السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا بالكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتني إلى سلامة البث صوتا وصورة من بعد إذنكم. يبدو عندي مستقراً. يا مرحبا، أهلا خالد الشيباني، ما شاء الله نشط، أهلا بالإخوة الكرام. يا مرحبا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا يا إخوة هو مجلسنا الرابع من مجالسنا في شرح كتاب «نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة» للدكتور شفيع السيد، والذي يأتي على رأس هذا المشروع في القناة، وهذه السلسلة الأكاديمية التي فيها إعانة للطلاب في الجامعات والكليات الجامعية التي فيها تخصص اللغة العربية ودراسة المذاهب النقدية، فأشرح في ذلك بعض الكتب الأكاديمية النافعة الدائمة في العناية بها.
وجاء على رأس ذلك هذا الكتاب، وهو كتاب «نظرية الأدب: دراسة في المدارس النقدية الحديثة». هذه الطبعة قديمة في مكتبة الآداب، وهو مطبوع كذلك في دار غريب. أخونا خالد الشيباني يقول: اشتريت الكتاب لأدرسه معكم، جميل ما شاء الله. كل من ألقى السلام فعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك.
أقول أيها الإخوة، أذكر بهذا المشروع؛ قد شغلت الأسبوع الماضي عنه، واعتذرت عن هذا الانشغال، كانت ضغوط وأمور كثيرة حتى إنني غفلت عنه، ليس أنني أبيت تركه، ولكن غفلت عنه لأنه ليس في المعتاد الذي يكون ليلياً وكذا، فتحت ضغوط وأمور شغلت عن هذا المجلس في الأسبوع الماضي، فالعذر منكم.
أذكر بطبيعة هذه المجالس التي اقترحت أن تكون في يوم الاثنين بواقع مجلس واحد على الأقل، وفيها إعانة للطلاب الأكاديميين المنتسبين إلى الجامعات أو الكليات العربية والأدبية بالجامعات الرسمية والمعتمدة، سواء في مصر أو في السعودية أو في أي دولة عربية أخرى أو غير عربية إذا كانت هذه المواد تدرس فيها بالعربية.
فأقول وجدت أن كثيراً من المتابعين هم من طلاب هذه الأكاديميات، ويشتكون من أنهم في الأخير يقولون درسوا هذه الكتب، ولكن في الحقيقة لم ندرسها. فلما تواصلت مع بعض الدكاترة وكانت هذه المفاجأة، قالوا لي إن الناس تحسب أن الدكتور هو رأس الهرم، وأنه هو المؤثر وصاحب القرار، بينما يقولون إن الدكتور والطالب في خانة واحدة، في مربع واحد من التأثر. يقولون إن إدارة العملية التعليمية ولا الوقت المتاح ولا عدد المحاضرات يسمح لي أن أشرح كتاباً كاملاً كما ينبغي.
هذا الكلام قد يكون صحيحاً، ولكن لا ترفع التبعة كذلك عن الدكاترة؛ لأن الطريقة التي يتكلمون بها واستعراض القيادة الذي يتكلمون به يوحي بأن معهم جزءاً كبيراً من القيادة والتحكم. وإن كان بعضهم -وأنا أعلم أنه معذور من بعض الفضلاء من أصحابنا ممن يأتي حتى يزورني هنا في المكتب في البيت ويجلس معي- وهم دكاترة محترمون يثني عليهم الطلاب، يشتكون ويقولون: والله ليس بيدي كيف أشرح أنا مثل هذا الكتاب للطالب؟ أحتاج إلى عدد كذا وكذا من الحصص، والجامعة رسمت لي عدد كذا وكذا، والمحاضرة كذا، والطلاب لا يحضرون، إلى آخره.
فكان هذا المشروع من باب إعانة الطلاب الأكاديميين ورفع مستواهم حتى إذا تخرج من الجامعة يكون قد درس هذا الكتاب حقاً. قال لي بعض الإخوة: ولكن هكذا سينسب الفضل إلى الجامعة وليس إليك لأنه درس في الجامعة، قلت: لا بأس، الذي يعنيني هو أن يخرج طالباً مؤسساً، لأن هذا سيندرج ويلتئم مع رسالتي ومع غرضي، وسيكون معي في نفس الصف وهو نصرة هذا الأدب العربي.
فهذه أول خطوة أو أول فكرة عن المشروع. الفكرة الثانية عن الشرح هو أنني أشرح مادة الكتاب شرحاً إن شاء الله مستوفياً، ولكن مع ذلك أربطه بالأدب العربي؛ لنفرق بين هذه النظريات والمذاهب النقدية وبين نظرية النقد العربية. وذكرت في أول مجلس لماذا لا نجد كتباً كثيرة في نظرية النقد العربي؟ لأن نظرية النقد العربي مركزة في كتابي عبد القاهر، ولم تتحرك خلاصة الكلام، لم تتحرك النظرية النقدية عندنا تحركاً ولم تتقلب تقلباً مع الأحوال المجتمعية.
لأن النظرية الأدبية عندهم في الغرب ارتبطت بالأحوال الاجتماعية أكثر من ارتباطها باللغة، فتقلبت النظرية مع المجتمع، أو ارتبطت بالمعنى والموضوع أكثر من ارتباطها باللغة، فتقلبت النظرية والمذاهب بتقلبات المجتمع، وهذا طبعاً واقع مشاهد لا ينكر؛ كل نظرية تمشي مع تقلب اجتماعي. أما النظرية العربية فارتبطت باللغة لا بالمعنى والموضوع، ارتبطت باللغة لا بالباب ولا المعنى ولا الموضوع، ارتبطت ببيان تراكيب اللغة، ولهذا ترونها لا تختلف على طول الزمان.
القصيدة في الجاهلية هي القصيدة في الإسلام، والقصيدة في الجاهلية القبلية هي القصيدة في الدولة الإسلامية والخلافة، وهي القصيدة في الدولة العباسوية والتوسع العلمي والحضاري والثقافي، وهي القصيدة في الدولة الأندلسية، وهي القصيدة الآن. اختلفت الدول والأفكار والمذاهب والأديان اختلافاً متبايناً جداً، ولم تختلف القصيدة.
القصيدة الأندلسية التي قيلت بين المروج ومجاري المياه والأترج وثمار الثمار الفواحة بالعطر وبين الأزهار، هي نفس القصيدة التي قيلت في الصحراء القاحلة في البادية؛ هي نفس القصيدة، لماذا؟ وهي نفس لغة القرآن العزيز الذي يفهمه العربي الجاهلي ويفهمه المعاصر الذي يفهم العربية. لماذا؟ لأن القضية، النظرية الأدبية عندنا ارتبطت باللغة، لم ترتبط بالموضوع ولا بالطبائع، ارتبطت باللغة فلم تدر مع التقلبات الاجتماعية.
فياتي من لا يفهم يقول: انظروا إلى الفكر الغربي وتقلب الفكر الغربي في اللغة شمالاً يميناً، وفوق وتحت، ووراء وقدام، ويختلفون والعرب ثابتون على ما هم عليه. لا يفهم، هم متقلبون لانفكاك نظريتهم الأدبية عن نظرية اللغة التي هي موضوع الأدب في الغالب، إلا في اللسانيات الأخيرة.
ارتبط الأدب عندنا، أو نظرية الأدب، باللغة، فاللغة عندنا ثبتت، والقرآن المعجز الذي نزل في الجاهلية هو المعجز الآن، فالقضية عندنا تختلف عنهم، فعندنا ثبات كبير بسبب هذا، وعندهم تقلب. وإلى أن ما لم ترتبط النظرية الأدبية باللغة وطبيعتها، فلن تنتهي إلى هيئة تكون عليها، ولهذا يأتي الجاحظ كأنه ختم هذا الكلام أن أمة العرب تظل الرئيسة في الشعر وقال كلمة...
بناها على نوع من المجاز؛ قال: ليس لغير العرب شعر. هو يعلم أن غير العرب عندهم شعر، هل ينكر الجاحظ أن عند كل أمة شعراً؟ لا طبعاً، لكن يقول: شعر لا يوازي ما عند العرب شيئاً.
وبحث الدكتور عبد الله الطيب في كتابه «المرشد» أن الذي عند الغربيين في أعلى مستواه يقابل النثر الفني عندنا أيضاً. الذي لم يغرق في الفنية يقابل النثر الفني عندنا. أتى بقطع لشيكسبير شعرية مجمع على أنها من أعلى الشعر الغربي، ومن أعلى شعر شيكسبير، وقارنها بقطعة نثرية للجاحظ، الذي معروف أنه ترسلي في النثر، فأثبت الشعرية في نثر الجاحظ، فكان فوق النثر وفوق شعر شيكسبير.
قطعة نثرية للجاحظ كانت تفوق في شعريتها قطعة شعرية ثمينة لشيكسبير بالمعيار الغربي، ولهذا الجاحظ يقول: ليس لغير العرب شعر. يعني يقول: إذا نظرنا إلى الرتب والأجناس، فإن جنس النثر عندنا يقابله جنس الشعر عندهم، هذا كلام الدكتور الطيب. أما جنس الشعر عندنا، فلا يقابله شيء عندهم؛ هذا معنى قول الجاحظ: ليس لغير العرب شعر.
