضمن الذين عندهم شيء من التمرد، لكن أظهره رزانة؛ إذ قضية أنه يميل إلى التاريخ كثيرًا ويصنف كثيرًا. لكن أنا قرأت الدكتور شوقي ضيف جيدًا، وقرأت موسوعته التاريخية، والرجل يؤرخ أحداثًا وهذه قيمة مصنفاته عندي وعند من يفهم في الحقيقة، أما النقد عنده والنظر في بناء القصيدة وفي التفسير والمذاهب النقدية، فهذا ينبغي ألا يلتفت إلى ما يقول فيه. رحمه الله، صاحب فضل وكتبه مفيدة في هذا الجانب.

نرجع، وقفنا في الصفحة التي يتحدث فيها عن مذهب اللياقة أو مبدأ اللياقة عندهم، يقول: «وكان مطلب النموذج الشامل أو العالمي الكلي على هذا النحو»، أساسًا لمبدأ آخر من مبادئ النظرية الكلاسيكية الجديدة هو مبدأ اللياقة، بمعنى الالتزام بأصول الآداب والسلوك الحسن، ومقتضى ذلك الامتناع عن تصوير الفضيع والقبيح والوضيع والدنيء في الشعر.

ونحن أين نحن من كل هذا؟ لا علاقة لنا، المتنبي خربها، وأبو نواس خربها، والحسين بن الضحاك الخليع، ومهيار خربها، كلهم خربوها. نحن عندنا فاتك يا محمود، وأخونا محمد الفلسطيني، هؤلاء خربوها؛ ففي الشعر صوروا الحسن والقبيح، حتى زهير خربها، والنابغة الذبياني في مقاطع له خربها.

وفي هذا الإطار يقول أحد دعاة النظرية من الفرنسيين: «إن على الشاعر أن يتجنب وصف خساسة الشح، وشناعة الانغماس في الملذات». وهذا نحن صورنا البخيل والسكير، وصورنا الخبيث، وأعلى الصفات وأخس الصفات في الشعر عندنا، ولم يمتنع الشعر عندنا عن شيء. هجونا الرجال وهجونا النساء، ومزحنا وعزمنا وفعلنا كل شيء في الشعر، ولم يقل لنا أحد افعل ولا تفعل؛ هذا بينك وبين الله، إلا إذا تعرضت لأعراض أحد، وهذه بالمناسبة قضية مهمة جدًا بينتها في كتاب «مدرسة الغزل».

يتكلم الفقهاء عن قضية الفحش، وأنا أتجاوز إلى الفحش، وتشعر أن كلام الفقهاء النظري شيء والواقع شيء آخر. الواقع أنه لم يعاقب إلا من تناول أحدًا بالأذى، من عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حبس الحطيئة وغيره، عاقب الذين تناولوا الناس بالإيذاء، سواء سمعوا بهم أو شهروا بفتاة أو امرأة، إذا آذوا أحدًا في عرضه؛ هنا يعاقبون. لم أسمع في حد معرفتي واطلاعي عن شاعر عوقب بالإفحاش، الشيء الوحيد القريب من هذا أنه لما كثرت المناقضات والإفحاش بين الفرزدق وجرير عاقبهما ولي الأمر ضربهما علنًا تعزيرًا، وظل جرير يظل الفرزدق بقوله: «إن جريرًا لابن الأتان»، في شعره. هل سمعت عن أحد في الخلافة في البصرة في العراق عاقب الفرزدق على الفائية؟ لا، ما سمعنا أحدًا عاقب أحدًا على قضية الإفحاش.

حتى نظريًا، الفقهاء يقولون الشعر مباح ما لم يتغزل بمعينة، ونحن الحنفية قلنا المعينة الحية؛ فإذا ماتت زالت العلة، هذا كله بينته في مقدمة «مدرسة الغزل». الحنفية قيدوا بالمعينة الحية لأن الغزل لا شيء فيه، فإذا ماتت زالت العلة لا مجال للتسميع أو إساءة الظن.

والإفحاش قالوا هكذا ونقلت هذه الكلمات، ولكن عمليًا وواقعيًا لم يعاقب أحد على الإفحاش، وإن جهر بشعر الإفحاش، لم يعاقبوا أحدًا أنه ذكر النهود أو الفروج أو ذكر الجماع، إنما عاقبوا من تناول أعراض الناس، إذا انتقل الأذى إلى أحد بعينه عاقبوه وسجنوه. لكن الإسلاميون شعرهم عُج الفحش عندكم، والفرزدق مثال، لم نسمع عن خليفة عاقبه وكانوا في أرض الخلافة في العراق.

فعمليًا، الشعر عندنا لم يمتنع لا فنيًا ولا غير فني إلا منعًا أخلاقيًا، وأما فنيًا فلا. قال الناقد الفرنسي: «إن على الشاعر أن يتجنب وصف خساسة الشح، وشناعة الانغماس في الملذات، ورعب القسوة، ورائحة الفقر»، وهو في هذا ينهل من معين هراس الذي فرض على الشاعر ألا يدعي الأحداث المرعبة في روايته تعرض على خشبة المسرح. ومن مقتضيات اللياقة وآثارها الواجبة أن تحتفظ الشخصية التي تمثل نوعًا أو فئة من الناس بسلوكها الذي ينبغي لها. ووقفنا هنا، يقول هنا...

من هذا المبدأ، مبدأ اللياقة، أدانا الناقد الإنجليزي توماس رايمر شخصية «ياجو» في مسرحية عطيل، حيث اعتبره جنديًا خائنًا ناكرًا للجميل، لأن ذلك يتنافى مع ما يليق بالجنود. فالشأن فيهم أن يكونوا نماذج في الأمانة واستقامة الخلق. يقول إن المؤلف أراد أن يطلب الجمهور شيئًا جديدًا ومدهشًا ينافي الذوق العام والطبيعة، فقدم لنا مخاتلًا بدلًا من جندي أمين سليم الطوية.

نحن ننتقد الكلاسيكية التي تنقض الشعر بهذه الطريقة. ياتي بعضهم يقول: بيت أبي فراس الحمداني: «مُعَلِّلَتِي بِالْوَصْلِ وَالْمَوْتُ دُونَهُ *** إِذَا مُتُّ ضَمَّانًا فَلَا نَزَلَ الْقَطْرُ» هو أجود منه بيت فلان، فتنظر للبيت الآخر بجوار هذا البيت تعجب. والبيت الآخر لأبي العلاء المعري يقول: «فَلَا هَطَلَتْ عَلَيَّ وَلَا عَلَى أَرْضِي *** سَحَائِبُ لَيْسَ تَنْتَظِمُ الْبِلَادَ»

تخيل يا مؤمن أن البعض فضل هذا البيت على قول أبي فراس الحمداني! لقد جعلوا بيت أبي العلاء أفضل من بيت أبي فراس. قالوا الأثر عند أبي فراس، والإيثار عند أبي العلاء. هذا مذهب كلاسيكي، ونحن ضد الكلاسيكية في عظمها. ومن يقول هذا يعد نفسه ناقدًا، نعم للاسف، لكن أساتذة نحو وكذا يتكلمون، وأقول لك هذا نقد فني، نعم هذا البيت أفضل من هذا، وهذا نقد فني صحيح.

هو بالضبط كلام الناقد الإنجليزي الكلاسيكي توماس رايمر الذي ولد عام 1641 وتوفي عام 1713. خذوا عندكم التطور؛ نحن قلنا فسروا مبدأ الطبيعة بالواقعية وتحدثوا تحتها، وفسروا تحت الواقعية بفكرة المبدأ الكلي الإنساني الشامل، وكان ذلك أساسًا لمبدأ اللياقة أيضًا تحت هذا المبدأ الكلي الشامل. تحول إلى شيء آخر، تعرفون ما هو؟ تحول إلى ما يعرف بالمثالية.