قد يسأل أحدكم سؤالاً الآن: إذا كان الأدب عندهم، والشعر عندهم، يقابله النثر الفني عندنا، والنثر الفني عندهم يقابله ماذا عندنا؟ أولاً اسمع، هذا شيء يفوت الناس التنبيه عليه؛ النثر الفني عندهم يختلط اختلاطاً شديداً بالشعر، لا يمتاز امتيازاً قوياً، على الأقل ليس في كل المذاهب. النثر الفني ما زال عندهم إلى الآن لم ينفك انفكاكاً واضحاً عن الشعر، عندهم منطقة بينية واسعة جداً، لغة شعرية هي شعر وهي نثر لا تعرفها.
أنا ظني على هذا التقدير والاضطراد أن النثر الفني عندهم يقابله الكلام المستقيم عندنا؛ لأن العرب أيضاً لا يخلو كلامهم المحكي من فن. واقرؤوا «المستطرف من كل فن مستظرف»، واقرؤوا كتب الأدب العام، و«العقد الفريد»، و«الكامل» للمبرد. واقرؤوا حتى ماذا يقابل القصيدة عندهم؟ إذا صحت في أعلى صورها، الخطب عندنا فوق النثر الرسالي الذي تكتب به الرسائل، كالذي عند الجاحظ. الخطب عندنا أشد تركيزاً، الخطبة عندنا تشبه قطعة شعرية ثقيلة كثيفة.
اقرأ خطب الحجاج، الحجاج -عليه من الله ما يستحق هذا الملعون- رجل مبين في النثر وفي الخطب، لم أجد خطيباً فوقه وإن كنت لم أستوفِ كل الخطباء. كلما ذهبت إلى جمهرة خطب العرب أجدني أذهب إلى خطب الحجاج، مع أني أحفظ بعضها، وحتى الخطبة التي لا أحفظها، أحفظ أجزاءً كثيرة منها وأعرفها جيداً، ومع ذلك أذهب لأقرأها وأؤديها بطريقة خطابية، وأتخيل وهو يكلم أهل الكوفة وأهل البصرة في خطبته المشهورة المعروفة. أقول: هل انشغلوا ببلاغتها أم انشغلوا بمضمونها؟ وأنا أقرأها -عليه لعنة الله- الرجل خطيب كبير.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أخونا الدباش يقول: أتحدث الإسبانية وأقرأ الأدب والشعر الإسباني، شعرهم القديم رتيب جداً لا يكاد يكون شيئاً، وشعرهم الحديث مغرق في الرمزية، ولعل ذلك بسبب غياب ما يوازي البلاغة العربية. هذه قراءته والله أعلم.
طبعاً أختنا الكريمة تقول: مولانا خطب الإمام علي -عليه السلام- في نهج البلاغة فيها من البلاغة ما... هذا باب آخر تماماً. لي إن شاء الله عمل أتكلم فيه عن عصر ازدهار الخطابة، وهو خطب الإسلاميين. ثم كذلك أنا علمي محدود حتى أكون واضحاً، علمي بالخطباء الكبار أيضاً محدود، إنما علمي واسع جداً بالشعراء، يكاد يكون محيطاً بالشعراء الذين عرفوا، أما بالخطباء ما زلت لم أُحط بجميعهم، لكن أجدني كلما ذهبت إلى جمهرة خطب العرب أنشد إلى الحجاج. لي عمل لما تأتيني النسخة العراقية؛ أنا عندي هنا نسخة الشيخ محمد عبده على نهج البلاغة، ولحبي للكتاب أمنت نسختين من نفس التحقيق، ومع ذلك أنتظر النسخة العراقية المحققة في ثلاثة مجلدات لأنني أريد أن أقرأ خطب الإمام منها إن شاء الله.
أخونا الكريم عمر زارع يقول: اشتريت كتاب «دفاع عن القرآن» أول أمس، كتاب ممتع جميل ولغته عالية. يا سيدي ما شاء الله، الحمد لله، هذا توفيق الله وحده سبحانه وتعالى. كنت أقول وأنا أقرأ خطب الحجاج، أقرأها متأثراً بها: كانوا يتلقونها على أنها خطاب أم على أنها فن؟
عجيبة! نرجع إلى سياقنا أيها الإخوة، وخلاصة المجلس الثالث في كتاب «نظرية الأدب». وقفنا على أن الكلاسيكية أول مبادئها العقل، الذي يحول دون النزعات الفردية والعواطف الجياشة. وقلنا من هنا كيف تأثرت بحركة أو بفلسفة ديكارت في عصر النهضة، لأنه كان يدعو إلى العقل ومبادئه، فهذا نوع من تدخل الكلاسيكية في الموضوع، وليس هذا مذهباً عربياً.
والكلاسيكية تتدخل كذلك في الأسلوب، تنظر وتتدخل في الأسلوب على حصر الطبقة لا على حصر الخصائص والتراكيب، وهذا أيضاً فرق بيننا وبين الكلاسيكية. هم يأخذون الأساليب القديمة لأنها أساليب قديمة؛ إذا ذهبت الآن تنقل أسلوب امرئ القيس أو أسلوب النابغة أو زهير أو الأعشى، فقط تنقله لأنك تؤمن أن هذا هو الصواب وأن هذه المرحلة هي كذا وكذا.
نحن ليس الأمر عندنا كذلك، الأسلوب عندنا مفتوح. والأسلوب اللغوي كذلك، لأن هذا الأسلوب الذي استعمله الجاهليون هو الذي أثمرت عنه تجارب طرائق العربية. هذه الأساليب لم نتبعها لأنها أساليب الجاهليين، لم نحاكِ الجاهليين، بل وجدنا أن مثلاً ما يقع من تقديم أو تأخير، أو حذف أو إثبات، أو تعريف أو تنكير، أو كناية على هيئة معينة، أو استعارة أو تشبيه بليغ، وجدنا أننا استعملنا الإسناد المجازي أو ما يسمى المجاز العقلي أو الحكمي، واستعملنا الخبر مكان الإنشاء والإنشاء مكان الخبر؛ كل هذه استعملناها لأنها أثمرت عنها تجارب العرب في بلاغة الدلالة مع أقل الألفاظ.
لأنها طرائق القدماء، ولهذا جاء عليها القرآن، ويجيء عليها كل من يحاول أن يقول شعراً دون أن يقصد محاكاة القدماء. ففرق بين المحاكاة عند الكلاسيكية لطبقة استعمال خصائص اللغة عندنا التي استعملتها طبقة الجاهلية، ولذلك ترون كل الذين يقولون الشعر من المتقنين على استعمال خصائص العربية، ترونهم يبينون المعاصرين.
ما الفرق بين المعاصر لما يأتي؟ انظروا نزار قباني ماذا يقول هناك. انظروا، هذه أبيات وقفت عليها من صفحة بعضهم أمس لنزار قباني في أول المطلع. ستفهمون ما أقصد، هذا مهم وليس استرضاءً. عندما تجد أي نص لنزار قباني على طريقة "قفي نشرب الشاي قليلاً" أو "نفعل كذا"، ويتكلم بلغة الشارع، باللغة المحكية كما نسميها، هذا ليس مذهباً في اللغة، هذا ترك الفصاحة، هذا ترك اللغة العالية.
فهذا أيضاً مما يفرقنا عن الكلاسيكية، وبهذا كله تعرف أن الذين يقولون نحن كلاسيكيون، ويقولون أنتم يا أبا قيس ومجموعته وكذا أنتم كلاسيكيون، هؤلاء لا يعرفون لا الكلاسيكية ولا العربية. العربية كما عرفنا، من أراد أن يراجع فليراجع الحلقة الماضية؛ العربية لا تحكم العقل في الموضوع، وإنما تحكم البيان في التراكيب.
بعد ذلك نحن وقفنا في الصفحة 15 عند عبارة: "ليحول دون النزاعات الفردية والعواطف الجياشة"، وقلنا هذا ليس مذهباً عربياً، وبذلك يخرج عمر بن أبي ربيعة ويخرج كل هؤلاء الذين قالوا في شعر لا ينظر إلى المجتمع من حيث المسؤولية الاجتماعية والحكم العقلي الاجتماعي إلى آخره.
يقول: "ونقاد الكلاسيكية كما أثبتوا هذا العقل في صانع الشعر، فأثبتوه كذلك في عملية التذوق". يعني أيضاً من يتذوق الشعر ينبغي أن يمشي على ذات المنهج، وهذا تسليط لقضية العقل. وكما أكد نقاد الكلاسيكية الجديدة دور العقل في عملية الإبداع الشعري، أكدوا دوره كذلك في عملية التذوق لدى القارئ. فالقارئ الذي يتذوق الشعر ويقدره حق قدره هو الذي تتوفر لديه سلامة التقدير والحكم إلى آخره، ثم اشترط الذوق المدرب الذي توفرت له المعرفة والخبرة العملية؛ أي أنه ذوق النموذج والمثال، ذوق القارئ المثقف واسع الاطلاع غزير المعرفة.