نحن ما زلنا نفسر في قاعدة الكلاسيكية عمومًا، وهي محاكاة الطبيعة. تحت مبدأ الطبيعة تحدثوا عن مبدأ الكلي الشامل، النموذج الكلي الذي استبعدوا فيه كل ما هو من قبيل الصفات المحلية ليكون إنسانيًا مشتركًا، الوحدة الإنسانية. وتحته فرعوا منه مبدأ اللياقة الأدبية الذي عرفتموه الآن؛ لا يؤتى بما إلا بما حسن في السلوك، فلا ينفع أن تأتي بجندي خائن، فهذه مسؤولية اجتماعية.

وأيضًا تحت مبدأ الكلي الشامل الذي فسروا به الواقعية والطبيعية في محاكاة الطبيعة، خرج مبدأ آخر أو انتقل هذا المبدأ إلى ما يعرف بطلب المثال، أي المثالية. المثالية تقول إن مطلب الكلي، النموذج الشامل، ما لبث أن تحول إلى طلب للمثال؛ فالطبيعة ينبغي أن تكون مثالية. انظر كيف تغرق الكلاسيكية خطوة بعد خطوة في الابتعاد عن العيار في المذهب العربي، الذي هو عيار بياني ينظر إلى مراتب البلاغة دون غيرها. الكلي الشامل الذي هو الإنساني المشترك أخذ يتطور ويبالغ في قضية الإنساني المشترك، ويزيل الشوائب وكل ما لم يبلغ درجة أعلى يتفق عليها، فتطور إلى المثال.

ألم ترَ تماثيل اليونان في الكنائس القديمة؟ هل تظن أن اليونانيين كانوا كلهم كذلك؟ كلهم واقفون والنساء بجمال فائق، والوجه بالجمال والشعر بالشعر. ما نحن نرى الأحفاد بتوعهم عادي، ليسوا هكذا. هذه الصور ناشئة عن هذا المذهب؛ مذهب يقول إن مطلب الكلي الذي هو النموذج الشامل ما لبث أن تحول إلى طلب للمثال، فالطبيعة ينبغي أن تكون مثالية، أو كما ينبغي أن تكون. والفن معرض للطبيعة الجميلة، ولا يتحقق ذلك بمجرد الاختيار منها فحسب، بل بالارتقاء بها وتحسينها.

وهذه الفكرة مستمدة من نظرية الفنون الجميلة؛ يعني لا تظن أنهم فقط صنعوا تمثالًا لامرأة جميلة فأخذوا من كل امرأة أجمل ما فيها، بل من حقه أن يضيف ما يتخيله وليس موجودًا في الواقع أصلاً. يقول: «ولا يتحقق بمجرد الاختيار منها فحسب»، أي ليس بمجرد اختيار هذا أجمل نهد، وهذا أجمل ردف، وهذه أجمل بطن، وهذا أجمل قوام؛ بل يعني الارتقاء بها وتحسينها، بمعنى يمكنك أن تتخيل أقصى ما يمكن تخيله من الجمال حتى لو لم يكن واقعيًا. المهم ألا تصنع تمثالًا للرجل إلا كما تتصور أرقى درجات الجمال، ولا تصنع تمثالًا لامرأة إلا كما تتصور أقصى درجات الجمال.

ولذلك ترون التماثيل القديمة نموذجًا خطيرًا للهدوء الأنثوي، وتقف عليها الوشاح هكذا، والبطن الجميل الناعم، والأرداف المرسومة، والأصابع حتى أصابع القدمين في التمثال فتنة؛ حتى الأصابع مصفوفة هكذا، هي حجارة لكنها ناطقة بالجمال. لهذا كثر عند امرئ القيس تشبيهه النساء بالتماثيل. ماذا يقصد بالتماثيل؟ تماثيل الكنائس القديمة. عندما يقول: «فَشَبَّهْتُهُنَّ فِي الْآلِ إِذْ زَهَا *** بِهِنَّ حَدَائِقٌ قَدُومُ» أو قوله: «كَأَنَّ دُمًى سُقْنَ عَلَى ظَهْرِ مَرْمَرٍ *** كَسَى مُزْنُهُ السَّاجُومَ وَشْياً مُصَوَّرَا» كأن هذه الدمى سُقن على ظهر مرمر.

امرؤ القيس كان ينظر إلى النساء، يجلسن في الهوادج على الرحال المزخرفة المزينة، وتحتهن السراب الذي يكون في وقت الزوال. فلما نظر إليهن وجد جمال الفتيات وهن في هذا الهيكل من البناء الخشبي وحواليه الستور الخفيفة التي تحركها الرياح، وكانت هذه التماثيل توضع في مثل هذه تحت الستائر أو في محاريب، فقالوا: «كأن دم سقف كنيسة في بلاد طيء».

طيء في أصولها نصارى كبني تغلب، فقال: «كأن دم سقف»، قالوا: سقف كنيسة قديمة في بلاد طيء، وربما أظن أنها كانت إغريقية أو غربية قديمة، ولكن ربما تكون كنيسة محدثة، وأيضًا وضعوا فيها هذه التماثيل؛ لأنهم وجدوا الآن في الربع الخالي بالسعودية بعض الآثار القديمة، كآثار كندة الملوك، وفيها آثار رومانية أو إغريقية أيضًا، مما يدل على وجود المراسلات التي كانت بين الملوك والهدايا.

فإما أنها كنيسة قديمة في بلاد طيء في شمال شبه الجزيرة العربية، الآن في شمال السعودية، لأنها أصلاً بين أجا وسلم، الآن في حائل. ذكروا أنها كانت قبل الجاهلية بخمسة قرون، أي نحو خمسمائة عام، وهذا كثير، فكندة قديمة، وأصل كندة وطئ يمنية أيضًا. فربما تكون كنيسة محدثة أو قديمة وجيء فيها بهذه التماثيل، المهم أن امرأ القيس كان يشاهد هذه التماثيل ويشبه النساء بها.

حتى لما قال هذا البيت مثلا: «كأن دم سقف على ظهر مرمر * كسى مزبد السجوم وشيا مصوره»، وقال في موضع آخر: «وبيت عذارى يوم دجن ولجته * يطفن بجماء المرافق مكسالي * سباط البنان والعرانين والقنا * لطاف الخصور في تمام وإكمال * كغزلان رمل في محاريب أقيال».

فهنا من وجوه التفسير أن الغزلان هي الدمى؛ قال: «في محاريب أقيال»، يعني محاريب ملوك، كانت التماثيل توضع داخل المحاريب، وهي تجويف في الحوائط السميكة، فصف هذه التماثيل بالرشاقة وشبهها بالغزلان، وليس كما قال بعض الشراح إنهم كانوا يضعون الغزلان في المحاريب، فهذا كلام ليس عنده هذه المعرفة وهذه الفائدة، وإنما هو توقع من الكلام؛ هو شبه النساء بالتماثيل، وشبه التماثيل بالغزلان برشاقتها.

ومن هنا يكون "رمل" غالبًا، أو قد يكون بمعنى أرض جرداء للرشاقة، أو يكون موضعًا. فمن أين جاء امرؤ القيس بهذا؟ حتى لما يقول: «ويا رب يوم قد لهوت وليلة بأنس * كأنها خط تمثالي»، وهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، أي تمثال منقوش. لقد ذكر التماثيل مرتين في قصيدته اللامية: «كغزلان رمل في محاريب أقياله»، و«كأنها خط تمثالي».

أخذها منه عمر بن أبي ربيعة، وأنا متأكد أن عمر لم يرَ تماثيل، بل ظل في مكة، لكنه كان يحاكي امرأ القيس والنابغة الذين ذكروا تماثيل الدمى. فمن أين جاءت هذه من مذهب الكلاسيكية القديمة؟ أن يكون التمثال على ما ينبغي ونتخيل من الجمال. وهذا من أين جاء؟ لقد تطرفوا في المبدأ الكلي الشامل الجمالي حتى انتقلوا من عموم الواقعية إلى المثالية.