بعد ذلك يرجع كما يقول إلى النقطة الأساسية التي بدأ منها هذه الفقرة، وهي مبدأ محاكاة القدماء، وأكد على شيء؛ أن محاكاة القدماء، وهذا المذهب الذي سماه محاكاة القدماء، ينصب بالمقام الأول في الموضوع والمذهب الموضوعي والمعنوي. كما تعلمون أن هذه المحاكاة للطبيعة هي جوهر الشعر عند أرسطو، وأما محاكاة القدماء فهي ظل لمحاكاة الطبيعة. وهنا تحفظون هذا المصطلح الجديد يا إخوة، لأنه سيأخذ منا هذه المحاضرة على الأقل، وهو فكرة "محاكاة الطبيعة".
باختصار، وقبل أن أخوض، حتى تلموا بالموضوع: محاكاة الطبيعة في الأخير سننتهي إلى أنها المحاكاة الفنية للواقع والطبيعة الإنسانية. اكتبوا هذه العبارة؛ لأن ما يأتي الآن سيكون كالشرح لها: محاكاة الطبيعة التي ترونها في كتب مذاهب النقد وتُنقل عن أرسطو هي محاكاة فنية للواقع أو الطبيعة الإنسانية. لا يراد بالمحاكاة المعنى النسخ الحرفي، كأن ترى الطبيعة فتصفها؛ فإذا رأيت بيتاً جميلاً فوصفت البيت، ليست هذه هي المحاكاة الفنية. والطبيعة لا يراد بها الطبيعة الصامتة من أشجار أو جبال، بل يراد بها الواقع والطبيعة الإنسانية، يراد بها كل ما يقابل اللاواقعي أو غير الواقعي.
يقول هنا: إذا رجعنا إلى النقطة الأساسية التي بدأنا بها هذه الفقرة وهي مبدأ محاكاة القدماء، رأينا أن هذا المبدأ يفضي بالضرورة -هذا كلام دكتور شفيع السيد- إلى مبدأ محاكاة الطبيعة. هذا مبدأ يا إخوة، قاعدة؛ احفظوا كلمة "محاكاة الطبيعة"، وهذا الشرح الذي سيؤول إليه، وهي "المحاكاة الفنية للواقع والطبيعة الإنسانية".
الذي هو جوهر الشعر عند أرسطو هو مبدأ محاكاة الطبيعة. أرسطو عنده جوهر الشعر محاكاة الطبيعة، فما هي محاكاة الطبيعة؟ هي المحاكاة الفنية للواقع والطبيعة الإنسانية، يعني أنت مرتبط بالواقع والطبيعة الإنسانية تحاكيها محاكاة فنية. ولو حاكيت نفسك أو مشاعرك الذاتية وعواطفك الذاتية محاكاة فنية، أو حاكيت خيالاً لا يقع، هل هذا شعر عند أرسطو؟ عند الكلاسيكيين، أسألكم أنتم الآن معي: هل هذا شعر عند الكلاسيكيين؟
خالد شابان يقول لا، أنتم الآن فهمتم القضية كلها. لماذا؟ لأن جوهر الشعر عند أرسطو هو المحاكاة الفنية للواقع والطبيعة الإنسانية. وهذه الطبيعة كما سيأتي معنا إن شاء الله ستكون ملتزمة بما يعرف بالعقل ومبدأ اللياقة، والطبيعة ستتعلق كذلك بقضية الواقعية وعدم خرق العادة. ركزوا معي في الكلام جيداً؛ هذه محاكاة لأي شيء؟ ما المبدأ الذي تمشي عليه المحاكاة؟ يحكمها العقل وما يعرف باللياقة الأدبية، والأخلاق الدنيئة ليست من الشعر عند أرسطو.
نحن تعلمنا معك يا أبا قيس أن الشعر بيان، هذا عند العرب. تقلصت عندهم وظيفة اللغة، وكبر عندهم مبدأ المعنى والمسؤولية الاجتماعية؛ لأن اللغة ليست عالماً آخر كما عندنا. لذلك الذي يأتي بكلام الغرب، سواء من عهد أرسطو أو إلى آخر المذاهب، أنت تتكلم عن عالم آخر؛ عالم اللغة ليست حاضرة فيه نفس الحضور من عهد أرسطو، فكيف تقول نحن كلاسيكيون؟
هي الكلاسيكية يا رجل: محاكاة الطبيعة، المحاكاة الفنية للواقع والطبيعة الإنسانية، والمحاكاة والطبيعة تمشي على مبدأ العقل واللياقة الأدبية وعدم خرق العادة. كل هذا يأتي تحت محاكاة الطبيعة أو المحاكاة الفنية للواقع والطبيعة الإنسانية.
فالذي يأتي ويأخذ كلامهم وينزله على أدبنا العربي، كمن ذهب إلى محل طماطم وأخذ قوانينه وطبقها على صائغ جواهر؛ لا يمكن، هذا بالجرام وهذا بالامتار، ولا علاقة بينهما. الغرب لم ينازل زعماك في قضية اللغة كما هي عندك أصلاً. الأدب عند أرسطو يلتزم المعاني الجميلة والأخلاق العامة، فتقول له: ماذا لو عبر؟
بلغته العالية التي لغة أرسطو عن شيء جميل أو عن معنى قبيح في نفسه، فعبر عن كذا. أرسطو أصلاً إذا لم يخرج بعقله عن لغتك، وإذا لم يخرج بعقله المتفلسف إلى لغة غير لغته، سأقول لك ما فائدة هذا أصلاً؟ لأن فائدة اللغة ليست متصورة عنده؛ مساحة ما تفعله اللغة بخصائصها كما عندنا في العربية ليست حاضرة في عقل أرسطو.
ولهذا قال ابن سينا، ونقله عنه القرطاجني في «منهج البلغاء»: ابن سينا قال: «أرسطو المعلم الكبير لو أتيح له أن يعرف لغة العرب أو شعر العرب لكتب أكثر بكثير مما كتبه في كتاب الشعر، لكن لم يتحرّط، لم يرَ الوجوه التي عند العرب في البيان». هكذا قال ابن سينا، قال أرسطو لم يرَ وجوه الفن الشعري عند العرب، ولو كان علمها أو عرف بها لكتب أضعاف ما كتب في الفن الشعري.
افهموا هذا، لسنا كلاسيكيين ولسنا رومانتيين كما سيأتي مذهب الرومانتيكية، لكن الوجه الذي لسنا به رومانتيين أننا لا نلتزم في أدبنا العربي مسؤولية اجتماعية في تقدير الشعر، لا نلتزم مسؤولية اجتماعية تجاه المعنى حتى يكون الشعر حسنًا ونحكم على الشعر مبدئيًا.
كما قال الجرجاني بالنص: «ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر»، وكما قال أبو بكر الصولي قبلَه: «وما علمت أن كفرًا ينقص من شعر ولا أن إيمانًا يزيد فيه». هذا نقيض الكلاسيكية. لماذا قال الجرجاني والصولي هذا؟ هذا لأن عندهما لغة ينظران إليها، فلا يضر الموضوع كان ما كان.
لماذا قال أرسطو هذا؟ لأنه ليس عنده اللغة التي ترفع الضرر إذا وقعت بها الإبانة، فالنظر عنده للموضوع، عنده موضوع ومعنى، ليس عنده اللغة؛ طبيعة لغات غير العرب لا تسمح بهذا الاتساع الذي يجعل اللغة المسؤولية الوحيدة. ولهذا لما أراد الله تعالى أن يجعل الإعجاز في العرب، جعله في لغتهم؛ لأنهم أبرز قوم في اللغة، ولغتهم أكثرها وجوهًا.
حتى ذهب عبد القاهر وأبو بكر الباقلاني وغيرهما من العلماء إلى أن وقوع الإعجاز على طريقة المتكلمين؛ الآن وقوع الإعجاز في غير القرآن -الإعجاز اللغوي البياني في غير القرآن- غيره جائز عقلاً؟ مستحيل ممتنع عقلاً أصلاً؟ ليس أن الله لم يقضِ به ولم يقع أصلاً، بل لا يجوز أن يقع أصلاً، لا يمكن.
تعرفين المستحيل عقلاً؟ اجعليها سؤالًا: هل يجوز أن تكون متحركة ساكنة في نفس اللحظة؟ هي الآن متحركة، الآن ساكنة، هل تستطيع في ذات اللحظة أن تجعلها ساكنة متحركة؟ هل تستطيع أن تجعلها في نفس اللحظة لا ساكنة ولا متحركة؟ لا، هذا يسمى مستحيلاً عقلاً، هذا يسمى محالاً عقليًا، لأنهما نقيضان؛ لأن الفرق بين النقيضين والمختلفين والضدين هناك أربع علاقات يدرسها المناطقة وأهل الأصول الذين يدرسون مقدمات منطقية في العلاقات بين الأشياء: تناقض، تضاد، اختلاف، تماثل.
المتناقضان كالحركة والسكون لا يرتفعان ولا يجتمعان. المناطقة يفرقون بين هذه الأشياء بالاجتماع والارتفاع. المتضادان لا يجتمعان ولكن يرتفعان؛ كالأبيض والأسود، لا يكون الشيء أبيض وأسود في نفس الوقت، لكن قد يكون أصفر، فلا يجتمعان ولكن يرتفعان. أما المختلفان فيجتمعان ويرتفعان.