إذن هذا مبدأ المثالية؛ فأنت عندك مبدأ محاكاة الطبيعة التي هي واقعية، وتفرع عنها الكلام في الوحدات الثلاث، وتفرع عنها مبدأ الكلي الشامل الذي يستبعد ما هو محلي ويأخذ النموذج المشترك، وهذا من جهة اعتبر مبدأ اللياقة البدنية، ومن جهة أخرى انتهى إلى المثالية. تطرفوا في المثالية، فالذي يرسم صورة يرسم أجمل شيء، لا تحسب أن هذه صورته الحقيقية، بل هو قريب منها لكن ليس هو بعينه، يصورون أجمل شيء، وفي الشعر ينبغي أن يصور أعلى شيء.

قال: وكان للنزعة المثالية هذه تأثيرها في جزء كبير من النظرية الكلاسيكية الجديدة، ويبدو ذلك جليًا في الملحمة وشعر الرعاة إلى آخره. ثم أقول: كان نقاد الكلاسيكية الجديدة يدافعون عن هذه النزعة؛ لما وصلوا بمحاكاة الطبيعة إلى المثالية، أي أن يحاكوها على شكل مثالي ليس موجودًا في الواقع مع أنها جاءت من الواقعية أصلاً.

انظر إلى التناقض! لما وصلوا إلى هذا دافعوا عنه، وعندما وُجه إليه النقد بأن هذا ليس واقعيًا، كيف أولتموه على مبدأ اللياقة والمسؤولية الاجتماعية؟ ففسروه بطريقتين، الطريقة الأولى كما قالوا لاهوتية دينية: تدعي فساد الطبيعة وانحلالها، ونحن بالفن ننقذ الطبيعة. الطبيعة فاسدة قبيحة في ذاتها، وواجبنا أن نصلح الطبيعة، ووظيفة الفن إصلاح ما فسد من طبيعة الإنسان.

التمثال والرسم والشعر يصلح ما أفسده الزمان وما أفسدته الطبيعة؛ نحن سنصورك في أحلى صورة. هذا هو المبدأ، والمبدأ الثاني هو العكس، قالوا: بل نحن نؤمن بجمال الطبيعة، ونؤمن بطاقة الإنسان وقدرته على مواكبة الطبيعة والزيادة عليها من جنس ما تقدم وتفعل. هذه دفاعات عن مبدأ المثالية الذي انتهت إليه الكلاسيكية.

ثم يتحدث الدكتور عن مبدأ ارتبط بمبدأ المثالية؛ تدرج الطبيعة بمعنى الواقعية والطبيعة الإنسانية، فذهبنا إلى مبدأ الكلي الشامل الذي يستبعد كل ما ليس مشتركًا، فظلوا يستبعدون حتى تطرفوا إلى مبدأ المثالي. هذا المبدأ المثالي خرج منه أو تفرع عنه ولزم عنه ما سمي بمبدأ العدالة الإلهية.

ومن المبادئ المهمة في نظرية الأدب عند الكلاسيكيين الجدد مبدأ العدالة الإلهية، وهو مبدأ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنزعة المثالية المشار إليها، أو هو متولد عنها، فهو ضرب من المثالية الخلقية. ماذا يعني؟ يعني مجازاة كل شخص في العمل الشعري المسرحي وفقًا لما قدم من عمل؛ لابد كل واحد أذنب يعاقب. تعرف المسرحيات القديمة التي تقرأ عنها أو تراها؟ مثلت أحيانًا في فترات متأخرة: «ولا بد لكل ظالم أن ينال عقابه، ولا بد لكل محسن أن ينال ثوابه».

نحن مؤمنون بأننا ممكن أن نموت ولا نأخذ حقنا في الدنيا، فالحق الكامل لا يكون إلا في الآخرة أصلاً. لو جاءك إنسان، مثل بشار الأسد، وحُرق على رؤوس الأشهاد، هل نال العقاب الذي يستحقه وقد فعله في أمة المسلمين والعرب؟ هل نال العقاب؟ لا، ولا قريب من ذلك. كم حرق، وكم سجن، وكم عذب، وكم دفن حيًا؟ هذا في كل طاغية، كما تقوله في بشار الأسد، قل في صدام حسين الذي كان يقتل على الظنة، وكان يسجن ويعذب ويلقى في المفرمة، ومهما عوقب في الدنيا لا يسد الذي فعله في شعبه، بل ضيع بلدًا كاملاً بما فعله بجعجعته ونرجسيته وعظمته الفارغة، وكان ثمنها بلدًا وتاريخًا.

أين العقاب الذي سيناله؟ ما هي مجابات الفلسفة؟ كتاب «الجريمة والعقاب» لديستويفسكي قائم على هذه الفلسفة، لكن أنا بوصفي مسلماً، هل توجد عدالة مطلقة للطغاة بعقابهم؟ الحقيقة لا. هل عقاب الطاغية بالقصاص منه، بما يسميه القصاص، يلغي محاسبته الشخصية أمام الله؟ لا، لم يلغِ. أنت قتلته فقط، وهو قتل هذا مدفونًا حيًا، وقتل هذا في التعذيب، وقتل هذا في المفرمة، وجوع شعوبًا وكان سببًا في موت أطفال؛ كل هؤلاء سيقتص الله منه، لذلك نعوذ بالله من موضع رئاسة ورعاية لأمة.

فأين مبدأ العدالة هنا؟ كيف تحققه في مسرحية تتكلم عن الواقعية أيضًا؟ بالنسبة لهذا الحيوان بشار، أشعر بأن قضية هروبه ليست هي التي ستحقق العدالة؛ هو مطلوب طبعًا، لكن جلبه ليس ما يحقق العدالة. لو قتلوه ألف مرة، لن تتحقق العدالة في هذا الخنزير، العدالة سيحققها الله، الذي سيرد إليه الروح والجسد وينتقم منه، ثم ترد إليه الروح ويصح الجسد ليفعل فيه مثل الذي فعل في أحد أمام عين هذا الواحد ليشفى صدره، وهكذا.

إن مجازاة كل شخص في العمل الشعري المسرحي وفقًا لما قدم من عمل، فيكافئ المحسن ويعاقب المسيء، هو مبدأ أدركه بعض النقاد والكتاب المسرحيين وعملوا بمقتضاه في وقت مبكر من القرن السابع عشر، ولم يطلقوا عليه اسمًا خاصًا إلى أن جاء توماس رايمر، النقد الإنجليزي المعروف، وصاغ ذلك المصطلح في كتاب له صدر عام 1678. وقد رفض كورني هذا المبدأ كما رفضه جوزيف أديسون، وذهبا إلى أن هذه العدالة، كما كانت تفهم آنذاك، عبث لا جدوى منه.

وفي الأخير يقول: «وهكذا أو هكذا كانت محاكاة الطبيعة تعبيرًا يتسع لكل أنواع الفن، من الواقعية بمعناها الحرفي إلى المثالية بكل ما تصل إليه من تجريد». وما بين هذين الطرفين المتباعدين من مستويات؛ بدأنا بالواقعية بمعنى الشيء المحتمل الوقوع، وانتهينا إلى المثالية عند الكلاسيكيين الجدد.

مع أنك تنظر إليها عند أرسطو في الكلام الأول؛ الاحتمال، أي احتمال الوقوع. هم أخذوا المصطلح "المحتمل" وطوروه وجعلوا ما يقابل الخرافة هو المحتمل. فالمحتمل الممكن عند أرسطو هو ما قابل الشيء الذي وقع، ولم يختلفوا عندما طوروه، بل قالوا: محتمل ممكن، أي سواء وقع أو لم يقع، لأنه يقابل الخرافة. فهذا مجرد توسيع للاصطلاح وتطوير له، لم يخرج عن مبدأ أرسطو.

المحتمل، الممكن، مقابل ما وقع؛ هذا كله واقعي محتمل. هم أخذوا كلمة محتمل مقابل الشيء الذي لا يقع، أي الخرافة، فتحدثوا تحت المحتمل عما وقع وما لم يقع لكن يمكن وقوعه. وماذا نفعل في الخرافة التي قالها القدماء من الإغريق أو اليونان؟ قالوا لأنهم كانوا يعتقدون أنها تحصل.

أيضًا مبدأ الواقعية والاحتمال عند أرسطو، والكلاسيكيون الجدد ظلوا يطورون فيه؛ يأخذونه في الطبيعة الإنسانية مبدأ الكل الشمولي، النموذج الشامل، ثم تطور إلى المثالي. هل المثالية هذه كانت الموجودة قديمًا بنفس الصورة؟ لا، لكن المبدأ الجمالي موجود بدليل التماثيل القديمة. المبدأ موجود، لكن هل هذا نص أرسطو تمامًا؟ هل ينفي أرسطو تمثيل الواقعية بدرجات أقل؟ الحقيقة لا؛ وهكذا كانت محاكاة الطبيعة تعبيرًا يتسع لكل أنواع الفن، من الواقعية بمعناها الحرفي محتمل الوقوع إلى المثالية بكل ما تصل إليه من تجريد، وما بين هذين الطرفين المتباعدين من مستويات.

هل هذا له شأن بأدبنا العربي؟ الحقيقة لا. ثم هناك فصل من الكلام يبين فيه الدكتور شفيغ السيد نزول الكلاسيكية الجديدة عن أرسطو في البناء الفني للقصيدة، وأن وحدة العمل الأرسطية أغفلت في العهد الكلاسيكي الجديد. يقول: «هذه النظرة الثاقبة إلى وحدة العمل الفني أغفلت في عصر النهضة ولم تستعد مكانتها التي كانت لها عند أرسطو، وجاءت الكلاسيكية الجديدة فاقتنعت في أغلب الأحيان بالفصل بين المضمون والشكل، فاعتنقت نظريتها نمطًا من الشكلية الخارجية الجوفاء».

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم تستطع أن تتحرر من ربط مضمون العمل الأدبي عند تقييمه ووضعه في مكانته التي يستحقها بمعيار خارجي يتمثل في السمو والنبل والقيم الأخلاقية. فصار الحكم عند أرسطو أن هناك موضوعًا وهناك بناءً فنيًا، أما الكلاسيكية فقد تطرفت وأهملت البناء الفني، حتى الوحدة في بناء القصيدة عندهم صارت فقط معايير النبل والقيم الأخلاقية، فاندحر الفن في الكلاسيكية الجديدة عما كان عليه عند أرسطو.

ويقول في الأخير: «وما لبث أن تغلب مفهوم الشكل بعد ذلك لما أرادوا -طبعًا- الانتباه إلى الناحية الشكلية، فصل بين المضمون والشكل». وفي حين بدأ يتكلم عن تشتيت الدراسة، يقول: «ذهب عدد غير قليل من النقاد إلى تفتيت العمل الأدبي وتقسيمه إلى خمسة أجزاء، ناظرين إلى كل منها بمعزل عن الآخر، تقريبًا، وهذه الأجزاء هي: الحكاية، والشخصية، والأسلوب، والفكرة، والوزن».

إخواننا الذين يدرسون في الجامعة الآن، حين يشرح القصيدة يقعد يشرح: هات شوية عظم هنا، هات شوية أمعاء هنا، هات شوية لحم، وهات هنا الجلد؛ أين القصيدة؟ أين وحدة العمل؟ أين حزمة الفن المؤثرة في المعنى في آن واحد؟ هذا هو الذي حصل. والبعض الآخر كان ينظر فقط إلى الموضوع، وفي الأخير يقول: «وما لبث أن تغلب مفهوم الشكل -بمعنى التنميق والزخرفة اللفظية- على المفهوم الأقدم والأكثر دلالة على الفطرة وهو العضوية».

«ولم يكن انتشار أسلوب الركوكو -الذي يتسم بكثرة الزخرفة والتنميق- في القرن الثامن عشر إلا أثرًا من آثار هذا الاتجاه». هذا عند الكلاسيكية، وهذا عندنا مرفوض. اللي يقول لك أنت كلاسيكي راجعت إلى الجاهلي، نقول له: لا، هذا عندنا من المتأخرين. أما الكلاسيكي الذي تقصده أنت، القديم الجاهلي والإسلامي، فهذا أسمى ما يكون، بل هو سوي قويم، أما ما هو الآن أو في المتأخرين فهذا الفاشل الرديء، وهو الذي كان عند الكلاسيكية.

ثم بدأ الحديث عن وظيفة الأدب بين المتعة والتربية الخلقية، وهنا وقع بعض الخلاف. ذهب أكثر الكلاسيكيين الجدد إلى أن الفائدة الأخلاقية هي الأساس في الشعر، وأن المتعة التي تراها في الأدب وسيلة ضرورية. هناك مصطلحان سيحضران معك حتى في الحداثة: المتعة والفائدة، وفي الكلاسيكية يقولون المتعة والتربية الخلقية.

المتعة هي الاستمتاع بالعمل الأدبي، بمشاهدة العمل الأدبي أو رؤية القصيدة المسرحية؛ وأقول رؤية هنا ليس سماعًا لأن الكلام كله هنا على الشعر المسرحي وعلى رأسه المأساة (التراجيديا)، ثم الملحمة، ثم الكوميديا. ذهب نفر قليل من النقاد في الزمن الكلاسيكي إلى أن الشعر ينبغي أن يحقق المتعة فقط، في حين رأت أغلبية كبيرة منهم أن الفائدة الخلقية هي الغاية الأساسية للأدب، وأن المتعة وسيلة ضرورية لتحقيق الغاية فقط؛ أي أنا أمتعك لكي أعطيك الدواء.

وكثيرًا ما نقرأ أن: «لم يقتصر اهتمام نظرية الكلاسيكية الجديدة في مجال التنظير النقدي على ما سبق بيانه من علاقة الفن بالواقع وبناء العمل الأدبي، وإنما عنيت كذلك بتأثير الأدب في جمهوره، وكان مرجع بناء النظرية في هذا الصدد عبارة صغيرة مبتسرة لهوراس مفادها أن الفن يجتمع فيه التوجيه الأخلاقي والمتعة». فذهب نفر قليل من النقاد إلى أن الشعر ينبغي أن يحقق المتعة فقط، في حين رأت أغلبية كبيرة منهم أن الفائدة الحقيقية هي الغاية الأساسية للأدب، وأن المتعة وسيلة ضرورية لتحقيق هذه الغاية.

عن المسرح ضد هجوم جماعة المتطهرين عليه. تذكرون لما تكلمنا عن تأثير أو دخول الكلاسيكية إلى بعض البلاد؟ كان عن طريق ثورة في إنجلترا؛ لما ثار المتطهرون المتشددون، ثاروا على المسرح والفنون، فهرب بعضهم إلى فرنسا ورجعوا من فرنسا بالفكر الكلاسيكي الجديد.

قال: وكثيرا ما دافع الكلاسيكيون الجدد عن المسرح ضد هجوم جماعة المتطهرين عليه، بذكر ما كان له من فائدة اجتماعية، وما تمتع به الشاعر بسبب ذلك من مكانة رفيعة في المجتمع. كما يفعل البعض الآن؛ يقول لك: الشعر مليء بالأخلاق الحسنة عشان الأخوة، ولا الأخوة أصحاب المتطهرين أو المستطهرين؟ يقول لك: عشان نغريهم. لا، ده أنا ألفت لك عمر بن أبي ربيعة في الغزل، وكنت هحط لك كتاب السبع الموبقات، مارضيت قلت بلاش، قلت بلاش أنفعل في وقت ثم قد أندم مستقبلاً، والكتاب منتشر. كنت سأؤلف كما وضعت السبع العذريات، وكنت سأصنع السبع الموبقات غيظًا للبعض.

طبعًا هذه رسالة، ولكن من باب المناكفة، بمعنى التحدي؛ أنني لا أخضع للضغط. كنت تعرضت في فترة لضغط من البعض ما بين تكفير وتفسيق وتبديع، والاتهام بالدعوة إلى الإباحية بسبب هذا الشعر، وكان هذا قبل سنوات بعيدة جدًا، قبل الوعي الحاصل الآن بحمد الله. فكنت سأصنع لهم كتاب السبعة الموبقات، مستلهماً فكرته بالتناص مع الحديث النبوي: «السبع الموبقات».