المتناقضان لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ يعني لا يمكن أن تقول هذا الآن ساكن متحرك في نفس الوقت، ولا يمكن أن تقول لا ساكن ولا متحرك. لا يمكن أن تقول ساكن متحرك، ولا يمكن أن تقول لا ساكن ولا متحرك؛ لأنهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. فاجتماع النقيضين وارتفاع النقيضين يسمى ممتنعًا، ويُوصَف بأنه ممتنع عقلاً وليس عادة.
فأنت لو قلت مثلاً: رأيت رجلاً أطول من النخلة، هذا ممتنع عادة، أما هل هو ممتنع عقلاً؟ العقل هل يمنع أن يكون رجلاً أطول من النخلة؟ هذا ممتنع عادة، طالما نظرياً ممكن، لكن هل يمكن لعقلك أن يتخيل هذا متحركاً ساكناً في وقت واحد؟ لا.
وهذا هو الذي استعمله القرطاجني وهو يتحدث عن طبقات الاختلاق؛ قال هناك طبقة فوق الاختلاق هي الاستحالة. يعني هناك استحالة، ثم هناك اختلاق امتناعي، ثم هناك إفراط امتناعي. الاختلاق الامتناعي والإفراط الامتناعي -بغض النظر عن رتبتهما في القبول العربي- كلاهما يتصور في الذهن؛ تتخيل رجلاً أطول من النخلة، تتخيل كائناً له أجنحة نسر ورأس أسد وذيل حصان، براحتك، هذا ممتنع عادة لا عقلاً، العقل لا يمنعه، إنما هذا ممتنع عادة وواقعاً، لكن العقل لا يمنع. إنما المستحيل هو أن تجمع بين الحركة والسكون في وقت واحد.
ومن هنا يسقط الحداثيون؛ لأنهم يحدثون علاقات في الكلام مستحيلة، فليس عندهم ما يتصور في الذهن فكلامهم لغو. ولذلك من أكثر الذين سقطت على أيديهم مذاهب الحداثة حازم القرني لما تكلم عن هذه المذاهب؛ لأن الحداثيين تجاوزوا الاختلاق المقبول نوع قبول إلى حد...
استحالة أن يختَرع أحد صيفًا أشد لزوجة من فخذيها، هذا مستحيل عقلاً؛ فليس الصيف هو الذي يُخترع، بل هو أعراض، والأعراض لا تتصف بالجواهر. لا نريد الدخول في علم الكلام أو مصطلحات المناطقة، فليس للصيف وجود مادي حتى يوصف بأنه لزج. وإذا قيل بل هو مجاز، فمجازك بعيد وغير واضح، فالحداثة سقطت برتبة الاستحالة في التخيل.
قال عبد القاهر وأبو بكر البقلاني: إن وجود إعجاز اللغة في الكتب السماوية السابقة ممتنع عقلاً. كيف ذلك؟ قد يأتي من يقول لك: أنت تريد أن تقول إن الله لا يستطيع أن يجعل التوراة معجزة في اللغة التي نزلت بها، أو يجعل الإنجيل معجزًا في اللغة التي نزل بها، أو يجعل الزبور والصحف معجزة باللغة التي نزلت بها. سؤالك غلط أصلاً، كأنك تقول: هل يستطيع الله أن يفني نفسه؟ هذه مغالطة في السؤال أساسًا، لأن كونه الله يمتنع عليه الفناء، فليس علينا حرج لو نفينا القدرة، لأن موضع القدرة ممتنع على كونه الله، فالسؤال غلط ومغالطة عقلية.
هل يستطيع الله أن يفني نفسه؟ هذا سؤال يحب أن يسأله السفسطائيون والتافهون. فإذا قلت: هل الله لا يستطيع أن يجعل التوراة والإنجيل معجزتين في لغتهما؟ نقول: هذا السؤال ممتنع عقلاً. يقول عبد القاهر وغيره كأبي بكر البقلاني: إن كون النص معجزًا من جهة اللغة يقتضي أن يكون على لغة تتفاوت فيها مراتب البلاغة، حتى تنتهي إلى آخر مرتبة من القدْر البشري ليكون بعدها مرتبة معجزة. أما اللغة التي لا تتفاوت فيها البلاغة إلا تفاوتاً يسيراً، فالقول بوجود الإعجاز فيها كالقول بالجمع بين الساكن والمتحرك أصلاً.
اللغة التي نزلت عليها هذه الكتب، كما يقول عبد القاهر، ليست لغة قابلة للتفاوت الذي هو شرط للإعجاز. أنت عندك إنسان يقول كلامًا عاديًا، وإنسان يقول كلامًا أبلغ، وإنسان يقول كلامًا شعريًا كجنون ليلى وقيس لبنى، ثم كالجاهليين وفرزدق والأخطل، ثم كالقرآن المعجز؛ فهذا تفاوت على نفس القانون لأن اللغة قبلت التفاوت. فإذا كانت اللغة تقبل التفاوت، فالقول بالإعجاز فيها ممتنع عقلاً كالجمع بين السكون والحركة في وقت واحد.
ولهذا قال عبد القاهر والبقلاني: أصلًا ممتنع عقلاً أن يكون الإعجاز في الكتب السابقة. قد يقول البعض: لا، بل الله لو أراد أن يفعل لفعل. الكلام غلط أصلاً؛ لو أراد الله أن يفعل لجعل لغتها تقبل الإعجاز ثم جعلها معجزة، لكن الله من الأول لم يجعل لغتها تقبل هذا. فالقضية عندنا قضية لغة بالمقام الأول، والله تعالى أنزل كتابه يتحدى العرب في قضية اللغة والبيان، وعندهم القضية ليست كذلك، ولذلك لم تكن كتبهم معجزة.
أرسطو قديم، بل هو أقدم من سيدنا عيسى عليه السلام وأقدم من الإنجيل، وأقدم بكثير من هراس الذي هو الثاني بعد أرسطو أيضًا، وكلاهما قبل الميلاد. فمحاكاة القدماء -وهو مبدأ محاكاة الطبيعة الذي هو جوهر الشعر عند أرسطو- يقول: إن محاكاة القدماء ظل لهذا المبدأ يلازمه ولا ينفك عنه، ويعني ذلك أن الشعر الكلاسيكي الجديد حين يحاكي هؤلاء القدماء إنما يحاكي الطبيعة ذاتها وإن كان بطريق غير مباشر.
ماذا نعني بمحاكاة الطبيعة؟ يقول: مبدأ المحاكاة والطبيعة يحتاج إلى مزيد بيان. والثابت يقيناً، كما يقول الدكتور شفيع السيد، أن أرسطو لم يكن يعنى بالمحاكاة نقل الطبيعة نقلاً حرفياً أو فوتوغرافياً، وإنما يعني تمثيلها. فالشاعر يصنع شيئاً ليس هو الطبيعة في ذاتها وإنما يمثلها. كذلك الحال فيما يتعلق بمعنى الطبيعة؛ لم يكن المراد الطبيعة الميتة بمعنى الحياة الساكنة أو مناظر الطبيعة الخارجية كما هو المفهوم الشائع لهذا المصطلح في وقتنا الحاضر، وإنما كان المراد الواقع بعامة، والطبيعة الإنسانية بخاصة.
الشعر عند أرسطو هو المحاكاة الفنية للواقع والطبيعة الإنسانية، والفنون جميعاً عند أرسطو قائمة على المحاكاة، سواء كانت موسيقى أو رسماً أو شعراً. أما الفنون العملية النفعية كالبناء والتجارة، فكل شيء هو محاكاة للطبيعة أو للواقع. ويقول: وعلى ذلك فالشعر محاكاة بمعنى تمثيل أفعال الناس ما بين خيرهم وشرهم، بحيث تكون مرتبة الأجزاء على نحو يعطيها طابع الضرورة أو الاحتمال في توليد بعضها من بعض. والشعر الحق عنده يتجلى في ثلاثة أجناس هي: المأساة، والملحمة، والملهاة (الكوميديا)، وهذا الشعر الذي يسمى الشعر المسرحي.
مبدأ المحاكاة أو محاكاة الطبيعة بهذا التفسير يؤكد أن مصدر العمل الفني ومرجعيتة هو الواقع الخارجي وليس ذات الشاعر. فهل ترون مبدأ أرسطو الكلاسيكي ينطبق على الشعر العربي عندنا؟ أنتم كلاسيكيون، فمرجعية العمل الفني هي الواقع الخارجي وليس ذات الشاعر. هل عندنا يمتنع الشعر عن ذات الشاعر؟ لا يمتنع عن ذات الشاعر؛ فامرؤ القيس معانيه ذاتية، وعنيزة، وعمر بن أبي ربيعة فرض علينا أن نعرف صويحباته من نعم وكلثم وهند إلى آخرهن.
حتى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فُرض عليه أن يسأل عن شعر هذا الفتى: ماذا أحدث هذا الفتى من الشعر لما سمع: أَمِن آلِ نُعْمٍ أَنتَ غادٍ فَمُبْكِرُ ؟ أعجب بها وحفظها وصار يسأل ماذا أحدث هذا الفتى من الشعر بعده؟ ولما لامه بعض أصحابه من أهل القرآن على حفظه هذه القصيدة، قال: أن نستجيدها؟ فَحَيِّيتُ إِذْ فَاجَأْتُهَا فَتَوَلَّهَتْ .. وَكَادَتْ بِمَخْفُوضِ التَّحِيَّةِ تَجْهَرُ وَقَالَتْ وَعَضَّتْ بِالبَنَانِ فَفَضَّحَتْنِي .. وَأَنْتَ امْرُؤٌ مَيْسُورُ أَمْرِكَ أَعْصُرُ أَرَيْتُكَ إِذْ هُنَّ تَخَفَّقْنَ وَقِيتَ .. وَحَوْلِيَ مِنْ عَدْوِكَ حَضْرٌ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي أَتَعْجِيلُ حَاجَةٍ .. سَرَتْ بِكَ أَمْ قَدْ نَامَ مَنْ كُنْتَ تَحْضُرُ ؟ فَقُلْتُ لَهَا بَلْ قَادَنِي الشَّوْقُ وَالهَوَى .. إِلَيْكِ وَمَا نَفْسٌ مِنَ النَّاسِ تَشْعُرُ فَقَالَتْ وَقَدْ لَانَتْ وَأَفْرَخَ رَوْعَهَا .. كَلَاكِ بِحِفْظِ رَبِّكِ المُتَكَبِّرُ
والأستاذ محمود شاكر يصف قصيدة صفي الدين الحلي بالقصيدة النبيلة؛ يقول قصيدته النبيلة، يعني في فن...
البيان الفخمة العظيمة التي يقول فيها: «سموتُ إليها بعدما نام أهلها»، أين النبل؟ هو هذا النبل؛ ما أنت فاهِمٌ معنى النبل! النبل يعني أن الشاعر يشحذ نفسه ويقدم مسؤولية لغوية أمام أمته، البيان قبل أن ينطق بكلمة. حتى إن الأمة لا تعنيه، بل يعنيها؛ كيف قال المسؤولية عندنا هكذا؟
ولهذا المسؤولية عندنا؛ لما نزل القرآن قال لهم: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23-24]. يعني القرآن لم يحدد لهم معنى، قال: ائتوا بمثلها في البلاغة، تعالوا؛ لأن القضية قضية بلاغة بلسان عربي مبين: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لِّعَلَّهُمْ يَتَّذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 28-29]، اللسان كما قال المفسرون.
فهمتم أيها الإخوة؟ فهمتم؟ فنعم نبيلة تلك التي قال فيها: «سموتُ إليها بعدما نام أهلها.. سموَّ حبابِ الماءِ حالًا على حالِ». هذا بيت بالدنيا طبعًا، فقالت: ألا إنَّ سباكَ اللهِ إنَّكِ فاضحي .. ألا ترى السمارَ والناسَ أحوالي؟ فقلتُ يمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا .. ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي حلفتُ لها باللهِ حلفةَ فاجرٍ .. لنامَ فما من حديثٍ ولا صالي فلما تنازعنا الحديثَ وأسمعَ .. حدٌّ هصرتُ بغصنٍ ذي شماريخَ ميّالِ
وشوف النبل الذي يأتي، شوف العظمة، وصلنا إلى الحسنى. والله ما في أداب الأمم من أولها إلى آخرها ما في فقه هذا البيت، الفقه الذي في فقه هذا البيت: وصُرنا إلى الحسنى ورِقَّ كلامنا .. وردَّتْ فذلَّتْ صَعْبَةً أي إذلالي.
هذا تشرحه في ساعة أو ساعتين، في مجلس كامل شرحته لكم في مدة طويلة من قبل، وليس الشرح الذي أريد. الحسنى هذا جوامع الكلم، وكلمة "صرنا" وحدها كتمت من معاني الفعل الطويل ما كتمت، ثم انتهى بك إلى جوامع الكلم ليطلق عقلك. يعني ماذا؟ أنا مع فتاة ظللت أراودها وألينها وأكلمها، وردت، فذلَّت صعبة أي إذلالي، فصرنا إلى الحسنى.
ورِقَّ كلامنا، ماذا ضمن كلمة رِقَّ؟ ما معنى رِقَّ كلامنا؟ صار ناعمًا رقيقًا. انظر ماذا يقول: "ورِقَّ كلامنا.. وردت فذلت صعبة أي إذلالي". فالقضية عندنا لغوية أيها الإخوة. انظر هنا يقول: مرجعيته هو الواقع الخارجي وليس ذات الشاعر، يعني الشاعر لا يقول من ذاته، ومشاعره الذاتية غير معتبرة.
تعالوا كلمة سريعة قبل أن نصل إلى الرومانتيكية؛ عرفتم لماذا الرومانتيكية انطلقت برد فعل عنيف حتى اعتبرت الشعر هو التعبير عن المشاعر الذاتية الشخصية تعبيرًا مباشرًا فياضًا؟ لأنها ردة فعل على الكلاسيكية. نحن عندنا من الأول لم نمتنع عن الواقع الخارجي ولم نمتنع عن ذات الشاعر؛ قصيدة أبي تمام قصيدة اجتماعية: «السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ»، قصيدة أبي تمام تتعلق بالواقع الخارجي ومسؤولية الخلافة التي فتحت عمورية. وقصيدة طرفة بن العبد ذاتية جدًا، فنحن لم نمتنع لا عن الشعر الواقعي الخارجي الذي يتعلق بالمجتمع وبأحوال الناس، ولم نمتنع عن الشعر الذاتي.
يا ابن الناس، أنا ناقد عربي الذي يعنيني تجيب لي قصيدة فيها بيان، بعد ذلك واقع خارجي، واقع داخلي، واقع فوق واقع، تحت واقع، على وشه، وقع على ظهره، وقع على جنبه.. مش قصتي، ليست قصتي، قصة البيان بس خلاص.
هم الكلاسيكية ألزمت الشاعر، ونصت على أن هذا أيضًا يلزم المتذوق أن يكون الحكم بالواقع الخارجي بما يقضي فيه العقل واللياقة كما سيأتي، ومنعت الشعر عن المشاعر الذاتية. هل نحن كذلك؟ لا، هل نحن كالرومانتيكية في حب المشاعر الذاتية والإغراق فيها على حساب اللغة؟ لا، فلا الرومانتيكية قضيتنا من الأول ولا الكلاسيكية قضيتنا من الأول، هم عندهم قضيتهم وعندنا قضيتنا. رأيتم لما كنت أقول لكم على طول سنين: كل ما حصل من تقلبات مذهبية فكرية في الوسط الغربي لا علاقة لنا بها، هذا بيان هذا بيانه.
بعد ذلك يقول: والشاعر لا يصدر عن ذاته وأعماقه الباطنة، ما جاءت الرومانتيكية انقلابًا عليه؛ "والشاعر لا يصدر عن ذاته وأعماقه الباطنة ولا يعبر عن مزاجه وحالته النفسية ولا يكتب سيرة حياته". أما ابن زيدون ماذا فعل في النونية؟ عند الكلاسيكيين ابن زيدون ولو كانت قصيدته في السماء لا قيمة لها؛ لماذا؟ أنا مالي بغربتك الذاتية، وأنا مالي بولادة بنت المستكفي التي مجننتنا ومفرقتنا وعمال تمدح فيها وتجيب لك، إحنا مالنا ما شأننا؟
يقولون: والشاعر لا يصدر عن ذاته وأعماقه الباطنة، ولا يعبر عن مزاجه وحالته النفسية، ولا يكتب سيرة حياته، وليس متصوفًا له رؤيته الخاصة التي يسبر بها أغوار الأشياء ويتخطى العالم المادي إلى عالم السمو والكمال المطلق. هذا كله تقييد لموضوع الشعر كما عرفتم عند الكلاسيكية، وليس هذا عند العرب.
يقول: هذا هو مفهوم المبدأ عند أرسطو، وجاء عليه نقاد الكلاسيكية الجدد لأن أرسطو الكلاسيكية القديمة جاء عليه نقاد الكلاسيكية الجدد وبدأوا يحللون فكرة محاكاة الطبيعة. واتفقنا على أن محاكاة القدماء هي وساطة لمحاكاة الطبيعة؛ ما محاكاة الطبيعة؟ للمرة المليون، الشعر محاكاة، وهذا في كل الفنون، محاكاة فنية للواقع والطبيعة الإنسانية خاصة؛ محاكاة الطبيعة هي المحاكاة الفنية للواقع والطبيعة الإنسانية.
يقول: إلا أن محاكاة القدماء عندهم لم تكن تعني تقليدهم تقليدًا أعمى، وإنما أباحوا لأنفسهم حرية الاختيار والتمييز بين النماذج التي يحاكونها، محتكمين في ذلك إلى شيئين: نبدأ الآن بالعقل واللياقة. شفت؟ نحن قلنا في نوع من اللياقة الأدبية، العقل واللياقة الأدبية بدأت تتضح تحت مبدأ محاكاة الطبيعة أو المحاكاة الفنية للطبيعة الإنسانية أو للواقع، وبدأت تتضح مذاهب الكلاسيكية في التزام الأخلاقيات والمبادئ العامة.