لا، ليس من السبع الموبقات، ده أنا كنت هجيب لك موبقات، يعني عشان أجمع من الشعر العربي سبع موبقات لن أتقيد بزمان. عمر دي عمر، ما أنا جبت عمر في الرائية، ما هو في شرح في مدرسة الغزل. أتقصد للنابغة الذبياني؟ نعم، لا والله هي أبيات فقط، كنت سآتي لك بغيرها يعني لكن قلت بلاش.

يأتي البعض ويذهب إلى أن الشعر فيه من جميل الحكمة وفيه الأخلاق الحسنة، لا، أكثر الشعر الجيد ليس من هذا الباب، ده أنا هجيب لك على رأسها فائية الفرزدق التي شبه فيها كذا بوجوه الترك. لكن ما رضيت، خلي السبع الموبقات سرحة في الأدب جواه كده، يعثر عليها من يعثر، لكن عندي الموبقات ولكن بلاش. نعم، فكذلك طبعًا الفرزدق على رأسها، والجميل أنها إسلامية قديمة.

قال: وكثيرا ما دافع الكلاسيكيون الجدد عن المسرح ضد هجوم جماعة المتطهرين عليه، بذكر ما كان له من فائدة اجتماعية، وما تمتع به الشاعر بسبب ذلك من مكانة رفيعة في المجتمع، وذكر أمثلة على هذا. تخيلوا يهاجمون مع كل هذا المذهب الذي هم عليه، وهجموا من متعصبة النصارى. تعلموا أن التعصب ليس له دين، التعصب حالة نفسية. التعصب والتنطع والحرفية حالة نفسية موجودة عند المسلمين، موجودة عند اليهود، موجودة عند النصارى، موجودة عند الجميع، موجودة عند الملحد.

والله حتى عند الملحد، أشوف الواد كان سلفي وهو ملحد! سلفي؟ طب ما أنت ملحد، روح عيش حياتك بقى، سيبك من الناس. أنا أعمل للدعوة لنشر الإلحاد وكأنه بيؤجر! يا أخي ده أنت على مذهبك لا تؤجر، أنت على مذهبك ما فيش حد يأجرك أصلاً، ليس هناك من يثيبك، ما تروح تعيش حياتك بقى، ادخل لك خمارة ولا اعمل ما أنت ميت ميت، وما فيش حساب، وما أنت صاحب كلمة في المجتمع ولا رئاسة ولا مسؤولية اجتماعية ولا مرموق ولا عظيم، وهو ملحد من هنا وتشتغل عنده إيه؟ أيوه، سأبدأ الآن الدعوة إلى الإلحاد زي ما كان بيدعو إلى مذهبه. لما تتدين أو تلتزم وتنسك على مذهبه خلاص، فهو نمط شخصي.

السلفية أو الدروشة؛ الدروشة نمط شخصي. أنا لما أقول السلفية لا أقصد فرقة، يعني أقصد هذا المنهج، أو أعينهم فقط، والدروشة على المقابل. الدروشة ليست فقط عند الصوفية، عند كثيرين الدروشة بمعنى الهوائية والخيال واللامبالاة. هي مرة بقول له: يا ابني، يا مولانا، يا حبيبنا، هذه القصيدة بنت سعاد جاهلية! يقول لي: لا، فيها ذكر رسول الله ﷺ. يا عم الدرويش، قصيدة جاهلية يا رجل؟ ألم يقلها في الإسلام؟ قالها وهو كافر، وهي مبنية شرعيًا واضحة للقصائد الجاهلية.

لا، ولكن طب يا عمي قال لم يقلها وهو كافر، طب إيه اللي حصل؟ ألقى الإيمان في صدره وهو في الطريق؟ وأنت كنت قاعد على الكثيب بقى بتشوف ولا إيه إن شاء الله؟ أنت كنت... خش لي بقى في الكشف الصوفي، وأنا مش في الكلام ده، ما عنديش في الدين أنا أناقشه، أنا في جهة التدين والنسك. لو واحد جه قال لي أو قال لك فلان عنده كشفه من أولياء الله الصالحين، كأولئك الذين يسخر منهم في وسائل التواصل، والله أنا أخاف. أخاف آتي على مسلم يكون حبيبًا إلى الله، أروح في ستين داهية! يا عم خليك في حالك، أنا مالي بيك، أدوس على طرفك ليه؟ لا، أنت في سكتي ولا أنا في سكتك، أدوس لك على طرف ليه؟

قاعدين الناس بتسخر من ناس يدعون الكشف، ومش عارف ماشي براحتك، وإن كنت أنا لست في شيء من هؤلاء الذين ينقصون ويدعون الغيب والكشف وينظرون كلامًا فارغًا، ولكن أخشى أن أتعرض لأحد حتى لو كان مجنونًا، أثير عند الله، أخاف ما هو عند الله غيب. أنت لا تعرف شيئًا فبخاف. لكن أتكلم في القصيدة؛ يا عم الدرويش، يا عم المتخلف، ليس لك سبيل إلى معرفة ما حصل إلا من القصيدة. هتقول لي ألقى في صدره الإيمان في الطريق؟ أقول لك طيب، والقصيدة جاهلية؟ هتقول لي بقى لا أصل هو جاهلية، ده قاعد يقول لك زي الأسد وهياكلني وهيوديني والفيل والمش عارف إيه، وتقول لي قصيدة إسلامية أو مدحة نبوية؟

أول مدحة نبوية حقيقية برضه البصيري، أول مدح على مفهوم المدائح النبوية برضه البصيري، قبل ذلك ما فيش. حتى القصائد في صدر الإسلام أو حتى ما ينسب للأعشى ليس على هذا المذهب، كلها طبع جاهلي ليس على هذا المذهب، خلاص. فدعوكم من هذا، يعني يقول لك أصل القصيدة كعب بن زهير إسلامية وفيها... لا يا حبيبي، جاهلية وما فيهاش ريحة الإسلام، وعرض فيها بالأنصار: ﴿إِذْ عَرَضَ السُّودُ التَّنَابِيلُ﴾. عرض بالأنصار، يعني حتى وهو في موقف ضعف لما علم بما أو رأى ما تفعله معه الأنصار لم ينسَ حقه، وأما عرض بالأنصار فالنبي ﷺ.

لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم هذا، وقال له امدحهم وكذا. وحفظت القصيدة بتعريضه بالإنصاف ظلت موجودة. خلاص، نعم أحسنت. لا، هذا ليس هذا، ليس منه.

يا إخوة، نسمع الأذان ونكمل إن شاء الله.

الأمر عندنا في العربية مختلف تماما عن هذا التفصيل؛ لماذا؟ ها لو دعنا نتحدث عن الأمرين: عن الجهة الأخلاقية، الفائدة الأخلاقية والدينية، وعن جهة المتعة. يا أبا قيس، هو ليس مختلفا من جهة المتعة، مختلف من الجهة الأخلاقية لا؛ أما جهة الفائدة الأخلاقية والدينية فالأمر في هذا واضح جدا. صار واضحا لكم أن الشعر عندنا لا يقصد به التربية الأخلاقية، وأما من الناحية التمتعية، ما يسمى المتعة أو اللذة، فالتلقي عند العربي يتجاوز المتعة الحاصلة عند الغرب الذين قالوا إنها وسيلة لتمرير الأخلاق وكذا، ولازم العمل يكون ممتعا عشان نستمر في المشاهدة.

التلقي عند العربي يتجاوز هذا إلى قضية تهذيب الطبع والنفس وتنمية القريحة، وهذه قضية كبيرة. لهذا عندنا منذ وقت مبكر، وليس في الإسلام فقط بل في الجاهلية، التربية اللغوية الأدبية أساس. أنتم ترون الملوك من الغساسنة في الشام والمناذرة اللخميين في العراق في الجاهلية، يرسلون أولادهم إلى قلب نجد، قلب الجزيرة العربية، لينشأوا على السيف واللسان.