يعني عمر بن أبي ربيعة هذا عندهم مصلوب يسلبوه على طول، مش زي المسلمين؛ عالم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس يسمع إليه ويفسح له في المجلس، لا، ده عند أرسطو يُصلب من المتحضر! حاجة على الجنب كده من المتحضر. عندنا ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، أفسح لعمر بن أبي ربيعة، عندنا الإمام أبو عمرو بن العلاء صاحب القراءات السبع، إمام في الدين وإمام في...
يذهب العربي إلى بشار بن برد ويجلس بين يديه؛ لأنه يعلم أن ما عند بشار يخدم القرآن. ويعلم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس أن فصاحة عمر بن أبي ربيعة تخدم القرآن، ويعلم أن هذا شعر وهذا بيان عالٍ، فيفسح له ويسمع منه.
«أمن آل نعمن أنت غادٍ .. فمبكر غدواة أم رائح مهجع»؟ سمع القصيدة بالكامل في بضع وسبعين بيتاً. لماذا؟ لأن المذهب عندنا لغة. عمر بن أبي ربيعة عندهم يُصلب، وعند أرسطو وأتباعه من الكلاسيكية حتى الجديدة يُصلب؛ الكلاسيكية التي احتلت القرنين السابع عشر والثامن عشر كما عرفتم في أول مجلس. عمر بن أبي ربيعة عندهم يُسجن ويُصلب ويُضرب.
كيف تقول هذا؟ يقول لك: «اللغة مالي، بلغتك أنا مالي باللغة، هذا فن، أنا مالي باللغة؛ قل شيئاً يفيدني، قل شيئاً في التوراة أو في الإنجيل أو في الأخلاقيات». وإنما أباحوا -نعم- يقول: «محتكمين في ذلك إلى العقل واللياقة الأدبية». يحفظوا هذين؛ يحتكمون في محاكاة الطبع إلى العقل واللياقة الأدبية، وكلاهما مبدأ من مبادئ النظرية النقدية في الكلاسيكية الجديدة. أشرنا إلى أولهما الذي هو العقل، وسياتي الحديث عن الثاني بعد قليل.
يقول: «ولذلك نتيجة لذلك أثّر اللاتين على الإغريق، فأثّر فيرجيل على هوس، وسينيكا على سوفوكليس». بعد ذلك يتكلم عن مفهوم الواقعية، أما العنصر الأخير من المصطلح فهو الطبيعة. خلاص، عرفنا المحاكاة؛ المحاكاة الفنية التي يحتكم فيها إلى العقل واللياقة الأدبية، وسياتي الكلام عن اللياقة بعد قليل، والعقل تكلم عنه: العقل الجمعي، العقل الاجتماعي، العقل الحكيم الذي أثر فيه ديكارت بفلسفته العقلية المعروفة. لا تنسوا ديكارت لأنه يضبط لكم قضية العقل في هذا المفهوم. أما اللياقة الأدبية فسيتحدث عنها، وتعجيلاً يتعلق بالأخلاقيات والحفاظ على المبادئ العامة والنواحي الخيرة دون النواحي الشريرة.
أما الواقعية، فيقول: «أو الطبيعة». الطبيعة يعرفون السير، ولذلك أنا اختصرت لك الشعر عند أرسطو بأنه: «محاكاة فنية للواقع والطبيعة الإنسانية». فما هي الواقعية أو الطبيعة؟ يقول: كان مصطلح الطبيعة مثال خلاف كبير بين النقاد، فكثير منهم فسر الطبيعة بأنها الواقعية. ومنذ ظهر شرح الناقد الإيطالي كاستفترو لكتاب فن الشعر الذي أشرنا إليه من قبل، أصبحت الدعوة للطبيعية أو الواقعية هي السند الأساسي لقانون الوحدات الثلاث المسرحية.
احفظوا هذا أيضاً يا إخوة، الذي هو طبع الشعر المسرحي عند أرسطو ثلاثة: الملحمة، والمأساة، والملهاة. المأساة المعروفة بالتراجيديا، والملهاة المعروفة بالكوميديا، وطبعاً الكوميديا أخفهم عنده. الملحمة والمأساة والملهاة؛ هذه الأنواع الثلاثة شعر مسرحي، يعني جمهوري يقدم للجمهور. طب الشعر الآخر كالذي عندنا وعند بعضهم أيضاً يسمونه الغنائي؛ ولهذا بعض دكاترتنا يقولون: «شعرنا غنائي»، أنت مالك؟ هو لازم تبقى تبع لهم، أصل في شعر مسرحي ونحن شعر غنائي؟ أنت مش غنائي، أنت الشعر فقط، هذا شعرك، ما تقولش غنائي.
أحسنت يا خالد، والله خالد هذا ذكي، ما شاء الله، أخونا من السعودية، لم يكن يعيش في الخارج لكنه نبيه جداً وواضح أنه متابع ومدقق، يقول: «يشبه مذهب أهل المعاني عند العرب». أحسنت، هذا هو. الذين ذكرهم المرزوقي في المقدمة، ونعلم أنك أخذت من هناك، ذكرهم المرزوقي في المقدمة، ثم لما ذكر الفنيات كان ذلك إسقاطاً لهم صريحاً؛ لأن أهل المعاني لم يدخلوا في قضية الشعر، أو قضية عمود الشعر التي ذكرها المرزوقي، إذا لم يحسنوا لغة.
أحسنت، جيد. عندنا ما يسمى في الشعر المسرحي، الذي هو الملحمة والمأساة والملهاة، بشيء يسمى قانون الوحدات الثلاث، الذي هو الحدث والزمان والمكان. والزمان والمكان ولدهما الشراح والمتأخرون عن وحدة واحدة تكلم عنها أرسطو وهي وحدة الحدث. هم فسروا الطبيعة بالواقعية، يعني إيه الشعر الواقعي؟ يعني الاختلاق الامتناعي غير مقبول. تقول لي: «طب ما هو أنا الشعر القديم فيه خيالات». سياتي الآن.
إنهم أوردوا أن المتأخرين من الكلاسيكية الجديدة فسروا وجود الخرافات والأساطير عند القدماء إلى أنهم كانوا يعتقدونها حقيقة، لكن الشعر يلتزم بالواقع؛ الواقعية يعني الاختلاق الامتناعي غير مقبول. خلاص، أنا أربط لكم النقد العربي والمذهب الغربي: ما المقبول؟ الواقعية بلغة فنية واضحة عندهم. ليس لا نقول ليس عندهم لغة إبداعية، ولكن يلزمونك بأخلاق النبلاء والمشاعر الإيجابية الخيرة، وبالمعاني الواقعية؛ أقول لك أنت بتلعب بعقلي! خذ بالك، هناك مبدأ العقل الذي يحدد المسؤولية الاجتماعية، وعدم الواقعية في الشعر إخلال بمسؤوليتك تجاه العقل المعاصر.
هذا الكلام يصلح في دوائر التعليم، يعني مثلاً، إذا طلبوا مني أن أضع أبياتاً للشرح -بشرط الفهم لا الحفظ- في مدارس الأطفال في الابتدائية؛ أن تشرح لا أن تحفظ فقط. وإلا فكل من شاء، وهو بيرضع، يحفظ وهو في بطن أمه، شغل له المعلقات يحفظها، شغل له أبو نواس يحفظه. الذي سيشرح الطفل وقريب ليس عقله ناضجاً ليفصل بين موطن الفن وموطن التلقي للعمل والتعليم، وهو قريب الأخذ للتأسيس وللعلم.
أنا إذا طلبوا مني أبياتاً للشرح، سأقول: نلتزم المسؤولية الدينية والاجتماعية، سأختار أبياتاً في الحكمة جيدة، سأختار للمتنبي في عزة النفس، سأقرر باب الحماسة من ديوان الحماسة. طبعاً هذا مقام تعليم. أول ما يبدأ يتعلم الفن، هات الشياطين يا ابني، هات لي أبو نواس وهات لي امرأ القيس وهات لي الفرزدق، ما هي الجهة منفكة. خلاص، أول ما يبدأ يفهم الفرق بين الفن والتأسيس، الفن والاقتداء؛ هات يا ابني أبو نواس وخمريته، وهات الأخطل وكفريته، هات كل شيء، هات الفن بقى. أما الطفل الذي لا يميز بين الجهتين، فلا.
أنا عايز أبيات فيها فن وفيها معنى حسن، في المجرد معنى ديني، ائتني بأبيات المتنبي التي فيها عزة نفس، أو أبيات المتنبي التي فيها شكوى الزمان، لا بأس، ائتني بأبيات حكمة جيدة. ائتني بقول أبي فراس، وهذا نموذج: «ومُضْطَغِنٍ لَمْ يَحْمِلِ السِّرَّ قَلْبُهُ .. تَلَفَّتَ ثُمَّ اغْتَابَنِي وَهُوَ هَائِبُ» وانظر كيف قلل منه، انظر كيف الصورة الخسيسة للمغتاب الجبان. وكذلك قول أبي فراس: «بِمَنْ يَثِقُ الإِنْسَانُ فِيمَا يُنِيبُهُ».