وتذكرون قصة الحارث بن ظالم الذي ذهب إلى أخته سلمى لأنها كانت تحتضن ابن النعمان بن المنذر، الملك الذي يمدحه النابغة الذبياني، لما جار على جيرانه؛ إن النعمان بن المنذر جار على جيران الحارث بن ظالم، فذهب وقتل ابنه. ما الذي أتى بابنه هنا؟ هذه كانت من عادة العرب في الممالك المتاخمة للعجم. والممالك المتاخمة للعجم هي العراق، المملكة في العراق المناذرة اللخميين لأنهم يتاخمون، يعني يجاورون ويزاهمون الفرس، والغساسنة في الشام يتاخمون الروم.

وهي نفس الطريقة التي فعلتها أم الإمام الشافعي لما جهزته وزجت به في بني هذيل في ضواحي مكة؛ ليس مكة، في ضواحي مكة، لأنهم كانوا البقية من الفصحاء. لماذا؟ لأن الإمام الشافعي ولد في عام 150 من الهجرة، وهو العام الذي حدد بنهاية عصر الاستشهاد، ولهذا ذهب بعض أهل اللغة بمد الـ 150 إلى 200 بشرط أن يعنى في ذلك بالعرب البدو في ضواحي مكة، ومنهم بنو هذيل، وهم العرب البقية.

وهذا الإمام الشافعي، محمد بن إدريس، زجت به أمه في بني هذيل، وروى ديوان الهذليين ونشأ بينهم نشأة بدوية عربية فصيحة. لهذا لا أحد من الأئمة الأربعة -وأنا حنفي وأقدس أبا حنيفة- لا أحد من الأئمة الأربعة أفصح من الشافعي، ولا أحد من الأئمة الأربعة أعلم بالشعر والأدب من الشافعي، لا أبو حنيفة ولا أحمد بن حنبل ولا مالك. أما الفقه فالتاريخ يشهد أنه لا أحد يعلو على أبي حنيفة.

الشافعي نفسه يقول: «من أراد الفقه فعليه بأهل العراق»، وقيل في رواية «فعليه بأصحاب أبي حنيفة، فإنهم قد أُتلهم الفقه كما أُتلهم الحديث»، والرواية المشهورة: «فعليه بأهل العراق فإنهم قد أُتلهم الفقه كما أُتلهم الحديث». وقال: «ما فتق لساني بالفقه مثل محمد بن الحسن الشيباني»، تلميذ أبي حنيفة وتلميذ أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة. لكن في الفصاحة والبيان واللغة، وفي الفقه أيضا، فقيه الإمام المجتهد الكبير، في الفصاحة والبيان واللغة لا أحد فوق الإمام الشافعي.

وأنا أرفض ما حاول به البعض أن يرفع أبا حنيفة -رضوان الله عليه- أن يرفعه على الشافعي حتى في الفصاحة، لا، هذا ظلم. شاب عربي مطلبي نشأ في بني هذيل في مكة، والإمام أبو حنيفة -عليه رضوان الله- فارسي في الأصل، أبوه من الموالي، أقام في العراق حيث وجود الفرس، وحنيفة أصلا من بلاد ما وراء النهر من مكان الأفغان، فنشأ في الكوفة في العراق وآخر حياته في بغداد، حيث الجنسيات المختلفة والأعراق والفرس والعجم والعرب.

هذا مجتهد مطلق أبو حنيفة لكن ليس أفصح من الشافعي، لكن شتان بينه وبين عربي وهو صبي زجت به أمه في قبائل هذيل في ضواحي مكة من البدو الفصحاء. لا مجال بيني وبين الله إذا وقفت أمام الله، لا أقول أبو حنيفة أفصح من الشافعي، مستحيل. هذه أمانة على شدة حبي لأبي حنيفة ونشأتي على تعظيمه بل تقديسه، لكن هنا لا، وإلا ما نفعني العلم وما نفعتني الدراسة وما نفعني الأدب.

المهم، من جهة الفائدة الأخلاقية، ما الذي حدا بنا يا خالد إلى حديث الشافعي؟ ذكرني، أريد التسلسل. ما الذي حدا بنا إلى حديث الشافعي؟ هو أن العرب كانت تعنى بقضية اللغة من قديم بما هو أكبر من قضية المتعة. رأيتم يا إخوة؟ القضية عندهم لم تتجاوز فكرة المتعة حتى جعلوها وسيلة للفائدة الأخلاقية. أسألكم سؤالا: هل عندنا الأدب وسيلة للفائدة الأخلاقية؟ عند جماعة المستشرقين، ممكن هؤلاء كلاسيكيون لا علاقة لنا بهم، أما نحن لسنا كلاسيكيين، نحن قضية اللغة عندنا قضية قائمة برأسها.

كان الملوك في القديم من الغساسنة والمناذرة وهم المتاخمون للفرس والروم، يرسلون أبناءهم في بداية حياتهم وقبل أن يخالطوا الملك ويخالطوا غير العرب، كانوا يرسلونهم إلى أولياءهم أو مواليهم في شبه الجزيرة العربية في نجد، ليقيموا عندهم ليتعلموا الفصاحة والشعر وشدة العيش. ثم في زمان بني أمية جاؤوا بما يعرف بالمؤدبين، الذين يعلمون الشعر والأخبار، هذا أساسي. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الأكمل أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم- يأتون بالمؤدب الذي يعلم الشعر والأخبار وتذوق الشعر ونقده.

وخذوا عندكم هذه المعلومة أو الفائدة: لما ظهر معلم النحو كان أقل المؤدبين شأنا، هذا يعلم كيف تقول: جاء زيد، وكلمت زيدا، وذهبت إلى زيد. ما كانت العرب تقف عند هذا في صدر الإسلام، فكان مؤدب العربية يكون عادة من الفرس في الأول، حتى الإمام الشعبي مر على جماعة من العجم من الفرس يتداولون شعر النحو العربية، فقال لهم: «أصلحوه، فقد أفسدتموه»، أصلحوا اللسان أنتم من أفسدتموه.

طبعًا لما دخلوا في الإسلام قال: «أصلحوه، فقد أفسدتموه». وكان المشتغل قديمًا بالعربية هم الفرس، وكانوا يفعلون هذا عادة؛ لأنهم من الموالي، فيدرسون هذا ليعلو شأنهم، فمنهم من بزَّ وظهر.

وكان علم العربية في الأول شائعًا بين الفرس والعجم، وكان معلم العربية في الأول أقل المؤدبين أجرًا وأقلهم شأنًا، وكان أعلاهم شأنًا الذي يعلم الشعر. ولهذا تعلمون في قصة المعلقات، كما حكاها صاحب القصائد الفرائد؛ يا خالد ذكرني اسمه، صاحب القصائد الفرائد الذي روى قضية أو قصة جمع المعلقات في الأول المختارات، ابن طيفور.

الروايات التي ذكرها تجمع على أن الذي جمع أصل المعلقات هم أدباء جمعوها لملوك أو خلفاء من بني أمية؛ قيل الوليد بن عبد الملك، وقيل عبد الملك بن مروان، وقيل عبد العزيز بن مروان، وقيل معاوية بن أبي سفيان، هذه الروايات موجودة. فجمعت، وكان منها العينية لأبي ذؤيب والعباسيون نفس الكلام.

وأبو جعفر المنصور لما مات ابنه وطلب من ينشده عينية أبي ذؤيب فلم يجد، فقال: «والله ما مصيبتي بابني أشد من مصيبتي في ألا أجد من أهلي من يحفظ هذه القصيدة». فانظر إلى فكرة المتعة المتضائلة عندهم، وفكرة عندنا نحن؛ فكرة القضية أصلاً: العربي دون لسان وتهذيب ناقص.

العربي شيئان: فروسية ولسان، عشان تبقى عربي. والفروسية ليست حصانًا بس، لا؛ يعني أخلاق الفروسية: النجدة، والإيثار، والإطعام، والمروءات في التعامل، وعلى رأس هذا النجدة بالنفس وبالمال، والنجدة بالطعام. هذا العربي، ومن هنا تعرفون أن العربية ليس موجودًا الآن من حيث دول ومجتمعات العرب غير موجودين.