ومن أين للحر الكريم صحبة؟ وقد صار هؤلاء الناس إلا أقلهم ذئابًا على أجسادهم. هذه ثياب مليئة بالفن والمعنى الحسن، هذا للأطفال. فهذا المذهب الكلاسيكي ممكن نراه في الأطفال، لكن هنا فن، لا ما ينفعش، أنت تكون هنا فن شعري لا يصلح عندنا.
عندنا مسؤولية لغوية، مسؤولية تتعلق باللغة نفسها، فهمتم؟ عندنا مسؤولية تتعلق باللغة نفسها. نعم، عندنا قانون الوحدات الثلاث: وحدة الحدث، وحدة الزمان، ووحدة المكان، يدخل تحت بند ماذا؟ تحت قسم ماذا؟ الطبيعة: محاكاة الطبيعة. يا إخوة لا يستصعبن أحدكم هذا، هذا درس أكاديمي في الأخير.
يقول والواقع أن أرسطو تحدث عن وحدة الفعل فقط، قلت هذا ونبهت إليه، خلاص، فكان حديث أرسطو عن وحدة الحدث واضحًا لا لبس فيه. حين قرر -اسمع كلام أرسطو- أن المأساة محاكاة، أو نقلة -بمعناه، أو هو بترجمة عبد الرحمن بدوي- أن المأساة محاكاة فعل تام له مدى معلوم؛ لأن الشيء لا يمكن أن يكون تامًا دون أن يكون له مدى، والتام له بداية ووسط ونهاية.
وحين أراد أن يضع قاعدة عامة لطول المسرحية، قال إن الطول الكافي هو الذي يسمح لسلسلة من الأحداث التي تتوالى وفقًا للاحتمال والضرورة أن تنتقل بالبطل من الشقاء إلى النعيم، أو من النعيم إلى الشقاء. وأخيرًا حين ذكر أن الخرافة محاكاة فعل، ولهذا يجب أن يكون الفعل واحدًا وتامًا.
أما وحدة الزمان والمكان فلم يرد ذكرهما صراحة عنده، وإنما استنبطها الشراح الإيطاليون من كلامه استنباطًا. وبدأ يعرض بعض المذاهب في هذا، تشدد البعض في وحدتي الزمان والمكان، فقال البعض لابد أن يحدد الفعل المسرحي بثلاث ساعات فحسب. وذهب البعض إلى التوفيق والتوسط، فأطال هذا الزمن إلى اثنتي عشرة ساعة، وبعضهم قال بل أربع وعشرون ساعة.
وبالنسبة للمكان، ذهبوا إلى أنه لا يتغير المكان بالنسبة للشخص الواحد مع بقاء الصورة أو المنظر المسرحي بحالته كما هو عليه، فالمنظر الواحد في المسرحية لا يمكن أن يمثل شيئين مختلفين. فإذا كان الناظر في أثينا، وانتقل الحدث منه إلى إسبرطة مثلاً، فماذا يحدث للمشاهد المسكين؟ أيتعين عليه أن يطير كساحر ويقطع أجواء الفضاء ليصل إلى هناك؟
شوف الواقعية عندهم، لازم تحكي لي واقع، الخيال ده لا؛ إذاً الاختلاق الامتناعي غير مقبول عندنا. لكن الاختلاق والافراط الامتناعي ليس بعيدًا عن القبول نوعًا ما عندنا، وإن كان الإفراط أخف. ليس غير مقبول من جهة أنه ليس حقيقيًا، بل من جهة أنه لا يبرز مكانة الشاعر؛ لأن الشاعر يستطيع أن يختلق ويشغل العقل بالاختلاق عن إتقان اللغة، أما إذا أتقن جيدًا فكذلك، والنابغة الذبياني يفعله.
كلام الكلب لما رأى واشق إقعاس صاحبه ولا سبيل إلى عقل ولا قود: قالت له النفس إني لا أرى *** طمعًا وإن مولاك لم يسلم ولم يصدي هذا اختلاق امتناع عند النابغة وهو جاهلي، وعنده قصيدته في الحية، حديث الحية وصاحبها الذي وعدها وغدر بها، وكذا هذا اختلاق امتناعي على طريقة اليونان أصلاً، وعلى طريقة الهنود في اصطناع القصص على لسان الحيوان، فهي عند النابغة الذبياني في شعر جاهلي.
والإفراط الامتناعي موجود عند المهلهل الأقدم من امرئ القيس: فلولا الريح أسكت أهل حجر *** صليل البيض تقرع بالذكور فهو موجود، لكن بشرط الإحسان والإتقان، لكن الإكثار منه علامة ضعف، ومرفوض عندهم.
أما المنظر الواحد فلا يمكن أن يمثل شيئين مختلفين، فإذا كان الناظر -المشاهدون الذين ينظرون إلى المسرحية- في أثينا كما يقول أحدهم وانتقل الحدث منها إلى إسبرطة، فماذا يحدث للمشاهد المسكين؟ أيتعين عليه أن يطير كساحر ويقطع أجواء الفضاء ليصل إلى هناك في طرفة عين؟ أم يتخيل نفسه في مكانين اثنين في وقت واحد؟
أما الشاعر العربي فإنه يجوب الزمان والمكان في قصيدة متوسطة فقط، انتقال هكذا، وقد يبقى في مكان ثاني، ويدخل في بيت واحد يكون في مكانين. يفضل أن تقرأوا بالتفصيل عن أي مبدأ الوحدات الثلاث وما قيل فيه وما اختلافهم في التفصيل. ويعني العقلاء منهم قالوا إن الأمر يحدد بكل مسرحية، فليكن التغير في الزمان والمكان أقل ما يستطيعه المؤلف المسرحي. كذلك وحدة الفعل معناها عدم تفكيك المسرحية بالحوادث العرضية والاستطرادات النافرة إلى آخره.
ثم يتكلم عن فكرة الاحتمال التي قالها أرسطو في الحدث لما قال: «سلسلة من الأحداث تتوالى وفقًا للاحتمال والضرورة». الاحتمال يعني احتمال الحدوث. يقول طور الكلاسيكيون مبدأ الاحتمال عند أرسطو لتطوير مفهوم الواقعية. يقول الدكتور شفيع السيد: «على أن النظرية الأدبية لدى الكلاسيكية الجديدة طوعت فكرة الاحتمال أو الأمر المحتمل التي ورد ذكرها عند أرسطو لفرض نوع من الطبيعة أو الواقعية يختلف عما سبق. لقد استخدم أرسطو فكرة الممكن المحتمل في مقابل ما وقع بالفعل أو الحدث التاريخي، وفرق بين الشاعر والمؤرخ على هذا الأساس».
فالمؤرخ والشاعر لا يختلفان في رأي أرسطو بكون أحدهما يروي الأحداث شعرًا والآخر يرويها نثرًا، وإنما يتميزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التي وقعت فعلاً (المؤرخ)، في حين يروي الآخر الأحداث التي يمكن أن تقع، وفسر الأشياء الممكنة بأنها ممكنة بحسب الاحتمال أو بحسب الضرورة.
تذكروا هذا، أرسطو استخدم فكرة الممكن المحتمل في مقابل ما وقع بالفعل من الحدث التاريخي؛ الممكن المحتمل مقابل ما وقع فعلاً. فالمؤرخ يروي ما وقع فعلاً، وأما الشاعر...
فيروي ما وقع، أو يأتي بفنية فيما وقع وما يمكن أن يقع. وإنما يتميزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التي وقعت فعلاً، في حين يروي الآخر الأحداث التي يمكن أن تقع، وفسر الأشياء الممكنة بأنها ممكنة بحسب الاحتمال أو بحسب الضرورة.
ثم جاء الكلاسيكيون الجدد واستخدموا فكرة الاحتمال في تقييد الفن بالواقع المألوف، واستبعاد الأحداث العجيبة والخارقة للعادة. إذا كان أرسطو استعمل فكرة الممكن في مقابل ما وقع فعلاً فقط، أي هذا وقع وهذا ممكن، فهم أخذوا كلمة الممكن التي تقابل عند أرسطو ما حصل فعلاً، وفرقوا فيها بين المؤرخ والشاعر، وقالوا هذا الممكن خلوه نقام عامة في الشعر، وإن الممكن هو الواقع الذي يقابل الخرافة والخرق للعادة.
احفظوا هذه العبارة من الكتاب: «ثم جاء الكلاسيكيون الجدد واستخدموا فكرة الاحتمال وسعوها في تقييد الفن بالواقع المألوف واستبعاد الأحداث العجيبة والخارقة للعادة»، تطبيقا لقول هرس: «فلتكن القصص التي أريد بها الانتفاع قريبة من الواقع قدر المستطاع، فليس لحكاية أن تطالبنا بتصديق ما نشتهيه أياً كان، فلا تستخرجن صبياً من بطن حية قد التهمته». فكرة بقى دخل وعاش في بطن الحوت سنين وعمل بيت وكوخ؛ ليس من حقك أن تقول هذا.
يقول: وإذا كان هؤلاء النقاد -الكلاسيكيون الجدد في القرن السابع عشر والثامن عشر- قد سلموا بالأساطير القديمة، فلم يكن ذلك في الغالب إلا لأن القدماء آمنوا بأنها حقيقة. قد تقول لي: ما عندهم أساطير؟ قلنا قبل قليل ما عندهم أساطير، هذا جاء لأنهم يعتقدون أنها حقيقة فقط. وبناء على هذا الفهم للطبيعة، وضعوا ما يسمى بالمبدأ الكلي أو النموذج الشامل.