العربي شيئان: فروسية، وعلى رأسها الإيثار على النفس والإطعام والنجدة بالمال والنفس، وبيان. العربي فروسية وشعر فروسية وبيان؛ إن لم يكن شعرًا فخطابه، أو لسان فصيح، تحت أي شكل، أو أضعف الإيمان تذوق للفهم وحب للشعر وحب للخطابة والنثر الجيد، هذا هو العربي.

ومن هنا تعلم أنه لا توجد الآن مجتمع عربية، لأنه لا يوجد مجتمع عربي يموت إخوانهم بين أظهرهم وهم يعطون الرومية ولا يعطون الأخ المسلم العربي، ولا تتحرك نخوتهم. لا يوجد طبعًا -أتكلم عن مجتمعات- مجتمعات عربية؛ لا يوجد مجتمع عربي على وجه الأرض، يوجد أفراد عرب وحالهم يرثى له مما هم فيه، لكن لا توجد مجتمعات عربية، يعني دول تقول نحن دولة عربية نقوم بعمل كذا بوصفنا دولة عربية. لا توجد دولة تحركها المروءة العربية والنخوة العربية ثم الدين الذي جاء بعد العروبة، ثم هي عندها بيان وفصاحة. لا توجد دولة عربية على وجه الأرض، توجد بقايا دول عربية من حيث الأجناس.

فالعربي بيان وفروسية، هذا هو عندهم قضية متعة، وعند أغلبهم المتعة هي وسيلة إلى الأخلاق. هل نحن هكذا كلاسيكيون؟ الجواب لكم وتعرفونه. وانظر إلى التطرف في الفكرة والإضراد مع الفكرة أيضًا؛ عندهم يقول: «وكان هذا النفر من النقاد يؤمن فعلاً بأن عملية تأليف العمل الأدبي تقوم أولًا على اختيار المغزى الحقيقي الخلقي، ثم يأتي بعد ذلك اختراع القصة الخرافية المناسبة لتكون رمزًا لذلك المغزى». يعني الذي يؤلف مسرحية شعرية، سواء تراجيديا أو إيبيك أو الملحمة، يضع المغزى الأخلاقي أولًا، ثم يبدأ يبحث عن القصة. شوف التطرف! يعني الأخلاق هي الأساس.

وهناك شيء آخر إلى جوار فكرة المتعة والتربية الأخلاقية، في فكرة وظيفة الأدب، واحفظوا هذا المصطلح: «التطهير». قال: ومع ذلك فإنه إلى جانب صيغة المتعة الذي هو التهذيب الخلقي السابق، هناك خلل -كان لدى الكلاسيكية الجديدة- طريق إلى نظرية أخرى تسمى نظرية التطهير.

يا إخوة، عند أرسطو، كان لدى الكلاسيكية الجديدة طريق إلى نظرية أخرى عن تأثير الأدب في جمهور المتلقين، أكثر حذقًا وفطنة، هي فكرة التطهير المعروفة عند أرسطو، وعبارته التي وردت في هذا الشأن في كتابه فن الشعر عبارة مجملة غامضة تحتمل التأويل، وقد اختلف الشراح في تفسيرها. ويمكن القول بأن التطهير قصد به عند الكلاسيكيين الجدد -اسمع سأقرأها مرة واحدة وألخص الفكرة لننتهي منها- يقول: التطهير قصد به عند الكلاسيكيين الجدد تحصين الإنسان ودعم صلابته لكي يتحمل آلام الرحمة والخوف ويعتاد على رؤية ما يثيرهما، كما يعتاد الجراح على رؤية الجراح الفظيعة فلا يبالي بها، وكما يعتاد المقاتل معايشة أهوال الحروب والتمرس بها فلا يعتريه فزع وخوف عند رؤيتها.

يعني باختصار، يمكن القول على هذه الطريقة في تفسير أو تعليل الأدب وهو التطهير، إن الأدب يجلب إلى الناس تجارب مخترعة كثيرة بدلاً من أن تقع لهم في الواقع؛ مثل الذي يذهب إلى الجيم ويلعب، يشيل ويرفع الأوزان ويتمرن، فبدلاً من أن نترك الإنسان إلى التجارب ويفزع فيها، نقول له: تعال نحن سنريك ملاحم ومآسي مخترعة في الأدب لتتعلم النفوس كيف تتعامل معها حين تحصل في واقعهم.

هذه فكرة التطهير كما حاول المؤلف هنا أن يلخصها ويشرحها: تطهير النفس من مثالبها ومن مشكلاتها عن طريق إخضاعها لتجارب كثيرة جدًا حتى كأنها مرت بها في الواقع، فإذا خرجت في الحياة كانت صاحبة التجربة. وقد ذهب كورني في تفسير التطهير إلى أنه تطهير المشاهد من الانفعالات الزائدة عند شخوص المسرحية، فأصبحت التراجيديا مثالاً للتحذير من الوقوف في ذلك؛ بمعنى أن سوء حظ البطل ينبغي أن يثير لدينا شعورًا بالرحمة، وهذه الرحمة ينبغي أن يتولد عنها لدينا شعور بالخوف من أن نلقى مثل حظه العاثر. يعني باختصار، نعيش تجارب نتعلم بها ما ينبغي أن نتعلم.

رأيتم الإغراق في فكرة المسؤولية الأخلاقية للشعر، ورأيتم قبل دقيقة كيف أنهم يضعون الهدف الأخلاقي ثم يبدأون البحث عن القصيدة أو عن الموضوع. ويحكي أخيراً عن التمرد على قواعد المذهب وانحسار المذهب، يقول: «لا شك أن القواعد الفنية التي وضعت أضفت قدراً من التنظيم على الأعمال الإبداعية، وأن الوحدات الثلاث أدى إلى ترابط الشكل الدرامي ترابطًا جيدًا».

يقول: ولكن تلك القواعد من جهة أخرى كانت في مجملها عائقًا أمام المبدعين، حتى الكبار منهم؛ بدأ مبكرًا انحصار المذهب لأن هذه القواعد والإلزامات خنقتهم.

كان من ضمن هذه القواعد أيضًا هذا المبدأ: «دونوا ما أقول، دونوه؛ لأنها مصطلحات جارية»، مثل «المتعة والفائدة» أو «المتعة والتربية الأخلاقية»، هذا مصطلح جارٍ في المصنفات، وكذلك مصطلح «التطهير» جارٍ في المصنفات. كذلك هذا المصطلح الآتي: «الفصل بين الأجناس الأدبية»، الفصل بين الأجناس الأدبية يعني أن هذه مسرحية أو قصيدة تراجيدية لا تدخل فيها الكوميديا، لا تخلط بين شعورين مختلفين، لا تدخل فيها ملحمة؛ هذه ملحمة لا تدخل فيها مأساة، ولا تدخل فيها كوميديا. عدم الخلط بين الأجناس الأدبية وعدم تعدد الشعور في القصيدة الواحدة؛ قصيدتك ملحمة إذاً هي ملحمة، قصيدتك مأساة تراجيدية إذاً هي تراجيديا من أولها إلى آخرها بشعور واحد، قصيدتك كوميديا إذاً هي كوميديا، أي أن الانفعالات المختلطة غير مقبولة.

لهذا في الكلاسيكية، المصطلح الكلاسيكي هو الشخص ذو الوجه الجامد على حالة واحدة من أولها إلى آخرها، هو يجمد وجهه أصلاً؛ يخشى الخروج عن القاعدة. يقول: وإنما كانت هناك قواعد خاصة بكل جنس أدبي، إذ كانت تؤمن بالفصل بين الأجناس الأدبية وعدم اختلاط واحد منها بالآخر، يعني هناك قواعد لكل جنس لا تصلح للجنس الآخر، إياك أن تخلط بين الأجناس في العمل الواحد. هل هذا له علاقة بنا؟ لا.

قال: وهم في كل ذلك متأثرون بأرسطو وهراس. ويقف على رأس هذه الأجناس جميعًا المأساة التراجيدية، تليها الملحمة، فهما أهم الأجناس الأدبية وأعظمها شأنًا، بل إنهما الجنسان الأدبيان اللذان ظفرا في الأعم الأغلب بالتنظير لهما وبيان عناصرهما. واحتلت المأساة رأس القائمة وتبعتها الملحمة فهي أدنى منزلة عندهم من سابقتها.

وأنا أقول، هو يقول: وهم في كل ذلك متأثرون بأرسطو وهراس؛ طبعًا هذا يسهل فهمه في ظل مبدأ اللياقة والمثالية والمسؤولية الأخلاقية؛ الجنس الأعلى عندهم هو الذي يصوغ فائدة أخلاقية أعلى. وبعد ذلك تكلم عن قواعد خاصة بالمأساة يمكنكم قراءتها، منها: لابد أن تقدم درسًا أخلاقيًا، المأساة ينبغي أن تقدم درسًا أخلاقيًا، وينبغي أن تتحقق فيها العدالة الإلهية على النحو الذي بينه، وأن يتألف بناؤها من خمسة فصول، وأن تتسم لغته بالسمو والجلال، إلى آخر ما قال.

وأن لا يظهر الكاتب جريمة قتل على خشبة المسرح؛ إياك أن ترى قتلًا، هذا سيء للنفس ومنظر قبيح. أما لو رأيتم القتل الذي يحصل عندنا في القصائد، فهذا قتل حقيقي، عندنا مليحة في القصائد ومجاز؛ فدخلت فعلوته بالعج، لما رآني قد قصدت أريده، أبدى نواجذه لغير تبسم، فعلوته بالرمح فطعنته بالرمح ثم علوته بالسيف. هذه عنترة في المعلقة، ويقول: ﴿فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ﴾، ويقول: ﴿وَلَقَدْ خَشِيتُ بِأَنْ أَمُوتَ بِمُهَنَّدٍ ... صَفِّ الحَدِيدَةِ مَخْذَمٍ﴾، ويقول: ﴿وَلَقَدْ خَشِيتُ بِأَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُرْ ... لِلْحَرْبِ دَائِرَةٌ عَلَى ابْنَيْ ضَمْضَمِ﴾.

هذا عندنا بهدلة، إنما الكلاسيكي لازم يكون شيك، أنيق، ما ينفعش تمثل قتلًا على المسرح أمام الجمهور. يقول: «ينوء بصدره والرمح فيه».

بعد ذلك يتحدث عن ظهور أجناس أدبية أخرى، يقول: تحطمت خطة الكلاسيكية الجديدة بعد نجاح الأجناس الأدبية التي كان سندها من النظريات النقدية قليلاً أو لم تكن لها نظرية قط، مثل الرواية والمقالة الدورية المنتظمة. تأمل كيف أن هذه الأجناس التي هي الأعظم عندهم، زاحمتها هذه الأجناس الضعيفة، وهي المقالة الدورية والرواية والمسرحية ذات الأحداث الخطيرة التي تنتهي نهاية سعيدة. تخيلوا يا إخوة، هذه ضيعت عندهم وأنهت الجنس الأعلى من الشعر. ونحن عندنا لا يوجد جنس يقترب من القصيدة، حتى الهزل الذي تراه من بعيد شعرًا، عند التحقيق لا نعده في الشعر المعتبر، حتى الموشح هو عندنا غناء شعبي، والشعراء لم يدخلوه في دواوينهم الشعرية لأنه اشترط فيه ألفاظ عامية فهو غناء وليس قصيدة. رايت عندنا لا شيء يقترب من القصيدة، كما قال الجاحظ: «ليس عند غير العربي شعر».

بينما عندهم أعظم الأجناس زاحمتها المقالات الدورية والرواية، وعندنا لا شيء يزاحم هذا. وحاول جابر عصفور والبعض أن يجعلوا هذه الرواية والقصة مكان القصيدة، أو أن الرواية والقصة هي شعر زمن الحديث، وهذا كلام فارغ، يحاولون أن يقووا أنفسهم بقصة الغرب، ما شأننا نحن وشأن هذا؟

ظهر بعد ذلك، قال: حتى بدأ الفن نفسه ينقلب على القواعد، ورأى أن مبدأً جديدًا لابد أن يتدخل تكون مهمته إنقاذ الفن من شبكة الأيديولوجية المعقدة، وهذا المبدأ هو الذوق. وأخذ يذكر جين راسين ولافونتين والمنقلبين على الكلاسيكيين، وذكر درايدن الذي كتب المأساة اللاهية وكتب المأساة البطولية. درايدن نفسه رفض كذلك مبدأ الوحدات الثلاث، وذهب إلى أنه ليس هناك ضرر من الخلط بين المأساة والملهاة، مدللًا على ذلك بأن العين تستطيع في الطبيعة أن تنتقل من موضوع غير سار إلى موضوع سار.

انتهينا من الكلاسيكية يا إخوة، الحصة القادمة الرومانتيكية. قال: تستطيع النفس أن تنتقل، نحن عندنا في القصيدة يتقلب الشعور كما في قفا نبكي لامرئ القيس، وكما في رائية المهلهل بن ربيعة، وكما في تائية الشنفري. وأنا جلست معكم في هذه كثيراً؛ انقلاب الشعور وانقلاب الموضوع في القصيدة، وقسمتها لكم تقسيمًا إلى أربعة أقسام أتيت لكم به من كتاب التأسيس، الذي وضعته قبل سنوات في كتاب «التأسيس: أصول الفن الشعري عند العرب». تحدثت في هذه الطبقات عن مشكلات فصل الأجناس الأدبية، عندنا لا تخلط جنسًا بجنس، لكننا نخلط، والقصيدة لا تنقطع عندنا، المهلهل بن ربيعة بكى في أول القصيدة ثم تحمس.

ثم تحمس، وتسألني بديلة عن أبيها، وانطلق هذا شعور وجنس، وهذا شعور وجنس، والتأم ما هو عندنا بالفطرة، عندهم انظروا كيف يدوخون فيه. بل يثبت أن أعظم الأعمال الأدبية، أو كثيراً من الأعمال الأدبية التي انتشرت في العصر الكلاسيكي، كانت خارجة عن القواعد أيضاً.

ثم أقول لعل أقوى الاتهامات التي وجهت إلى الكلاسيكية هو جمودها، وافتراضها أن الكمال لا يوجد إلا في الماضي إلى آخره، ما مر، وأنه لا يتأتى إلا بمحاكاة الأمثلة العظيمة، ولا يتأتى عن الأصالة والإبداع. وهكذا تفضي إلى هروب الفنان من مواجهة مشكلات بيئته في العصر الذي يعيشه.

هنا بقى بدأت نشم ريحة الرومانتيكية، بدأ العصر والمعاني الذاتية الحاصلة للشاعر في حياته، بدأت ترون قصة شعر الرومانتيكية من وراء السور، هكذا بدأت تطلع. وهكذا تفضي إلى هروب الفنان من مواجهة مشكلاته أو مشكلات بيئته في العصر الذي يعيشه، وفي ذلك إنكار لمبدأ الحياة نفسها الذي يعني التغيير والتبديل والتعديل.

وقد كانت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الثامن عشر هي الفترة التي شهدت تحلل هذه النظرية وانطواء صفحتها، وتهيأت الحياة الأدبية والنقدية لاستقبال نظرية جديدة وفكر جديد: الرومانتيكية.

لخصت لكم رأيكم الكلاسيكية ما هي وكيف هي، عرفتم أنها ليست العربية، أجملتم فكرتها وعلى أي شيء قامت. سأجمل فكرتها في الدقائق الأولى إن شاء الله من المحاضرة القادمة لتعلموا رومانتيكية القرن التاسع عشر من أين جاءت؟ وطبعاً لما أقول رومانتيكية القرن التاسع عشر هذا عندهم، الرومانتيكية عندنا ظهرت في القرن العشرين، بيننا وبينهم قرن يا إخوة.

شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.