يقول: «ولم يكن فهم محاكاة الطبيعة على أنها الطبيعية أو النقل الحرفي للواقع هو الخيط الوحيد في نسيج النظرية النقدية للكلاسيكية الجديدة، وإنما كان هناك خيط آخر يتمثل في فهم الطبيعة على أنها الطبيعة العامة». اسمع، هناك شيء آخر: الطبيعة العامة المشتركة، يعني ليست الطبيعة المحلية؛ أي ليس الشعر الذي يكون في خصوص أقوام معينين، بل هو طبيعة الإنسان التي تتجاوز المكان والزمان.
إذاً، الأخوة الذين يقولون نحن نريد معاني الواقعية هم كلاسيكيون في الحقيقة. هناك خيط آخر يقول شفيع السيد رحمه الله: «هناك خيط آخر يتمثل في فهم الطبيعة على أنها الطبيعة العامة»، بمعنى مبادئ الطبيعة ونظامها، وهذا قد يعني النموذج أو الكلية الذي يتصف بخصائص النوع الإنساني من حيث هو في كل زمان ومكان. ثم يقول: «وذلك يعني استبعاد كل ما هو من قبيل الصفات المحلية، وكل ما هو فردي ومادي خالص».
استبعاد كل ما هو من قبيل الصفات المحلية وكل ما هو فردي ومادي خالص، هذا كله داخل تحت مبدأ المسؤولية الاجتماعية وحكم العقل والتعقل في هذا الكلام على الشعر. أما في شعرنا، فلا يعنينا كل هذا؛ لا يعنينا المعاني المحلية عند العرب، يعنينا فقط أن نفهمها. ولذلك حتى قال محمود شاكر: «الشعر الجيد يقوله نصراني في عقائد قادة النصارى سيهتز له المسلم طرباً»، إذا قاله في لغة شاعرة تستحق أن يكون الكلام بها في مادة الشعر. فليس مرتبطاً عندنا حتى بالدين ولا بالأخلاق، محمود شاكر قال المسلم سيطرب لقصيدة النصراني إذا استعمل ألفاظاً من حق الشعر.
هنا استبعاد كل ما هو من قبيل الصفات المحلية وكل ما هو فردي ومادي خالص. نحن عندنا لا يعنينا لا الدين ولا الأخلاقيات، ولهذا مثلاً الأطلال عندنا استعملناها؛ بل ما ليس من محلنا، إذا فهمناه جاز لنا استعماله. نحن الآن نبكي على الأطلال في القاهرة، وهي عمارات تطلع، ونبكي على الأطلال عادي، مفهوم؟ إذاً ابكِ على الطلل كما تريد، واذكر الصحراء والشيء على الفحم أو على الأخشاب، ليست عندنا في الغالب مشكلة، المهم أن يكون تخييلياً ويؤثر وينهض بالنفس.
يعني مثلاً بدر الدريع يقول: فإن أنسى لا أنسى على الخيف وقفتي ... وجيبي مقدود ورأسي حاسر هذا منظر تمثيلي، ثم يقول: فما تقلب طرفك في السماء وما هذا المشيب ... وما شبت بي اللمَمُ ما في "لمم" عند بدر الدريع، هو دائما يحلق شعره، فالرومانتيكي يقول لك إن شعره يدل على أنه كانت له "لمم" -واللمم هو الشعر الذي يجاوز الأذنين- لكن هذا شعر تخييل.
هذا مبدأ النموذج الكلي الذي درسوه تحت مبدأ الطبيعة والواقعية. والواقعية هي الطبيعة التي استغرقنا فيها هذه الصفحات، يرجع إلى مبدأ اللياقة الذي هو الثاني بجوار مبدأ العقل في المحاكاة والحكم على الأشياء. أختم بهذا ليثبت في أذهانكم شديداً يقول:
وكان مطلب النموذج الشامل أو العالمي الكلي يونيفرسال على هذا النحو أساسًا لمبدأ آخر من مبادئ النظرية الكلاسيكية الجديدة، هو مبدأ اللياقة. مبدأ اللياقة الذي جاء بجوار مبدأ العقل الديكارتي في الأول، مبدأ اللياقة بمعنى الالتزام بأصول الأدب والسلوك الحسن.
أين هو الشعر العربي؟ أين هو الشعر؟ نحن عندنا مليطة وبزراميط، مليطة هذا يدخل الفساق في مجالسنا لكي يستمتعوا. عندما يقال لك أنتم كلاسيكيون، تقول: «اتنيل على عينك»، لأنك إذا قلت لهم أنتم كلاسيكيون، سيقول لك: والله ما أنت فاهم كلاسيكية ولا فاهم الشعر العربي. أين الكلاسيكيين هنا؟ أدي الكلاسيكية؛ مبدأ اللياقة بمعنى الالتزام بأصول الآداب والسلوك الحسن.
ومقتضى ذلك الامتناع عن تصوير الفضيع والقبيح والوضيع والدنيء. وفي هذا الإطار يقول أحد دعاة النظرية من الفرنسيين: إن على الشاعر أن يتجنب وصف خساسة الشح. هاتِ يا ابني: ألا هبي بصحنك فاصبحينا .. ولا تبقي خمور الأندرين مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها .. سخينة تجوز بذي اللبانة حتى يلين ترى اللحظ الشحيح إذا أمرت عليه .. لماله فيها مهينا صددت الكأس عنا أم عمر .. وكان الكأس مجراها اليمين وما شر الثلاثة أم عمر .. بصاحبك الذي لا تصبحين
وعشان ما نزعل كلاسيكية، نقول: «وأنا سوف تدركنا المنايا مقدرة لنا ومقدرنا». عندنا كل شيء وراء بعض في الأبيات، كل شيء وراء بعض على طول.
إن على الشاعر أن يتجنب وصف خساسة الشح، وشناعة الانغماس في الملذات، ورعب القسوة، ورائحة الفقر. وهو في هذا ينهل من معين هوراس الذي فرض على الشاعر ألا يدع الأحداث المرعبة في روايته تعرض على خشبة المسرح أمام الناظرين، وإنما يكتفي بروايتها لهم وإخبارهم بها فقط؛ قل لهم فقط، ولا تجعل الناس ترى الرعب والقسوة أمام الأعين؛ لقلوب الناس.
ومن مقتضيات اللياقة وآثارها الواجبة أن تحتفظ الشخصية التي تمثل نوعًا أو فئة من الناس بسلوكها الذي ينبغي لها؛ الملك ملك، والموظف موظف، وكذا، بحيث لا أحد يخالف شخصيته.
هذا المبدأ الذي كابر ابن شهيد الأندلسي في تطبيقه حين أراد التحطم من امرئ القيس بدافع ديني، فحاول إلباسه لبوس البلاغة. ابن شهيد لا يحب امرأ القيس دينياً، فقد كان عند طائفة من نقاد الأندلس اتجاه ديني أفلاطوني أرسطي، بما أنهم ينقدون عن طريق الدين، ولكن نقاد المشارقة ونقاد الأمة عبر التاريخ موضوعهم معروف.
فنقد ابن شهيد لامرئ القيس قال: وشعره هذا الذي يدخل الخدور وكذا وهو ملك، كيف هو ملك يفعل هذا؟ ثم كأنه انتبه إلى أن هذا سيؤخذ عليه، لأنه سيقال له: هذا نقد ديني وأخلاقي ومعنوي لا علاقة له بالشعر، وامرؤ القيس نتقبله شاعراً لا شيئاً آخر. فاستدرك وحاول الالتفاف فقال: وقد يقال لي، أو إذا قيل لي إن هذا نقد لا من جهة البلاغة، أقول: بل من جهة البلاغة؛ لأنه خالف مقتضى الحال، لأن امرأ القيس ملك وحاله أن يتكلم بمعاني الملوك.
يا أخوة، مقتضى الحال الذي يعرفه من درس عبد القاهر هو غرض النص في نفسه، غرض القصيدة، وليس الحال الذي الشاعر ملك أو غير ذلك. لو جاء شاعر وضيع، بواب أو سقاء، وقال قصيدة من حيث يرى نفسه ملكاً، نقول له: قصيدتك رديئة؛ لأن غرض القصيدة أن يظهر نفسه ملكاً فقد أصاب في القصيدة، أما حياته فلا علاقة لنا بها. هذه الكلاسيكية الجديدة يا إخوة، وهذا المبدأ الذي حاول أن يتعلق به قديماً ابن شهيد وأخفق، وفضح نقدياً في التاريخ.
من مقتضيات مبدأ اللياقة وآثارها الواجبة أن تحتفظ الشخصية التي تمثل نوعًا أو فئة من الناس بسلوكها الذي ينبغي لها. كل هذا لا علاقة لنا به في الشعر، حتى لو ظهر امرؤ القيس في القصيدة ملكاً يجوز له أن يخالف من باب الغريزة البشرية.
شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نلتقي الاثنين القادم إن شاء الله.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد